البترول يغادر عصره الذهبي... ونيرانه تخبو لكن لن تنطفئ

لعب دوراً محورياً في تطور البشرية وفي مصائر المجتمعات

البترول يغادر عصره الذهبي... ونيرانه تخبو لكن لن تنطفئ
TT

البترول يغادر عصره الذهبي... ونيرانه تخبو لكن لن تنطفئ

البترول يغادر عصره الذهبي... ونيرانه تخبو لكن لن تنطفئ

دخلت منطقة الشرق الأوسط في قلب الأحداث العالمية منذ النصف الثاني للقرن الواحد والعشرين لأسباب، أبرزها وجود النفط، السلعة التي أصبحت المحرك الرئيسي لعجلة الصناعة والاقتصاد في العالم، لكن هذه السلعة التي تسابقت من أجلها دول العالم، وتسببت في اشتعال حروب وصراعات دامية، وأدت إلى بروز قوى وخمود أخرى، هذه السلعة توشك أن تغادر دور البطولة في المسرح العالمي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين.
وفي كتابه المهم «النفط بين إرث التاريخ وتحديات القرن الحادي والعشرين»، لمؤلفه الدكتور ماجد المنيف، الخبير في مجال التخطيط والاقتصاد والنفط، يستعرض دور النفط التاريخي وأثره السياسي والاقتصادي، والتحديات التي يواجهها.
صدر الكتاب مؤخراً عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء، ووقّع المؤلف نسخاً منه في مكتبة مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) بحضور وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، ورئيس شركة «أرامكو» أمين الناصر، وعدد من الاقتصاديين والمختصين في مجال الطاقة. يلاحظ المنيف، أن النفط الذي أسبغت عليه عدة أوصاف كالذهب الأسود والسلعة الاستراتيجية، اعتبر حيناً نعمة للدول المنتجة له، وأحياناً نقمة ومدعاة للأطماع والتوترات والنزاعات السياسية.
يلاحظ كذلك، أن دور النفط قد تطور كما تطورت هيكلة أسواقه والفاعلين في علاقاته عبر الزمن: «إذ إن علاقات عصره الذهبي في القرن العشرين تعرضت لتحديات وتغيرات تفاعلت لتنتج مسارات اقتصادية واجتماعية وسياسية وتقنية وبيئية في القرن الحادي والعشرين تضعف من دوره في منظومة الطاقة والاقتصاد العالميين».
كما يشير إلى أن «ما ورثه النفط من علاقات في القرن الماضي والتحديات التي تواجه صناعته وأسواقه ودوله المنتجة في القرن الحالي يفرض خيارات تختلف عما واجهته طوال تاريخها»، وهو ما يهدف الكتاب إلى إيضاحه، من خلال تتبع أسواق النفط وعلاقاته منذ اكتشافه تجارياً حتى الآن.

نيران النفط
يرى المؤلف، أنه منذ اكتشافه واستغلاله تجارياً نهاية العقد الخامس من القرن التاسع عشر وحتى الآن، حظي النفط باهتمام لم تحظَ به أي سلعة أولية أخرى؛ نظراً إلى دوره المحوري في تطور البشرية؛ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وفي تشكيل مصائر وتنظيم مجتمعات ‏الكثير من الشعوب والدول وعلاقاتها فيما بينها. وبينما شكّل النفط أملاً وفرصاَ للتقدم والرقي استفادت منه بعض الأمم، شكّل لأمم أخرى هاجساً وعائقاً للتنمية المستدامة وللاستقرار السياسي. ‏وبينما قرّب دولاً وشعوباً في آنٍ، باعد فيما بينها في أحيان أخرى. ونظراً إلى ما اكتنف علاقاته المتداخلة وأنماط استغلاله وتوزيع الريع منه وإدارة أسواقه من سلبيات، ربطها بعض الباحثين ‏وجانب من الرأي العام بالحروب والأزمات والأطماع. وهو يرى أن نوعاً من الفجوة أو عدم التناسب نشأ بين الحقائق العلمية وأساسيات السوق من جهة، وبين الانطباعات العامة ‏والتغطيات الإعلامية والسياسات الحكومية من جهة أخرى.

النفط: بزوغ وأفول

يرى الدكتور المنيف، أن القرن العشرين كان قرنا للنفط بامتياز؛ إذ جرى خلاله زيادة مطّردة في إنتاجه واستهلاكه إلى أن تمكن منذ أواسط عقد التسعينات من إزاحة الفحم بصفته مصدرا رئيسيا للطاقة، وتصدّر ذلك الدور حتى الآن.
وشهد القرن العشرون الدخول القوي للنفط في قطاع النقل وفي التطور الصناعي والتقني، وارتباط النمو الاقتصادي والحضري بتوفر إمداداته وتدني واستقرار أسعاره طوال الجزء الأكبر من القرن.
‏واعتبرت الفترة الفاصلة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وعام 1973 «العصر الذهبي للنفط»؛ إذ زاد الطلب العالمي عليه بأكثر من ستة أضعاف خلال فترة الخمسة والعشرين عاما بين عام 1948 و1973، وارتفعت احتياطاته الثابتة بعشرة أضعاف، وإنتاج الشرق الأوسط ‏بأكثر من 12 ضعفاً، وتم بناء أكثر من 200 مصفاة تكرير خارج الولايات المتحدة، ونحو 1750 ناقلة نفط. وكان ذلك مدفوعا بنمو اقتصادي عالمي تتجاوز 8 في المائة ‏سنوياً، وزيادة في حركة النقل معَّبرا عنها بزيادة عدد السيارات بخمسة أضعاف (نحو 10 أضعاف في أوروبا) والنقل الجوي بثمانية أضعاف. وفي مقابل ذلك، اتسم القرن، وخصوصاً النصف الثاني منه، بتزايد الاهتمام بطبيعة النفط بصفته موردا ناضبا، وخلال العقود الثلاثة منه ازدادت حدّة تقّلب أسعاره، وزاد الاهتمام بآثاره البيئية المحلية والكونية (التغير المناخي) خلال العقد الأخير منه.

النفط والصراعات
يلاحظ المؤلف، أن الباحثين العرب في مجال النفط – على قلتهم - بدأوا متأخرين عن نظرائهم في أوروبا، رغم أن النفط: أدى دورا في التطور الاقتصادي والاجتماعي وفي ميزان الطاقة العالمي، وفي العلاقات التي صيغت في المراحل التاريخية لاستكشافه وإنتاجه ونقله وتكريره واستخدامه في القطاعات المستهلكة، وكذلك في علاقات التسعير، والإنتاج والتبادل عبر الحدود، والعلاقات الدولية التي نسجت في ظله، ومن خلاله، وفي دوره في اقتصاديات الدول المنتجة والمستهلكة، إلى أن اكتسب النفط هالة إعلامية وسياسية وثقافية لم تحظَ بها سلع أولية أخرى. ونتج من تعدد تشابك وتعقد علاقات النفط إلى أن أصبحت تطوراته، وتوقعات ‏مسار إنتاجه وأسعاره، وسلوك منتجيه أو مستهلكيه ومستورديه، في صلب اهتمامات الباحثين في الاقتصاد والسياسة والمال والفكر الاستراتيجي وغيرها. هذا علاوة على اهتمام الحكومات والمنظمات الدولية الاقتصادية والسياسية.
في هذا الصدد، يلاحظ المؤلف أنه بموازاة الاهتمام البحثي العالمي في النفط وعلاقاته، كان الإنتاج البحثي العربي في مجال النفط وعلاقاته محدودا، وإن ازداد كثافة في عقد السبعينات. وكان الدافع لذلك الاهتمام العالمي بدور المنطقة عقب ما أصبح يعرف بـ«أزمة الطاقة العالمية الأولى» التي تزامنت مع «الحظر النفطي العربي» بعد الحرب العربية الإسرائيلية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، وما نتج منها من تداعيات سياسية واقتصادية وإعلامية، راجت خلالها شعارات في الدول الصناعية الرئيسية مثل: «أمن الطاقة»، أو «تقليص الاعتماد على نفط الشرق ‏الأوسط»؛ ما حفز الباحثين العرب في المنطقة وخارجها على تكثيف اهتمامهم بالنفط وعلاقاته. لذلك؛ كان الاهتمام البحثي العربي بالنفط انعكاساً أو ردة فعل للاهتمام العالمي الذي ارتبط بالأزمات السياسية في المنطقة وتأثيرها على إمدادات النفط وأسعاره مثل: الثورة الإيرانية، والحرب العراقية الإيرانية، وغزو العراق للكويت، وحرب تحريرها، والغزو الأميركي للعراق، وتداعيات الربيع العربي، وغيرها.
يلاحظ كذلك، أن الاهتمام البحثي العالمي بالنفط تجدد بداية عقد التسعينات ‏مع تصدر الاهتمامات البيئية الأجندة العالمية، وخصوصا التغيّر المناخي، ودور النشاط البشري الناتج من حرق مصادر الطاقة الأحفورية، ومنها النفط في تلك الظاهرة.

مستقبل النفط
يغطي الكتاب ثلاثة أقسام رئيسية في 16 فصلا و670 صفحة. يضم القسم الأول خلفيات وخصائص النفط وبنية صناعته وطبيعة العلاقات بينه وبين الغاز الطبيعي، وكذلك بينه من جهة وبين الطاقة والاقتصاد والسياسة والبيئة من جهة أخرى، بما في ذلك دوره بصفته سلعة استراتيجية، والأطر التي تحكم كل ذلك.
ويشمل القسم الثاني من الكتاب حصاداً لعلاقات النفط في القرن العشرين وتداعياتها حتى الآن، والتحديات التي تواجه صناعته ومنتجيه في العقود المقبلة من القرن الحادي والعشرين. ونظراً لمركزية منطقة الخليج العربي، في علاقات النفط العالمية وتأثر علاقاته بالأوضاع الجيوسياسية وتأثيره عليها تعرض الكتاب لكيفية تشكّل امتيازات النفط في المنطقة وتأثيرها على موقعها في ميزان العرض العالمي من النفط وفي تشكيل تاريخها الاجتماعي والسياسي خلال القرن.
وتشمل فصول الكتاب تحليلاً لهيكل وتنظيم السوق النفطية منذ بزوغ القرن الماضي بدءًا بدور الشركات العالمية في تنظيم السوق، مروراً بدور «أوبك» والآليات التي اتبعتها ونجاحاتها وإخفاقاتها في إدارة دفة السوق، ومحددات تشكيل أسعار النفط في الوقت الراهن.
يتعرض المبحث الثالث لقضايا وتحديات وفرص للنفط في القرن الحادي والعشرين، منطلقاً من توقعات الطلب والعرض منه حتى عام 2040، كما تنشرها دورياً بعض الشركات العالمية، وكذلك المنظمات الدولية المختصة. ويخلص الفصل إلى أن التوجه العام للتوقعات هو بطء في نمو الطلب على النفط عموماً، وتركز ذلك النمو على الدول النامية وفي قطاع النقل، ‏وانخفاض في إنتاج النفط التقليدي من خارج «أوبك» وزيادة في إنتاج غير التقليدي منه بوتيرة أسرع، وزيادة في حصة المنطقة العربية من الإمدادات العالمية من نوعه التقليدي.
ويتناول فصل آخر إشكالين سيؤثران على مسار علاقات النفط في القرن الحادي والعشرين، وهما: ذروة إنتاجه وذروة الطلب عليه، وافتراضات واستنتاجات كل منهما والمآخذ عليهما.
ويشير هذا الفصل إلى أن ذروة إنتاج النفط تنطلق من حقيقة جيولوجية متفق عليها، ولكن توقيت تلك الذروة عالمياً يعتمد على تحقيق افتراضات كثيرة، وأن التقدم التقني والأسعار قد أضافا إلى قاعدة الموارد وجعلا الاستثمار في النفط غير التقليدي مجدياً، وأبعد عبر الزمن توقيت ذروة الإنتاج عالميا. أما الوصول إلى ذروة الطلب على النفط فينطلق من المكاسب في كفاءة استهلاكه في القطاعات المستخدمة كالصناعة والنقل.
ويستنتج أنه على الرغم من وصول الطلب على النفط إلى الذروة في الدول الصناعية عام 2005، فإن النمو في طلب الدول النامية عوض الانخفاض ‏في ذلك الطلب، وأدى إلى نمو موجب في الطلب العالمي عليه، وأن ذلك سيستمر حتى العام 2040 وما بعده. لكن من الأرجح أنه خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين سيصل الطلب إلى الذروة نتيجة تطوير البدائل ورواجها.
وفي عرضه الكتاب قاله الدكتور ماجد المنيف، إنه يستعرض التحديات التي يواجهها النفط مستقبلاً، وإن كنا نعتبر أن القرن العشرين هو قرن النفط بامتياز وأنه شهد العصر الذهبي لهذه السلعة، فإن التحديات تواجه هذه السلعة بداية القرن الحادي والعشرين، ويقول المنيف، ‏إن الطلب العالمي على النفط سينخفض، وإن ما شاهدناه في الخمسين سنة الماضية – من بلوغ الطلب على النفط إلى الذروة - لن نراه في الخمسين سنة المقبلة.
كذلك، توقع المنيف أن تكون الزيادة الأكبر في الطلب عن النفط، هي للنفط غير التقليدي؛ وهو ما يعزز التحديات أمام نفط الشرق الأوسط، وفي هذا الصدد يقول أيضا إنه يتوقع أن تواصل منطقة الشرق الأوسط تلبية معظم الزيادة في الطلب على النفط.
وهو يلاحظ أن أي تطور في صناعة الطاقة المتجددة سوف يستمر بغض النظر عن تقلبات أسعار النفط وخيارات الطاقة المتجددة. ويلاحظ كذلك، أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الصناعة النفطية هي في التطورات التقنية، وبخاصة في قطاع النقل وصناعة السيارات، وهي ما يمكن أن تؤدي إلى انخفاض الطلب العالمي إلى ما بين 4 و6 ملايين برميل يومياً، مؤكداً أن قدرة دول المنطقة على استشراف المستقبل سيكون عاملا مهما في مواجهة التحديات. مشيراَ إلى أن دول الشرق الأوسط ما زالت تحتفظ بميزة كونها الأقل تكلفة في الإنتاج عالمياً.
تخّرج الدكتور ماجد بن عبد الله المنيف في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة الملك سعود بالرياض، وحصل على ماجستير في الاقتصاد من جامعة أوريجون في الولايات المتحدة الأميركية، ثم على الدكتوراه في الاقتصاد من الجامعة نفسها. وسبق أن عمل في السلك الأكاديمي، أستاذا في كلية العلوم الإدارية في جامعة الملك سعود، كما أصبح وكيلا للكلية. ولديه مؤلفات معتمدة أكاديميا في جامعات عدة في المجال الاقتصادي، أشهرها كتاب «مبادئ الاقتصاد التحليلي الجزئي».
وعمل مستشارا اقتصاديا لوزارتي المالية، والتخطيط خلال الثمانينات الميلادية من القرن الماضي، وفي عام 2003 عُيّن ممثلا للسعودية في مجلس محافظي «أوبك»، كما اختير في عام 2004 نائباً لرئيس مجلس الطاقة العالمي. وشغل منصب عضو الهيئة الاستشارية في المجلس الاقتصادي الأعلى في السعودية، وفي فبراير (شباط) 2013 تم تعيينه أمينا عاما للمجلس.


مقالات ذات صلة

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
كتب همنغواي

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة

ندى حطيط
كتب إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

في كتابه الجديد، «التنظيم المصرفي في المملكة العربية السعودية... الهيكل المصرفي والعمليات المصرفية»، يسعى الباحث والمؤرخ الاقتصادي الدكتور إبراهيم الناصر،

بدر الخريف (الرياض)
كتب «شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

صدر مؤخراً كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» لرجل الأعمال السعودي عبد اللطيف سعيد محمد العمودي، ويقع في 254 صفحة في القطع المتوسط،

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي
TT

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية في تكوينها الثقافي، فهذه البلاد التي مارست نفوذاً عسكرياً وسياسياً هائلاً، وأنتجت رأسمالية جارفة، وأعادت تشكيل الخيال البصري العالمي عبر السينما والمنصات الافتراضية، أتاحت كذلك ولادة أدب شديد الثراء، دخل في صميم التراث الأنغلوفوني، وفرض أسماءه على الذاكرة الإنسانية الحديثة. والاعتراف بهذه الحقيقة يدخل في باب الإنصاف الثقافي؛ إذ يستطيع المرء أن يقرأ أميركا بعين ناقدة، وأن يرى في الوقت نفسه أن تربتها التاريخية المضطربة أنجبت روائيين وشعراء صنعوا عالماً أدبياً واسعاً، قادراً على مساءلة السلطة، وكشف العنف، وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله.

نشأ الأدب الأميركي من توتر تناقضيّ بين الأرض والفكرة. فالقارة، منذ بواكير تشكلها الحديث، حملت وعداً بالحرية، وخطاباً عن الخلاص وتجربة عبودية، فضاءً مفتوحاً للمغامرة ونظاماً قاسياً للتوسع والسيطرة. ومن هذه المفارقات خرجت طاقة سردية نادرة. كان الكاتب الأميركي، في معظم محطاته الكبرى، يكتب من قلب تضادٍ حاد: بين الفرد والجماعة، والطبيعة والصناعة، والحلم والمال، والهامش والمركز، واللغة اليومية والبلاغة الموروثة من أوروبا. لذلك؛ اكتسب الأدب الأميركي نبرة خاصة، نبرة تبحث عن شكل جديد لعالم جديد، وتتعامل مع الرواية والقصيدة بصفتهما وسيلتين لاختبار معنى الإنسان وسط مجتمع سريع التحول.

والت ويتمان

في البدايات، كان صوت فيليس ويتلي، الشاعرة السوداء التي نشرت ديوانها خلال القرن الثامن عشر، إشارةً مبكرة إلى أن أدب الولايات المتحدة سيخرج من مناطق التناقض الأخلاقي الكبرى. امرأة مستعبدة تكتب شعراً كلاسيكياً رفيعاً داخل مجتمع يتحدث عن الحرية ويمارس العبودية؛ هذه المفارقة وحدها تلتقط كثيراً من مأساة التجربة الأميركية.

في القرن التاسع عشر، بدأ الأدب الأميركي يقطع صلته التابعة بالذائقة البريطانية شيئاً فشيئاً، وراح يصوغ خياله الخاص عبر الطبيعة، والبحر، والغابة، والمدينة، والحدود المفتوحة. عند ناثانيال هوثورن، في «الحرف القرمزي»، ظهرت أميركا البيوريتانية كذاكرة ذنب وعقاب ورقابة أخلاقية خانقة. وعند هرمان ملفيل مبدع «موبي ديك»، صار البحر مسرحاً ميتافيزيقياً للصراع بين الإنسان والقدر والهوس والمعرفة، وتحولت مطاردة الحوت ملحمةً عن العمى السلطوي وشهوة السيطرة على المجهول.

ثم جاء والت ويتمان ليمنح الشعر الأميركي جسداً واسعاً كالقارة. في «أوراق العشب»، خرجت القصيدة من القوالب المغلقة، واحتفت بالجسد، والعمل، والشارع، والعمال، والبحارة، والعشاق، والغرباء، وفتحت ضمير المتكلم على جماعة بشرية كاملة. كان ويتمان ينحت قصائد تشبه الديمقراطية في اندفاعها وتعددها واتساعها، حتى وإن بقيت تلك الديمقراطية نفسها مثقلة بتناقضاتها التاريخية. على ضفة أخرى، صنعت إميلي ديكنسون ثورة معاكسة: عزلة غرفة صغيرة، ونص مزروع بشرطات فاصلة تقطع الإيقاع وتفتح المعنى، وأسئلة عن الموت، والأبدية، والروح، والطبيعة. إذا كان ويتمان قد كتب أميركا بصيغة الامتداد، فإن ديكنسون كتبتها في صيغة الوميض الداخلي، وكشفت عن أن الشعر يستطيع أن يبلغ الكون من نافذة ضيقة.

توني موريسون

مع مارك توين، وصل الأدب الأميركي إلى نهره الكبير مجازياً وجغرافياً. «مغامرات هكلبيري فين» ليست مجرد حكاية فتى يهرب على طوف في نهر المسيسيبي، إنها مواجهة ساخرة مع العبودية، والنفاق الديني، والعنف الاجتماعي، كما اللغة الرسمية التي تبرر القسوة. أهمية توين أنه أدخل العامية واللهجات والضحك الخشن إلى قلب الأدب، وجعل النهر طريقاً لقراءة مجتمع كامل. من بعده، أعاد هنري جيمس النظر في العلاقة بين أميركا وأوروبا، وبين البراءة والقِدم، وبين المال والذوق، كما في «صورة سيدة»، التي جعلت من الرواية مختبراً للوعي الأخلاقي والنفسي.

عند مطلع القرن العشرين، جاءت الواقعية والطبيعانية لتضع الإنسان تحت ضغط البيئة، والطبقة، والعمل، والغريزة. جاك لندن في «نداء البرية» كتب عن الكائن حين تعيد الطبيعة القاسية تشكيله، وثيودور درايزر في «أخت كاري» و«مأساة أميركية» نظر إلى المجتمع الصناعي بوصفه آلة تصنع الرغبة ثم تسحق أصحابها. ومع إديث وارتون، خصوصاً «عصر البراءة»، دخلت الطبقة الراقية الأميركية غرفة التشريح الروائي، حيث تبدو التقاليد الاجتماعية نظاماً رفيع المظهر، قاسياً في الجوهر.

انفجرت الحداثة الأميركية بعد الحرب العالمية الأولى. كان إرنست همنغواي، في «الشمس تشرق أيضاً» و«وداعاً للسلاح»، يكتب بجمل مقتصدة تخفي تحت سطحها جرحاً عميقاً، ويمارس أسلوباً يقوم على الإيحاء، حيث يطفو القليل وتبقى الكارثة في الأعماق. أما ف. سكوت فيتزجيرالد، في «غاتسبي العظيم»، فقد كتب المرثية الأكثر لمعاناً للحلم الأميركي: قصر، حفلات، أضواء، مال، عشق مستحيل، ورجل يبني حياته حول صورة زائفة عن الخلاص. جنوباً، خلق وليم فوكنر عالماً روائياً كثيفاً في «الصخب والعنف» و«أبشالوم، أبشالوم!»، حيث يتحول التاريخ لعنةً عائلية، وتصبح اللغة نفسها متاهةً تحمل عبء العبودية، والهزيمة، والانهيار الأخلاقي.

ملفيل

وفي الفترة ذاتها، نشأت نهضة هارلم، واحدة من أخصب لحظات الأدب الأميركي. لانغستون هيوز أدخل إيقاع الجاز والبلوز إلى القصيدة، وكتب عن العامل، والمغني، والفقير، والمدينة السوداء التي تصنع جمالها وسط العنصرية. زورا نيل هيرستون في «عيونهم كانت تراقب الله» منحت المرأة السوداء صوتاً سردياً نابضاً باللهجة والحكاية والرغبة. كلود مكاي وكونتي كالن وريتشارد رايت لاحقاً، في «ابن أصلي» جعلوا الأدب ساحة صدام مباشر مع العنصرية البنيوية، ومع ذلك لم يحولوا النص بياناً سياسياً أجوف، بل تجربة إنسانية وفنية شديدة التعقيد.

بعد الحرب العالمية الثانية، تمددت الخريطة أكثر. جون شتاينبك في «عناقيد الغضب» كتب ملحمة الفلاحين المطرودين من أرضهم تحت وطأة الكساد والرأسمال، وسول بيلو ورالف إليسون وفلانري أوكونور وسيلفيا بلاث وألن غينسبرغ وجاك كيرواك فتحوا مسارات جديدة للقلق الأميركي. إليسون في «الرجل الخفي» قدم واحدة من أعظم روايات القرن العشرين عن المحو الاجتماعي والسياسي للإنسان الأسود. غينسبرغ في «عواء» أطلق صرخة ضد الامتثال والجنون الصناعي والفراغ الروحي. بلاث في «آرييل» و«الناقوس الزجاجي» كتبت عن هشاشة الذات الأنثوية تحت ضغط المجتمع والمرض واللغة.

ثم جاءت توني موريسون لتعيد كتابة الذاكرة الأميركية من قلب الجرح. في «محبوبة»، بلغ الأدب الأميركي ذروة مواجهة كبرى مع العبودية بوصفها أثراً حياً يسكن الجسد، والبيت، واللغة، والأمومة. موريسون لم تكتب التاريخ كوقائع منتهية، بل كطاقة تطارد الأحياء، وتطالبهم باعتراف أخلاقي وجمالي. ومع جيمس بالدوين في «اذهب وقلها فوق الجبل» ومقالاته النارية، صار الأدب الأميركي مرآة لأسئلة العِرق والدين والجنس والمنفى الداخلي، بلغة تجمع الغضب والصفاء والنباهة الأخلاقية.

مارك توين

العقود الأخيرة شهدت اتساع أميركا الأدبية عبر تعدد أصوات النساء، والمهاجرين، والسكان الأصليين، واللاتينيين، والآسيويين. ساندرا سيسنيروس في «البيت في شارع مانغو» كتبت عن فتاة تشيكانية تسكن شيكاغو بلغة مقطعية شفافة، تجمع الشعر بالسرد، والفقر بالحلم، والبيت بالتوق للخروج. جوي هارجو، في «شروق أميركي»، أعادت وصل الشعر بتاريخ السكان الأصليين والأرض المسلوبة. ماكسين هونغ كينغستون في «المرأة المحاربة»، وجومبا لاهيري في «مترجم الأوجاع»، وأوشن فونغ في «على الأرض نحن رائعون لوهلة»، كتبوا أميركا بوصفها تعدداً لغوياً، ووعاءً لتقاطع الذاكرات، ومكاناً تتجاور فيه الهجرة مع الفقد، والانتماء مع التشظي.

هكذا يبدو الأدب الأميركي، بأفضل نماذجه، اعترافاً دائماً بأن البلاد التي صنعت القوة صنعت أيضاً نقد القوة، والمجتمع الذي أنتج الأسطورة أنتج كذلك مَن مزقها فنياً. قيمته العميقة تأتي من هذا التوتر: أميركا بوصفها إمبراطورية - تجارياً وعسكرياً وإعلامياً -، وأميركا بوصفها ورشة أدبية هائلة كتب فيها الشعراء والروائيون عن العبودية، والطبيعة، والمدينة، والجسد، والمنفى، والمال، والعنصرية، والحرب، والوحدة، والبحث المضني عن معنى. هذا الأدب يستحق القراءة لأنه يضع تلك البلاد أمام نفسها، ويجعل من اللغة محكمة خفية، ومن الرواية والقصيدة سجلاً للإنسان حين يحاول فهم عالم شديد الاتساع ومطلق القسوة.


إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية
TT

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

في كتابه الجديد، «التنظيم المصرفي في المملكة العربية السعودية... الهيكل المصرفي والعمليات المصرفية»، يسعى الباحث والمؤرخ الاقتصادي الدكتور إبراهيم الناصر، للتعريف بالنظام المصرفي السعودي وآفاق التطور التي تنتظره. ويرى المؤلف أن وجود نظام مصرفي يتمتع بالقوة والموثوقية يمثل العصب الرئيسي والقلب النابض لأي اقتصاد حديث؛ فالبنوك والمؤسسات المالية ليست مجرد أماكن لحفظ الأموال، بل هي المحرك الأساسي الذي يوجه السيولة، ويدعم النمو، ويضمن استقرار الدولة مالياً واجتماعياً.

وفي هذا الكتاب، أنجز الباحث ما يمكن أن يعد موسوعة شاملة عن البنوك ودورها في الاقتصاد المحلي السعودي، مستعرضاً تاريخها والصعوبات التي واجهتها منذ إنشائها، مروراً بمراحل تطورها، والعمليات المصرفية وأنظمتها، وتطور تشريعاتها.

وأكد الباحث أنه بالعودة إلى التنظيمات السعودية، وأحياناً إلى التنظيمات الأجنبية وخاصة الفرنسية، فقد سعى إلى تقديم عمل تكميلي يحاول سد الفجوات التي أظهرتها بعض القوانين مقارنة بغيرها. ويضيف: «إلا أن المهم بالنسبة لنا ليس التوقف عند التحليل، بل علينا أن نعي هذه المشكلة حتى نستطيع بناء نظام يستجيب لتطلعات الشعب السعودي وواقع المملكة».

ويرى الدكتور إبراهيم الناصر أنه إذا كان على نظام مراقبة البنوك أن يستجيب للضوابط العالمية، وأن تخضع جميع الدول للشروط نفسها التي تحتمها التجارة الدولية، فمن الضروري أيضاً التحقق من مدى تبعية النظام المصرفي في السعودية للنظام المصرفي الغربي. وزاد بالقول: «ولما كانت غايات النظام المصرفي تتناول ضرورة حماية الادخار وإدارة الائتمان، وبقدر عمومية هذه الغايات وتواجدها في أغلب الأنظمة الأجنبية التي وصلت إلى درجة من النضج تجعل النظام إلزامياً، ولما كان المشرع السعودي قد رأى أن تنظيم القطاع المصرفي أصبح حتمياً بسبب نموه، فقد كان من الطبيعي اللجوء إلى الحلول المتعلقة بهذه الغايات في الأنظمة الأجنبية الرئيسية، والاستفادة من تجاربها الإيجابية والسلبية، واختيار المزايا التي كرستها التجربة العملية».

وأشار الناصر إلى أن حتمية وجود حد أدنى لرأس المال، وشروط السلوك الحسن، والالتزامات المحاسبية، ومعدلات الملاءة والسيولة المختلفة، وانفصال النشاط المصرفي عن الأنشطة الأجنبية ومهنة الصرافة، وحظر المشاركات، ونظام الاحتياطي، كلها تشكل السمات الأساسية للنظام المصرفي السعودي. ونبّه إلى أن استعارة النظام من النماذج الأجنبية لم تكن كاملة؛ بل أخذ في الاعتبار متطلبات ومعطيات الظروف المحلية، واكتسب سمات أصيلة وخاصة لا تصادفها في النظم الأجنبية، كما هي الحال في خاصية إدارة المهنة المصرفية التي يميزها تمركز السلطات المالية والمصرفية تحت تصرف البنك المركزي السعودي (مؤسسة النقد آنذاك).

واعتبر الدكتور الناصر أنه لا يمكن إنكار عمومية الامتيازات الممنوحة للبنك المركزي، ولكن بقدر ملكية الدولة لمثل هذه السلطات السيادية - بمعزل عن أي تشريع - تستطيع الدولة في أي وقت إصدار تنظيمات تراها لازمة لضبط النظام المصرفي. وبيّن أن إحالة هذه السلطات إلى البنك المركزي لا تشكل في الواقع إلا ضماناً موضوعياً ومحايداً تقدمه الدولة ضد أي تدخل للعوامل السياسية أو الشخصية في إعداد التنظيم المصرفي. كما أن وجود هذه السلطات ضمن امتيازات الدولة لا ينبغي أن يُفسر على أنه يتضمن أي مساس بحرية البنوك حتى في ظل نظام الحرية المطلقة.

وبالنسبة للإدارة المصرفية، يرى الباحث أن بعض القواعد المطبقة ليست إلا ترجمة لقواعد الإدارة السليمة المنبثقة من التجربة، التي تمارسها بصفة عامة جميع البنوك الجادة. وبما أنها تمثل الحد الأدنى المطلوب، وتترجم الرقابة الكمية، فإن هذه القواعد لا تعوق حسن سير النشاط المصرفي، وإنما تشكل فقط الإطار الذي يمارس فيه هذا النشاط بحرية. وقد تحاشى المشرع السعودي - بصفة خاصة - إنشاء رقابة نوعية على النشاط المصرفي أو التدخل المباشر في العمليات المصرفية ذاتها عبر النص على طرق معينة لاستخدام الموارد، أو تنظيم الاشتراطات اللازمة لعمليات الائتمان تنظيماً صارماً؛ ولذلك فإن مبادرة المصرفيين ووعيهم الشخصي مصانان تماماً ويمكن ممارستهما بفائدة كبيرة في إطار التنظيم المصرفي.

وشدد الناصر على أن وجود نظام مصرفي بات اليوم ضرورة معترفاً بها، معتبراً أن التنظيم يهدف إلى إيجاد رقابة فاعلة على النشاط المصرفي، وإخضاع البنوك للسياسة الائتمانية وضمان أمن المودعين، حيث كانت سيولة وملاءة المؤسسات من الاهتمامات الرئيسية لتحويل النقود المصرفية إلى عملة قانونية. وأشار إلى أن الرقابة على البنوك التي أقرها المشرع السعودي لا تهدف فقط إلى حماية الودائع، بل إلى تنشيط القطاع أيضاً عبر تشجيع الادخار الخاص وتعزيز ثقة المدخرين بالبنوك بشكل أوسع. ولفت الباحث إلى أن بعض مخاوف الجمهور التاريخية من النظام المصرفي لم تكن نابعة من انعدام الثقة في قدرة وحكمة المصارف، بل أرجأها إلى تأثير الأحكام والتحفظات الدينية التي كانت مسيطرة على الأهالي آنذاك.

وعلى الصعيد الإداري، أكد الباحث أن حسن إدارة البنك يعود قبل كل شيء إلى القيمة البشرية؛ أي الأشخاص المكلفين بإدارته من أعضاء مجلس إدارة ومديرين وعاملين على مختلف مستوياتهم. ويبدو أن ذلك شكل أحد أهم الصعوبات التي واجهتها المملكة تاريخياً، وخصوصاً بعد مرحلة «سعودة» البنوك الأجنبية، مؤكداً ضرورة تعيين كادر من العناصر الوطنية المؤهلة وعالية المستوى. منوّهاً بأن أحد أهم أغراض تأسيس «البنك السعودي العالمي المحدود» كان تدريب أكبر عدد ممكن من الفنيين السعوديين في مختلف مجالات النشاط المصرفي الدولي، لتمكين هؤلاء المواطنين الأكفاء من الوصول إلى مراكز المسؤولية، وتولي إدارة الشؤون المصرفية في نهاية المطاف.


«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي
TT

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

صدر مؤخراً كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» لرجل الأعمال السعودي عبد اللطيف سعيد محمد العمودي، ويقع في 254 صفحة في القطع المتوسط، ويقدّم رحلة معرفية في تاريخ حضرموت وإرثها الحضاري والإنساني.

يتناول الكتاب صفحات من تاريخ حضرموت وأسباب تسميتها بهذا الاسم، والأهمية الجغرافية لحضرموت، مع استعراض لحدودها ومُناخها وأهم مُدنها والأنشطة الرئيسية لسكانها، كما يتناول قصة دخول الإسلام حضرموت، والصفات التي يتسم بها الحضارمة، ثم يعرج على سرد تاريخ هجرة الحضارم إلى أنحاء العالم، حيث امتدّت الهجرات الحضرمية إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركتين، وأسهم أبناؤها في التجارة والتعليم والعمل الاجتماعي والثقافي، تاركين بصماتٍ واضحة في المجتمعات التي استقرّوا فيها. ويعرض الكتاب تجربة الحضارمة في المهجر بوصفها تجربة إنسانية قائمة على التسامح والاعتدال والأمانة وطلب العلم، وقد أسهمت هذه القيم في بناء صورة إيجابية للحضرمي في المجتمعات المختلفة.

كما يقدّم الكتاب استعراضاً موجزاً للصراعات التي وقعت للسيطرة على حضرموت، ودور بريطانيا في فرض السلام بين الدويلات والقبائل المتنازعة.

ويخصص المؤلف الباب الثاني للحديث عن «وادي دوعن»؛ أشهر الأودية في حضرموت، ويقع في الجزء الغربي من المحافظة شرق اليمن، ويشتهر بطبيعته الخلابة، وقراه التاريخية المبنية من الطين.

يستفتح المؤلف حديثه عن هذا الوادي بمقولة للرحّالة الهولندي دانيال فاندر ميولين في كتابه «حضرموت - إزاحة النقاب عن بعض غموضها»، عندما زار الوادي في عام 1931 مستعرضاً صورة للمكان، قائلاً: «يقع وادي دوعن بين ضفتيْ صخوره العالية منغلقاً في أمان عن العالم، مثل قطعة غير حقيقية من جِنان منسية تنتظر يوم البعث. هذه هي جائزة المسافرين المُرهَقين من السفر في الصحراء. غمرتنا الفرحة ووقفنا على حافة أرضنا الموعودة يغمرنا الإعجاب. وما تجرّأنا ولا كان باستطاعتنا أن نتخيلها بهذا الجمال، هذه ليست بعدُ حضرموت الداخل، وإن كانت في الحقيقة بوابتها الخارجية. وقفنا على شفا الهاوية، وبدأنا نُدير آلات التصوير في صمت. ورغم الحرارة فلم نستطع أن ننتزع أنفسنا من السحر الذي خلبَنا به هذا الوادي الزاخر بالخصوبة والجمال، وسط صحراء قاحلة لا متناهية من الصخر والحجارة».

وعبد اللطيف سعيد محمد العمودي من الشخصيات التجارية والاقتصادية، وسبق أن قدم عدداً من المؤلفات مختصة بالإدارة والقيادة والمبيعات والتسويق؛ من بينها: «أساسيات البيع ومبادئ النجاح»، و«استراتيجيات تسويقية»، و«المدير التنفيذي الناجح»، و«قيادة الشركات العائلية»، و«القيادة الإدارية»، و«القيادة الأخلاقية»، و«كيف تصنع وتسوق العلامة التجارية»، و«فيروس الشركات العائلية والتخارج السليم».