ليس كمثلها منطقة أخرى في الشرق، شرفات نصف دائرية منمقة، ونوافذ خشبية محاطة بقوائم إسمنتية، وكرانيش مستطيلة مزخرفة، وتماثيل حجرية نادرة، وقباب مرتفعة تعلو العمارات، تجعل منها أهرامات معمارية فريدة، في مدينة القاهرة العتيقة... إنها منطقة «القاهرة الخديوية»، أو «باريس الشرق»، منارة الثقافة والفنون، وملتقى الفنانين، والأدباء، والعشاق، والباحثين عن الجمال المعماري. طغى عليها الغبار وأطفأ أنوارها وبريقها سنوات طوال، لكن نجمها بزغ من جديد بثياب أنيقة مزخرفة، وبألوان ناصعة تسر الناظرين.
في أروقة القاهرة الخديوية، يجرى العمل حالياً على قدم وساق، من أجل الانتهاء من تطوير عقارات المنطقة التراثية ذات الطابع المعماري النادر، وتسعى السلطات المصرية، الممثلة في الجهاز القومي للتنسيق الحضاري ومحافظة القاهرة، لإعادة الروح إلى هذه البقعة المميزة من أرض مصر، خصوصاً شارع عماد الدين، المعروف باسم «شارع الفن والثقافة»، لما يضمه من مسارح، ودور عرض سينمائية، ومقاهٍ عريقة. ويمتد شارع عماد الدين من ميدان الأزبكية شمالاً حتى ميدان عابدين جنوباً بطول 2,5 كيلومتر، لكنه يحمل اسم «محمد فريد (الكاتب الشهير المقاوم للاستعمار الإنجليزي لمصر)» في النصف الجنوبي.
على جانبي شارع عماد الدين، تتراصّ المسارح، ودور العرض السينمائية، ويعمل بالشارع حالياً، مسرح واحد هو «مسرح الريحاني»، بجانب 6 دور سينما مفتوحة للجمهور، مثل «سينما ليدو، وكريم، وكوزموس، وبيجال، وكايروبالاس، وديانا». بينما لا يزال بعض المسارح الأخرى مغلقة حتى الآن، منها «مصر بالاس»، و«محمد فريد»، و«مركز الحاروقى الثقافي». كما تنتشر المقاهي القديمة بطول الشارع أيضاً مثل: «ريتس، وبيرو، وعماد الدين، وبعره، وزيزو، وأم كلثوم».
في زاوية ضيقة من تقاطع شارع الألفي مع عماد الدين، كان يجلس علي فايد الونش، صاحب شركة «الونش للترميمات الأثرية» برفقة نجله على كرسيين بلاستيكيين، لمتابعة عماله، في واجهة عمارة رقم 5 عن قرب، ورث صاحب هذه الشركة، ترميم العمارات والمباني الأثرية والتراثية عن والده، وسبق له ترميم عدد كبير من عمارات القاهرة الخديوية، مثل عمارتي «حلاوة» و«جازليو» صاحبتي اللون الأحمر الغامق، والمميز في ميدان محمد فريد.
بملامح قمحية تميل إلى السمرة، وبنبرة واثقة، قال علي فايد، الذي يبلغ من العمر 56 عاماً: «سبق لي ترميم بعض المباني الأثرية في شارع المعز لدين الله الفاطمي، ضمن مشروع تطوير القاهرة الإسلامية بمنطقة الأزهر، وبعض عمارات القاهرة الخديوية». موضحاً أن طبيعة عمله تختلف كلياً عن شركات المقاولات الأخرى، «لأنه يرجع العمارة إلى أصلها، وهي مهمة ليست سهلة، حيث تعتمد على استخدام خامات معينة، مضادة للعوامل الجوية والأمطار، يُشرف عليها استشاريو جهاز التنسيق الحضاري».
وأضاف فايد لـ«الشرق الأوسط»: «يبلغ عدد العمال بالعمارة الواحدة، نحو 50 عاملاً، ما بين عمال سترات معدنية، ومرممين أثريين، وعمال دهانات، ويستغرق العمل في العمارة الواحدة شهراً كاملاً، يبدأ بتنفيذ الترميمات للأجزاء الساقطة، ثم الطلاء بمواد عازلة، قبل الدهان باللون النهائي». وأشار بيده إلى زحام السيارات بشارع عماد الدين، وقال: «هذا أصعب ما يواجهنا في أثناء العمل».
وعن أهم المواصفات التي تجب مراعاتها في أثناء عمليات الترميم قال فايد: «السيطرة على مصادر المياه بالعمارات أهم شيء، حيث نضطر أحياناً إلى إصلاح دورات المياه المطلة على الواجهات، إذا كانت تتسرب منها المياه والصرف الصحي، بجانب تركيب مواسير لصرف مياه أجهزة التكييف، قبل طلائها بلون العمارة»، مؤكداً «أن المياه تؤثر بشكل مباشر على واجهات العمارات التراثية».
على مقربة من العمارة رقم 5 بالشارع نفسه، كانت تظهر بوضوح العمارات الخديوية الأربع، بقبابها المميزة وشرفاتها الخشبية وزخارفها وكرانيشها الأنيقة وطرازها المعماري الفريد. تشبه عمارات حي «ﻭيست إيند» في مدينة لندن، وحي «البوليفار» في باريس. وتم الانتهاء من ترميم وتطوير عمارتين فقط من العمارات الأربع، ودهانهما بلون موحد (البيج الغامق)، ليتناسب مع طبيعة العمارة التراثية. ويرجع تاريخ إنشائها إلى سنة 1911، على يد المعماري أنتونيو لاشياك، وشُيّدت لأغراض سكنية، ويطلق على طرازها المعماري «أرت نوفو»، وتمثل صرحاً معمارياً، لا مثيل له في العمارة المصرية الحديثة.
وتشتهر منطقة القاهرة الخديوية، بوجود العديد من العقارات التي تزينها القباب، ما يضفي عليها مزيداً من الجمال مع الزخارف والتماثيل الموضوعة على واجهات ومداخل العمارات والبلكونات المربعة ونصف الدائرية. وللقباب فوائد واستخدامات عديدة للمباني السكنية والتجارية، فهناك من يستخدمها للتهوية، أو للإنارة، أو كعنصر جمالي، وتعطي دول أوروبا اهتماماً بالغ للقباب، ففي إيطاليا وفرنسا، تنتشر القباب الملونة والمذّهبة التي تجذب المارة، لألوانها وزخرفتها.
من جانبه قال المهندس سعيد البحر، مدير مشروع تطوير القاهرة الخديوية لـ«الشرق الأوسط»: «تم الانتهاء من ترميم وتطوير 200 عقار في القاهرة الخديوية خلال عامين ونصف العام فقط، ونستهدف الوصول إلى 500 عقار، وهو عدد العمارات التراثية في القاهرة التاريخية». وأضاف: «يهدف مشروع ترميم القاهرة الخديوية في الأساس إلى إعادة الوجه الحضاري للعاصمة المصرية، من خلال إعادة دهان الواجهات بالألوان الأصلية، أو من خلال اجتهادات استشاريي الفنون الجميلة والعمارة، الذين يستعين بهم جهاز التنسيق الحضاري، من خلال اجتماعات أسبوعية للمسؤولين عن المشروع». مشيراً إلى «أنه يتم سحب عينات من مواد بناء تلك العقارات، لاختيار المواد الخام المناسبة للترميم».
وعن متابعة أعمال الصيانة بعد انتهاء الترميم، قال مدير مشروع تطوير القاهرة الخديوية: «يجري حالياً تشكيل مجالس اتحاد شاغلين لتلك العقارات، بهدف إجراء الصيانة من الداخل، وتنظيفها من الخارج باستمرار، وهذا ما حدث في شارعي الألفي، وسرايا الأزبكية، المتقاطعين مع شارع عماد الدين، إذ يبلغ عدد المطاعم بهما نحو 28 مطعماً بجانب السكان القدامى».
وأوضح «البحر» قائلاً: «يجري حالياً الاستعداد لترميم 10 عقارات بمنطقة البورصة، حيث تم رفع القوائم المعدنية على الواجهات»، وأشار إلى أن تكلفة ترميم العمارات من الخارج تتراوح بين نصف مليون جنيه ومليون جنيه.
وعن تطوير عمارات الخديوية الأربع قال: «هي أهرامات القاهرة الخديوية، نظراً إلى جمال طرازها المعماري الفريد، لا سيما أن الخديو إسماعيل سماها باسمه»، مشيراً إلى «أن تكلفة ترميم العمارة الواحدة منها تبلغ نحو 5 ملايين جنيه لأن مساحاتها كبيرة». وقال أيضاً إنه «تجري حالياً دراسة تحويل شارع الفلكي، وهدى شعراوي إلى ممشى سياحي مثل شوارع (الألفي، وسرايا الأزبكية، والشواربي، وممر بهلر)».
وتسمى الشوارع المحيطة والمتفرعة من شارع عماد الدين بأسماء الفنانين، مثل نجيب الريحاني، وزكريا أحمد، وعلي الكسار، وسيد درويش، وتقول الروايات إن شارع عماد الدين، سُمي بهذا الاسم نسبة إلى أحد الأضرحة القديمة الموجودة بالقرب من الشارع.
في نفس السياق قال أيضاً المهندس محمد أبو سعدة، رئيس جهاز التنسيق الحضاري، وأمين عام اللجنة القومية لتطوير وحماية القاهرة التراثية: «إنه تم تحرير 232 محضراً ضد المتعدين على المباني التراثية»، وأوضح أن «العقوبة التي تنتظر المتعدين أصبحت جنائية بعد أن كانت جنحة». وأضاف أبو سعدة في تصريحات صحافية قائلاً: «ندرس حالياً تحويل شارع الشريفين والبورصة، ليكونا مقراً للأنشطة الثقافية في منطقة وسط البلد، لإتاحة الفرصة للمبدعين من الشباب وتوفير مكان يقيمون فيه معارض للكتب، ومعارض للشباب العاملين بالحرف التقليدية، سواء كانت بشكل موسمي أو أنشطة دائمة». ولفت إلى «أن تركيبة عمران هذه المنطقة تسمح بإقامة تلك الأنشطة، التي تساعد على جذب المزيد من الزوار، وهو ما سيكون له مردود اقتصادي على المنطقة والمحافظة ككل».
وعن تطوير الميادين التاريخية بالقاهرة والمحافظات الأخرى قال: «قمنا بتطوير 35 ميداناً بمختلف محافظات الجمهورية، بداية من إعادة البنية الأساسية، حتى وضع اللمسة الجمالية الأخيرة، ثم النظر إلى الشكل الجمالي الأخير». وأكد أن «مصر تمتلك أكثر من 6700 مبنى ذي طابع معماري متميز، في القاهرة والمحافظات، ومهمتنا الحالية توعية المواطنين بأهمية الحفاظ عليها، لأنها تُعبر عن هوية وتاريخ مصر، بالإضافة إلى فوائدها الاقتصادية والسياحية العالية».
ويوجد في عقارات القاهرة الخديوية العديد من المخازن التجارية، التي لا توجد بها وسائل دفاع مدني، ما يعرّض حياة المواطنين والعقارات التاريخية لخطر الإحراق، لكن رئيس جهاز التنسيق الحضاري قال: «سيتم إخلاء المباني التي لا يوجد بها وسائل للدفاع المدني».
عودة الروح إلى شارع عماد الدين بعد ترميم عقاراته التراثية
أبرزها عمارات «القاهرة الخديوية» النادرة
مبنى ذو طابع خاص بالشارع تم الانتهاء من ترميمه - عمال الترميم يسابقون الزمن للانتهاء من تطوير عمارة رقم 5 بشارع عماد الدين - شارع «سرايا الأزبكية» المتفرع من «عماد الدين» بعد الانتهاء من تطويره
عودة الروح إلى شارع عماد الدين بعد ترميم عقاراته التراثية
مبنى ذو طابع خاص بالشارع تم الانتهاء من ترميمه - عمال الترميم يسابقون الزمن للانتهاء من تطوير عمارة رقم 5 بشارع عماد الدين - شارع «سرايا الأزبكية» المتفرع من «عماد الدين» بعد الانتهاء من تطويره
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

