كرستيان بايل: أمثل من دون أي فكرة مسبقة وأسعى للاكتشاف

ينتقم لشقيقه في «خارج الانصهار»

مع كايسي أفلك خلال التصوير
مع كايسي أفلك خلال التصوير
TT

كرستيان بايل: أمثل من دون أي فكرة مسبقة وأسعى للاكتشاف

مع كايسي أفلك خلال التصوير
مع كايسي أفلك خلال التصوير

فيلم كرستيان بايل الجديد «خارج الانصهار» Out of the Furnace (الذي عُـرض في مهرجان روما السينمائي الأخير، هو الإخراج الأول للممثل كريس كوبر والدور الأول لبايل بعد سلسلة باتمان الشهيرة. وهو يبدو سعيدا (أو ربما أسعد من أي وقت مضى). عوض أن يتحدّث في متاعب الشخصية السوبرمانية التي كان يقوم بها، لديه الوقت الآن للحديث في كل الشؤون الأخرى وحسبما يسعفنا الوقت به. الحكاية التي يسردها «خارج الانصهار» جيّدة التأليف. ربما بعض مفاصلها متوقّـعة لكن هناك دائما ما هو جديد في مفارقاتها. كرستيان بايل يلعب شخصية العامل الذي ينتهي إلى السجن ليخرج منه بعد سنة مكتشفا أن شقيقه (كايسي أفلك) بدأ طريق الجريمة بدوره. يحاول إنقاذه لكن لكي يفعل ذلك عليه أن يتصدّى للمجموعة التي تصاحبه. خلال ذلك يجد أن عليه أن يلتقط خساراته الشخصية في دربه. لقد خسر الفتاة التي أحب (زاو زالدانا) وخسر عمله وسنة من حياته والآن لا يريد أن يخسر شقيقه.
إنه الفيلم الأربعون للممثل الذي وُلد في بريطانيا قبل 39 سنة وظهر، وهو بعد في الثالثة عشرة من عمره في فيلم ستيفن سبيلبرغ «إمبراطورية الشمس» (أحد أفضل أفلام المخرج لليوم). وهو بذلك واحد من الممثلين القلائل الذين بدأوا السينما صغارا واستمرّوا في دربهم بنجاح كبير.
> دورك في «خارج الانصهار» لا يشبه أي دور لعبته من قبل. الرجل الذي يريد إنقاذ شقيقه من مشاكل البيئة الاجتماعية العنيفة التي انحدر شقيقه إليها… وبالعنف. هل هي الطريقة المثلى لوضـع الأمور في نصبها الصحيح؟
- قد أذهب إلى أبعد حد ممكن لأجل أن أحمي عائلتي. أتمنى أن يوافقني على ذلك أي واحد لديه عائلة يغار عليها. لأن رد الفعل هذا هو رد الفعل الصحيح، أليس كذلك؟ لا أتحدّث عن العنف ولا أقصد أنني أتبنّـاه ولا أستمتع به مطلقا. لكن عليك أن تحمي من يعتمدون عليك وعليك أن تدافع عنهم. والأمل أن لا تجد نفسك مضطرا لأن تقتل في سبيل ذلك. أن تذهب إلى الحد الذي نراه في الفيلم.
> بدا عليك في الفيلم أن كل ما بقي لديك في الحياة هو إنقاذ شقيقك وإحقاق نوع من العدل الذي لم تتمتع به أنت.
- تماما… نسبة لما حدث لشخصيّتي في الفيلم هناك جرح كبير في الداخل ويأتي قراري بأن أنتقم لما يحدث لشقيقي وإنقاذه مما هو فيه ممزوجا بخساراتي المختلفة العاطفية والعملية. واللقطة الأخيرة في نظري تمنح المشاهد بعض الأسئلة المهمّـة… هل حقق ما انبرى لتحقيقه؟ هل يشعر بالرضى الآن؟
هذا الجانب صحيح تماما، وفوقه ملاحظة أن شقيقك العائد من حرب العراق تاه في حرب من نوع آخر. حرب داخل أميركا.
أميل لأن أعتقد أن الحرب الأخرى، أقصد الداخلية كما ذكرت، هي الأقسى. تلك تبدأ وتنتهي وهي انتهت عند الشخصية التي يؤديها كايسي، لكن هذه الحرب لا نهاية لها. بالنسبة لي فعلت ما اعتقدت أنه فيلم يملك حكاية مثيرة وشخصية أريد أن أمثّـلها. أقصد أن الموضوع قابل للتفسير المختلف من شخص لآخر. ما فكّـرت به حيال الشخصية هي أنه راسل (الشخصية التي يؤديها) ليس ضحية لأحد. إنه شخص قائم بذاته.
> كثير من الأفلام التي تقوم بتمثيلها هي من النوع العنيف، كما الحال في هذا الفيلم الأخير «خارج الانصهار». كيف تشعر حيال ذلك؟
- النوع المفضل عندي. النوع الأهم عندي هو الكوميديا. كنت أتحدث في هذا الموضوع مؤخرا وأكدت أن أكثر الأنواع أهمية عندي هو الكوميديا والموسيقى. أنا لست هاويا سينمائيا متيما Film Buff ومنذ ولادة ابنتي وأنا أشاهد الأفلام التي تشاهدها هي. أضيع إذا ما خضت حديثا في الأفلام وهذا على عكس كريس (كريس كوبر مخرج الفيلم) الذي يبرع في الحديث عن السينما ولديه معلومات كثيرة عن الأفلام.
> قيل بأن ممثل الأفلام الكوميدية عادة ما يكون من النوع الذي يلحظ تفاصيل الناس وتصرّفاتهم. هل تفعل ذلك؟
- أحب الناس ومنجذب إليهم. أمتّـع نفسي بمراقبتهم لأن المراقبة هي أفضل ما يمكن للمرء أن يمضي الوقت به. وتستطيع أن تشاهد تصرّفات شخص وتقارنها بأداء ممثل آخر. لذلك ربما أجد نفسي مشدودا للأفلام الكوميدية رغم أنني، كما تقول، لم أمثل أيا منها. عندما أريد الترفيه أتوجه إلى الكوميديا والموسيقى والقراءة.
> أي نوع من الموسيقى؟
- أنواع كثيرة. المشكلة أنك قد تجد نفسك مرتبطا بعملك لفترات طويلة. الموسيقى تساعدني على التفكير. أحيانا أستمع إليها ويبدو لي أنني أصغي، لكن بالي يبحر في المشاريع المعروضة وعادة ما أتخذ قراراتي في تلك اللحظات… أعلم أن هذا يبدو جنونا لكنه واقع.
> ذات مرّة قال أنطوني هوبكنز لي أنه يستمتع بالوقت الذي يمضيه في التحضير أكثر من الوقت الذي يمثل فيه فعلا. هل يحدث لك ذلك؟
- لا. بالنسبة لي أشعر أن التصوير هو لا يزال تحضيرا. علي أن أصل وأنا مستعد للتصوير. جاهز للمشاهد التي سنقوم بها في ذلك اليوم المعيّـن. لكن من يعلم ما الذي سيحدث ما قد يعيدك إلى فترة التحضير من جديد؟ عليك أن تبقى جاهزا لأي طارئ لأن هذا يعني أنك تبقى يقظا وأن لديك جوابا على أي تغيير قد يقع.
> هل لديك طريقة خاصّـة للتحضير؟
- ليس لدي أي طريقة خاصّـة للتحضير. ليس عندي منهج شخصي من أي نوع. ليس لدي أي «تكنيك». أنا واثق من أن أنطوني هوبكنز أبعد مجالا في الخبرة مني في أمور وتقنيات التحضير. بالنسبة لي أنا دائما عشوائي أمام كل دور أقوم به. أصل إلى الدور من دون أي فكرة معيّـنة مستسلما للاكتشاف.
> بالنسبة لممثل لا يحضّر نفسه أنت مدهش. من
كان يقول…
- شكرا. أعتقد أنه إذا ما كانت هناك فضيلة واحدة لعدم التحضير فهي أنها تمنحني القدرة على أن أبتكر في كل مرّة.
> في «خارج الانصهار» تمثّـل مع كايسي أفلك. الشقيق الأصغر لبن أفلك الذي سيؤدي دور باتمان من بعد أن لعبت أنت هذا الدور. ما رأيك؟ هل تعتقد أن بن سينجح فيه؟
- بداية أثق ثقة تامة من أن «بن» سينجح في الدور. لقد تابعت الحديث الذي دار بين معجبيه وبين الذين وقفوا ضد قيامه بالبطولة. وهذا ذكّرني بنفسي حين تم الإعلان عن أني سأقوم ببطولة باتمان. هناك أيضا واجهت مشككين. أعتقد أن بن أفلك ممثل جدير وتسبقه إنجازاته وعلى خبرة بالعمل السينمائي من كل جوانبه لأنه مخرج جيّد أيضا. ومتأكد أنه سوف ينجح في هذا الدور.
> هل من نصيحة توجهها ربما إليه؟
- لست مؤهلا لتقديم نصائح.
> هل من نصيحة للمبتدئين إذن؟
- أقسم بأنني أعتقد أن كل النصائح عديمة الفائدة. يا ليت عندي سرّا أستطيع الكشف عنه ما يمكن الممثل الجديد في المهنة استخدامه والاستفادة منه في مطلع عمله. لكني لا أملك سرّا. ليس لدي علم ومعرفة. لا أعتقد أن عندي خبرة معيّـنة أستطيع أن أستخلص منها ما يمكن أن يشكل مساعدة لأحد. لم أربح شيئا من ثلاثين سنة من العمل. وأعتقد أن لكل واحد طريقة مختلفة. ليس عندي معرفة بكيف يمكن لك أن ترضي الطرف الآخر حين تجتمع به. أرى أن علي أن أرضي نفسي وإذا ما اقتنع هو بذلك اتفقنا. لكن هل هذه هي الطريقة الصحيحة؟ لا علم لي.
> منذ بضع سنين أصبحت مواطنا أميركيا. هل يعود السبب إلى وضع عملي كونك تمضي معظم الوقت هنا؟
- السبب متعدد. نعم هناك ذلك الجانب. معظم أفلامي ومعظم أوقاتي هنا. لكن أيضا هناك حقيقة أني أحب هذا البلد. هناك الكثير من الدول التي تستحق أن ينتمي إليها المرء، لكن أكثر الناس يحلمون بأميركا وهناك سبب مهم وراء ذلك: أميركا فيها الكثير مما تستطيع أن تمنحه للناس. طبعا هناك سبب للشكوى، لكنه عادة ما يكون على نحو إيجابي وضروري.
> ما علاقتك اليوم بموطنك الأم؟
- أحب إنجلترا. أحب إنجلترا لكني أعيش هنا. حين انتقلت لأميركا قلت في نفسي بأنه المكان الذي سيمنحني النجاح، وهذا ما حدث. قلت في نفسي بأنه إذا ما كنت سأحقق الشهرة فلن أحققه إلا هنا. وهذا ما حدث. لكننا نشكو كثيرا. لقد عدت لتوّي من إسبانيا. يا إلهي، هناك 25% بطالة.
> هل كانت لديك تساؤلات بخصوص قيامك بالتمثيل تحت إدارة الممثل كريس كوبر… كونه جديدا في المهنة على الأقل؟
- مطلقا. اسمع. أنا دائما سعيد بالعمل مع سينمائيين لأول مرّة، سواء أكانوا كتّـابا أو ممثلين أو مخرجين. هناك سعادة لا أفهم سببها تجعلني أتحمس للعمل. لكنك تتكلّـم أيضا عن ممثل موهوب ولديه سيناريو جيّـد… كل شيء تريده موجود في هذا المشروع. إنه خلطة رائعة. الجدد يسعون لتقديم ما هو جديد لذلك هو أمر مثير أن تكون طرفا في أعمالهم.
> أخيرا، هل أنت مرتاح كونك تركت شخصية «باتمان»؟
- من دون أي شك، سلسلة باتمان بالنسبة لي كانت مرحلة مهمّـة جدا في حياتي. لا تستطيع أن تتصوّر. كانت تحديا دائما بما يعنيه ذلك من مشاق ومن سعادة في الوقت ذاته. لكن لكل شيء تلك النهاية الجميلة التي ربما يغامرك الشعور بأنك تريدها أن تستمر. لكن المهم هو أن التوقّـف عن لعب هذه الشخصية بما تأخذه من وقت وعمل يعطيني الفرصة لكي أمثل أدوارا أخرى مختلفة ومن دون عوائق. حين تؤدي شخصية مثل هذه الشخصية تجد نفسك مسؤولا عنها حتى عندما تؤدي شخصيات مختلفة في أفلام أخرى. هذه المسؤولية انتهت بدورها الآن.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».