موسكو تراهن على مؤتمر سوتشي... وأنقرة ترفض حضور الأكراد

«الهيئة التفاوضية» المعارضة لا تريد المشاركة... ومجموعتا موسكو والقاهرة مستعدتان للحضور

قاذفة روسية تقصف ريف دير الزور أمس (أ.ب)
قاذفة روسية تقصف ريف دير الزور أمس (أ.ب)
TT

موسكو تراهن على مؤتمر سوتشي... وأنقرة ترفض حضور الأكراد

قاذفة روسية تقصف ريف دير الزور أمس (أ.ب)
قاذفة روسية تقصف ريف دير الزور أمس (أ.ب)

رغم إعلان فصائل سورية معارضة ورفض أنقرة مشاركة جهة كردية، فإن روسيا ما زالت تعلق الآمال وتنوي بحث مشاركتهما مع القوى الدولية والإقليمية للتأثير على موقفيهما.
وقال سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي في تصريحات أمس، إن روسيا لا تعد رفض «الهيئة العليا للمفاوضات» قراراً نهائياً، وأضاف: «نواصل بحث هذه المسألة، ونعمل مع جميع الأطراف المنخرطة»، ووصف موقفها بأنه «نوع من إشارة ما، سبق أن صدر مثلها من جانب المعارضة المتعنتة في مواقف مختلفة»، وعبر عن قناعته بأنه «بالتعاون مع تلك القوى التي لها نفوذ حقيقي على المعارضة، سنتمكن رغم كل شيء من التحرك بالاتجاه الذي من الواضح أنه يأخذ بالحسبان تلك البدايات التي تمت صياغتها في جنيف، خلال الجولات السابقة من المفاوضات».
وأعلن قدري جميل، أمين «حزب الإرادة الشعبية»، رئيس «منصة موسكو» عن موقفه من المؤتمر في بيان رسمي قال فيه إنه لم يتلق دعوة رسمية للمشاركة في المؤتمر، وأطلق عليه صفة «ملتقى»، موضحا أن كل ما بلغه هو «ما نشر على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الروسية، حيث تضمنت القائمة المنشورة اسم الحزب والجبهة»، لذلك يرى أنه «من المبكر تحديد موقف نهائي من المؤتمر»، مؤكداً «دعم أي خطوة حوارية من شأنها أن تساهم في دفع العملية السياسية إلى الأمام، استناداً إلى القرار (2254) ومسار جنيف». وقال جميل إنه كان يفضل عقد المؤتمر على الأراضي السورية، دون أن يمانع في الوقت ذاته «عقده في أي مكان آخر في حال توفرت الظروف المناسبة له».
ورحبت «منصة القاهرة» بالدعوة الروسية لعقد المؤتمر في حال كان سيؤدي إلى انتقال سياسي في سوريا. وقال فارس الخالد، عضو المنصة في حديث لوكالة «ريا نوفوستي» أمس: «نحن مع أي مؤتمر يجري لتحقيق الانتقال السياسي، والعمليات بموجب القرارين الدوليين (2254) و(2118)، وبياني جنيف الأول والثاني، وغيره من وثائق ذات صلة». وفي وقت سابق قال أحمد الجربا رئيس «تيار الغد السوري» إنه على المعارضة الجلوس مع الحكومة السورية للوصول إلى حل سياسي للأزمة في البلاد. وأشار إلى فرص لحل الأزمة السورية، داعيا إلى تقبلها، وعبر عن تأييده مؤتمر الحوار الوطني الذي تدعو إليه روسيا، وقال إنه سيكون داعما لمفاوضات جنيف، مشيرا إلى أن «كل مكونات الشعب السوري ستشارك فيه».
رفض معارضين
ومع تأكيدها أنها لم تتلق دعوة إلى «مؤتمر سوتشي» وأنه لم يكن الحديث حوله في اجتماع آستانة إلا شفويا، قال محمد علوش عضو «الهيئة العليا للمفاوضات» والقيادي في «جيش الإسلام» أمس: «الثورة ترفض هذا المؤتمر. هو بين النظام والنظام»، مؤكدا أن «الهيئة العليا تفاجأت بذكر اسمهم في قائمة الدعوة».
وقالت مصادر في وفد المعارضة إلى آستانة لـ«الشرق الأوسط»: «كل الوفود التي التقينا بها في آستانة تطرقت إلى مؤتمر الحوار الوطني من دون دعوتنا بشكل رسمي، وطالبنا توضيحات حوله مع التأكيد على ثوابتنا التي ترتكز على أن يكون بتنظيم وتنسيق الأمم المتحدة وتحت سقف (جنيف1) لتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات لا مكان فيها لرئيس النظام بشار الأسد».
من جهته، رأى المتحدث باسم «الهيئة العليا» التفاوضية رياض نعسان آغا أن كل المعطيات تشير إلى تخبط روسي، لا سيما أن هناك تناقضا بين التصريحات بشأن المؤتمر الذي كان قد أعلن أنه سيعقد في حميميم ومن ثم في سوتشي، كما أنه بعدما أعلنت الدول الضامنة الموافقة على بحثه في جولة جنيف، عادت موسكو ونشرت لائحة المدعوين ومعظمهم من المجموعات المحسوبة على النظام وأكثر من 18 منها مقرها في دمشق. وسأل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أمس: «كذلك كيف يحدّد موعده في 18 من الشهر الحالي ومؤتمر جنيف الذي كان يفترض أن يبحثه يفترض أن يعقد في 28 منه؟»، مضيفا: «الهدف الروسي الأول والأخير هو الضرب بالانتقال السياسي عرض الحائط واستبدال الحكومة الموسعة به، وهو ما لم ولن نقبل به، وأي طرف أو جهة تقرّر المشاركة فستكون مشاركتها بصفة شخصية».
من جهته، أكد جورج صبرا عضو «الهيئة» و«الائتلاف الوطني» أن المعارضة غير معنية بمؤتمرات من هذا النوع، قائلا في تصريح له لـ«المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية»: «نحن معنيون بـ(جنيف) كمسار سياسي تفاوضي، وبالمرجعية السياسية التي اعتمدتها قرارات الأمم المتحدة والاجتماعات الدولية؛ بدءاً من بيان (جنيف1) وحتى آخر قرار لمجلس الأمن». وأضاف صبرا: «حاول الروس عبر (آستانة) أن يستولوا على العملية السياسية، لكي تكون بديلا عن (مسار جنيف)، لكنهم فشلوا، والآن يحاولون أن يفتحوا مساراً سياسياً لطرح القضايا بعيداً عن الأمم المتحدة، وبعيداً عن المرجعيات الدولية».
ولفت كل من صبرا ونعسان آغا إلى التصريحات الأخيرة للمبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي مستورا والتي تجاهلت بدورها «الانتقال السياسي»، وقال صبرا: «يجري الحديث في هذه الفترة في جميع المحافل والاجتماعات التي تبحث في الشأن السوري سياسيا، بما فيها تصريحات دي مستورا، عن المفاوضات وعن الدستور في المسار الذي يريده الروس، وهذا تجاوز للقضية الأساسية، وهي عملية الانتقال السياسي، مما يعني أن التصور قائم على عملية سياسية مختلفة كلياً عن الأساس الذي وضعته قرارات مجلس الأمن الدولي و(مسار جنيف)».
رفض تركي
من جهته، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، في مؤتمر صحافي أمس، إن بلاده لا تقبل بوجود ما سماها «تنظيمات إرهابية» في اجتماعات آستانة، كما ترفض الموقف الروسي بشأن دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي إلى مؤتمر الحوار الوطني السوري.
ونشرت وزارة الخارجية الروسية، مساء أول من أمس، قائمة بأسماء المنظمات والجماعات التي تمت دعوتها للمشاركة في المؤتمر؛ ومنها أحزاب ومنظمات كردية؛ منها: حزب الاتحاد الديمقراطي، وحزب الاتحاد السوري، والمجلس الوطني الكردي، بجانب 30 منظمة أخرى. وقال كالين: «بدأنا باتصالاتنا على الفور، وأبدينا ردود الفعل اللازمة بطبيعة الحال. لا يمكننا قبول ذلك بأي حال من الأحوال».
وتتزامن الدعوة للمؤتمر مع استمرار الجيش التركي في تحركاته لنشر نقاط المراقبة في داخل إدلب في إطار اتفاق مناطق خفض التصعيد في سوريا الذي تم التوصل إليه مع كل من روسيا وإيران خلال الجولة السابقة من اجتماعات آستانة حول الأزمة السورية.
وبحسب مصادر تركية، استكملت تركيا إنشاء وتأهيل القاعدة العسكرية الأولى لها من بين 8 قواعد تعتزم إنشاءها في الشمال السوري. وأقيمت القاعدة الأولى على قمة جبل الشيخ بركات، قرب مدينة دارة عزة في الريف الغربي لمدينة حلب.
وكانت مصادر عسكرية تركية أكدت لصحيفة «يني شفق» التركية القريبة من الحكومة، الأسبوع الماضي، أن القوات التركية تهدف في إطار عملية إدلب إلى إنشاء قيادة وحدة دعم متقدمة في جبل الشيخ بركات الاستراتيجي في الريف الغربي لحلب.
وأكدت المصادر أن القوات المسلحة التركية ستتمكن من إحكام السيطرة أكثر عبر جبل الشيخ بركات على خط إدلب - عفرين - حلب، وبالتالي مراقبة تحرّكات «وحدات حماية الشعب» الكردية (الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي أكبر مكونات تحالف «قوات سوريا الديمقراطية») عن كثب. والأسبوع الماضي، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن القوات التركية نفذت بنجاح الجزء الأكبر من عملية الانتشار في إدلب ضمن اتفاق مناطق خفض التوتر، وإنه سيتم بعد ذلك التوجه إلى عفرين من أجل تطهيرها.
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن هدف القوات التركية في إدلب هو تطهيرها والقضاء على الإرهابيين، مثل تنظيم داعش وأتباعه، ودعم وقف إطلاق النار، وإحلال الأمن الاستقرار حتى يتمكن السوريون من العودة إلى ديارهم.
وقام رئيس الأركان التركي خلوصي أكار، أمس، بزيارة تفقدية للوحدات العسكرية العاملة على الحدود مع سوريا في ولاية هطاي جنوب تركيا الواقعة قبالة إدلب.
ورافق أكار قائدا القوات البرية يشار جولر، والقوات الجوية حسن كوتشوك أك يوز؛ حيث عقدوا اجتماعاً مع قادة الوحدات العسكرية العاملة في المنطقة.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.