«البوندستاغ» يعقد جلسته الأولى... لكنه لا يتسع لعدد الأعضاء المنتخبين

الموقف من حزب {البديل لألمانيا} الشعبوي يطغى على الجلسة

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ما زالت تعقد المشاورات مع الأحزاب الصغيرة من أجل ائتلاف حكومي تكون هي على رأسه (أ.ب)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ما زالت تعقد المشاورات مع الأحزاب الصغيرة من أجل ائتلاف حكومي تكون هي على رأسه (أ.ب)
TT

«البوندستاغ» يعقد جلسته الأولى... لكنه لا يتسع لعدد الأعضاء المنتخبين

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ما زالت تعقد المشاورات مع الأحزاب الصغيرة من أجل ائتلاف حكومي تكون هي على رأسه (أ.ب)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ما زالت تعقد المشاورات مع الأحزاب الصغيرة من أجل ائتلاف حكومي تكون هي على رأسه (أ.ب)

افتتح البرلمان الألماني (البوندستاغ) دورته الـ19 يوم أمس (الثلاثاء) بعدد قياسي من النواب بلغ 709 (عددهم سنة 1949 لم يزيد على 410)، وبهذا أصبح البرلمان الألماني الأكبر من نوعه في العالم بعد المجلس الوطني الصيني. يعود الفضل في هذه القفزة النوعية في عدد الأعضاء إلى عودة الحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) بـ80 نائباً، وإلى صعود حزب البديل لألمانيا اليميني الشعبوي كسادس كتلة برلمانية، وسابع حزب فيه (92 نائباً).
وبسبب هذا «التضخم» البرلماني، واضطرار العمال التقنيين إلى نصب مقاعد جديدة في البرلمان، دعا النائب الليبرالي هيرمان أوتو سلومز في كلمته الافتتاحية إلى إصلاح قانون البرلمان. ووصف سلومز التركيبة الحالية «بالمنتفخة»، وطالب بوضع حد لتضخم العدد الذي قد يعرقل عمل البرلمان مستقبلاً.
وواضح أن سلومز يحاول منذ الجلسة الأولى، التي تبدأ عادة بعد شهر من موعد الانتخابات، تخفيف حدة الصراع المتوقع بين الأحزاب الديمقراطية وحزب البديل لألمانيا، والتصدي للشجارات «الخشنة» المحتملة مع ممثلي الحزب اليميني المتطرف. وقال سلومز: إن الانتخابات الأخيرة غيرت موازين القوى في البرلمان بشكل حاسم. وأضاف، أن على النواب تقبل قرار الناخبين. وحذر من إيجاد قواعد جديدة أو البحث عن صيغ جديدة لتحجيم الآخرين. لكنه دعا النواب الديمقراطيين في الوقت ذاته إلى عدم السكوت عن التعديات والتصريحات المبطنة بالعنصرية والحقد وتجاوز الديمقراطية. وأردف، أن عضوية البرلمان شرف لكل ألماني، لكن الالتزام بالمهمات أكبر. وأشار إلى أن البرلمان ينتخب الحكومة ويراقبها، وليس العكس.
وتعتبر إناطة كلمة الافتتاح بالليبرالي سلومز حالة جديدة في البرلمان الألماني؛ إذ من المعتاد أن يفتتح أكبر النواب سناً جلسة الافتتاح قبل انتخاب رئيس البرلمان ونوابه، لكن البرلمان غير هذه القاعدة، المعمول بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قبل أيام قليلة من انعقاد جلسة الأمس. وصارت القاعدة الآن أن يفتتح الجلسة أكثر النواب خدمة في البرلمان. وواقع الحال، أن وزير المالية فولفغانغ شويبله (75 سنة) هو أكثر النواب خدمة في البرلمان (40 سنة)، لكنه تنازل عن الكلمة لسلومز (76 سنة) كي يتفرغ لكلمته بصفته رئيسا للبرلمان بعد انتخابه.
وكان من المفترض، بحسب القاعدة السابقة، أن يفتتح الجلسة النائب فيلهلم فون فوتبورغ، من حزب البديل لألمانيا (77 سنة)، لكن كل الأحزاب الأخرى رفضت ذلك علناً، ثم جاء التخلي عن قاعدة «النائب الأكبر سناً» من قبل البرلمان ليسحب البساط من تحت رجلي الحزب اليميني الشعبوي. وطبيعي، لم يفوت بيرند باومان، مدير أعمال كتلة حزب البديل لألمانيا، الفرصة كي يبعث شيئا من التوتر في جلسة البرلمان الافتتاحية. اتهم باومان، من على المنصة، كل الأحزاب الأخرى بالتآمر على حزبه واستخدام «الحيل» لسحب شرف افتتاح الجلسة من فون غوتبورغ.
وأثار باومان موجة من الامتعاض حينما قارن الحالة بواقعة مماثلة حدثت في زمن ألمانيا النازية. وقال باومان، إن رئيس الرايخ النازي هيرمان غورنغ حرم الشيوعية كلارا زيتكن من شرف افتتاح الرايخ رغم أنها كانت الأقدم سناً. واستفسر باومان: هل تريدون المواصلة على هذا المنوال؟ أو أن تعودوا إلى سكة الديمقراطية؟ ثم أشار إلى أن البرلمان القديم قد ختم دورته، وأن على الجميع أن يبدأوا مرحلة جديدة. تم بعدها انتخاب الديمقراطي المسيحي المخضرم فولغانغ لرئاسة البرلمان. ونال شويبله أكثرية 501 صوت مقابل 173 رافضاً و30 ممتنعاً عن التصويت، وبقية قليلة من الأصوات لم تكن صالحة.
وشكر شويبله، رئيس البرلمان السابق نوربرت لامرت، على عمله، ثم عرج من جديد على ضرورة الالتزام بالأصول في الجلسات وتجنب الشجار مع نواب الحزب الشعبوي. وقال شويبله: إن البرلمان هو قلب الديمقراطية النابض، ودعا إلى المرونة في الممارسة اليومية. وأضاف، أنه يتعامل داخل البرلمان، من خلال خبرته الطويلة، بروية مع الخلافات، وهذا ما سيفعله في السنوات الأربع المقبلة. و«النزاعات الديمقراطية» ضرورية من وجهة نظر السياسي شويبله، لكنه نزاع ينبغي أن يجري حسب القواعد. وقال مخاطبا كتلة حزب البديل لألمانيا: إن من الثقافة البرلمانية عدم التعدي على هذه القواعد، وتقبل قرارات الأكثرية بشكل ديمقراطي.
ونال حزب البديل لألمانية اللطمة الثانية، بعد منح كلمة الافتتاح لليبرالي سولمز، عندما فشل في ترشيح نائب لرئيس البرلمان؛ إذ رشح الحزب نائبه البريشت غليزر كأحد نواب رئيس البرلمان شويبله، لكن المرشح فشل في الحصول على أكثرية النواب (355 صوتاً). وفشل مرشح اليمين في تخطي ما ناله في الدورة الثانية السرية من التصويت مثلما فشل في الدورة الأولى. ونجحت الأحزاب الأخرى الستة في انتخاب ستة نواب لرئيس البرلمان تخطى جميعهم حاجز نصف الأصوات المذكور. قبل ذلك، كان على المستشارة أنجيلا ميركل وفريق عملها أن يقنعوا الليبراليين بالجلوس إلى جانب نواب حزب البديل لألمانيا في قاعة البرلمان. وكان الليبراليون يودون تغيير مكانهم، إلا أن كافة الأحزاب الأخرى رفضت وضع الحزب الشعبوي قربها أو في المنتصف.
الملاحظ هو أن التحالف الحكومي المحتمل بين المسيحيين والخضر والليبراليين تجسد خلال الجلسة رغم أن المباحثات بينهم حول التحالف المقبل ما زالت في بدايتها. وكانت الحركة والوشوشة والتنسيق بين نواب المسيحيين والخضر والليبراليين واضحة، وخصوصاً بين زعيم الخضر أوزدمير وزعيمة المسحيين ميركل وزعيم الليبراليين لندنر. وعلى أي حال كانت الكتل الثلاث تجلس قرب بعضها بعضا في قلب القاعة تاركين أقصى اليسار لحزب اليسار والحزب الديمقراطي الاشتراكي، وأقصى اليمين لحزب البديل لألمانيا.

- أصبح حزب البديل لألمانيا القوة السادسة في البرلمان الألماني لأول مرة. يحتل المحافظون 246 مقعداً، والاشتراكيون 153 مقعداً، وحزب البديل 92 مقعداً، والحزب الليبرالي 80 مقعداً، وحزب اليسار 69 مقعداً، وأخيراً حزب الخضر 67 مقعداً. واحتل حزب اليسار المقاعد في أقصى يسار القاعة، واحتل البديل لألمانيا المقاعد على أقصى يمين القاعة.
تقدر الحكومة كلفة البرلمان الجديد بنحو 795 مليون يورو في السنة، أي 200 - 300 مليون يورو سنوياً أكثر من الدورة السابقة. وتذهب ربع هذه التكاليف رواتب إلى فرق عمل النواب. أصبح البرلمان أكبر سناً بمعدل 49.6 سنة مقابل 49.4 قبل أربع سنوات. وهذا أكبر من معدل الأعمار في ألمانيا (44.3 سنة). وانخفضت حصة النساء في البرلمان من 36.0 في المائة سنة 2013 إلى 30.7 في المائة الآن. وينال النائب البرلماني حصة من الوقت من الحديث تعادل حجم كتلته البرلمانية. ومن المتوقع أن يشهد البرلمان الحالي معارك أكثر خشونة وعدائية.



أرمينيا تجري انتخابات برلمانية حاسمة الأحد

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)
رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)
TT

أرمينيا تجري انتخابات برلمانية حاسمة الأحد

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)
رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان يعزف على «الدرامز» خلال تجمع انتخابي لحزب «العقد المدني» في العاصمة يريفان (أ.ف.ب)

تشهد أرمينيا غداً (الأحد) انتخابات برلمانية، ستكون بمثابة تصويت بشأن مستقبلها الجيوسياسي، حيث يسعى رئيس الوزراء الحالي نيكول باشينيان، إلى توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على الرغم من علاقات بلاده الطويلة مع روسيا التي دافع عنها منتقدوه.

ويتوقع كثير من المحللين احتفاظ حزب «العقد المدني» بزعامة باشينيان، بالسيطرة على البرلمان، لكن مع خوض كثير من أحزاب المعارضة الانتخابات اعتماداً على برامج مؤيدة لروسيا، فقد تم تسليط الضوء على مكانة أرمينيا الواقعة في منطقة القوقاز على الساحة الدولية.

مؤيدون لرئيس الوزراء نيكول باشينيان في ساحة الجمهورية بالعاصمة يريفان (أ.ب)

وفي الأشهر التي سبقت الانتخابات، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولون روس آخرون، أرمينيا، من أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يأتي على حساب ضرر اقتصادي واسع بعرقلة العلاقات التجارية الأرمينية مع موسكو وحلفائها.

وقال ميكائيل زوليان، وهو محلل وعضو سابق في البرلمان الأرميني لوكالة «أسوشييتد برس» من يريفان: «هذه هي أول انتخابات في تاريخ أرمينيا يصبح فيها التوجه الجيوسياسي قضية حاسمة».

وتحادث بوتين وباشينيان هاتفياً قبل أيام، واتفقا على عقد اجتماع مباشر في المستقبل القريب لحل الخلافات القائمة.


مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.