سباق أميركي ـ روسي على شروط الحل السوري بعد «داعش»

تيلرسون يجدد طرح مصير الأسد... ودي ميستورا يحدد نهاية نوفمبر موعداً لمفاوضات جنيف

تيلرسون لدى لقائه دي ميستورا في جنيف أمس (أ.ب)
تيلرسون لدى لقائه دي ميستورا في جنيف أمس (أ.ب)
TT

سباق أميركي ـ روسي على شروط الحل السوري بعد «داعش»

تيلرسون لدى لقائه دي ميستورا في جنيف أمس (أ.ب)
تيلرسون لدى لقائه دي ميستورا في جنيف أمس (أ.ب)

مع تقهقر «داعش» شرق سوريا، عاد الحديث عن التسوية السياسية ومعاييرها. الجديد، دخول واشنطن على خط الاتصالات بعد غياب لفترة طويلة عبر دعم مرجعية مفاوضات جنيف و تقديم «نصيحة» للمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا بعدم الرهان على «الحل الروسي» ومؤتمر حميميم، في وقت تدفع موسكو لإنجاز تسوية وفق معاييرها وسقفها الذي لا يتطابع مع دمشق وطهران وغير مقبول إلى الآن من واشنطن. واشنطن تسلحت بأوراق تفاوضية بينها سيطرة حلفائها في «قوات سوريا الديمقراطية» على مناطق شرق نهر الفرات وخصوصاً مصادر النفط والغاز والمياه والزراعة في «سوريا المفيدة اقتصاديا»، فيما قبضت موسكو على ورقة تقدم قوات النظام غرب نهر الفرات وإبرام اتفاقات «خفض التصعيد» مع تركيا وإيران ودول إقليمية عربية، إضافة إلى «مصالحات» في «سوريا المفيدة عسكريا».
ماذا تطرح روسيا؟
قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس إن قوات النظام وحلفاءها «حررت 90 في المائة من الأرض من الإرهابيين في سوريا» بفضل دعم القوات الروسية، لافتا إلى أن اتفاقات «خفض التصعيد» في جنوب غربي البلاد وغوطة دمشق وريف حمص وإدلب تساهم في إعداد الأرضية لتسوية سياسية.
وبحسب المعلومات، فإن الخطة الروسية هي البناء على اجتماعات آستانة في 30 و31 الشهر الجاري لاستكمال تنفيذ اتفاقات «خفض التصعيد» خصوصاً في إدلب ونشر الجيش التركي مع إعطاء أولوية لملف المعتقلين وتفكيك الألغام تمهيداً لعقد مؤتمر موسع للمعارضة في القاعدة الروسية في حميميم، حيث ستتم دعوة ما بين 700 ممثل من مؤسسات النظام في الجيش والأمن والسياسة والبرلمان، و700 من ممثلي «المصالحات» التي أقرت مع القاعدة الروسية والمجالس المحلية المنبثقة من اتفاقات «خفض التصعيد» وممثلي الإدارات الذاتية الكردية، إضافة إلى شخصيات سياسية معارضة في الخارج مقربة من التفكير الروسي ولعبت دوراً في إبرام اتفاقات «خفض التصعيد».
كان مقرراً عقد المؤتمر في نهاية الشهر، لكن لأسباب لوجيستية وموعد اجتماعات آستانة، تقرر تأجيله إلى ما بين 7 و10 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وبحسب مسؤول كردي تسلم رسالة الدعوة، فإن المؤتمر يرمي إلى بحث خمس نقاط، هي: «الوضع السوري العام، خفض التوتر بين الأطراف السورية، نقاش حول الدستور السوري، تشكيل لجان تفاوضية لمشاريع المستقبل، التمهيد لمؤتمر شامل».
وتطلبت الرغبة الروسية في عقد «مؤتمر حميميم» واستعجال البحث عن تسوية بناء على أجندة بوتين الذي يخوض انتخابات في مارس (آذار) المقبل، محادثات بين دمشق وطهران. إذ زار نائب وزير الخارجية فيصل المقداد طهران والتقى علي أكبر ولايتي مسؤول العلاقات الدولية في مكتب «مرشد الثورة» علي خامنئي، وسط «انزعاج» من مباركة روسيا وإيران الوجود العسكري التركي في إدلب وشمال سوريا بعيداً عن رغبة دمشق وقرارها. وكان لافتاً، «لقاء العمل» الذي جمع الرئيس بشار الأسد والكسندر لافرنييف مبعوث الرئيس الروسي في دمشق أمس. الاجتماع عقد على مائدة عمل مستطيلة بحضور مسؤولين عسكريين وأمنيين من الجانبين بينهم رئيس مجلس الأمن الوطني اللواء علي مملوك. وبحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، فإن الأسد قال: «ما يحقّقه الجيش وحلفاؤه (...) يهيّئ الأرضية شيئا فشيئاً للمزيد من العمل السياسي، خاصة أن الحكومة السورية كانت وما زالت تتعامل بإيجابية تجاه أي مبادرة سياسية من شأنها حقن الدماء السورية واستعادة الأمن والأمان بما يضمن وحدة وسيادة سوريا». وزاد: «مصممون على الاستمرار بالحرب على الإرهاب من جهة، ودعم المسار السياسي من جهة أخرى عبر رفع وتيرة المصالحات الوطنية والحوار بين الجميع عبر مؤتمر حوار وطني في سوريا، وصولاً إلى تعديل الدستور وإجراء الانتخابات البرلمانية». ولوحظ عدم التطرق إلى الانتخابات الرئاسية التي يتضمنها برنامج القرار 2254.

ماذا تريد واشنطن؟
اللافت في الأيام الأخيرة، عودة كبار المسؤولين الأميركيين للحديث عن مصير الأسد والحل السوري بعد غياب من الإدارة الأميركية لفترة طويلة. وبحسب معلومات، فإن مراجعة للموقف من الأزمة السورية جرت في الإدارة الأميركية. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال إتش آر ماكماستر في مقابلة بثتها قناة «الحرة» إلى «الشرق الأوسط» إنه «عندما تنظر إلى ما هو ضروري لجمع المجتمعات المحلية سوية وإنهاء دورة العنف، من الصعب جدا تصور كيف يمكن للأسد أن يكون جزءا من هذا، خاصة أن يديه ملطختان بالدماء، وكان له دور في تدمير بلاده والتسبب في المعاناة الإنسانية. واستخدم بعض أشنع الأسلحة على وجه الأرض لارتكاب عمليات قتل جماعية ضد شعبه. من الضروري وجود قيادة مناسبة دوليا، وفي سوريا، يمكن لهم تحقيق التوافق والمصالحة الضرورية».
وقال مسؤول غربي إن الإدارة الأميركية طلبت لقاء مع دي ميستورا في إشارة إلى اهتمامها بالحل السياسي. وأعلن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بعد لقائه دي ميستورا في جنيف أمس: «تريد الولايات المتحدة سوريا كاملة وموحدة لا دور لبشار الأسد في حكمها». وأضاف: «عهد أسرة الأسد يقترب من نهايته. القضية الوحيدة هي كيفية تحقيق ذلك». وأضاف تيلرسون أن السبب الوحيد في نجاح قوات الأسد في تحويل دفة الحرب المستمرة منذ أكثر من ست سنوات هو «الدعم الجوي الذي تلقته من روسيا».
وأشار المسؤول الغربي إلى مشاورات في واشنطن ومع حلفائها إزاء كيفية تحويل المواقف السياسية إلى استراتيجية، وأنه كان بين الأمور هو اعتبار «قوات سوريا الديمقراطية» التي تسيطر على مساحة واسعة من سوريا غنية بالنفط والغاز والمياه وحررت الرقة من «داعش» ورقة تفاوضية أساسية، إضافة إلى اعتبار المساهمة في إعادة إعمار سوريا ورقة تفاوضية أخرى. وقال مسؤول أميركي: «كلفة إعادة الإعمار تبلغ نحو 200 مليار دولار أميركي، ولن ندفع نحن أو حلفاؤنا دولارا واحدا ما لم تكن هناك تسوية سياسية ذات صدقية». وطرح أيضاً خيار إعمار المناطق التي تحررها «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف لتكون بديلاً من إعمار مناطق النظام إذا لم تحصل تسوية سورية شاملة.

ماذا يريد دي ميستورا؟
يبحر المبعوث الدولي بين موقفي موسكو وواشنطن والسباق بين حلفائهما على تسوية ما بعد هزيمة «داعش». ويأمل في ألا تكون خطوات روسيا لعقد «مؤتمر حميميم» واجتماعات آستانة بديلاً من مفاوضات جنيف وتنفيذ القرار 2254. وهناك رهان على نجاح مؤتمر المعارضة الموسع في الرياض الذي حدد 10 الشهر المقبل موعداً مبدئياً له لولادة شريك يفاوض الوفد الحكومي. وعقد في واشنطن في اليومين الماضيين مؤتمر للسوريين في أميركا لبحث آلية تنظيمهم والإفادة منهم سياسيا في الضغط على الموقف الأميركي.
وسعى دي ميستورا أمس إلى الحصول على دعم مجلس الأمن الدولي لمسيرته السياسية في الأسابيع المقبلة. ووضع 28 الشهر المقبل موعداً لاستئناف مفاوضات السلام بين وفدي الحكومة السورية والمعارضة، أي بعد مؤتمر «الرياض-2» واجتماعات آستانة و«مؤتمر حميميم». وقال مصدر: «هناك مساع لدى روسيا من أنه كي تحصل على دعم الأمم المتحدة لا بد من توفير شروط نجاح مؤتمر المعارضة وألا يكون مثل اجتماعات العصف الفكري في موسكو-1 وموسكو-2» بداية العام 2015.
وقال المبعوث الدولي أمس: «يجب أن يدخل الأطراف في مفاوضات فعلية» عبر التركيز على خطوات في اتجاه صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات في سوريا تحت إشراف المنظمة الدولية، في وقت أشار مسؤول غربي إلى أن دمشق «فقدت ذريعة أساسية، وهي محاربة الإرهاب» لأن «داعش» يتلاشى وهناك تفاهم روسي - تركي على التعامل مع «جبهة النصرة» شمال سوريا. وأضاف: «أيضاً، رهان دمشق على انتخابات محلية وبرلمانية ليس كافياً، إذ أن القرار 2254 يتضمن أيضاً انتخابات رئاسية» بموجب بنود القرار والجدول الذي وضعه دي ميستورا في الجولات التفاوضية الأخرى لبحث «السلال الأربع»: الحكم، الدستور، الانتخابات، محاربة الإرهاب.



العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي مواطنيه إلى استثمار ما وصفه بالتحولات الجديدة التي تشهدها البلاد، والانحياز إلى منطق الدولة وتغليب استحقاقات المستقبل، في خطاب بمناسبة حلول شهر رمضان حمل رسائل داخلية وخارجية بشأن مسار الصراع ومستقبل التسوية في اليمن.

وقال العليمي إن المرحلة الحالية تمثّل لحظة مفصلية بين سنوات من الصراع وبداية مسار لاستعادة التوازن السياسي والمؤسسي، مؤكداً أن الهدف يتمثل في بناء دولة «تتسع للجميع، وتحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال المقبلة».

وجاء الخطاب في سياق تحركات سياسية واقتصادية تسعى الحكومة الجديدة من خلالها إلى تعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، بالتوازي مع جهود تقودها السعودية لإعادة تنشيط المسار السياسي واحتواء الفوضى التي تسبب بها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في المحافظات الجنوبية والشرقية.

العليمي كثف لقاءاته على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ركز العليمي في خطابه الذي ألقاه بالنيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي على توصيف المواجهة مع الجماعة الحوثية بعدّها صراعاً حول طبيعة الدولة وليس مجرد مواجهة عسكرية، قائلاً إن المعركة «ليست فقط مع مشروع انقلاب مسلح، بل مع كل ما يهدد فكرة الدولة»، في إشارة إلى الفوضى والسلاح خارج المؤسسات الرسمية واستنزاف الموارد العامة.

استعادة صنعاء

اتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قوى الانقلاب الحوثية بمحاولة تحويل الدولة إلى كيان ميليشياوي واختزال الوطن في جماعة واحدة، مؤكداً أن اليمنيين واجهوا خلال السنوات الماضية مشاريع عنف سعت لفرض واقع سياسي قائم على القوة خارج القانون.

وفي رسالة موجهة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، شدد العليمي على أن الدولة «لن تتخلى عن مواطنيها في كل شبر من هذا الوطن»، مؤكداً أن استعادة صنعاء ستظل هدفاً مركزياً للمشروع الوطني، مهما طال أمد الصراع.

كما دعا إلى تهدئة الخطاب السياسي ونبذ التحريض داخل معسكر الشرعية، ورأى أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب توحيد الجبهة الداخلية والتركيز على ما وصفه بالمعركة الوطنية الكبرى لاستعادة مؤسسات الدولة.

جانب من لقاء العليمي في ميونيخ مع وزير الخارجية الألماني (سبأ)

وأبرز خطاب العليمي البعد الاقتصادي بوصفه محوراً أساسياً للاستقرار، حيث عبّر عن ثقته بالحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، مشيراً إلى أنها مطالبة باتخاذ خطوات عملية لتعزيز هيبة الدولة وضبط الموارد العامة.

وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية تمثل مساراً إلزامياً رغم صعوبته، لأن الاستقرار المعيشي والخدمي - بما يشمل انتظام الرواتب وحماية العملة الوطنية وتحسين الخدمات - يعد جزءاً من معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشار إلى تحسن نسبي في انتظام عمل المؤسسات والخدمات خلال الأسابيع الأخيرة، وقال إن هذه التطورات ما تزال في بدايتها لكنها تمثل فرصة سياسية نادرة «لا يرحم التاريخ من يفرّط بها».

القضية الجنوبية والدعم السعودي

جدد العليمي التأكيد على الاعتراف بالقضية الجنوبية بعدّها جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة، داعياً إلى حوار شامل برعاية سعودية يضم مختلف المكونات ويؤسس لشراكة سياسية «لا غالب فيها ولا مغلوب».

وتطرق خطاب العليمي إلى الدور الإقليمي، مشيداً بالدعم السعودي، واصفاً العلاقة مع الرياض بأنها شراكة استراتيجية ترتبط بالأمن والجغرافيا والمصير المشترك، وليست تحالفاً مؤقتاً.

وأشار إلى جهود الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان ووزير الدفاع خالد بن سلمان في دعم استقرار اليمن، مشيراً إلى أن هذا الدعم يفتح نافذة للانتقال من إدارة الحرب إلى إعادة الإعمار والتنمية.

كما أعلن توجيهات بالإفراج عن السجناء الذين استوفوا الشروط القانونية — باستثناء القضايا الخطيرة — وإغلاق السجون غير الشرعية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة بمؤسسات العدالة.

واختتم العليمي خطابه بالدعوة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي خلال رمضان، وحث القطاع الخاص ورجال الأعمال على دعم الأسر المتضررة، مؤكداً أن المجتمعات التي تتماسك اجتماعياً تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات.


فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
TT

فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)

حلّ شهر رمضان هذا العام ثقيلاً على ملايين اليمنيين القاطنين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والإنسانية والأمنية لتصنع واقعاً معيشياً هو الأقسى منذ سنوات، فبدلاً من أن يكون الشهر موسماً للسكينة والتكافل الاجتماعي، بات لدى كثير من الأسر مرادفاً للقلق والخوف والمزيد من الجوع.

وتكشف مظاهر الحياة اليومية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة عن حجم التحول القاسي الذي أصاب المجتمع اليمني، إذ لم تعد الأسواق تعكس أجواء الاستعداد المعتادة للشهر الكريم، بل تبدو الحركة التجارية محدودة، نتيجة تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتشهد الأسواق مع حلول رمضان ارتفاعات حادة ومفاجئة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي وضع معظم السكان أمام معادلة صعبة بين الاحتياجات الأساسية والدخل شبه المعدوم.

ويؤكد مواطنون أن استقبال الشهر الكريم لم يعد مرتبطاً بالتحضيرات والبهجة كما في السابق، بل أصبح موسماً للضغوط النفسية والقلق المستمر.

سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتقول أم محمد، وهي أم لأربعة أطفال تسكن أحد الأحياء الشعبية جنوب صنعاء، إن رمضان فقد معناه بالنسبة لعائلتها، بعدما كانت المساعدات الغذائية والنقدية تساعدهم سابقاً على تجاوز الظروف الصعبة، أما اليوم، فتكتفي الأسرة بوجبات بسيطة لا تتجاوز الخبز والشاي، في محاولة للصمود أمام واقع اقتصادي قاسٍ.

ولا تختلف معاناة الموظفين الحكوميين كثيراً، إذ يؤكد عبد الله، وهو موظف في القطاع التربوي، أن انقطاع الرواتب منذ سنوات جعل آلاف العائلات عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات الحياة. ويضيف أن استمرار فرض الالتزامات المالية والجبايات رغم غياب الرواتب فاقم الأعباء، محولاً رمضان من موسم للعبادة والطمأنينة إلى فترة اختبار يومي للبقاء.

هذا الواقع أدى إلى تراجع واضح في مظاهر الحياة الاجتماعية المرتبطة بالشهر الفضيل، مثل الولائم العائلية وتبادل الزيارات، حيث باتت الأولوية لدى الأسر تتركز على تأمين وجبة الإفطار فقط.

الجبايات والقيود

لا تقتصر الأزمة على السكان فحسب، بل تمتد إلى التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يواجهون ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة فرض جبايات متعددة بمسميات مختلفة. ويقول أبو ياسر، وهو صاحب متجر في صنعاء، إن التجار يجدون أنفسهم مضطرين لرفع الأسعار لتغطية التكاليف الإضافية، ما ينعكس مباشرة على المستهلك الذي يتحمل العبء الأكبر.

ويتهم عاملون في المجال الإنساني الجماعة الحوثية بالمساهمة في تعميق الأزمة الاقتصادية عبر فرض رسوم غير قانونية على الأنشطة التجارية، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم الأسعار وتقليص حركة السوق.

باعة ومارة في إحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

كما يشيرون إلى أن القيود المفروضة على المبادرات الخيرية والتطوعية في رمضان حدّت من قدرة المجتمع على تعويض جزء من النقص الغذائي عبر التكافل الاجتماعي.

وترافق هذه الضغوط الاقتصادية إجراءات أمنية مشددة، حيث تتزايد الرقابة على الأنشطة المجتمعية والخيرية، ما خلق بيئة من الخوف والحذر لدى السكان والمتطوعين، وأضعف شبكات الدعم التقليدية التي كانت تلعب دوراً مهماً خلال شهر رمضان.

اليمن ضمن بؤر الجوع

تتزامن هذه الظروف القاسية في مناطق سيطرة الحوثيين مع تحذيرات دولية متصاعدة بشأن الوضع الإنساني، إذ كشف تقرير عالمي حديث أن اليمن بات ضمن 10 دول تواجه أسوأ أزمات الجوع في العالم خلال العام الحالي، مع معاناة أكثر من نصف السكان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وبحسب تقرير «منظمة العمل ضد الجوع» حول بؤر الجوع لعام 2026، يتركز اثنان من كل ثلاثة أشخاص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالمياً في 10 دول فقط، من بينها اليمن الذي يحتل المرتبة السادسة، حيث يعاني نحو 16.7 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء.

يمنيات يتجمعن لطلب المساعدة من أحد المتاجر في صنعاء (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الذي وصل إليه الوضع الإنساني، إذ لم تعد المعاناة مقتصرة على الفئات الأشد فقراً، بل امتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي المستمر.

كما تشير تقارير إغاثية إلى تزايد مظاهر الفقر في الشوارع، مع ارتفاع أعداد المتسولين وانتشار الباعة المتجولين من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد.

ومع غياب حلول سياسية واقتصادية قريبة، يخشى اليمنيون أن يتحول رمضان هذا العام إلى محطة جديدة من المعاناة الممتدة، حيث تتراكم الأزمات دون بوادر انفراج حقيقية، بينما يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف في صراع طويل أنهك المجتمع وأفقده كثيراً من مقومات الحياة الكريمة.


استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن حالة غير مسبوقة من التوتر الاجتماعي والاقتصادي، مع اتساع رقعة الجوع وازدياد الاحتقان الشعبي بالتزامن مع شهر رمضان، في ظل استمرار توقف رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين للعام التاسع على التوالي.

وتقول مصادر محلية وسكان قدموا حديثاً إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً إن الجماعة رفعت من مستوى الاستنفار الأمني والإعلامي لمواجهة تصاعد المطالب الشعبية بصرف المرتبات، في مؤشر يعكس مخاوف متنامية من انفجار شعبي محتمل.

وحسب إفادات السكان، فإن الأزمة المعيشية بلغت مستويات حرجة نتيجة انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إضافة إلى تراجع الأنشطة الإنسانية عقب اقتحام مكاتب منظمات دولية ونهب أصولها، ما أدى إلى تقليص المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

ويؤكد شهود عيان أن المزاج العام في المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين تغيّر بشكل ملحوظ، إذ أصبح المواطنون أكثر جرأة في التعبير عن غضبهم وانتقادهم العلني للسلطات، سواء في الأسواق أو وسائل النقل أو التجمعات العامة، وهو أمر لم يكن مألوفاً خلال السنوات الماضية بسبب القبضة الأمنية المشددة.

الحوثيون قطعوا رواتب عشرات الآلاف من الموظفين منذ تسعة أعوام (إعلام محلي)

وزادت حالة الاحتقان عقب تصريحات منسوبة لوزير المالية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، عبد الجبار الجرموزي، دعا فيها الموظفين المطالبين برواتبهم إلى التوجه للتحالف الداعم للحكومة الشرعية للحصول عليها، قائلاً إن «من يخلق المعدوم هو الله».

وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخرية والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدّها ناشطون دليلاً على عجز السلطات عن معالجة الأزمة الاقتصادية.

ويرى حقوقيون أن استمرار قطع الرواتب، بالتزامن مع تصاعد الأعباء المعيشية، خلق حالة من الإحباط الجماعي، خصوصاً لدى الموظفين الذين فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي منذ سنوات، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المساعدات أو الأعمال الهامشية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.

نظام رواتب غير متكافئ

وفق مصادر وظيفية وحقوقية، قامت سلطات الحوثيين بإعادة تصنيف الموظفين إلى ثلاث فئات متفاوتة الامتيازات. وتشمل الفئة الأولى القيادات الحوثية والعاملين ضمن الأجهزة الأمنية والمؤسسات التابعة للجماعة، حيث يحصلون على رواتب كاملة ومزايا شهرية. أما الفئة الثانية فتتقاضى نصف راتب، بينما تحصل الفئة الثالثة على ربع راتب فقط، في حين حُرم عدد كبير من الموظفين من أي مستحقات مالية.

في المقابل، يشتكي السكان من استمرار فرض الضرائب والزكوات والرسوم المختلفة دون مقابل خدمي ملموس. فالكهرباء، على سبيل المثال، تُشترى بأسعار مرتفعة من شركات خاصة أو عبر شبكات تجارية، بينما يعاني قطاع المياه والخدمات الطبية من تدهور واسع، ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر.

رقعة الجوع تسيطر على أجزاء واسعة من مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ويؤكد سكان أن الجبايات باتت تضم معظم الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الباعة المتجولون وصغار التجار، الأمر الذي أدى إلى إنهاك الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً. ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين تحصيل الإيرادات وغياب الخدمات أسهم في تعميق الشعور بالظلم الاجتماعي وزيادة السخط الشعبي.

استنفار أمني

بالتوازي مع تصاعد المطالب المعيشية، أفادت مصادر سياسية في صنعاء بأن الجماعة كثفت تحركاتها الأمنية، ونفذت استعراضات مسلحة في عدد من المدن باستخدام عربات مدرعة، في محاولة لإظهار السيطرة وردع أي تحركات احتجاجية محتملة.

كما تحدثت المصادر عن توترات مع شخصيات قبلية بارزة، بعد نشر عناصر أمنية في محيط منزل الشيخ حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد، إضافة إلى حوادث احتكاك مع شخصيات اجتماعية، في خطوة عدها مراقبون محاولة لتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

جبايات الحوثيين أنهكت حتى الباعة المتجولين (إعلام محلي)

ويقول محمد، وهو طبيب في صنعاء، إن الإيرادات تُجبى من قطاعات متعددة تشمل الاتصالات والجمارك والضرائب والزكاة والخدمات الصحية وحتى تحويلات المنظمات الإنسانية، بمليارات الريالات سنوياً، بينما يواجه المواطن الذي انقطع راتبه سلسلة طويلة من الرسوم المفروضة. ويضيف: «النتيجة أن الناس تكافح يومياً من أجل تأمين لقمة العيش، فيما تتسع طوابير المحتاجين في الشوارع».

ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع دون حلول اقتصادية حقيقية قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً مع حلول شهر رمضان الذي ترتفع فيه النفقات المعيشية، ما يجعل الأزمة الإنسانية أكثر تعقيداً.