سباستيان كورتز «الفتى المعجزة» حاكماً للنمسا

استعار لغة اليمين المتطرف ففاز ليغدو أصغر قادة أوروبا

سباستيان كورتز «الفتى المعجزة» حاكماً للنمسا
TT

سباستيان كورتز «الفتى المعجزة» حاكماً للنمسا

سباستيان كورتز «الفتى المعجزة» حاكماً للنمسا

بوجهه الصبياني الحليق، وشعره اللامع المشدود إلى الخلف، وملامح وجهه المنحوتة، يبدو سباستيان كورتز أقرب إلى عارض أزياء وسيم منه إلى سياسي محنّك. ولكن خلف هذه الملاحم الناعمة، عزم حديدي أوصل هذا الشاب الفتِي إلى كرسي الحكم في النمسا، بعد أسابيع قليلة على احتفاله بميلاده الـ31، رحلته القصيرة لم تخل من الجدل والاتهامات بسرقة أفكار غيره، والسير في ركب «الشعبوية». ولكن الكل يجمع على امتلاكه ميزة يفتقدها كثيرون. ميزة أكسبته لقب «الفتى المعجزة» الذي أطلقته عليه الصحافة النمساوية.
نجح سباستيان كورتز بقيادة حزبه المحافظ الوسطي، حزب الشعب النمساوي، إلى الفوز بالانتخابات النيابية بعدما كان تحتل المركز الثاني في استطلاعات، خلال أقل من ثلاثة أشهر من تسلمه دفة القيادة. وفوزه، وإن لم يكن مطلقاً فإنه كاف لإيصاله لكرسي المستشارية ليغدو أصغر حاكم في أوروبا.
ولكن كيف تمكن هذا الشاب من إقناع ملايين الناخبين بمنحه كامل الثقة لقيادتهم؟ وكيف نجح في تقديم نفسه على أنه مختلف رغم تبوئه منصب وزير الخارجية طوال السنوات الأربع الماضية، ضمن حزب لم ينقطع عن المشاركة في الحكومات الائتلافية المتعاقبة منذ عام 1986؟

كورتز.. الوجه الجديد؟
تصفه الصحافية والمحللة السياسية النمساوية إيلا بيك بأنه «شديد الذكاء ومنظم جداً وبارع في التكتيكات». وتقول في اتصال مع «الشرق الأوسط» إنه لعب على نضارة شكله «لأنه كان يعلم أن الناخبين ملّوا الوجوه القديمة والساسة أنفسهم الذين يحكمونهم». ومع أنه كان جزءاً من الحكومات النمساوية منذ بضع سنوات فإنه نجح بتصوير نفسه على أنه مختلف.
خلال الأشهر القليلة التي فصلت بين تسلم كورتز قيادة الحزب والانتخابات، اتخذ خطوات شكلية حضرت لهذا الفوز. أدخل حزبه إلى عالم التواصل الاجتماعي مستهدفا شرائح جديدة أضافت 200 ألف منتسب خلال شهرين، وفق الحزب. وغيّر شعار الحزب ولونه من الأسود إلى الفيروزي. وصنع جناحاً جديداً من أتباعه الأوفياء بات يعرف بـ«جناح كورتز». ولكن الأهم، من ذلك كله، أنه بدأ يتحدث بلهجة مختلفة في قضايا اللاجئين والمسلمين.

اللاجئون.. اللاجئون.. اللاجئون
كثيرون يعتبرون أن الإجابة القاطعة على التساؤل عن سبب فوزه قد تكون أبسط من التوقعات. إنها تتلخّص بكلمة واحدة: اللاجئون. كانت هذه... «الكلمة – المفتاح».
إيلا بيك تعتقد أن جنوح كورتز من مواقع يمين الوسط إلى أقصى اليمين هو سبب فوزه. وتضيف: «كان واضحاً أنه سيفوز منذ 3 أشهر عندما بدأ يتكلّم بنفس لهجة اليمين المتطرف حول اللاجئين، وهي لهجة للأسف يتجاوب معها الناخبون». وحقاً، مَن تابع حملته الانتخابية، يروي بأنه خلال التجمّعات التي أدارها، كان اللاجئون يُلامون على كل شيء وأي شيء تقريباً: غلاء الإيجارات؟ بسبب اللاجئين.
انخفاض مستوى التعليم؟ اللاجئون لا يتحدثون الألمانية.
تقليص الخدمات العامة؟ اللاجئون.. اللاجئون.. اللاجئون…
من طروحات كورتز إبان الحملة الانتخابية لمواجهة هذه «المشاكل»، كان الحد من المعونات المقدمة للاجئين ومن هم غير نمساويين بهدف دفعهم للعمل. وتغريم الرافضين منهم أو غير القادرين على الاندماج. ومنع ارتداء النقاب... وغيرها من السياسات المتطرفة التي لاقت ترحيباً حاراً من جمهوره المتطرف. وبتكراره لوم اللاجئين كان كورتز يضرب على الأوتار الحساسة لدى مواطنيه، خاصة أنهم ما زالوا ناقمين على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لسماحها بدخول مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في صيف عام 2015، عبر دول البلقان باتجاه ألمانيا، مروراً بالنمسا بقي كثيرون منهم..

أصغر وزير الخارجية
والواقع أن كورتز من خلال توليه منصب وزير الخارجية دعم جهوداً أوروبية وداخلية أدت إلى إغلاق الحدود ووقف تدفق اللاجئين. ويذكر أن تولى هذا المنصب عام 2013 عندما كان عمره 27 سنة فقط، ويومذاك كان أصغر وزير خارجية في العالم. وكانت صوره إلى جانب جون كيري، وزير الخارجية الأميركي المخضرم والأشيب الشعر - آنذاك -، تلفت الأنظار وتضيء على صغر سنه. إلا أنه تمكن من استثمار لقاءاته المتكررة بكيري السبعيني، وبقادة آخرين بينهم الرئيس الإيراني حسن روحاني إبان استضافة فيينا المباحثات النووية، ليثبت نضجه أمام ناخبيه. ومقابل لعبه على عامل صغر سنه، فإنه لعب أيضا على خبرته التي اكتسبها من سنوات عمله في الحكومة. ودأب على تذكير ناخبيه بأن له الفضل في وقف تدفق اللاجئين بعد إغلاق الحدود بجهود قادها هو شخصياً.
طبعاً، الطبع قد يجادل، بأن السبب الرئيس لوقف تدفق اللاجئين كان الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي، عندما تعهدت بروكسل بتقديم مساعدات مالية لأنقرة مقابل منعها المهرّبين من نقل اللاجئين. ولكن لا فرق بالنسبة لكورتز. فهو روّج عمداً الزعم بأنه صاحب الفضل على أوروبا، وألمانيا تحديداً، بإعادة المارد إلى القمقم... الذين انتخبوه اقتنعوا بكلامه.
«استعارة» مفيدة
اللافت أن مواقف كورتز الشديدة التطرف تجاه اللاجئين بدرجة أولى، والمسلمين بدرجة ثانية، تعد غريبة بعض الشيء عن الحزب الذي يرأسه والأحزاب الوسطية بشكل عام، وإن كانت يمينية. وهذا لأنها بالفعل ليست أفكار حزب الشعب، بل تعود لـ«حزب الحرية» اليميني المتطرف الذي أسس على أنقاض النازية بعد الحرب العالمية الثانية، وكان أول زعمائه ضابطا في وحدات الـ«إس إس» التابعة للزعيم النازي أدولف هتلر.
إلا أن كورتز عبر «استعارة» أفكار النازيين نجح في تقليص حجم الدعم المرتقب لـ«حزب الحرية» واستمال بعض ناخبيه. وهكذا، حصل حزبه على 32 في المائة من أصوات الناخبين، وحل في الطليعة بعدما كانت استطلاعات الرأي جميعها تشير إلى تقدم «حزب الحرية».
على هذا الأساس، تعتبر المحللة النمساوية بيك أن استعارة أفكار اليمين المتطرف قد لا يكون بالسوء الظاهر، «لأنه في النهاية تمكن من احتواء حزب الحرية».
إلا أن نتائج الانتخابات أظهرت أيضاً أن شعبية الحزب المتطرف (حزب الحرية) بقيت مرتفعة نسبياً، إذ فاز بـ26 في المائة من الأصوات ليتعادل تقريبا مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي اليساري الوسطي الذي لطالما اعتبر أحد عمودي الحياة السياسية في النمسا.
وبات بذلك ينافس على صناعة الحكم.
ومن ثم، على الرغم من تطمينات كورتز بأن التقاء الحزبين على نقاط مشتركة فيما يتعلق باللاجئين والإسلام، لا يعني أنهما يتفقان على كل شيء، وأن ثمة خلافات عميقة ما زالت تبعدهما، هناك مخاوف حقيقية من أن يصبح «حزب الحرية» شريكاً في الائتلاف الحكومي.

خلاف الحزبين التقليديين
ما يساهم بذلك، الخلافات الناشبة بين حزب الشعب والحزب الاشتراكي الديمقراطي اللذين يحكمان معاً منذ عام 2005، والتي تفاقمت كثيراً في الآونة الأخيرة. وبلغت الخلافات الذروة إبان الحملة الانتخابية التي شهدت الكشف عن مؤامرات سياسية مذهلة. وحسب التقارير، ضُبط الاشتراكيون الديمقراطيون وهم يحيكون مؤامرات ضد كورتز لتشويه صورته… ما ساهم بخسارتهم الكثير من الأصوات لصالح مَن كانوا يحاولون الإيقاع به.
لذا قد لا تكون علاقة الحزبين العريقين ودودة بشكل كاف للاستمرار بالحكم ضمن ائتلاف واحد، ما يعني أن المستفيد الأكبر والأوحد سيكون «حزب الحرية» المتطرف بزعامة هاينز كريستيان شتراخه.
وفي الحقيقة إذا اتفق كورتز مع شتراخه على تشكيل حكومة، فإنها لن تكون المرة الأولى التي يحكم حزباهما سويا. فهناك تجربة شبيهة عام 2000 استمرت لخمس سنوات رغم الغضب الأوروبي.. والعقوبات التي فرضها حينذاك الأوروبيون على النمسا بسبب وصول «حزب الحرية» للسلطة تحت قيادة زعيمه الراحل غيورغ هايدر الذي لم يكن يخفي إعجابه بالكثير من أفكار وأعمال هتلر.
لكن «الغضبة» الأوروبية آنذاك تجاه صعود حزب يميني شعبوي ووصوله إلى السلطة، تبدو شبه غائبة هذه المرة. ربما لأن مشاركة هذا الحزب في الحكومة لم تتأكد بعد، أو ربما لأن صعود اليمين المتطرف في أوروبا بات ظاهرة مقبولة، أو على الأقل ظاهرة ما عاد من الممكن نكرانها بعد الآن. وهو ما تفسره إيلا بيك بقولها «نحن نعيش الآن في عالم مختلف... في الماضي كان وصول اليميني المتطرف إلى السلطة يعتبر شائبة، اليوم تغير الوضع».

صعود اليمين المتطرف
فعلاً تغير الوضع. ففي فرنسا حل حزب «الجبهة الوطنية» المتطرف بقيادة مارين لوبان ثانياً في الانتخابات التي أجرت في مايو (أيار) الماضي. وتمكن هذا الحزب الذي صعد أيضا بسبب تهجمه على اللاجئين والمسلمين، من منافسة وتحييد أحزاب فرنسا التقليدية. وفي هولندا احتل «حزب الحرية» بزعامة خيرت فيلدرز المرتبة الثانية في الانتخابات التي أجرت في مارس (آذار) الماضي، علما بأن فيلدرز منع من دخول بريطانيا عام 2009 بسبب آرائه المتطرفة المجيّشة ضد الإسلام.
بالطبع الانتخابات الهولندية والفرنسية، جاءت بعد الصدمة الذي أثارها تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد حملة قادها «حزب استقلال المملكة المتحدة» اليميني المتطرف بزعامة نايجل فراج الذي نجح في إقناع البريطانيين بالخروج خلافا لإرادة الحزبين الرئيسيين (المحافظون والعمال) ورغم أن حزبه بالكاد ممثل في البرلمان.
ومع هذه الأحداث الثلاثة المتتالية، التي هزّت أوروبا بسبب صعود الأحزاب المتطرفة فيها هدأها قليلا فوز حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، في الانتخابات التشريعية التي أجرت الشهر الماضي، فإن حتى هذه الانتخابات شهدت أيضا صعودا غير مسبوق لحزب «البديل لألمانيا» المتشدد في عدائه للأجانب والمسلمين، وإن لم يكن بالشكل الذي شهده صعود المتطرفين في فرنسا وهولندا.
وهكذا، فإن فوز كورتز في النمسا، ومعه المخاوف من دخول حزب شديد التطرف (الحرية) الحكم، من التطورات التي تهدد بإيقاظ مخاوف كانت قد سكنت. ولكن رغم هذه المخاوف، فإن عجز الاتحاد الأوروبي عن مواجهة حكومة فيكتور أوروبان المتطرفة في المجر - جارة النمسا -، يجعله يدرك بأنه لن يكون باستطاعته فعل الكثير أمام دخول «حزب الحرية» الحكومة النمساوية.

خيارات كورتز
في أي حال، أمام كورتز الآن خياران متاحان: الأول تشكيل الائتلاف نفسه الذي يحكم منذ عام 2005 عبر التحالف مع الاشتراكيين الديمقراطيين، بعد تخطي الخلافات الداخلية وإن كانت عميقة. والثاني التحالف مع متطرفي «حزب الحرية»، وهو السيناريو الذي يتوقعه كثيرون ويحذّرون من أن الحنكة السياسية للزعيم المتطرف شتراخه قد تحكم قبضة اليمين المتطرف تماماً على السلطة. وهنا يحذّر مراقبون من سعي «حزب الحرية» لانتزاع حقيبتي الداخلية والعدل - أو حتى الخارجية -، وهو ما سيؤدي إلى تبني النمسا مواقف أكثر تشددا وعدائية تجاه سياسات الهجرة بطبيعة الحال، والمسلمين، خاصة، لا سيما أن شتراخه دائما ما يتحدث عن ضرورة «وقف أسلمة النمسا» ويتعهد بمنع «جعل النمساويين أقلية في بلادهم».
أيضاً، يخشى المراقبون من أن يؤدي تحالف كورتز مع «حزب الحرية» إلى انتهاج سياسة أكثر تشدداً تجاه الاتحاد الأوروبي الذي يعارضه اليمين المتطرف بشدة. ويقول هؤلاء أن كورتز، رغم تأييده وحدة الاتحاد الأوروبي، فإن تحالفه مع حزب يدعو للانفصال عنه سيكون له تأثير حتماً على سياسة الحكومة الائتلافية.

ماكرون أم أوروبان؟
كثيرون شبهوا كورتز بالزعيمين الشابين في فرنسا إيمانويل ماكرون (39 سنة) وفي كندا جاستين ترودو (45 سنة)... شكلا وحيوية على الأقل. إلا أن تحالفه مع اليمين المتطرف - إذا ما حصل - قد يجعل منه زعيما أقرب إلى فيكتور أوروبان رئيس المجر اليميني المتشدد، الذي يرفض استقبال أي لاجئ سوري متحديا توصيات بروكسل، وكذلك الرئيس البولندي أندري دودا. إذ إن هذين الزعيمين يحملان أفكارا معادية للاجئين المسلمين خاصة، ويشكلان فريقاً يمينياً متشدداً غالباً ما يضع نفسه في المواجهة مع الاتحاد الأوروبي.
أخيراً، قد يجد كورتز نفسه أيضا في مكان شبيه برئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، الذي عندما تعب من مواجهة المتشددين في حزبه، رضخ... وتعهد بإجراء استفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي ما كان مجبراً على إجرائه ورغم معارضته الشخصية للخروج. ومن ثم، انتهى به الأمر إلى خسارة المعركة في مواجهة المتشددين واضطراره لمغادرة السلطة باكراً.

بطاقة شخصية
- سباستيان كورتز، هو الولد الوحيد لأبوين من الطبقة الوسطى، إذ إن والده مهندس ووالدته معلمة مدرسة.
- ولد يوم 27 أغسطس (آب) 1986 في العاصمة النمساوية فيينا، وما زال يعيش في حي ميدلينغ بالمدينة حيث نشأ.
- بعد إنهائه دراسته الثانوية عام 2004 أدى الخدمة العسكرية.
- عام 2011، بعد سنة من انتخابه عضواً في بلدية فيينا، أنهى سبع سنوات من الدراسة الجامعية في جامعة فيينا (حيث درس الحقوق) من دون أن يتخرّج، وتفرّغ للعمل السياسي.
- في أبريل (نيسان) تولى منصب أمين الاندماج في وزارة الداخلية.
- عام 2013 دخل البرلمان، حاصلاً على أكبر عدد من الأصوات الفردية المباشرة في المجلس كله. وفي نهاية العام نفسه تولّى منصب وزير الخارجية، وبات أصغر وزير خارجية في العالم.
- في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي قاد حزب الشعب للفوز بالانتخابات ليفوز بالمستشارية، ويغدو أصغر رئيس وزراء في أوروبا.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.