عودة مهرجان قرطاج إلى ينبوعه الأصلي

تنطلق دورته الجديدة غداً

من فيلم «في انتظار عودة الخطاطيف» - رشيد مشهراوي (إلى اليسار) خلال تصوير «كتابة على الثلج»
من فيلم «في انتظار عودة الخطاطيف» - رشيد مشهراوي (إلى اليسار) خلال تصوير «كتابة على الثلج»
TT

عودة مهرجان قرطاج إلى ينبوعه الأصلي

من فيلم «في انتظار عودة الخطاطيف» - رشيد مشهراوي (إلى اليسار) خلال تصوير «كتابة على الثلج»
من فيلم «في انتظار عودة الخطاطيف» - رشيد مشهراوي (إلى اليسار) خلال تصوير «كتابة على الثلج»

يُحسب لمهرجان «أيام قرطاج السينمائية» أنّه ثابر على تقديم السينما العربية والسينما الأفريقية بمنوال فريد من نوعه عبر سنواته الماضية جميعاً. الدورة الـ28 التي تنطلق يوم غد السبت في تونس العاصمة، تؤكد على أنّ المتغيرات السياسية داخل تونس البلد وخارجها، لم تنل من عضد وأهمية هذا اللقاء المتخصص والفاعل.
صحيح أنّ المهرجان غطس في الأعوام السابقة في بعض تلك المتاهات وحولها والتي صاحبت السنوات القريبة الصعبة للبلاد وأنّ آثار ذلك بدت على محياه. وصحيح أيضاً أنّ بعض المتعاقبين عليه عملوا على أساس نفض كل تاريخه وتوجيهه ليخدم غايات وبدائل غير واقعية، إلا أنّ ذلك ما يجعل الدورة الحالية تعد بأن تكون أفضل دوراته في السنوات العشر الأخيرة على الأقل.
إن لم يكن ذلك الوعد مطروحاً بسبب يقين التونسيين بأهميته، فإنه بالتأكيد مرتبط، وعلى نحو وثيق، برئاسة السينمائي المثقف نجيب عياد له. ليس فقط لأنّه خَبِر جوانبه عندما عمل فيه سابقاً، قبل أن ينطلق ويؤسس مهرجانه الخاص لاحقاً، بل لأنّ منهجه المعلن هو إعادة المهرجان لما كان يمثله ويجسده من طموحات السنوات الذهبية له، تلك التي امتدت طوال السبعينات والثمانينات عندما كان الأهم هو حشد الأفلام ومخرجيها العرب والأفارقة على نحو متكافئ وتقديم المهرجان كحدث مزدوج الطابع: هو محلي بصفته تونسياً يهدف لتعزيز كل ما تنضح به الثقافة والسينما من محاور ونقاشات ولقاءات، ودولي كونه الوحيد من نوعه بين مهرجانات العالم لإقامته مسابقة آسيوية - أفريقية مع الأخذ بعين الاعتبار أفلام من أميركا اللاتينية تعرض خارج المسابقتين الطويلة والقصيرة.
آباء وأبناء

يبدو نجيب عياد حذراً حين ينتقي تعريفه للمهرجان. هو مهرجان يضم أفلاما عربية - أفريقية كما كان دأبه دوماً، لكنّ التقسيم الجغرافي واضح في دلالاته، فنصف السينما العربية هي أفريقية تضم المغرب وتونس والجزائر ومصر. أمّا النصف الآخر فهو شرق آسيوي يمتد من لبنان وسوريا والأردن إلى الكويت والإمارات والمملكة العربية السعودية وسواها. لذلك فإن التعبير الشائع بأنّ مهرجان «أيام قرطاجة السينمائي» (الذي تُشرف عليه وزارة الثقافة التونسية)، هو مهرجان - عربي أفريقي وهو نصف واقعي بسبب وقوع تلك البلدان العربية في شمال القارة الأفريقية.
هذا العام هناك ثمانية أفلام عربية وستة من أفريقيا الداخل.
بعض الأفلام العربية شوهد في مناسبات أخرى مثل «الشيخ جاكسون» (مصر)، و«في انتظار عودة الخطاطيف» (الجزائر)، و«ضربة في الرأس» (المغرب)، و«قضية رقم 23» (لبنان)، و«على كف عفريت» (تونس)؛ لكنّ المهرجان هو العرض العالمي الأول للفيلم السوري «مطر حمص» ولفيلمين تونسيين هما «شرش» و«مصطفى زاد».
بالنسبة للفيلم السوري الذي انتهى العمل منه مطلع هذه السنة، فإنّ ما حدا بالمنتجة رحاب أيوب لتأجيله إلى حيث يعرض هذا العام في تونس، قام على أساسين كما تقول. الأول أنّ عدداً من الموزّعين الأجانب أرادوا إلقاء نظرة على هذا العمل ما توجب الانتظار قبل الإقدام على بدء عروضه، والثاني أنّ الفيلم الذي صوّر في العام الماضي دخل المونتاج مرّة أخرى لاختيار نسخة من 100 دقيقة عوض نسخته الأولى التي زادت قليلاً عن الساعتين.
وكانت المنتجة استقلّت بفيلمها هذا عن الانتماءات المعهودة. في الواقع كانت بدأته بشراكة مع مؤسسة السينما السورية، وهي مؤسسة حكومية، ثم اشترت حصة المؤسسة لتنفرد به كما تريد. والفيلم هو أفضل ما أخرجه جود سعيد من أعمال ويتميّز بحس شعري واضح خلال طرح أحداثه التي تدور، كأفلام أخرى سوريا حديثة، عن الواقع المعاش.
الفيلمان التونسيان غير المعروضين سابقاً يتداولان قضيتين اجتماعيتين. في «شرش» لوليد مطّار حكاية أب وابنه عاطلين عن العمل (قدّم الأول استقالته والثاني لا يعمل)، ويشتركان في حب صيد السمك. في الفيلم الثاني «مصطفى زاد» لنضال شطا حكاية أب يعايش التغيرات السياسية التي حدثت في تونس خلال مطلع سنوات الأمس القريبة، لكنّه على انفصام مع المواقف المعلنة والتيارات المختلفة كما مع ابنه وزوجته التي تلومه بسبب ما تراه من شخصية انهزامية لا تسعى لكي تلعب دوراً ما.
والعلاقة بين الأب وابنه، وهي عادة ما تكون متدهورة وتتبع نظاماً من القطيعة، متوفرة كذلك في الفيلم الآتي من بوركينا فاسو بعنوان «ولاي» لبيرني دبلات بينما تنتشر المواضيع المختلفة في عموم الأفلام الأفريقية، فهي عن ثلاث نساء وسجين في «الأسلحة الخارقة» (الكاميرون)، وعن مغنية حانات وضيعة تحاول إنقاذ ابنها من الموت في «فيليسيتي» (السنغال)، ثمّ عن رحلة تركبها المخاطر في «قطار الملح والسكر» (موزمبيق).
لكنّ هذا لا يعني أنّ كلّ مخرجي الأفلام الأفريقية غير العربية، هم من ذوي البشرة الأفريقية، إذ أنّ ثلاثة منهم هم من البيض ولو كانوا يعيشون ويعملون في دول أفريقية: بيرني غولدبلات، مخرج «ولاي» سويسري الأصل وجون ترينغوف، صاحب فيلم بعنوان «المتعلمون» أبيض من جنوب أفريقيا ونجد أنّ مخرج «قطار الملح والسكر» من تحقيق البرازيلي ليسينيو أزيفيدو.
تظاهرات موازية

واقع الحال أنّ السينما الأفريقية لا تعيش فترة مزدهرة على صعيد الأفلام الفنية. تلك التي من شأنها إعلاء اسم المخرج والبلد المنتِـج. وما نسمعه من نيجيريا مثلاً هو أنّ نتاجها السينمائي عبارة عن كتل من أفلام الفيديو السريعة التي تشبه، في أفضل حالاتها، موضة سينما المقاولات في الثمانينات في مصر.
الحال أفضل بالنسبة للسينما العربية في مختلف أرجائها واختيارات نجيب عياد تدل على وعيه الفني الجيد. لجانب الأفلام التونسية الثلاثة والفيلم السوري، فإنّ نطاق الفيلم المصري محدود بفيلم واحد هو «الشيخ جاكسون» لعمرو سلامة، واللبناني واحد أيضا («القضية 23»)، وهناك فيلمان مغربيان هما «ضربة في الرأس» لهشام العسري، و«ليلي» لفوزي بن سعيد.
فيلم الافتتاح هو للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي. جديده بعنوان «كتابة على الثلج» ويتناول أحداث الحرب في غزة قبل بضع سنوات مبيناً في اتجاهات الفلسطينيين المتناقضة. إنّه المشروع الذي كتبه المخرج متأنياً. عجنه وخبزه ثم أعاد عجنه وخبزه حتى حققه على النحو الذي يرضيه. وهو الفيلم الذي، بناءً على حوار سابق، يريد عبره فتح صفحة جديدة من صفحات مهنته.
هناك فيلم فلسطيني آخر عنوانه «خارج الإطار أو ثورة حتى النصر» لمهند اليعقوبي، وهو تسجيلي كحال الفيلم اللبناني خارج المسابقة «ميل يا غزيل» لإيليان الراهب. كلاهما يتحدث عن التاريخ. فيلم اليعقوبي هو أرشيفي عن الفترة الثورجية التي صاحبت العمل الفلسطيني في السبعينات. «ميل يا غزيل» هو عن لبنان المرتبط بالحرب الأهلية في الذاكرة وبالحرب السورية في الواقع الحاضر.
فيلم مصري آخر في هذه العروض هو «أخضر يابس» لمحمد حماد، كما يعرض فيلم مغربي (ثالث) هو «عرق الشتا» لحكيم بلعباس.
في هذه الدورة الـ28. العدد الكافي من التظاهرات الأخرى. هناك ثلاث مسابقات أخرى: مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة (14 فيلماً)، ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة (15 فيلماً)، ومسابقة الأفلام الروائية المتوسطة (ثمانية أفلام).
كذلك يزدان المهرجان بعروض أخرى في تظاهرات موازية أهمّها، كما يبدو، تظاهرة «السينما الواعدة» المخصصة للأعمال الأولى لمخرجيها. هنا نجد فيلماً للعراقي أمير البصري بعنوان «كابتن عادل»، و«رحلة سيئة» للبناني جورج حازم، و«ندى» للمصري عادل يحيى، والمغربي «يوميات السفاح» لوليد أيوب، وثلاثة أفلام تونسية هي «أكواريوم» ليوسف صنهاجي، و«كاتم الصمت» لأسامة عزي، و«1999» لهيثم سكوحي.


مقالات ذات صلة

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز