مستشار الأوقاف الليبي السابق يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل مثيرة من سنوات حبسه

أبو صوة قال إن القذافي سمح لجيشه بالانصراف قبل أن يتوجه للموت في سرت

أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة
أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة
TT

مستشار الأوقاف الليبي السابق يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل مثيرة من سنوات حبسه

أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة
أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة

منذ اعتقاله في بيته بطرابلس صيف عام 2011، وحتى إطلاق سراحه مؤخرا هذه السنة، مرَّ علي أبو صوة، مستشار الهيئة العامة للأوقاف في ليبيا في عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، على معظم السجون بالعاصمة طرابلس، لكن أكبر مدة أمضاها بين الزنازين كانت في سجن الهضبة مع كبار رجال النظام السابق، ومن بينهم عبد الله السنوسي رئيس المخابرات، وأبو زيد دوردة رئيس جهاز الأمن الخارجي، والبغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء في عهد القذافي، والساعدي نجل هذا الأخير، وعديد من القيادات الأخرى من المخابرات والشرطة العسكرية واللجان الثورية والأمن الداخلي.
وبعد خروجه من ليبيا ووصوله إلى القاهرة مؤخرا، روى أبو صوة، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، ما كان يدور من وقائع التعذيب البشعة في هذه السجون، وخلاصة ليالي الحوار مع القادة السابقين، حيث جرى التطرق إلى الأيام الأخيرة لنظام معمر القذافي، ومن بينها خروج العقيد الراحل من طرابلس إلى مدينة بني وليد.
وجرى القبض على أبو صوة يوم سقوط طرابلس بيد المنتفضين في رمضان عام 2011، وكان وجهه مألوفا للعامة بسبب ظهوره على قنوات التلفزيون ودفاعه عن نظام القذافي. وفي خضم الفوضى جرى اعتقاله من منزله على طريق مطار طرابلس الدولي، ولم يسمح له حتى بتغيير ملابسه. وبعد أعوام من الاعتقال جرى الحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة معاداة ثورة فبراير (شباط)، بينما كان قد أمضى من هذه المدة خمس سنوات وثمانية أشهر رهن الاحتجاز.
في ذكرى رحيل القذافي السادسة التي توافق اليوم، يتم الكشف لأول مرة عن اجتماع سريع عقده القذافي في بني وليد مع قياداته العسكرية، حيث أَذِنَ لمن يريد من قيادات جيشه بالانصراف، «قبل أن يتوجه للموت في مدينة سرت»، بحسب أبو صوة، الذي قال إنه سأل في إحدى ليالي سجن الهضبة السنوسي عما إذا كانت هناك خطة بديلة لما بعد سقوط طرابلس في يد المنتفضين ضد حكم القذافي، فأجابه: «لا... كان كل شيء يسير بشكل عشوائي».
ويوم دخول المنتفضين المسلحين إلى طرابلس بمساعدة ضربات حلف «ناتو»، تقرر الخروج سريعا من العاصمة، لدرجة أن ابنة القذافي الدكتورة هناء كانت في ذلك اليوم تجري عملية جراحية ليد أحد الضباط المصابين، وتوجهت الحراسات إلى مقر العيادة لإخلائها فورا. ويبدو أن القذافي، حسب أبو صوة، كان يكن محبة خاصة لرجل من وجهاء قبيلة ورفلة من مدينة بني وليد، وهو الشيخ جبران جبران. ويضيف موضحا: «ما عرفته أن أسرة القذافي توجهت للإقامة في منزل الشيخ جبران قبل أن تغادر ليبيا... وقد خرجت من بني وليد وليس من طرابلس أو من سرت، كما كان الاعتقاد سائدا في ذلك الوقت».
والشيخ جبران نفسه قتل في أول غارة فرنسية على ليبيا قبل تدخل حلف الناتو في مارس (آذار) من عام 2011، وقد جرى وقتها تكليفه بقيادة الرتل الشهير الذي كان قد توجه حينذاك إلى بنغازي لإنهاء الانتفاضة، إلا أن الرتل تعرض لقصف من الطائرات الفرنسية وأبيد وهو في الطريق.
وكان الشيخ جبران «آمر جحفل»، ومقربا من القذافي، ويحظى باحترام كبير في بني وليد وفي قبيلته ورفلة. وبهذا الخصوص يقول أبو صوة: «القذافي أمر بناته وأسرته أن يقيموا في بيت عائلة الشيخ جبران في بني وليد. وهذا البيت تم قصفه فيما بعد وحرقه حين دخلت قوات (من مصراتة وطرابلس) للمدينة في 2012».
وفي العشرين من أغسطس (آب)، وعقب خروجه من طرابلس، توجه القذافي، حسب أبو صوة، إلى بني وليد وعقد اجتماعا نادرا مع قادته، ومنح الإذن لكل الضباط الذين حوله بالانصراف، وأعطى توجيهاته الأخيرة، وقال لهم إن كل من يريد أن يأخذ وجهة فليذهب لحال سبيله، وأن كل ضابط لديه إذن عسكري بهذا، موضحا أنه لن يُلزم أحدا بالبقاء معه، ثم توجه بعد إلى سرت، حيث رافقته سريته الخاصة، وكان من أبرز قادتها عز الدين الهنشيري الذي قتل فيما بعد، ومنصور ضو المعتقل حتى الآن.
وفي الطريق من طرابلس إلى سرت، سلك القذافي الطريق الجنوبي الذي يؤدي إلى بني وليد أولا، حسب شهادة أبو صوة، الذي أوضح أن «الضباط في سجن الهضبة أخبروه أنه كان الطريق الوحيد الآمن في ذلك الوقت، لأن الطريق الساحلي كان مغلقا. وفي بني وليد التقى بعض الضباط، وأعطى توجيهاته الأخيرة. وقال لرجاله إنه لن يُلزم أي أحد بأي شيء».
أما عبد الله السنوسي فيقول، وفقا لرواية أبو صوة، إنه انتقل لمتابعة التطورات في ليبيا انطلاقا من منطقة الجفرة على تخوم كل من بني وليد وسرت، ولم يلتق بعدها القذافي إلا مرة واحدة بعد ذلك، حيث توجه إليه ليخبره بنبأ مقتل خميس القذافي في قصف قام به حلف الناتو على موكبه أثناء تحركه على الطريق بين مدينتي ترهونة وبني وليد.
ويتذكر أبو صوة تلك الأيام الصعبة في سجن الهضبة وحديثه مع السنوسي بقوله: «الفراق قبل الأخير بين القذافي ورئيس مخابراته كان في بني وليد عقب ذلك الاجتماع، الذي أشرت إليه مع الضباط... لكن الفراق الأخير كان بعد أن توجه السنوسي من الجفرة إلى القذافي في الحي رقم 2 في سرت لكي يخبره بمقتل نجله خميس. وكان ابن السنوسي هو الذي يقود السيارة بنجل القذافي، وهو في الوقت نفسه ابن خالة خميس... وقد تعرضت السيارة لقصف من طائرات الناتو... وتوفي محمد عبد الله السنوسي مباشرة، لكن خميس مات في المستشفى في بني وليد، وتم دفنهما في بني وليد أيضا».
بعد ذلك تلاحقت الأحداث سريعا، حسب أبو صوة. فقد انسحب السنوسي مرة أخرى إلى الجنوب، ثم انتقل إلى النيجر، ومنها إلى مالي، حيث كان معه هاتف ثريا يجري منه اتصالاته بهوية أخرى، كما كان يحمل جواز سفر باسم مختلف. ومن مالي سافر إلى المغرب حيث جرى رصده هناك، وطلبت منه السلطات المغربية مغادرة البلاد. ومن هناك انتقل إلى موريتانيا.
وبعد قليل من الصمت، يعود أبو صوة للتذكر قائلا: «مما حدثني به عبد الله السنوسي أنه في أول زيارة لزوجته له بعد أن استقر في فيلا في معسكر بموريتانيا، قالت له: يا عبد الله جهز نفسك سيتم تسليمك... وقد انزعج السنوسي من تحذير زوجته له وشعر بإحباط وتشاؤم، وقال لها: كيف تفكرين هكذا؟ وبعد أيام جرى تسليمه إلى ليبيا بالفعل».
وأبرز أبو صوة أن الجماعة الليبية المقاتلة حوَّلت غرف الدراسة والمحاضرات في كلية الشرطة بطرابلس إلى سجن وزنازين حديدية لقيادات النظام السابق، وخصصت طابقا يقع تحت الأرض معزولا عن العالم لكبار رجال القذافي، وقال بهذا الخصوص: «السجن المعروف اليوم باسم سجن الهضبة كان كلية لتخريج ضباط الشرطة، وكان يتكون من عنابر وصالات دراسة، جرى تحويلها في ظرف شهرين بعد 2011 إلى زنازين لكي يكون مكانا شديد الحراسة... وقد كان الغرض من سجن الهضبة هو أن يكون مكانا ذا حراسة مشددة في قلب العاصمة لكي تسجن فيه العناصر البارزة في النظام السابق، مثل الساعدي القذافي وعبد الله السنوسي، فالصالات وعنابر الدراسة وكل شيء صنف من جديد، وبنيت وأعدت لكي تكون سجونا ضيقة جدا، ويوجد داخل سجن الهضبة سجن آخر تحت الأرض يسمى سجن الحفرة، والمصطلح المتداول عنه، تندرا، بين السجناء كان هو الفيلات، وذلك بسبب عزلته التامة عن العالم».
ويضيف أبو صوة متحدثا عن هذه المرحلة الصعبة من حياته: «كان سجن الحفرة مكانا معدا للتعذيب، وظل لمدة سنتين مكانا لعزل عبد الله السنوسي. وهو يقع تحت أرض السجن الرئيسي، ومن يدخله لا يسمع صوت أي شيء... صمت مطبق... لا بشر ولا حتى صوت سيارة عابرة، وكله مطلي من الداخل باللون الأسود، سواء الممرات أو الجدران، وكل زنزانة فيه مطلية بالأسود بالكامل، ومنعدمة الإضاءة. وفيها حمام صغير جدا، بحيث حينما تراه للوهلة الأولى تقول إنه يستحيل أن تتمكن من الدخول إليه لقضاء حاجتك».
مكث أبو صوة في سجن الهضبة نحو أربع سنوات في عنبر يسمى «الأزلام»، والمقصود بهم كبار شخصيات النظام السابق، وذلك بعد أن طاف على عدة سجون أخرى بشعة، من بينها سجن النعايمي في عين زارة، وسجن الجديدة وسجن إمعيتيقة وغيرها من السجون القاسية. أما حين وصل إلى سجن الهضبة فقد وجد أن «عبد السنوسي موضوع في غرفة بسجن تحت الأرض ويعامل معاملة سيئة ويتعرض للتعذيب... لكن أخيرا أمر النائب العام بإصلاح وضعه، ونقله إلى غرفة. لكن السجانين أنفسهم الذين كانوا يعذبونه تحت الأرض تبعوه في اليوم نفسه الذي نقل فيه إلى الغرفة الجديدة، وأخرجوه في الممر وضربوه ضربا مبرحا، وقالوا للسنوسي ستطالك أيدينا أينما ذهبت».
في السجن لم يكن يتم السماح بالاختلاط بين رموز النظام السابق، يوضح أبو صوة الذي يضيف قائلا: «في البداية كانوا متساهلين، لكن بعد أن امتلكت الجماعة المقاتلة زمام الأمور في الإشراف على السجن، أصبحت تتعامل مع هذا الوضع بحساسية كبيرة جدا، وأصبح لا يمكن لأي أحد مثلا أن يتحدث مع عبد الله السنوسي، ولو سلم على شخص وتحدث معه ولو بربع كلمة، فإنه يتم الإعلان عن النفير داخل السجن وإجراء تحقيق، وفرض عقوبات. لكن أحيانا يكون هناك نوع من التساهل... فمن الممكن، مثلا، أن نلتقي معه داخل العيادة، أو بعد منتصف الليل، بعد أن يهدأ السجن، حيث نتحدث من خلال فتحات الأبواب الحديدية للزنازين».
ويتابع أبو صوة: «زنزانتي كانت أمام زنزانة السنوسي، وقد بقيت أتحدث معه عبر شراعات الأبواب طيلة أربعة أشهر، وهي الفترة التي سمعت منه الكثير عن أحداث 2011 وما قبلها. رموز النظام السابق الكبار يكونون عادة في سجون انفرادية. أما أنا فكان معي اثنان في غرفتي، هما مدير الشؤون الفنية في جهاز الأمن الخارجي، الشيباني عبد السلام، وتم الإفراج عنه ولله الحمد، وضابط في جهاز الأمن الخارجي، يدعى عبد الله صالح، وقد سجن ظلما لست سنوات تقريبا».
وكان الضابط صالح أحد المسؤولين عن الأمن الشخصي للقذافي، ومسؤولا عن سلامة أغراضه في رحلاته، والقيام بتفتيش كل من يدخل عليه، وظن السجانون أن لديه معلومات، وقد سجن ست سنوات إلا شهرين، وخرج براءة، كما كان صالح قد أمضى أربع سنوات معتقلا في مصراتة، ورأى صنوف العذاب ألوانا، قبل أن يتم نقله إلى سجن الهضبة باعتبار أنه من أبناء طرابلس.
ومما عرفه أبو صوة من الضابط صالح أن «القذافي كان إذا انتقل من البيت وخرج إلى الساحة أو الهواء الطلق ليتحدث مع رفيقه الذي معه، فهذا يعني أن الموضوع حساس جدا، لأنه كان يخشى من التسجيل، ويخشى حتى ممن يصنع له الشاي أو يقدم له القهوة في الخيمة أو في المكتب».
بهذا الخصوص يقول أبو صوة: «في مرة سألت الضابط صالح لماذا يجلس القذافي على مقعد بلاستيك قيمته 25 دينارا ليبيا، ويلزم ضيوفه من كبار الزعماء بالجلوس على مثل هذه الكراسي الرخيصة، فأجابني قائلا إن القذافي كانت لديه فلسفة في هذا الأمر، على اعتبار أنه لا أحد يستطيع أن يضع في هذه الكراسي العارية الملساء شيئا مثيرا للريبة كأجهزة التنصت ولواقط الصوت وغيرها».
أمضى أبو صوة وقتا طويلا مع الساعدي نجل القذافي، وقال عنه «إنه كان يفضل الوحدة داخل السجن... وكان حديثي مع الساعدي أكثر من أي شخص آخر... هو مضطرب في إجاباته وفي موقفه. وهو شخص متدين. كان مناصرا لوالده لكنه لم يحمل في البداية البندقية ليقاتل. وعقب سقوط النظام انخرط في العمل العسكري في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه... ومعظم مناقشاتي مع الساعدي في السجن كانت دينية حول قضايا الفكر والمنهج والعقيدة والفقه. وقد درسنا حتى مسائل في قواعد النحو والصرف».
وأشار أبو صوة إلى أن الساعدي كان «دائما لوحده في الزنزانة، وإن كان في بعض الأحيان مع شخص أو شخصين، وكان يكون وحده، إما بطلب منه وإما لعقوبة لحقت به. وقد تعرض لعدة مواقف نتج عنها معاقبته بالحبس الانفرادي. فقد كان له موقف صلب في قضية المصالحة التي حاول أن يطرحها مدير السجن خالد الشريف، الرجل الثاني في تنظيم الجماعة الإسلامية المقاتلة، وكان للساعدي فلسفة مختلفة عن فلسفة عبد الله السنوسي، أو البغدادي المحمودي أو غيرهما في موضوع المصالحة. لقد كان مناورا وكانت لديه شروط صارمة مثل الإفراج أولا عن بعض السجناء لإثبات حسن النيات».
ويتذكر أبو صوة أن أبو زيد دوردة كان أيضا من أشد سجناء النظام السابق صلابة في وجه سجانيه من الجماعة الليبية المقاتلة: «ولم يرضخ، ولم يتنازل قيد أنملة، إنه يؤمن بمشروع المصالحة، ولكن تساءل مع مَن؟ فمن يحكمون اليوم هم أنفسهم منقسمون، ولا توجد قيادة تملك القرار».
وتابع أبو صوة قائلا: «في يوم من الأيام قال دوردة لآمر من أمراء الجماعة الإسلامية المقاتلة أثناء محاولة التفاوض على الصلح مع قيادات النظام السابق: أنتم تحملون فكرا منحرفا، والدخول معكم في حوار أمر مستحيل... لقد أخرجناكم من السجون وعفونا عنكم وأعطيناكم الأموال، ففعلتم ما فعلتم. من الصعب أن نخوض معكم تجربة أخرى نهايتها معروفة».
وبسبب هذا الموقف عوقب دوردة عقابا شديدا، وبقي في السجن الانفرادي، وناله الكثير من الشتم والسب، وتعرض لأهوال من التعذيب بسبب عدم مرونته، حسب أبو صوة الذي أوضح أيضا أن الحالة الصحية لرئيس الوزراء السابق المحمودي كانت متدهورة في السجن، لأنه «كان يعاني من مرض... ولقي من التعذيب والإهانة ما لا يخطر على بال. فقد كان ينظف دورات المياه، ويقوم بغسيل ممرات السجن... ويعلم أنه يمكن أن يفعلوا به كل شيء. حالة من التعذيب النفسي والجسدي. كما أُجريت له عملية في ظروف غير صحية داخل السجن، ورفضت الجماعة المقاتلة إخراجه حتى لعيادة قريبة جدا من السجن تحت حراسة مشددة. وتم تعقيم العيادة في السجن تعقيما سيئا، وأجريت له عملية مناظير في البطن أكثر من مرة، لأن لديه مشكلات في المعدة وفي الكبد».
ويضيف أبو صوة موضحا أن المحمودي كان يعاني كذلك من مشكلة صحية أخرى تتعلق بمنطقة الحوض في جسده... «وكان يعاني عذابا مريرا بسبب ذلك. فمثلا كان حوضه يتعرض إلى فصل عن مكانه، ولا تتم إعادته إلا بطريقه صعبة جدا من قبل إخصائي علاج طبي. وقد رأيته يسقط على الأرض فيحدث له هذا الأمر، وكان يتألم ويصرخ. وقد رأيت حراس السجن وهم يقومون بتصويره بالهواتف وهو ينظف الحمامات وينظف الساحة من بقايا السجائر».
ويؤكد أبو صوة أنه رأى أيضا ضباطا قطريين يحضرون التحقيقات داخل عدة سجون، منها إمعيتيقة والهضبة، مع المساجين من رجال المخابرات الليبية... ويقول بهذا الخصوص: «في البداية حضر قطريون في صالات التحقيق، ووجهوا أسئلة، ربما لم يتعاملوا مع السجين مباشرة، لكن الغرض كان معروفا، كان القطريون، في البداية في سجن إمعيتيقة وفي سجن الهضبة».
وأوضح أبو صوة أن هذه الملاحظات جاءت في ظروف عصيبة... «بالنسبة لي كسجين لا تتحرك إلا ورأسك إلى الأسفل، ولا يسمح لك بالخروج إلا وأنت ذاهب للنيابة. ورغم هذا شاهدت في إحدى المرات اثنين من الضباط القطريين داخل سجن الهضبة وهم في صحبة أحد كبار قيادات الجماعة الليبية المقاتلة (ذكر اسمه)... حدث ذلك في بداية 2014 وكانا ضابطين شابين. تجولا لكن لم أعرف ماذا فعلا. فالسجين مثلي لا يخرج إلا للنيابة أو للتحقيق... وكل من كان يأتي ليحقق معي كان يُسمح له بذلك».
ويتابع أبو صوة موضحا: «كل الضباط الكبار الذين كانوا معي في سجن إمعيتيقة قالوا لي إن ضباطا قطريين حققوا معنا في البدايات، أي في 2011. كانوا يقيمون في فندق قريب من السجن، وكانوا حريصين على جمع المعلومات».
وعما إذا كان قد سأل أيا من قيادات النظام السابق عما يثار بشأن نقل الأرشيف الأمني الليبي إلى قطر، يقول أبو صوة: «أخبرني ضابط في الأمن الخارجي، وكان منشقا على القذافي، بأن ما مقداره حمولة شاحنة ضخمة من وثائق جهاز المخابرات تم نقلها إلى قطر». قبل أن يضيف: «تكلمت أيضا مع أبو زيد دوردة حول هذا الموضع، أي موضوع أرشيف الدولة، فقال إنه كانت هناك أوامر بحرق هذه الأشياء. لكن الوقت والظرف لم يسعفهم، لأن سقوط طرابلس كان مفاجئا».
ويضيف أبو صوة موضحا: «كان هناك سباق محموم من جانب أطراف ليبية على جمع المعلومات من رجال المخابرات عن النشاط الخارجي لهذا الجهاز في عهد القذافي... أنت تعلم أن جهاز الأمن الخارجي مثل أي جهاز مخابرات كانت له عمليات في الخارج، فكان المحققون حريصين على الحصول على تفاصيل موثقة، واعترافات بشأن كل عملية، بعد التعذيب والتهديد... ويقومون بالتسجيل صوتا وصورة لضباط الأمن الخارجي، وما قاموا به من أعمال خارج ليبيا».
وفي هذا السياق يتذكر أبو صوة واقعة تخص رئيس الإدارة الفنية لجهاز الأمن الخارجي، الشيباني عبد السلام، قائلا إن هذا الرجل الطاعن في السن والمريض «رفض رفضا تاما إفشاء أي معلومات، ولم يتعاون معهم أبدا رغم مرضه، فهو يعاني من حساسية حادة في صدره، وكانوا يخشون تعذيبه خوفا من أن يلقي حتفه، إلا أن الإهانة والسب لم تتوقف بحقه. وجرى تقييده... وظل يوما كاملا مكبلا في حديد الدرج ولا يستطيع أن يجلس».
وبخلاف زنازين «الحفرة»، هناك وسائل تعذيب كثيرة في سجن الهضبة لرموز النظام السابق، حسب أبو صوة الذي يوضح: «بعد أن وقعت حالات قتل بحق سجناء، صدرت تعليمات بعدم اللجوء إلى الضرب... ومنذ ذلك الوقت ظهرت طرق جديدة، منها مثلا وضع عشرين شخصا في غرفة لا تسع إلا لثلاثة أشخاص فقط، ويتم منعهم من شرب الماء والطعام إلا بكميات محدودة، ومن الدخول إلى الحمام، ويُعطَون قوارير بلاستيكية فارغة لقضاء الحاجة. وليس أمامك إلا خيار واحد، وهو الاعتراف بما طلب منك الاعتراف به أمام النيابة».
وممن كان شاهدا على موتهم تحت التعذيب، يذكر أبو صوة أربعة أشخاص، من بينهم ضباط جرى التنكيل بهم في محاولة للحصول على معلومات منهم بخصوص اختفاء الإمام الشيعي اللبناني موسى الصدر في عهد القذافي... «كان هذا الضابط يلقب باسم محمد الوراكينة، كما قُتل تحت التعذيب شخصان آخران، أحدهما عقيد في جهاز الشرطة العسكرية يدعى حبيب، كان يعاني من ارتفاع في ضغط الدم وتم تعذيبه حتى مات. وآخر اسمه العميد أبو بكر مؤمن، ومات بسبب الإهمال الصحي حيث كان زملاؤه يصرخون داخل الزنزانة بأنه مريض ولديه شلل بسبب جلطة وتم إهماله حتى توفي».



مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.


حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
TT

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

واصلت قوات «درع الوطن» اليمنية تعزيز حضورها الأمني في ساحل ووادي حضرموت، ضمن تحركات ميدانية واسعة تستهدف ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة محال بيعه، ومنع حمله والتجول به داخل المدن والمناطق السكنية، في إطار مساعٍ متواصلة لترسيخ الاستقرار، وفرض هيبة النظام، وتوسيع مظلة الأمن في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويين الأمني والاقتصادي.

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة أمنية متكاملة تستند إلى الانتشار الميداني، وتكثيف الحملات التفتيشية، ومداهمة المواقع المشبوهة، إلى جانب إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، في رسالة واضحة بأن السلطات الأمنية ماضية في إنهاء مظاهر التسلح العشوائي، وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر.

وفي وادي حضرموت، نفَّذ اللواء الثاني التابع للفرقة الثانية في قوات درع الوطن حملة أمنية واسعة لمنع حمل السلاح غير المرخص ومصادرته بشكل كامل، شملت المدن الرئيسية والثانوية، وذلك بناءً على توجيهات قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء فهد بامؤمن.

قوات «درع الوطن» اليمنية عززت قبضتها الأمنية في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

ووفقاً لما أعلنته قيادة الحملة، فإن الأطقم العسكرية تواصل انتشارها الميداني في مختلف مدن ومناطق الوادي، حيث تنفذ عمليات مداهمة للمحال المخالفة، وتضبط حاملي السلاح غير المرخص، وتصادر المضبوطات، تمهيداً لإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكدت قيادة الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، وفرض هيبة النظام، وحماية السكان من تداعيات انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، مشددةً على أن حمل السلاح داخل المدن بات يمثل تجاوزاً مرفوضاً وخطاً أحمر لن يكون هناك أي تهاون في التعامل معه، مع تأكيد التعامل بحزم مع كل من يخالف التعليمات أو يحاول الالتفاف عليها.

ملاحقة تجارة السلاح

في امتداد لهذه الحملة، واصل اللواء الخامس في الفرقة الثانية بقيادة العقيد عماد الحدادي تنفيذ عملياته الأمنية في مدينة سيئون، حيث أعلن ضبط ومصادرة عدد من الأسلحة غير المرخصة، وإحالة المضبوطين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

كما كانت الفرقة الثانية، بقيادة مساعد القائد الرائد أحمد الديني، ورئيس عمليات اللواء الثاني المقدم صادق المنهالي، قد نفَّذت حملة أمنية واسعة استهدفت مديريتي القطن وحوره، وشملت مداهمة مواقع مشبوهة، إلى جانب محال تبيع الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية.

وأسفرت تلك الحملة عن مصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، وإغلاق عدد من المحال المخالفة التي تمارس تجارة السلاح دون تراخيص، في خطوة تعكس توجهاً أمنياً واضحاً نحو ضرب شبكات الاتجار بالسلاح عند منابعها، وليس فقط الاكتفاء بضبط حامليه في الشوارع والمدن.

إجراءات تفتيش دقيقة لمنع تهريب الأسلحة والذخائر في وادي حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

وأوضحت قيادة الفرقة الثانية أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية محكمة لاجتثاث ظاهرة حمل السلاح العشوائي، والقضاء على أوكار تجار السلاح، ومنع المظاهر المسلحة التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن المديريات واستقرارها، مؤكدة استمرار الحملات خلال الأيام المقبلة لملاحقة كل من يعبث بالأمن العام.

وبالتوازي مع هذه الحملات، واصلت الأجهزة الأمنية في وادي حضرموت تعزيز حضورها المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة والجنائية، حيث أحالت الإدارة العامة للأمن والشرطة 15 متهماً إلى النيابة الجزائية المتخصصة، على ذمة قضايا جنائية جسيمة جرى ضبطها والتحقيق فيها خلال الشهر الحالي والذي سبقه.

وشملت القضايا المحالة ستة متهمين في قضايا مخدرات، وستة آخرين في قضايا اختطاف، إضافة إلى متهمين في قضية تتعلق بالإضرار بالاقتصاد الوطني، إلى جانب مطلوب للنيابة العامة، وذلك بعد استكمال التحقيقات وجمع الاستدلالات، وتسليم ملفات القضايا مع المضبوطات وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

رفع الجاهزية

في ساحل حضرموت، دشن قائد لواء «الريان» العميد الركن خالد التميمي، الدورة التنشيطية الأولى لمنتسبي اللواء ضمن الخطة التدريبية للعام الحالي، في خطوة تستهدف توحيد المفاهيم العسكرية، وتعزيز الجاهزية والانضباط، ورفع كفاءة الأداء الميداني.

وأكد التميمي خلال افتتاح الدورة أهمية ترسيخ المفاهيم العسكرية الصحيحة، ورفع مستوى الحس الأمني لدى الأفراد، والالتزام بالتفتيش الدقيق للمركبات، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بوصفها أدوات أساسية في حفظ الأمن ومنع أي تهديدات محتملة.

كما شدد على أهمية العمل بروح الفريق الواحد، وتعزيز روح الزمالة والانضباط بين الأفراد، بوصف ذلك أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الوحدات العسكرية في أداء مهامها بكفاءة ومسؤولية، مع التعهد بمواصلة البرامج التدريبية بما يضمن رفع جاهزية القوات لمواجهة مختلف التحديات.

خفر السواحل اليمني في مبادرة لتنظيف حوض ميناء المكلا (الإعلام العسكري اليمني)

في سياق متصل، نفذت قوات خفر السواحل مبادرة ميدانية لتنظيف حوض ميناء المكلا، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بهدف إزالة المخلفات البحرية من قاع الحوض، والحفاظ على البيئة البحرية وصون نظافة السواحل والموانئ.

وأكدت قيادة خفر السواحل أن ما تحقق من تطوير في قدراتها، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، من خلال تزويدها بزوارق حديثة ومنظومات اتصالات متطورة، أسهم في تعزيز قدرتها على تأمين السواحل وحماية الأمن البحري، إلى جانب توسيع مساهمتها في المبادرات البيئية والخدمية المرتبطة بالمصلحة العامة.

Your Premium trial has ended