موسكو تراهن على مؤتمر سوتشي... وأنقرة ترفض حضور الأكراد

«الهيئة التفاوضية» المعارضة لا تريد المشاركة... ومجموعتا موسكو والقاهرة مستعدتان للحضور

قاذفة روسية تقصف ريف دير الزور أمس (أ.ب)
قاذفة روسية تقصف ريف دير الزور أمس (أ.ب)
TT

موسكو تراهن على مؤتمر سوتشي... وأنقرة ترفض حضور الأكراد

قاذفة روسية تقصف ريف دير الزور أمس (أ.ب)
قاذفة روسية تقصف ريف دير الزور أمس (أ.ب)

رغم إعلان فصائل سورية معارضة ورفض أنقرة مشاركة جهة كردية، فإن روسيا ما زالت تعلق الآمال وتنوي بحث مشاركتهما مع القوى الدولية والإقليمية للتأثير على موقفيهما.
وقال سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي في تصريحات أمس، إن روسيا لا تعد رفض «الهيئة العليا للمفاوضات» قراراً نهائياً، وأضاف: «نواصل بحث هذه المسألة، ونعمل مع جميع الأطراف المنخرطة»، ووصف موقفها بأنه «نوع من إشارة ما، سبق أن صدر مثلها من جانب المعارضة المتعنتة في مواقف مختلفة»، وعبر عن قناعته بأنه «بالتعاون مع تلك القوى التي لها نفوذ حقيقي على المعارضة، سنتمكن رغم كل شيء من التحرك بالاتجاه الذي من الواضح أنه يأخذ بالحسبان تلك البدايات التي تمت صياغتها في جنيف، خلال الجولات السابقة من المفاوضات».
وأعلن قدري جميل، أمين «حزب الإرادة الشعبية»، رئيس «منصة موسكو» عن موقفه من المؤتمر في بيان رسمي قال فيه إنه لم يتلق دعوة رسمية للمشاركة في المؤتمر، وأطلق عليه صفة «ملتقى»، موضحا أن كل ما بلغه هو «ما نشر على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الروسية، حيث تضمنت القائمة المنشورة اسم الحزب والجبهة»، لذلك يرى أنه «من المبكر تحديد موقف نهائي من المؤتمر»، مؤكداً «دعم أي خطوة حوارية من شأنها أن تساهم في دفع العملية السياسية إلى الأمام، استناداً إلى القرار (2254) ومسار جنيف». وقال جميل إنه كان يفضل عقد المؤتمر على الأراضي السورية، دون أن يمانع في الوقت ذاته «عقده في أي مكان آخر في حال توفرت الظروف المناسبة له».
ورحبت «منصة القاهرة» بالدعوة الروسية لعقد المؤتمر في حال كان سيؤدي إلى انتقال سياسي في سوريا. وقال فارس الخالد، عضو المنصة في حديث لوكالة «ريا نوفوستي» أمس: «نحن مع أي مؤتمر يجري لتحقيق الانتقال السياسي، والعمليات بموجب القرارين الدوليين (2254) و(2118)، وبياني جنيف الأول والثاني، وغيره من وثائق ذات صلة». وفي وقت سابق قال أحمد الجربا رئيس «تيار الغد السوري» إنه على المعارضة الجلوس مع الحكومة السورية للوصول إلى حل سياسي للأزمة في البلاد. وأشار إلى فرص لحل الأزمة السورية، داعيا إلى تقبلها، وعبر عن تأييده مؤتمر الحوار الوطني الذي تدعو إليه روسيا، وقال إنه سيكون داعما لمفاوضات جنيف، مشيرا إلى أن «كل مكونات الشعب السوري ستشارك فيه».
رفض معارضين
ومع تأكيدها أنها لم تتلق دعوة إلى «مؤتمر سوتشي» وأنه لم يكن الحديث حوله في اجتماع آستانة إلا شفويا، قال محمد علوش عضو «الهيئة العليا للمفاوضات» والقيادي في «جيش الإسلام» أمس: «الثورة ترفض هذا المؤتمر. هو بين النظام والنظام»، مؤكدا أن «الهيئة العليا تفاجأت بذكر اسمهم في قائمة الدعوة».
وقالت مصادر في وفد المعارضة إلى آستانة لـ«الشرق الأوسط»: «كل الوفود التي التقينا بها في آستانة تطرقت إلى مؤتمر الحوار الوطني من دون دعوتنا بشكل رسمي، وطالبنا توضيحات حوله مع التأكيد على ثوابتنا التي ترتكز على أن يكون بتنظيم وتنسيق الأمم المتحدة وتحت سقف (جنيف1) لتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات لا مكان فيها لرئيس النظام بشار الأسد».
من جهته، رأى المتحدث باسم «الهيئة العليا» التفاوضية رياض نعسان آغا أن كل المعطيات تشير إلى تخبط روسي، لا سيما أن هناك تناقضا بين التصريحات بشأن المؤتمر الذي كان قد أعلن أنه سيعقد في حميميم ومن ثم في سوتشي، كما أنه بعدما أعلنت الدول الضامنة الموافقة على بحثه في جولة جنيف، عادت موسكو ونشرت لائحة المدعوين ومعظمهم من المجموعات المحسوبة على النظام وأكثر من 18 منها مقرها في دمشق. وسأل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أمس: «كذلك كيف يحدّد موعده في 18 من الشهر الحالي ومؤتمر جنيف الذي كان يفترض أن يبحثه يفترض أن يعقد في 28 منه؟»، مضيفا: «الهدف الروسي الأول والأخير هو الضرب بالانتقال السياسي عرض الحائط واستبدال الحكومة الموسعة به، وهو ما لم ولن نقبل به، وأي طرف أو جهة تقرّر المشاركة فستكون مشاركتها بصفة شخصية».
من جهته، أكد جورج صبرا عضو «الهيئة» و«الائتلاف الوطني» أن المعارضة غير معنية بمؤتمرات من هذا النوع، قائلا في تصريح له لـ«المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية»: «نحن معنيون بـ(جنيف) كمسار سياسي تفاوضي، وبالمرجعية السياسية التي اعتمدتها قرارات الأمم المتحدة والاجتماعات الدولية؛ بدءاً من بيان (جنيف1) وحتى آخر قرار لمجلس الأمن». وأضاف صبرا: «حاول الروس عبر (آستانة) أن يستولوا على العملية السياسية، لكي تكون بديلا عن (مسار جنيف)، لكنهم فشلوا، والآن يحاولون أن يفتحوا مساراً سياسياً لطرح القضايا بعيداً عن الأمم المتحدة، وبعيداً عن المرجعيات الدولية».
ولفت كل من صبرا ونعسان آغا إلى التصريحات الأخيرة للمبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي مستورا والتي تجاهلت بدورها «الانتقال السياسي»، وقال صبرا: «يجري الحديث في هذه الفترة في جميع المحافل والاجتماعات التي تبحث في الشأن السوري سياسيا، بما فيها تصريحات دي مستورا، عن المفاوضات وعن الدستور في المسار الذي يريده الروس، وهذا تجاوز للقضية الأساسية، وهي عملية الانتقال السياسي، مما يعني أن التصور قائم على عملية سياسية مختلفة كلياً عن الأساس الذي وضعته قرارات مجلس الأمن الدولي و(مسار جنيف)».
رفض تركي
من جهته، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، في مؤتمر صحافي أمس، إن بلاده لا تقبل بوجود ما سماها «تنظيمات إرهابية» في اجتماعات آستانة، كما ترفض الموقف الروسي بشأن دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي إلى مؤتمر الحوار الوطني السوري.
ونشرت وزارة الخارجية الروسية، مساء أول من أمس، قائمة بأسماء المنظمات والجماعات التي تمت دعوتها للمشاركة في المؤتمر؛ ومنها أحزاب ومنظمات كردية؛ منها: حزب الاتحاد الديمقراطي، وحزب الاتحاد السوري، والمجلس الوطني الكردي، بجانب 30 منظمة أخرى. وقال كالين: «بدأنا باتصالاتنا على الفور، وأبدينا ردود الفعل اللازمة بطبيعة الحال. لا يمكننا قبول ذلك بأي حال من الأحوال».
وتتزامن الدعوة للمؤتمر مع استمرار الجيش التركي في تحركاته لنشر نقاط المراقبة في داخل إدلب في إطار اتفاق مناطق خفض التصعيد في سوريا الذي تم التوصل إليه مع كل من روسيا وإيران خلال الجولة السابقة من اجتماعات آستانة حول الأزمة السورية.
وبحسب مصادر تركية، استكملت تركيا إنشاء وتأهيل القاعدة العسكرية الأولى لها من بين 8 قواعد تعتزم إنشاءها في الشمال السوري. وأقيمت القاعدة الأولى على قمة جبل الشيخ بركات، قرب مدينة دارة عزة في الريف الغربي لمدينة حلب.
وكانت مصادر عسكرية تركية أكدت لصحيفة «يني شفق» التركية القريبة من الحكومة، الأسبوع الماضي، أن القوات التركية تهدف في إطار عملية إدلب إلى إنشاء قيادة وحدة دعم متقدمة في جبل الشيخ بركات الاستراتيجي في الريف الغربي لحلب.
وأكدت المصادر أن القوات المسلحة التركية ستتمكن من إحكام السيطرة أكثر عبر جبل الشيخ بركات على خط إدلب - عفرين - حلب، وبالتالي مراقبة تحرّكات «وحدات حماية الشعب» الكردية (الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي أكبر مكونات تحالف «قوات سوريا الديمقراطية») عن كثب. والأسبوع الماضي، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن القوات التركية نفذت بنجاح الجزء الأكبر من عملية الانتشار في إدلب ضمن اتفاق مناطق خفض التوتر، وإنه سيتم بعد ذلك التوجه إلى عفرين من أجل تطهيرها.
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن هدف القوات التركية في إدلب هو تطهيرها والقضاء على الإرهابيين، مثل تنظيم داعش وأتباعه، ودعم وقف إطلاق النار، وإحلال الأمن الاستقرار حتى يتمكن السوريون من العودة إلى ديارهم.
وقام رئيس الأركان التركي خلوصي أكار، أمس، بزيارة تفقدية للوحدات العسكرية العاملة على الحدود مع سوريا في ولاية هطاي جنوب تركيا الواقعة قبالة إدلب.
ورافق أكار قائدا القوات البرية يشار جولر، والقوات الجوية حسن كوتشوك أك يوز؛ حيث عقدوا اجتماعاً مع قادة الوحدات العسكرية العاملة في المنطقة.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.