البترول يغادر عصره الذهبي... ونيرانه تخبو لكن لن تنطفئ

لعب دوراً محورياً في تطور البشرية وفي مصائر المجتمعات

البترول يغادر عصره الذهبي... ونيرانه تخبو لكن لن تنطفئ
TT

البترول يغادر عصره الذهبي... ونيرانه تخبو لكن لن تنطفئ

البترول يغادر عصره الذهبي... ونيرانه تخبو لكن لن تنطفئ

دخلت منطقة الشرق الأوسط في قلب الأحداث العالمية منذ النصف الثاني للقرن الواحد والعشرين لأسباب، أبرزها وجود النفط، السلعة التي أصبحت المحرك الرئيسي لعجلة الصناعة والاقتصاد في العالم، لكن هذه السلعة التي تسابقت من أجلها دول العالم، وتسببت في اشتعال حروب وصراعات دامية، وأدت إلى بروز قوى وخمود أخرى، هذه السلعة توشك أن تغادر دور البطولة في المسرح العالمي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين.
وفي كتابه المهم «النفط بين إرث التاريخ وتحديات القرن الحادي والعشرين»، لمؤلفه الدكتور ماجد المنيف، الخبير في مجال التخطيط والاقتصاد والنفط، يستعرض دور النفط التاريخي وأثره السياسي والاقتصادي، والتحديات التي يواجهها.
صدر الكتاب مؤخراً عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء، ووقّع المؤلف نسخاً منه في مكتبة مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) بحضور وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، ورئيس شركة «أرامكو» أمين الناصر، وعدد من الاقتصاديين والمختصين في مجال الطاقة. يلاحظ المنيف، أن النفط الذي أسبغت عليه عدة أوصاف كالذهب الأسود والسلعة الاستراتيجية، اعتبر حيناً نعمة للدول المنتجة له، وأحياناً نقمة ومدعاة للأطماع والتوترات والنزاعات السياسية.
يلاحظ كذلك، أن دور النفط قد تطور كما تطورت هيكلة أسواقه والفاعلين في علاقاته عبر الزمن: «إذ إن علاقات عصره الذهبي في القرن العشرين تعرضت لتحديات وتغيرات تفاعلت لتنتج مسارات اقتصادية واجتماعية وسياسية وتقنية وبيئية في القرن الحادي والعشرين تضعف من دوره في منظومة الطاقة والاقتصاد العالميين».
كما يشير إلى أن «ما ورثه النفط من علاقات في القرن الماضي والتحديات التي تواجه صناعته وأسواقه ودوله المنتجة في القرن الحالي يفرض خيارات تختلف عما واجهته طوال تاريخها»، وهو ما يهدف الكتاب إلى إيضاحه، من خلال تتبع أسواق النفط وعلاقاته منذ اكتشافه تجارياً حتى الآن.

نيران النفط
يرى المؤلف، أنه منذ اكتشافه واستغلاله تجارياً نهاية العقد الخامس من القرن التاسع عشر وحتى الآن، حظي النفط باهتمام لم تحظَ به أي سلعة أولية أخرى؛ نظراً إلى دوره المحوري في تطور البشرية؛ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وفي تشكيل مصائر وتنظيم مجتمعات ‏الكثير من الشعوب والدول وعلاقاتها فيما بينها. وبينما شكّل النفط أملاً وفرصاَ للتقدم والرقي استفادت منه بعض الأمم، شكّل لأمم أخرى هاجساً وعائقاً للتنمية المستدامة وللاستقرار السياسي. ‏وبينما قرّب دولاً وشعوباً في آنٍ، باعد فيما بينها في أحيان أخرى. ونظراً إلى ما اكتنف علاقاته المتداخلة وأنماط استغلاله وتوزيع الريع منه وإدارة أسواقه من سلبيات، ربطها بعض الباحثين ‏وجانب من الرأي العام بالحروب والأزمات والأطماع. وهو يرى أن نوعاً من الفجوة أو عدم التناسب نشأ بين الحقائق العلمية وأساسيات السوق من جهة، وبين الانطباعات العامة ‏والتغطيات الإعلامية والسياسات الحكومية من جهة أخرى.

النفط: بزوغ وأفول

يرى الدكتور المنيف، أن القرن العشرين كان قرنا للنفط بامتياز؛ إذ جرى خلاله زيادة مطّردة في إنتاجه واستهلاكه إلى أن تمكن منذ أواسط عقد التسعينات من إزاحة الفحم بصفته مصدرا رئيسيا للطاقة، وتصدّر ذلك الدور حتى الآن.
وشهد القرن العشرون الدخول القوي للنفط في قطاع النقل وفي التطور الصناعي والتقني، وارتباط النمو الاقتصادي والحضري بتوفر إمداداته وتدني واستقرار أسعاره طوال الجزء الأكبر من القرن.
‏واعتبرت الفترة الفاصلة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وعام 1973 «العصر الذهبي للنفط»؛ إذ زاد الطلب العالمي عليه بأكثر من ستة أضعاف خلال فترة الخمسة والعشرين عاما بين عام 1948 و1973، وارتفعت احتياطاته الثابتة بعشرة أضعاف، وإنتاج الشرق الأوسط ‏بأكثر من 12 ضعفاً، وتم بناء أكثر من 200 مصفاة تكرير خارج الولايات المتحدة، ونحو 1750 ناقلة نفط. وكان ذلك مدفوعا بنمو اقتصادي عالمي تتجاوز 8 في المائة ‏سنوياً، وزيادة في حركة النقل معَّبرا عنها بزيادة عدد السيارات بخمسة أضعاف (نحو 10 أضعاف في أوروبا) والنقل الجوي بثمانية أضعاف. وفي مقابل ذلك، اتسم القرن، وخصوصاً النصف الثاني منه، بتزايد الاهتمام بطبيعة النفط بصفته موردا ناضبا، وخلال العقود الثلاثة منه ازدادت حدّة تقّلب أسعاره، وزاد الاهتمام بآثاره البيئية المحلية والكونية (التغير المناخي) خلال العقد الأخير منه.

النفط والصراعات
يلاحظ المؤلف، أن الباحثين العرب في مجال النفط – على قلتهم - بدأوا متأخرين عن نظرائهم في أوروبا، رغم أن النفط: أدى دورا في التطور الاقتصادي والاجتماعي وفي ميزان الطاقة العالمي، وفي العلاقات التي صيغت في المراحل التاريخية لاستكشافه وإنتاجه ونقله وتكريره واستخدامه في القطاعات المستهلكة، وكذلك في علاقات التسعير، والإنتاج والتبادل عبر الحدود، والعلاقات الدولية التي نسجت في ظله، ومن خلاله، وفي دوره في اقتصاديات الدول المنتجة والمستهلكة، إلى أن اكتسب النفط هالة إعلامية وسياسية وثقافية لم تحظَ بها سلع أولية أخرى. ونتج من تعدد تشابك وتعقد علاقات النفط إلى أن أصبحت تطوراته، وتوقعات ‏مسار إنتاجه وأسعاره، وسلوك منتجيه أو مستهلكيه ومستورديه، في صلب اهتمامات الباحثين في الاقتصاد والسياسة والمال والفكر الاستراتيجي وغيرها. هذا علاوة على اهتمام الحكومات والمنظمات الدولية الاقتصادية والسياسية.
في هذا الصدد، يلاحظ المؤلف أنه بموازاة الاهتمام البحثي العالمي في النفط وعلاقاته، كان الإنتاج البحثي العربي في مجال النفط وعلاقاته محدودا، وإن ازداد كثافة في عقد السبعينات. وكان الدافع لذلك الاهتمام العالمي بدور المنطقة عقب ما أصبح يعرف بـ«أزمة الطاقة العالمية الأولى» التي تزامنت مع «الحظر النفطي العربي» بعد الحرب العربية الإسرائيلية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، وما نتج منها من تداعيات سياسية واقتصادية وإعلامية، راجت خلالها شعارات في الدول الصناعية الرئيسية مثل: «أمن الطاقة»، أو «تقليص الاعتماد على نفط الشرق ‏الأوسط»؛ ما حفز الباحثين العرب في المنطقة وخارجها على تكثيف اهتمامهم بالنفط وعلاقاته. لذلك؛ كان الاهتمام البحثي العربي بالنفط انعكاساً أو ردة فعل للاهتمام العالمي الذي ارتبط بالأزمات السياسية في المنطقة وتأثيرها على إمدادات النفط وأسعاره مثل: الثورة الإيرانية، والحرب العراقية الإيرانية، وغزو العراق للكويت، وحرب تحريرها، والغزو الأميركي للعراق، وتداعيات الربيع العربي، وغيرها.
يلاحظ كذلك، أن الاهتمام البحثي العالمي بالنفط تجدد بداية عقد التسعينات ‏مع تصدر الاهتمامات البيئية الأجندة العالمية، وخصوصا التغيّر المناخي، ودور النشاط البشري الناتج من حرق مصادر الطاقة الأحفورية، ومنها النفط في تلك الظاهرة.

مستقبل النفط
يغطي الكتاب ثلاثة أقسام رئيسية في 16 فصلا و670 صفحة. يضم القسم الأول خلفيات وخصائص النفط وبنية صناعته وطبيعة العلاقات بينه وبين الغاز الطبيعي، وكذلك بينه من جهة وبين الطاقة والاقتصاد والسياسة والبيئة من جهة أخرى، بما في ذلك دوره بصفته سلعة استراتيجية، والأطر التي تحكم كل ذلك.
ويشمل القسم الثاني من الكتاب حصاداً لعلاقات النفط في القرن العشرين وتداعياتها حتى الآن، والتحديات التي تواجه صناعته ومنتجيه في العقود المقبلة من القرن الحادي والعشرين. ونظراً لمركزية منطقة الخليج العربي، في علاقات النفط العالمية وتأثر علاقاته بالأوضاع الجيوسياسية وتأثيره عليها تعرض الكتاب لكيفية تشكّل امتيازات النفط في المنطقة وتأثيرها على موقعها في ميزان العرض العالمي من النفط وفي تشكيل تاريخها الاجتماعي والسياسي خلال القرن.
وتشمل فصول الكتاب تحليلاً لهيكل وتنظيم السوق النفطية منذ بزوغ القرن الماضي بدءًا بدور الشركات العالمية في تنظيم السوق، مروراً بدور «أوبك» والآليات التي اتبعتها ونجاحاتها وإخفاقاتها في إدارة دفة السوق، ومحددات تشكيل أسعار النفط في الوقت الراهن.
يتعرض المبحث الثالث لقضايا وتحديات وفرص للنفط في القرن الحادي والعشرين، منطلقاً من توقعات الطلب والعرض منه حتى عام 2040، كما تنشرها دورياً بعض الشركات العالمية، وكذلك المنظمات الدولية المختصة. ويخلص الفصل إلى أن التوجه العام للتوقعات هو بطء في نمو الطلب على النفط عموماً، وتركز ذلك النمو على الدول النامية وفي قطاع النقل، ‏وانخفاض في إنتاج النفط التقليدي من خارج «أوبك» وزيادة في إنتاج غير التقليدي منه بوتيرة أسرع، وزيادة في حصة المنطقة العربية من الإمدادات العالمية من نوعه التقليدي.
ويتناول فصل آخر إشكالين سيؤثران على مسار علاقات النفط في القرن الحادي والعشرين، وهما: ذروة إنتاجه وذروة الطلب عليه، وافتراضات واستنتاجات كل منهما والمآخذ عليهما.
ويشير هذا الفصل إلى أن ذروة إنتاج النفط تنطلق من حقيقة جيولوجية متفق عليها، ولكن توقيت تلك الذروة عالمياً يعتمد على تحقيق افتراضات كثيرة، وأن التقدم التقني والأسعار قد أضافا إلى قاعدة الموارد وجعلا الاستثمار في النفط غير التقليدي مجدياً، وأبعد عبر الزمن توقيت ذروة الإنتاج عالميا. أما الوصول إلى ذروة الطلب على النفط فينطلق من المكاسب في كفاءة استهلاكه في القطاعات المستخدمة كالصناعة والنقل.
ويستنتج أنه على الرغم من وصول الطلب على النفط إلى الذروة في الدول الصناعية عام 2005، فإن النمو في طلب الدول النامية عوض الانخفاض ‏في ذلك الطلب، وأدى إلى نمو موجب في الطلب العالمي عليه، وأن ذلك سيستمر حتى العام 2040 وما بعده. لكن من الأرجح أنه خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين سيصل الطلب إلى الذروة نتيجة تطوير البدائل ورواجها.
وفي عرضه الكتاب قاله الدكتور ماجد المنيف، إنه يستعرض التحديات التي يواجهها النفط مستقبلاً، وإن كنا نعتبر أن القرن العشرين هو قرن النفط بامتياز وأنه شهد العصر الذهبي لهذه السلعة، فإن التحديات تواجه هذه السلعة بداية القرن الحادي والعشرين، ويقول المنيف، ‏إن الطلب العالمي على النفط سينخفض، وإن ما شاهدناه في الخمسين سنة الماضية – من بلوغ الطلب على النفط إلى الذروة - لن نراه في الخمسين سنة المقبلة.
كذلك، توقع المنيف أن تكون الزيادة الأكبر في الطلب عن النفط، هي للنفط غير التقليدي؛ وهو ما يعزز التحديات أمام نفط الشرق الأوسط، وفي هذا الصدد يقول أيضا إنه يتوقع أن تواصل منطقة الشرق الأوسط تلبية معظم الزيادة في الطلب على النفط.
وهو يلاحظ أن أي تطور في صناعة الطاقة المتجددة سوف يستمر بغض النظر عن تقلبات أسعار النفط وخيارات الطاقة المتجددة. ويلاحظ كذلك، أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الصناعة النفطية هي في التطورات التقنية، وبخاصة في قطاع النقل وصناعة السيارات، وهي ما يمكن أن تؤدي إلى انخفاض الطلب العالمي إلى ما بين 4 و6 ملايين برميل يومياً، مؤكداً أن قدرة دول المنطقة على استشراف المستقبل سيكون عاملا مهما في مواجهة التحديات. مشيراَ إلى أن دول الشرق الأوسط ما زالت تحتفظ بميزة كونها الأقل تكلفة في الإنتاج عالمياً.
تخّرج الدكتور ماجد بن عبد الله المنيف في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة الملك سعود بالرياض، وحصل على ماجستير في الاقتصاد من جامعة أوريجون في الولايات المتحدة الأميركية، ثم على الدكتوراه في الاقتصاد من الجامعة نفسها. وسبق أن عمل في السلك الأكاديمي، أستاذا في كلية العلوم الإدارية في جامعة الملك سعود، كما أصبح وكيلا للكلية. ولديه مؤلفات معتمدة أكاديميا في جامعات عدة في المجال الاقتصادي، أشهرها كتاب «مبادئ الاقتصاد التحليلي الجزئي».
وعمل مستشارا اقتصاديا لوزارتي المالية، والتخطيط خلال الثمانينات الميلادية من القرن الماضي، وفي عام 2003 عُيّن ممثلا للسعودية في مجلس محافظي «أوبك»، كما اختير في عام 2004 نائباً لرئيس مجلس الطاقة العالمي. وشغل منصب عضو الهيئة الاستشارية في المجلس الاقتصادي الأعلى في السعودية، وفي فبراير (شباط) 2013 تم تعيينه أمينا عاما للمجلس.


مقالات ذات صلة

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

كتب ستيفانوس جيرولانوس

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة.

ندى حطيط
كتب المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن

سوسن الأبطح
ثقافة وفنون دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس
TT

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة. يهرع القرّاء في أنحاء المعمورة إلى اقتناء مؤلفات كتّاب أمثال ستيفن بينكر ويوفال نوح هراري، باحثين في دهاليز عصور الصيد والجمع السحيقة عن إجابات لأسئلة الحاضر المقلقة. لكن المؤرخ البارز ستيفانوس جيرولانوس، أستاذ التاريخ بجامعة نيويورك ومدير معهد ريمارك، يقتحم هذا المشهد بكتابه المثير للجدل: «اختراع ما قبل التاريخ: الإمبراطورية، والعنف، وهوسنا بأصول البشر»*، مجادلاً بأن ما نسميه «ما قبل التاريخ» ليس مجرد حقبة زمنية غابرة نكتشفها بالمعاول، بقدر ما هو اختراع فكري وُلد في قلب عصر التنوير الأوروبي، وظل يُستخدم منذ ذلك الحين أداةً آيديولوجية لتمرير سياسات الاستعمار، وتبرير العنصرية، بل حتى الإبادة الجماعية. وخلاصة قوله إن كل ما نظنه عن الإنسان الأول يعكس مخاوفنا وطموحاتنا الآنيّة أكثر مما ينبئ عن حقيقة الماضي البعيد، فكأنما حوَّلنا العلم إلى مرآة نرجسية نحدق فيها فلا نرى إلا ما نريد.

غلاف الكتاب

تبدأ رحلة الكتاب الاستقصائية من منتصف القرن الثامن عشر، على حافة تلك اللحظة الحرجة التي بدأ فيها العقل الأوروبي فك ارتباطه بالسردية الدينية للخلق الأول. فقبل ذلك الزمن، كان الكتاب المقدس يوفر تسلسلاً زمنياً قصيراً وواضحاً للوجود البشري. ومع تمدد الرقعة الاستعمارية، وجد الأوروبيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام شعوب في الأميركتين وأفريقيا لم يرد لهم ذكر في النص المقدس، فانبثقت أسئلة وجودية شائكة: من أين أتى هؤلاء؟ عندئذ وُلدت فكرة «حالة الطبيعة». ويشرح جيرولانوس كيف أن فلاسفة مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو إنما صاغوا تصورات خيالية عن الإنسان الأول بهدف تدعيم نظرياتهم السياسية فحسب. ففي تصور هوبز، كان الإنسان الأول غارقاً في صراع دائم، «حرب الكل ضد الكل»، مما شرعن الحاجة إلى سلطة استبدادية تحمي البشر من غرائزهم. أما روسو فقد ابتدع أسطورة «الهمجي النبيل» الذي أفسدته الحضارة، وقيدت فطرتَه الملكيةُ الخاصة.

ولم تلبث هذه التصورات أن تجاوزت كونها جدالات نظرية في صالونات باريس ولندن، لتتحول إلى ما يشبه بياناً استعمارياً. فقد صُنفت الشعوب الأصلية على أنهم «بشر يعيشون في حالة الطبيعة»، بمعنى أنهم يجسدون طفولة الجنس البشري التي تسبق التاريخ المدون. وقد منح هذا التصنيف الرجل الأبيض صفة الإنسان «البالغ» العقلاني، وجعل من السطو على أراضي الغير «مهمة حضارية» راقية تهدف إلى تهذيب هؤلاء «الأطفال» أو إزاحتهم إذا هم أبوا الانصياع لقوانين التقدم.

ومع بزوغ القرن التاسع عشر، انتقل الهوس بما قبل التاريخ من حقل الفلسفة إلى مجالات الجيولوجيا وعلم الأحياء. وقد أدى اكتشاف الطبقات الأرضية والحفريات، ثم طرح نظرية التطور الداروينية، إلى تكريس مفهوم «الزمن العميق». وهكذا، تمدد عمر البشرية من آلاف السنين الضيقة وفق الرواية التوراتية إلى ملايين السنين المترامية. غير أن هذا الكشف العلمي الهائل سرعان ما سقط في شرك التراتبية العرقية. ويصف جيرولانوس كيف تضافرت جهود الأنثروبولوجيا مع علوم الحفريات لتكريس فكرة أن البشرية تمر بمراحل حتمية للتطور: من «الهمجية» في العصر الحجري، إلى «البربرية» في العصر البرونزي، ووصولاً إلى «الحضارة» في العصر الحديدي وما تلاه، ويرى أن هذا التقسيم الثلاثي الشهير تجاوز مجرد توصيف الأدوات ليصبح حكماً قيمياً على الأمم، حيث صُوِّر السكان الأصليون في المستعمرات بوصفهم حفريات حية، أو بقايا بشرية تجمدت في الزمن.

لقد استُخدم شعار «البقاء للأصلح» لتبرير العنف الإمبراطوري. فإذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي، فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له. ويقتبس جيرولانوس عبارات صادمة من قادة عسكريين ومنظّرين رأوا في إبادة شعوب بأكملها مجرد عملية بيولوجية محضة، لا تختلف عن انقراض أنواع حيوانية لصالح أنواع أكثر كفاءة وقدرة على التكيف.

ولعل من أمتع فصول الكتاب ذلك الذي يتناول إنسان «النياندرتال»، حيث يتتبع جيرولانوس تغيرات صورته عبر العقود لتلبية أجندات سياسية راهنة. في البدء، صور إنسان نياندرتال كوحش غبي ومنحني الظهر لتأكيد تفوق الإنسان العاقل (الهوموسابين). أما اليوم، فنشهد إعادة رسم لملامحه بمواصفات أوروبية، شقراء وزرقاء العينين، حتى لقد باتت بعض جماعات اليمين المتطرف في الغرب تتخذه رمزاً لـ«العرق الأبيض الأصلي» المهدَّد في بقائه بفعل الهجرة. كما يسلط الكتاب الضوء على مفهوم «قشرة الحضارة الرقيقة»، تلك الفكرة التي شاعت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي تزعم أن الإنسان الحديث لا يزال يضمر في أعماقه ذلك «الهمجي» الذي تحكمه الغريزة والعنف. وقد استثمرت الدول هذه الفكرة لتبرير وحشيتها في الحروب؛ فما دام أن «الإنسان عدواني بطبعه» منذ عصور ما قبل التاريخ، فإن ممارسة العنف ما هي إلا عودة حتمية إلى «الحقيقة» البشرية المدفونة، فيغدو مفهوم ما قبل التاريخ شماعة نعلق عليها كوارثنا السياسية المصنوعة بأيدينا.

لا يكتفي جيرولانوس بالغوص في الماضي، بل يوجه سهام نقده اللاذع إلى المشهد الثقافي المعاصر، مهاجماً بحدة ظاهرة «التاريخ الكبير» التي يمثلها يوفال نوح هراري في كتابه «الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري». يرى جيرولانوس أن هؤلاء الكتاب يمارسون نوعاً من «الحكواتية العلمية»؛ إذ ينتقون حقائق منتزعة من سياقاتها في علم الوراثة والآثار لبناء روايات شمولية تبدو مقنعة ظاهرياً، غير أنها تفتقر إلى العمق التاريخي المنهجي وتعيد إنتاج الخطيئة الفكرية ذاتها: إيهامنا بأن الطبيعة البشرية ثابتة ومحددة سلفاً منذ مئات آلاف السنين. وهذا الضرب من التفكير، وفقاً لجيرولانوس، يقتل الفعل السياسي في مهده، ويوظف «علوم الأصول» بوصفه أداة لشرعنة الأوضاع القائمة، وإجهاض أي رغبة في التغيير. فإذا كانت الرأسمالية أو العنف أو اللامساواة مسطورة في حمضنا النووي منذ العصر الحجري، فما جدوى أي محاولة لتغيير المجتمع الآن؟

إذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له

يتوقف الكتاب أمام مفارقة تكنولوجية مذهلة. مع صعود الطيران الحربي، ذاع تهديد عسكري أميركي شهير على لسان الجنرال كورتيس ليماي، وتردد في صراعات لاحقة وصولاً إلى دونالد ترمب: «سنعيدهم إلى العصر الحجري ». ويتساءل جيرولانوس بمرارة: كيف لأحدث التكنولوجيات (الطائرات والقنابل) أن تُستخدم لإلغاء زمن الآخرين وإعادتهم إلى نقطة الصفر الوجودي؟ إن هذا التفكير يفترض ضمناً أن ثمة شعوباً تقبع بالفعل في «ما قبل التاريخ» أو على مشارفه، وأن العنف التكنولوجي هو اللغة الوحيدة الممكنة للتعامل معهم.

يختتم جيرولانوس كتابه بدعوة جذرية إلى التوقف عن التماس أنفسنا في مرايا الماضي السحيق، واعتناق نوع من التواضع الراديكالي إزاء غموض البدايات. إن شظايا العظام ورسوم الكهوف الصامتة لا تملك لغة بذاتها، ونحن من نمنحها ألسنة لتنطق بما نريد سماعه، ونصنع الماضي على مقاس حاضرنا لنبرر سطوتنا وهيمنتنا. إن «اختراع ما قبل التاريخ» مراجعة أخلاقية شاملة للمسار الفكري الغربي، ومرافعة نارية ضد سوء استخدام العلم، وحثٌّ صريح على أن نبني قيمنا ونصوغ مستقبلنا انطلاقاً من تطلعاتنا الإنسانية، لا من خرافاتٍ مختلَقة عمّا كان يفعله أسلافنا قبل مئات آلاف السنين. إنه ضروري لكل من يريد فهم كيف تُصنع الأفكار، وكيف تُستخدم الأسلحة النظريّة لتشكيل العالم الذي نعيش فيه.


المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل
TT

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن، وكتّاباً رجالاً سجلوا تجاربهن مع مثقفات أحبوهن أو عايشوهن.

وفي كل الأحوال، المرأة المثقفة كانت من بين البطلات اللواتي كن خياراً محبباً، في الروايات العربية خاصة عند الكاتبات، لكن الظاهرة نادراً ما درست. الكاتبة اليمنية هدى العطّاس اختارت 11 رواية، 4 منها كتبها رجال، والباقي لكاتبات نساء لدراستها النقدية في سوسيولوجيا الأدب وتحليل الخطاب، ما يفسح فرصة لتلمس الفرق بين كتابة الجنسين عن تجارب لها ما يجمعها.

«المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد» كتاب صادر، في بيروت عن «دار رياض الريّس»، وهو يتناول روايات من مصر، لبنان، سوريا، تونس، الجزائر، عمان، السعودية. ويغطي حقبة زمنية مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية، تمتد من خمسينات القرن الماضي حتى عام 2015.

الرجل يحمي المثقفة

من خلال النصوص المختارة، تعرض الكاتبة لنماذج مثقفات تناولتهن الروايات، انطلاقاً من اعتبار الأعمال الروائية منتجاً اجتماعياً - ثقافياً، وليس مجرد عمل فني. أمينة في «أنا حرّة» عند إحسان عبد القدوس تسعى لكسر قيود واقعها الاجتماعي، وهي التي غبنت منذ تخلى أهلها عنها في سنيها الأولى، ينتهي بها الأمر رغم طموحها لأن تتوارى خلف الرجل الذي أحبته. أما «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد فتصوّر الفتاة المنحدرة من قرية في جنوب لبنان في ستينات القرن الماضي، مهجوسة بالمدينة (بيروت) التي هي بالنسبة لها صنو الانعتاق. لكن تحقق الحلم يتحول إلى اضطراب ومحن وضياع. أما زينب عبد الجبار في «تماس» للتونسية عروسية الناتولي فتمرّ بمخاضات طويلة، ولا تجد خلاصها، سوى في الكتابة كبدل عن ضائع. علوية صبح في «اسمه الغرام» تقدم أكثر من نموذج نسائي، فهناك الشاعرة، والأكاديمية، ومدرسة الرياضة. ورغم أن نهلا الأديبة والشاعرة تقفز فوق التابوهات، وتثأر للمقولات الجاهزة والتقاليد المكبلة، فإن علوية صبح لا تكافئ شجاعة بطلاتها، بل تعاقبهن، كما هي حال آخرين من الروائيين والروائيات.

سمات مشتركة للبطلات

بطلات الروايات يعشن مواجهات قاسية لإثبات وجودهن أو تحقيق طموحاتهن. مجابهات مع البيئة والموروثات، والخطاب الذكوري، حتى حين يعشن في دائرة الرجال المثقفين أنفسهم.

تشرح الكاتبة العطاس أن اختيارها وقع على نماذج روائية تتميز بحمولتها الاجتماعية في زمن محدد، كي تكون المقارنات منصفة. هي روايات نشرت على مدى 65 عاماً، كتبت في جغرافيات مختلفة، وعاشت بطلاتها في بيئات متباينة، من طبقات اجتماعية متفاوتة. أما الأحداث فغالباً ما تدور في المدينة. هؤلاء المثقفات، جامعيات، بينهن السنية والشيعية والمسيحية والدرزية، ميولهن السياسية إما يسارية، أو في الغالب بلا انتماء سياسي أو آيديولوجي. أربع فقط من النساء في الروايات المختارة انخرطن في العمل السياسي، وانتمين إلى أحزاب، أما الأخريات فلا يحفلن بالسياسة وشؤونها، وتبقى امرأة واحدة مجهولة الانتماء السياسي.العمل صنو الاستقلاليةلكن بعض الكاتبات، مثل رضوى عاشور في «فرج»، وإيمان حميدان في «خمسون غراماً من الجنة»، اعتبرن الرواية منصة لكشف الغطاء عن ممارسات السجون والمعتقلات وأجهزة المخابرات، وفضح زيف المنظومة السياسية بآيديولوجياتها وأحزابها، من يمينية أم يسارية.

مقابل ضعف الانخراط السياسي، فإن المثقفات في الروايات أظهرن حرصاً على مواصلة تعليمهن وتحصيل درجة جامعية. تقول المؤلفة: «في غمرة التحولات، وما أشاعته من تطلعات، صار التعليم الجسر الذي عبرت عليه فئات من النساء، لتغيير مصائرهن بالخروج من المجتمع التقليدي، واكتساب علم وثقافة عصريين وسلوك حديث».

نساء منشغلات بهاجس الاستقلال المادي، معظمهن، يردن الوصول إلى امتلاك خياراتهن، وحريتهن بالتخلص من الهيمنة الذكورية داخل العائلة، والمجتمع المحيط بهن.

الروائيون يعنفون بطلاتهم

تلاحظ المؤلفة أن الحضور النسائي يطغى على أعمال الروائيين الذكور، وحضور المرأة إما يكون قدسياً أو مشيطناً من خلال السرد، والنصوص نادراً ما تقدم شخصيات متوازنة، تتبنى وعياً نسوياً أو إدراكاً عميقاً لحقوقها. روايات تعكس أحكاماً، ووجهات نظر البيئة الاجتماعية والواقع الذي يتشكل فيه النص. أحياناً يحمّل الروائي الشخصية هواجسه، وعقده الذكورية، ورؤيته، ويعتبر الرواية منبراً للتعبير عما يدور في خاطره. حتى إنه من الصعب الفصل بين انحيازات الرجل الذكورية عن انحيازاته في الرواية التي يكتبها. مثلاً، عند الروائيين الرجال، تتعرض البطلات لمحاولات اغتصاب، أو تحرش جسدي، بينما هنّ يناضلن، ويكافحن، للفكاك من الواقع الذي ينتهك إنسانيتهن. تقول الباحثة العطاس: «لأن الجسد الأنثوي يحتل موقعاً قدسياً في الثقافة المجتمعية العربية، فإن انتهاكه يعتبر الرمز الأعلى لتحطيم الأنوثة المتمردة، وإعادتها إلى حظيرة مصيرها التقليدي. فأي من بطلات الروائيين لم تنفك من هذا المصير».

واجهت هذا المصير بطلة صنع الله إبراهيم، في روايته «وردة» من أقرب رفاقها الحزبيين المؤدلجين، في بيئة ماركسية يفترض أنها تدّعي تبني المساواة الإنسانية والعدالة. موقف مشابه تتعرض له أمينة بطلة إحسان عبد القدوس في «أنا حرّة» التي استطاعت أن تهرب ممن حاول اغتصابها بعد أن عضته وشجّت رأسه بإناء زجاجي. وفي لبنان، توفيق يوسف عواد يعرض بطلته تيمية في «طواحين بيروت» للتحرش والاغتصاب. واللافت أن البطلات يتعرضن لهذه التجاوزات في بيئات مختلفة وأعمار متفاوتة. فبطلة عواد مثلاً تعرضت للاغتصاب، وهي طفلة في الريف في قريتها النائية من الوصي عليها.

وتعلق الباحثة: «كأنما صفة المثقف هي منجز ذكوري صرف في خطاب الروائي الرجل. وعليه، حينما تقتحم المرأة مساحات يظن أن الرجل قد مهدها وأنجزها، فإنها بالضرورة لن تقتحمها إلا مكسورة ناقصة».

وراء كل امرأة مثقفة رجل

في هذه الروايات الرجل هو الذي يأخذ بيد المرأة كي تتمكن من العبور، يرشدها برؤيته وخبرته لأنه سابق عليها. هكذا يفعل عبّاس بطل إحسان عبد القدوس في «أنا حرة»، إذ يقنع أمينة بأن غاية طموحها أن تكون حرّة، وعلى يديه تتلقى أول دروسها. والرجل هو أيضاً المنقذ للذاكرة الأنثوية. فهو الراعي الذي يوجه مصائر النساء. هذا ما نراه عند إبراهيم نصر الله وواسيني الأعرج. فقد جعل صنع الله بطله رشدي أميناً على ذاكرة وردة، وهي المعادل الموضوعي لمبادئه النضالية. أما الأعرج في روايته «سيدة المقام» فجعل من مريم معادلاً موضوعياً للجزائر، المدينة التي داسها المتطرفون على حين غرّة، ولغّموا شوارعها وطرقاتها بالقتل والإرهاب. فالراوي عند الأعرج مثقف، روائي وموسيقي، أخذ بيد مريم وشجعها على رقص الباليه، وأصبح أستاذها.

الروائيات ينهلن من عذاباتهن في الكتابة

الروائيات لهن الغلبة في عدد الروايات المدروسة في الكتاب، بسبب قلة الحضور الواضح للمرأة المثقفة في نصوص الروائيين الرجال.

فعند الروائيات، نجد النساء البطلات يبحثن عن ذواتهن المنعكسة في المرآة الاجتماعية، كأنهن ينتزعنها من ذلك الهشيم المتناثر. بحسب الباحثة، فإن «الروائية ربما تتقصد سلفاً أن تضع خريطة لمسيرتها في حقل تعبيري، هو الرواية، حيث تعلم مسبقاً الشراك والألغام المطمورة في داخلها. وهي معنية بتفجيرها غير هيابة بمخاطرها، ترفع الحجب لتعري المسكوت عنه، وتقتحم المحرمات الاجتماعية».

تعتبر الكاتبة أن الروائيات يصورن بطلات «تعشن تشظياً في الهوية وتمزقاً بين الخيارات الاجتماعية». إنهن نساء يعانين من اغتراب داخل المؤسسة الزوجية لأنها تجعلهن أسيرات التقاليد والعادات والقيم الجاهزة. لذلك، نجدهن ناقمات على هزال هذه المؤسسة وهشاشتها وتشوهها وزيفها. المرأة في المنطقة العربية هاجس للعار الاجتماعي، وهو ما يؤرق ذويها. لهذا، فإن ليلى في الرواية السعودية «امرأتان»، كما نازك السورية في «امرأة من طابقين»، وباني الجزائرية في «سيدة المقام»، يواجهن المصائر ذاتها. ليلى تساق إلى زواج من ابن عمها، بما يشبه ما ستعيشه نازك وباني.

نساء بمصائر متشابهة

عند الروائيات، النساء المثقفات يعشن اغتراباً، هذا نجده في رواية رضوى عاشور، وعند بيطار، كما لدى الروائية السعودية هناء حجازي، على تباين الظروف الاجتماعية في البيئات الثلاث. فليلى ومرام بطلتا رواية «امرأتان» تعيشان اغتراباً عميقاً، وتقاومان صنوفاً من الانتهاكات والعنف الممارس عليهما، وينتهي بهما الأمر إلى وضع حدّ لحياتهما.

علاقة حميمة تربط الروائيات بنساء رواياتهن. وغالباً ما تتداخل تجارب الروائيات بملامح البطلات، ويشتركن أيضاً في الكشف عن المسكوت عنه، والبوح. ومن بين المشتركات بين نساء الروايات المختارة، هو تعرضهن للعنف، وإن كان بأشكال مختلفة. فإن لم يكن عنفاً جسدياً، فهو عنف وقمع معنويان. فكما زُوّجت «ليلى» السعودية قسراً لابن عمها، حتى لا تتسبب بفضيحة لأهلها، في رواية «امرأتان» لهناء حجازي، وفي رواية علوية صبح «اسمه الغرام» استعان الأهل بخطّابة لتدبير زواج تقليدي لـ«نهلا» اللبنانية المسلمة، لمنعها من الزواج من حبيبها المسيحي. وهو أيضاً ما فعلته أسرة «نازك» السورية المسيحية في رواية «امرأة من طابقين» حين رفض أهلها حبيبها المسلم الذي تقدم لخطبتها، ودفعوها إلى الزواج بشاب من دينها وطائفتها.

العائلة شرارة العنف الأول

تظهر الروايات أن العائلة هي الحاضن الأول للعنف، الذي غالباً ما تواجه به المرأة المثقفة، ذات التطلعات الطموحة. وإن حظيت المرأة المتعلمة ببعض أشكال الدعم الأسري، يظل ضئيلاً. هكذا، ومع تنوع البيئات تبقى المرأة كائناً ناقصاً يخضع للمراقبة والتقويم. أما التعليم والثقافة اللذان تناضل النساء في سبيلهما، فغالباً ما يضاعفان ممارسة القهر والعنف عليها. روائيون وروائيات هموم رؤى مشتركة ثمة ما يجمع الكتّاب من الجنسين، فهم يكتبون غير منقطعين عن عوالمهم الداخلية، وتجاربهم الشخصية، ومحمولاتهم الثقافية. كما أن الروايات جميعها تُبقي التعليم مدماكاً أساسياً لإخراج المرأة من شرنقتها، وجعلها قادرة على تجاوز المظالم وكسر حلقة التعنيف التي تحيط بها. كذلك تتكرر تيمة العمل كوسيلة للوصول إلى الاستقلالية المادية وتعزيز إمكانية اتخاذ قرارات شخصية ومسؤولة. ومن المواضيع التي يشترك بها الجنسان مسألة الوعي الأنثوي للذات والكفاح من أجل الانتقال إلى مكان أفضل، وإن بدت الإخفاقات كثيرة، في أغلب الروايات.


الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.