الأبعاد الأوروبية لأطماع كاتالونيا الانفصالية

بوتشيمون يواجه مذكرة توقيف أوروبية

بعض اعضاء الحكومة الكاتالونية المقالة لدى توجههم الى المحكمة العليا في مدريد أمس (رويترز)
بعض اعضاء الحكومة الكاتالونية المقالة لدى توجههم الى المحكمة العليا في مدريد أمس (رويترز)
TT

الأبعاد الأوروبية لأطماع كاتالونيا الانفصالية

بعض اعضاء الحكومة الكاتالونية المقالة لدى توجههم الى المحكمة العليا في مدريد أمس (رويترز)
بعض اعضاء الحكومة الكاتالونية المقالة لدى توجههم الى المحكمة العليا في مدريد أمس (رويترز)

حاول الانفصاليون الكاتالونيون الاحتماء وراء المظلة الأوروبية في ذروة معركتهم السياسية مع مدريد، لكنهم لم يلقوا الاستقبال الذي كانوا يتوقّعونه. فبعد ساعات من إعلانه عن «جمهورية كاتالونيا»، غادر رئيس الإقليم المقال كارليس بوتشيمون وعدد من «وزرائه» برشلونة إلى بروكسل، مثيرين قلق السلطات البلجيكية والدول الـ27 الأخرى.
وسارع رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال إلى نفي إشاعات حول دعوة بلاده للقادة الانفصاليين أو استعدادها لمنحهم اللجوء السياسي. وأوضح ميشال أن بوتشيمون سيلقى المعاملة المخصصة للمواطنين الأوروبيين «لا أقل ولا أكثر»، على حد قوله.
ورفع بوتشيمون، في مؤتمره الصحافي ببروكسل الذي لم تسمح السلطات البلجيكية بعقده في مبنى حكومي تفادياً لإعطائه صبغة رسمية، اللُّبس عن هدف وجوده في العاصمة البلجيكية. وقال: «وجودنا هنا لا علاقة له بالسياسة البلجيكية، نحن هنا لأن بروكسل هي عاصمة أوروبا». وحقيقة الأمر أن الانفصالي الكاتالوني أضفى صبغة أوروبية على أسوء أزمة تعيشها إسبانيا منذ عقود، بمجرّد ما حطّت طائرته في المطار نفسه الذي ينزل فيه قادة الاتحاد الأوروبي لعقد قممهم الدورية.
وخلال ساعات، قد تتلقّى بلجيكا مذكرة توقيف أوروبية، يصدرها القضاء الإسباني بحق بوتشيمون والمسؤولين الانفصاليين الذين رفضوا المثول أمام المحكمة الوطنية في مدريد، أمس. وقد طالبت النيابة العامة الإسبانية، أمس، القضاء بإصدار مذكرة توقيف أوروبية بحق رئيس إقليم كاتالونيا المُقال كارليس بوتشيمون وأربعة من أعضاء حكومته المقالة كذلك بعدما رفضوا العودة إلى مدريد للتحقيق معهم، وفقاً لما أعلن مصدر قضائي. واستبق محامي بوتشيمون هذه الخطوة، أول من أمس، عندما أكد في تصريحات صحافية أن موكّله سيستأنف أي طلب تسليم للسلطات الإسبانية، غير مستبعد إمكانية بقائه في بلجيكا بصفته «مواطناً أوروبياً» معرّضاً لمحاكمة غير عادلة في بلاده.
وقد أكد القاضي الإسباني كارلوس ليسميس، أمس، أنه إذا لم يمثل زعيم كاتالونيا المقال أمام المحكمة، فإن الإجراء الطبيعي هو إصدار أمر اعتقال بحقه. وأضاف: «عندما لا يمثل شخص بعد أن استدعاه قاضٍ للشهادة في إسبانيا، أو أي دولة أخرى بالاتحاد الأوروبي، فالطبيعي هو إصدار مذكرة اعتقال». من ناحية أخرى، عاد محامي بوتشيمون البلجيكي بول بيكارت، الذي اشتهر بالدفاع عن انفصاليين من إقليم الباسك ضد أمر تسليم إسباني، للتأكيد على أن الزعيم المقال مستعد للتعاون مع السلطات الإسبانية والبلجيكية رغم عدم مثوله أمام المحكمة.
وأوضح لوكالة «رويترز»: «الأجواء ليست جيدة. من الأفضل البقاء بعيداً بعض الشيء». وأكد: «سيتعاون بوتشيمون مع القضاء الإسباني والبلجيكي إذا طلبا ذلك». وكان بيكارت قد اقترح قبل يومين أن يدلي بوتشيمون بشهادته من بروكسل.
وفي الوقت الذي يبحث فيه بوتشيمون خياراته من العاصمة البلجيكية، طلبت النيابة العامة في مدريد المحكمة بسجن جميع الوزراء السابقين في حكومة كاتالونيا المقالة احترازياً، حتى صدور الحكم النهائي بحقهم. ومن بين الأعضاء الـ14 في الحكومة المُقالة الذين تم استدعاؤهم للمثول أمام القضاء، خمسة لم يلبوا نداء المحكمة هم كلارا بونساتي (وزيرة التعليم)، أنطونيو كومين (وزير الصحة)، لويس بويغ (وزير الثقافة)، ماريكسال سيريت (وزير الزراعة) وبوتشيمون. إلى ذلك، طلب المدعي العام الإسباني أن توجه إليهم جميعاً تهم اختلاس الأموال العامة والعصيان والتمرد. وقد تصل العقوبة القصوى للتهمتين الأخيرتين إلى السجن لمدة تتراوح بين 15 و30 عاماً. ويتّهمهم المدعي العام كذلك بـ«تشجيع حركة عصيان في صفوف الشعب الكاتالوني، في مواجهة سلطة مؤسسات الدولة الشرعية لتحقيق هدف الانفصال»، متجاهلين قرارات القضاء وأولها القاضي بمنع تنظيم استفتاء تقرير المصير في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
يُذكَر أن الوزير الكاتالوني الوحيد الذي لم يشمله طلب السجن الاحترازي هو سانتي فيلا المكلف سابقاً شؤون التجارة، واستقال من حكومة بوتشيمون بعدما قرر الأخير عدم الدعوة إلى انتخابات مبكرة. ورشّح فيلا نفسه، أول من أمس، لتمثيل الحزب الديمقراطي الأوروبي الكاتالوني في الانتخابات المبكرة، مقدّما نفسه كـ«صوت معتدل». كما انتقد فيلا «سذاجة» زملائه السابقين، وأكد أن كاتالونيا لم تكن جاهزة بعد للعمل جمهورية مستقلة. وأوردت صحيفة «إل باييس» الإسبانية أنه قد يتوجب على فيلا دفع ما يصل إلى 50 ألف يورو، إذا أراد الإفلات من السجن الاحترازي.
وأدان بوتشيمون من مدريد بـ«المحاكمة السياسية»، وعرض في بيان خطة لتقسيم حكومته. فكتب أن البعض سيمثل أمام المحكمة الوطنية «مندداً بإرادة القضاء الإسباني ملاحقة أفكار سياسية»، أما الآخرين فـ«سيبقون في بروكسل للتنديد أمام المجتمع الدولي بهذه المحاكمة السياسية»، كما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وكان أول الواصلين إلى المحكمة الوطنية، المسؤول الثاني في الحكومة الكاتالونية أوريول يونكيراس، تبعه ثمانية وزراء آخرين، فيما تظاهر عشرات الأشخاص على مسافة، هاتفين باللغة الكاتالونية: «لستم لوحدكم»... فيما هتف آخرون: «اسجنوهم».
في غضون ذلك، مثلت رئيسة البرلمان الكاتالوني كارمي فوركاديل، بالإضافة إلى خمسة نواب كاتالونيين أمام المحكمة الإسبانية العليا المجاورة، المختصة بقضيتهم بسبب امتيازاتهم البرلمانية. وأعلنت المحكمة العليا إرجاء جلسة الاستماع إلى 9 أكتوبر بناء على طلب وكلاء الدفاع. ولم يتمّ تحديد سبب هذا التأجيل، لكن المحامين فوجئوا بمدة التأجيل القصيرة.
وتعليقاً على ذلك، قال إنريك فيلا الكاتب في صحيفة «إل ناسيونال» الكاتالونية: «لطالما كانت المحاكم الإسبانية قاسية تجاه الكتلان». واستُشهِد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بمقولة أحد أشهر رموز الانفصال في الإقليم رامون ترياس فارغاس بعد أن انتهى حكم فرانكو الديكتاتوري: «عندما لا تستطيع المحاكم الإسبانية إصدار أحكام الإعدام في حق (القادة الكاتالونيين)، فإنهم يسجنونهم».
ولا يشاطر ألفونس تينا، النائب السابق في البرلمان الكاتالوني والمحامي الداعم للاستقلال، رأي فيلا. واعتبر تينا أن رفض بوتشيمون المثول أمام المحكمة رغم استدعائه وعودة بعض وزرائه إلى برشلونة، أعطى المدعي العام سبباً قوياً للطلب بالسجن الاحترازي للانفصاليين، تفادياً لـ«هروبهم إلى بلجيكا على غرار زعيمهم»، على حد قوله. ورأى فيلا بدوره أن بوتشيمون اختار البقاء في بروكسل «لحماية نفسه لا شعبه»، لافتاً إلى أن «معظم القادة الكاتالونيين السابقين ذهبوا إلى المنفى أو سجنوا لأسباب مختلفة، فيما حكم على آخرين بالإعدام في عهد فرانكو»، وفق تعبيره.
من جانبه، ندّد رئيس كاتالونيا الأسبق ارتور ماس، الذي تزعّم الإقليم من 2010 حتى 2016، بالملاحقات القضائية، وقال إنها تُسهِم في تنامي شعور الظلم في كاتالونيا. وأضاف في تصريحات إعلامية أنه «يجب حل الأزمة بالسياسة، لا عبر المحاكم»، وتابع: «إذا نظرتم إلى استطلاعات الرأي الأخيرة، فستستنتجون أن الشعور والرغبة بالاستقلال يكبران في بلدنا، كاتالونيا».
في هذه الأثناء وعلى بعد ألفي كيلومتر من برشلونة، طلبت لجنة في مجلس مدينة دبلن الآيرلندية رفع العلم الكاتالوني في مقر المجلس لمدة شهر، تعبيراً عن تضامن الآيرلنديين مع الكاتالونيين. ولا يمثّل هذا المطلب الآيرلندي إلا نموذجاً بسيطاً عن الدعم الذي يلقاه الكاتالونيون في مختلف أنحاء أوروبا. فقبل أيام من فرض مدريد وصايتها على الإقليم الانفصالي، عرض فرنسيون في مدينة بربينيون (ذات هوية كاتالونية متجذرة) استقبال الانفصاليين ومنحهم اللجوء، فيما رحّب حزب الائتلاف الفلامندي الداعم لعملية انفصال تدريجية لإقليم فلاندر من بلجيكا، الذي يشارك حالياً في الائتلاف البلجيكي الحاكم، ببوتشيمون ووزرائه، الاثنين الماضي.
بيد أن علو الأصوات الانفصالية، خصوصاً منها الداعية للديمقراطية واحترام حقوق الأقليات، لم يُظهر قادة الاتحاد الأوروبي أي تعاطف تجاه التماس بوتشيمون، واعتمدوا موقفاً موحّداً قاضياً بدعم مدريد ضد أي إجراء أحادي الجانب وغير دستوري. ولخّص جون كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، موقف الاتحاد عندما قال: «الاتحاد الأوروبي ليس بحاجة إلى المزيد من الانشقاقات». وأضاف: «الاتحاد لن يتدخّل في شأن إسباني داخلي، لكننا لا نريد أن يصبح عدد أعضاء (الاتحاد الأوروبي) 95 في المستقبل»، في إشارة إلى تنامي الحركات الانفصالية داخل أوروبا.
وردّ النائب في البرلمان الأوروبي والداعم للاستقلال، جوردي سولي، إن موقف الاتحاد الأوروبي ومؤسساته وحكومات الدول الأعضاء «خيّب ظن الكاتالونيين». وأضاف سولي أن مبادئ الاتحاد الأوروبي «والتكامل الاقتصادي بين أعضائه هو ما سمح لأقاليم مثل كاتالونيا بالحديث عن الاستقلال من موقع قوة»، متابعا أن «الاتحاد الجمركي ومسح الحدود خفّفا العبء الاقتصادي الذي قد يترتّب عن الاستقلال».
إلا أن هذه الفكرة «الرومانسية» عن الاتحاد الأوروبي، كما وصفتها صحيفة «نيويورك تايمز»، ليست مطابقة لواقع اتحاد يشهد تنامي التيارات القومية واليمين المتطرف نتيجة أزمات الهجرة ومستويات دين خارجي مرتفعة وتهديد الإرهاب. وبات الأعضاء الـ28 في الاتحاد يولون أهمية أكبر لحدودهم خلال السنوات الماضية، وتحوّلت مراقبة الحدود من خطوة منبوذة داخل الاتحاد الأوروبي إلى عملية روتينية، حتى إن بعض الدول مثل النمسا وسلوفينيا أقامت أسيجة حدودية لمنع لاجئين من دخول أراضيهم.
ويجوز القول إنه لا مكان للحركات الانفصالية في اتحاد أوروبي يواجه اليوم انسحاب أحد أهم أعضائه (بريطانيا)، سواء تعلّقت بكاتالونيا في إسبانيا أو اسكوتلندا في بريطانيا، أو فلاندر في بلجيكا أو كورسيكا في فرنسا أو حتى فينيتو ولومباردي في إيطاليا. أما الانفصاليون، فمنقسمون بين فكرة البقاء ضمن اتحاد أوروبي كبير جامع لكل الانتماءات، أو الاستقلال ومحاولة إدارة شؤونهم بمعزل عن الحكومات المركزية والمؤسسات الأوروبية.
ويرى ليونيد بيشيدسكي، في مقال نشره موقع «بلومبيرغ»، أنه رغم الخطاب القوي الداعم للاستقلال في مختلف هذه الأقاليم، ما يريده الانفصاليون في الحقيقة هو حكم ذاتي وحرية إدارة شؤونهم، لا استقلال فعلي. أما فيلا، فجزم عند سؤاله عما إذا كان يفضّل البقاء جزءاً من الاتحاد الأوروبي: «أفضل الاستقلال وتأسيس كاتالونيا حرّة ولو كانت ديكتاتورية، على البقاء ضمن أوروبا «ديمقراطية» تطمس هويتي. ففي كاتالونيا مستقلة، أستطيع المطالبة بالعدل والديمقراطية، أما بقائي في إسبانيا يضمن ألا تُستجاب مطالب الكاتالونيين يوماً». واستدرك بالقول: «إذا كان الاتحاد الأوروبي مستعداً لاحترام حقوق الشعوب جميعاً، واحترام إرادتهم، آنذاك سأفضل البقاء ضمنه».



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».