حمى الاستفتاء تصل إلى إيطاليا

حمى الاستفتاء تصل إلى إيطاليا
TT

حمى الاستفتاء تصل إلى إيطاليا

حمى الاستفتاء تصل إلى إيطاليا

يشهد إقليما لومبارديا والبندقية (المعروف باسم فينيتو) في إيطاليا، اليوم (الأحد)، إجراء استفتاء من أجل الانفصال، رغبة في الحكم الذاتي. ويأتي ذلك عقب الاستفتاء الذي تم في كاتالونيا للانفصال عن إسبانيا.
وتطالب بالاستفتاء في الإقليمين الإيطاليين (الرابطة الشمالية المناهضة للمهاجرين الإقليميين)، وهي رابطة طالما احتجت على جمع الضرائب من شمال إيطاليا، وذلك لدعم المناطق الجنوبية ذات الدخول الضعيفة.
وتعتبر الضرائب هي القضية الرئيسية للدعوة للانفصال في كلا الإقليمين، إذ تمثل الضرائب التي يدفعها سكان إقليمي لومبارديا والبندقية قرابة الـ30% من الناتج المحلي لإيطاليا.
ويطمح الإقليمان من خلال الاستفتاء الى استعادة حوالى نصف رصيد الضرائب الراهن. فهناك فارق بين ما يدفعه السكان من ضرائب ورسوم وما يتلقونه من نفقات عامة. وقالوا ان هذا الرصيد بلغ 45 مليار يورو للومبارديا، و15.5 مليار يورو للبندقية، في مقابل ثمانية مليارات لكاتالونيا.

مطالب الاستفتاء
وبشكل محدد، يطالب سكان الإقليميين الراغبون في إجراء الاستفتاء والانفصال، الحكومة الإيطالية بتفعيل المادة 116 من الدستور، التي تتيح للأقاليم المتمتعة بميزانية ثابتة ومستقرة بالإضافة إلى مطالبة الحكومة، بمنحها مزيدا من السلطات ودرجات أعلى للحكم الذاتي.
ويفترض أن يرد الناخبون بنعم أو لا على سؤال "هل ترغبون بأشكال إضافية وشروط خاصة للحكم الذاتي".
ولم تكن تلك الدعوة هي الأولى في إيطاليا، إذ جرى استفتاء للاستقلال في إقليم البندقية عام 2014، لكن لم يتم الاعتراف به آنذاك.

الموقف الرسمي
وينظم هذا الاستفتاء بمبادرة من رئيسي منطقتي لومبارديا روبرتو ماروني والبندقية لوكا تسايا؛ اللذين ينتميان إلى حزب "رابطة الشمال" اليميني المتطرف.
وقد أعلن ماروني في أبريل (نيسان) الماضي عن عزم الإقليم إجراء الاستفتاء للاستقلال بشكل رسمي في أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.
وقال ماروني، وفقا لمؤتمر صحافي نقلته وكالة "رويترز" للأنباء، إن الهدف ليس الانفصال عن روما، ولكن هو الاحتفاظ بـ54 مليار يورو من الإيرادات الضريبية في لومبارديا، مضيفا أن "الاستفتاء سيغير وجه أوروبا"، على حد قوله.
ويضيف ماروني أن الاستقلال مشروع طموح، قائلا "لا نريد تميزا إضافيا، لكننا نريد صُنع التاريخ، والاستفتاء سيمكننا من ذلك"، وتابع "آمل أن يكون لدى الحكومة الإيطالية النية للتفاوض، لإنها لن تكون ضد الحكام، بل ضد الشعب".
وذكر ماروني أن الاستفتاء سيعطي "ظهيرا شعبيا" للتفاوض مع الاتحاد الأوروبي على احترام الحدود الإقليمية، وتابع "لست ضد أوروبا.. أنا مع أوروبا مختلفة، ما نسميه أوروبا الشعب أو أوروبا الأقاليم. أعتقد أنها تلك الدفعة التي سيتسبب بها استفتاؤنا بعد بريكست وكاتالونيا، الجميع يسير في نفس الاتجاه"، وفق تصريحات نقلتها صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.
وعلى غرار الجبهة الوطنية الفرنسية، فإن رابطة الشمال الإيطالية لديها وجهة نظر متشددة تجاه اللاجئين، وتحولت إلى معاداة "اليورو".

موقف الأحزاب الإيطالية
ويحظى الاستفتاء الذي تدافع عنه رابطة الشمال، بدعم حزب "الى الامام إيطاليا" برئاسة سيلفيو برلسكوني وهو حزب يميني وسطي، وحركة الخمس نجوم (حركة شعبوية) وهيئات أرباب العمل والنقابات. أما الأحزاب اليسارية الإيطالية، فقد دعت يسارية مثل الحزب الشيوعي، إلى الامتناع عن التصويت، وذكرت في انتقادها إن الاستفتاء "تبذير المال العام" و"مهزلة"، أما الحزب الديمقراطي الحاكم (من أحزاب اليسار الوسط) فلم يصدر تعليمات لناخبيه، لكن عددا كبيرا من مسؤوليه، لاسيما رئيس بلدية ميلانو، صرحوا بأنهم سيصوتون بـ "نعم".
وقال رئيس جمعية الحرفيين في المنطقة اغوستينو بونومو "أعتقد أن عالم الأعمال سيصوت بنعم". وهو يأمل بأن يفيد الحكم الذاتي الشركات، عبر السماح باستعادة أموال وتأهيل قضاة المحاكم المحلية بشكل أسرع، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية.

أقاليم مزدحمة وغنية
ويسكن في إقليم لومبارديا الواقع شمال إيطاليا قرابة عشرة ملايين نسمة من سكان إيطاليا، ويبلغ الناتج المحلي للإقليم نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا، مما يجعله أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان وأغنى المناطق في البلاد، ويضم منطقة ميلانو الجاذبة للسفر.
أما إقليم البندقية فيسكنه قرابة خمسة ملايين نسمة، ويقع في الشمال الشرقي من البلدة، ويعتبر من أغنى الأقاليم الإيطالية، ويقوم اقتصاده على السياحة بشكل أساسي.
وقدرت أعداد الناخبين بـ11 مليون ناخب، من إجمالي 6 ملايين إيطالي، وفقا لوكالة «يورو نيوز»، وتستقبل مراكز الاقتراع الناخبين من السابعة صباحا وحتى 11 مساء، ولن يكون متاحا لمن هم خارج إيطاليا بالمشاركة من الخارج أو بالبريد.
ويفترض أن تبلغ كلفة عملية التصويت 14 مليون يورو في البندقية، وحوالى 50 مليونا في لومبارديا التي اختارت التصويت الالكتروني واشترت أجهزة لوحية مكلفة.

آراء خبراء حول الاستفتاء

وأبدى عدد من السياسيين آراءهم في الاستفتاء المزمع في هذا الشهر، فتعتبر باربارا لوييه الأستاذة في المعهد الفرنسي للعلوم الجيوسياسية في جامعة «باريس 8» أن إمكانية زعزعة استقرار القارة الأوروبية كبيرة جدا عقب الاستفتاء. كما أن مشاهد العنف التي رافقت الاستفتاء خطيرة؛ كونها "تفتح باب النقاش حول مسألة الديمقراطية"، وفق تصريحها لوكالة الصحافة الفرنسية.
وفي المقابل، يرى فانسان لابوردوري الأستاذ المحاضر في الجامعة الكاثوليكية في لوفيان ببلجيكا، أن أعمال العنف عقب استفتاء كاتالونيا قد تقلل من عزيمة الحركات الانفصالية الأخرى في أوروبا.
ويعلق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسن هريدي لـ«الشرق الأوسط» أن مفتاح حركات الانفصال بأوروبا يعتبر "الاقتصاد"؛ إذ تفرض الضرائب من الحكومات على الأقاليم، وهو ما حدث في إسبانيا، ويعتقد هريدي إن الدعوى للانفصال مؤشر قوي على ضعف "الدولة" في مواجهة الإقليم، على حد قوله.
ويعتبر أستاذ العلاقات الدولية بمصر سعيد اللاوندي إن الاستقلال ليس كافيا أمام الإقليمين الإيطاليين، فبناء الدولة يختلف عن الانفصال عنها، مشيرا –في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الاعتراف الدولي لن يتحقق إلا بموافقة الحكومات على استقلال أقاليمها.
وقال أستاذ القانون الدستوري في جامعة لويس في إيطاليا يكولا لوبو لوكالة الصحافة الفرنسية إن عمليتي التصويت في المنطقتين تجريان في إطار الدستور الذي ينص على إمكانية أن يمنح البرلمان هذه الأشكال من الحكم الذاتي، إلى المناطق التي تتقدم بطلب للحصول عليها.
من جانبه، يرى أستاذ القانون الدستوري في جامعة بولونيا أندريا مورون، لوكالة سبوتنيك الروسية إن الاستفتاء المزمع من كلا الإقليمين ليس له أي قوة قانونية، وفقا للدستور الإيطالي، ولكنه يعتبر "تحركا سياسيا" لمنح حكم ذاتي لكلا الإقليميين. فيما يعتبر مورون أن الاستفتاء سيكون بمثابة "الفرصة" للمبادرة حول مزيد من الحقوق والوعود لاحقا مع الحكومة الإيطالية.

جدل حول نسبة المشاركة
ويجب أن تتخطى نسبة المشاركة في البندقية الـ 50% حتى يكون الاستفتاء قانونيا. وكذلك في لومبارديا حيث لم يحدد نصاب التصويت، وليس هناك أي نصاب محدد. فقد أكد ماروني أن نسبة 34% ستشكل نجاحا، لكن خصومه في الحزب الديمقراطي يرون أن نسبة أقل من 50% لن تكون ذات أهمية.
من جهتها، ترى السلطات في الإقليمين أن الدعوى للانفصال ليست سوى سبيل للاحتفاظ بجزء من أموال الضرائب التي يدفعها سكان الإقليمين. ووصفت «ديلي ميل» البريطانية أن ما حدث في كاتالونيا يعتبر "رمزا" ربما يتسبب في حركات انفصالية أخرى في مناطق الاتحاد الأوروبي.
وكانت حكومة كاتالونيا قد أعلنت أن قرابة 90% صوتوا لصالح الاستقلال، الذي تم في أول الشهر الجاري، وقرابة 2.26 مليون شخص أدلوا بأصواتهم، أي أقل بقليل من 42% من سكان الإقليم. وقد شهدت كاتالونيا أعمالا للعنف أثناء عملية الاقتراع على الاستفتاء.
وظهر مبكرا في كلا الإقليمين الإيطاليين ملصقات دعائية تدعو للذهاب لتصويت على الاستفتاء، الذي يطالب بمزيد من الحكم الذاتي.
فهل سينجح الاقليمان في مسعاهما أم سيلقيان نفس مصير كتالونيا الإسباني؟ سؤال سيوضحه القادم من الأيام.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.