مستشار الأوقاف الليبي السابق يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل مثيرة من سنوات حبسه

أبو صوة قال إن القذافي سمح لجيشه بالانصراف قبل أن يتوجه للموت في سرت

أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة
أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة
TT

مستشار الأوقاف الليبي السابق يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل مثيرة من سنوات حبسه

أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة
أبو صوة خلال حديثه لـ»الشرق الأوسط» عقب وصوله إلى القاهرة

منذ اعتقاله في بيته بطرابلس صيف عام 2011، وحتى إطلاق سراحه مؤخرا هذه السنة، مرَّ علي أبو صوة، مستشار الهيئة العامة للأوقاف في ليبيا في عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، على معظم السجون بالعاصمة طرابلس، لكن أكبر مدة أمضاها بين الزنازين كانت في سجن الهضبة مع كبار رجال النظام السابق، ومن بينهم عبد الله السنوسي رئيس المخابرات، وأبو زيد دوردة رئيس جهاز الأمن الخارجي، والبغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء في عهد القذافي، والساعدي نجل هذا الأخير، وعديد من القيادات الأخرى من المخابرات والشرطة العسكرية واللجان الثورية والأمن الداخلي.
وبعد خروجه من ليبيا ووصوله إلى القاهرة مؤخرا، روى أبو صوة، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، ما كان يدور من وقائع التعذيب البشعة في هذه السجون، وخلاصة ليالي الحوار مع القادة السابقين، حيث جرى التطرق إلى الأيام الأخيرة لنظام معمر القذافي، ومن بينها خروج العقيد الراحل من طرابلس إلى مدينة بني وليد.
وجرى القبض على أبو صوة يوم سقوط طرابلس بيد المنتفضين في رمضان عام 2011، وكان وجهه مألوفا للعامة بسبب ظهوره على قنوات التلفزيون ودفاعه عن نظام القذافي. وفي خضم الفوضى جرى اعتقاله من منزله على طريق مطار طرابلس الدولي، ولم يسمح له حتى بتغيير ملابسه. وبعد أعوام من الاعتقال جرى الحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة معاداة ثورة فبراير (شباط)، بينما كان قد أمضى من هذه المدة خمس سنوات وثمانية أشهر رهن الاحتجاز.
في ذكرى رحيل القذافي السادسة التي توافق اليوم، يتم الكشف لأول مرة عن اجتماع سريع عقده القذافي في بني وليد مع قياداته العسكرية، حيث أَذِنَ لمن يريد من قيادات جيشه بالانصراف، «قبل أن يتوجه للموت في مدينة سرت»، بحسب أبو صوة، الذي قال إنه سأل في إحدى ليالي سجن الهضبة السنوسي عما إذا كانت هناك خطة بديلة لما بعد سقوط طرابلس في يد المنتفضين ضد حكم القذافي، فأجابه: «لا... كان كل شيء يسير بشكل عشوائي».
ويوم دخول المنتفضين المسلحين إلى طرابلس بمساعدة ضربات حلف «ناتو»، تقرر الخروج سريعا من العاصمة، لدرجة أن ابنة القذافي الدكتورة هناء كانت في ذلك اليوم تجري عملية جراحية ليد أحد الضباط المصابين، وتوجهت الحراسات إلى مقر العيادة لإخلائها فورا. ويبدو أن القذافي، حسب أبو صوة، كان يكن محبة خاصة لرجل من وجهاء قبيلة ورفلة من مدينة بني وليد، وهو الشيخ جبران جبران. ويضيف موضحا: «ما عرفته أن أسرة القذافي توجهت للإقامة في منزل الشيخ جبران قبل أن تغادر ليبيا... وقد خرجت من بني وليد وليس من طرابلس أو من سرت، كما كان الاعتقاد سائدا في ذلك الوقت».
والشيخ جبران نفسه قتل في أول غارة فرنسية على ليبيا قبل تدخل حلف الناتو في مارس (آذار) من عام 2011، وقد جرى وقتها تكليفه بقيادة الرتل الشهير الذي كان قد توجه حينذاك إلى بنغازي لإنهاء الانتفاضة، إلا أن الرتل تعرض لقصف من الطائرات الفرنسية وأبيد وهو في الطريق.
وكان الشيخ جبران «آمر جحفل»، ومقربا من القذافي، ويحظى باحترام كبير في بني وليد وفي قبيلته ورفلة. وبهذا الخصوص يقول أبو صوة: «القذافي أمر بناته وأسرته أن يقيموا في بيت عائلة الشيخ جبران في بني وليد. وهذا البيت تم قصفه فيما بعد وحرقه حين دخلت قوات (من مصراتة وطرابلس) للمدينة في 2012».
وفي العشرين من أغسطس (آب)، وعقب خروجه من طرابلس، توجه القذافي، حسب أبو صوة، إلى بني وليد وعقد اجتماعا نادرا مع قادته، ومنح الإذن لكل الضباط الذين حوله بالانصراف، وأعطى توجيهاته الأخيرة، وقال لهم إن كل من يريد أن يأخذ وجهة فليذهب لحال سبيله، وأن كل ضابط لديه إذن عسكري بهذا، موضحا أنه لن يُلزم أحدا بالبقاء معه، ثم توجه بعد إلى سرت، حيث رافقته سريته الخاصة، وكان من أبرز قادتها عز الدين الهنشيري الذي قتل فيما بعد، ومنصور ضو المعتقل حتى الآن.
وفي الطريق من طرابلس إلى سرت، سلك القذافي الطريق الجنوبي الذي يؤدي إلى بني وليد أولا، حسب شهادة أبو صوة، الذي أوضح أن «الضباط في سجن الهضبة أخبروه أنه كان الطريق الوحيد الآمن في ذلك الوقت، لأن الطريق الساحلي كان مغلقا. وفي بني وليد التقى بعض الضباط، وأعطى توجيهاته الأخيرة. وقال لرجاله إنه لن يُلزم أي أحد بأي شيء».
أما عبد الله السنوسي فيقول، وفقا لرواية أبو صوة، إنه انتقل لمتابعة التطورات في ليبيا انطلاقا من منطقة الجفرة على تخوم كل من بني وليد وسرت، ولم يلتق بعدها القذافي إلا مرة واحدة بعد ذلك، حيث توجه إليه ليخبره بنبأ مقتل خميس القذافي في قصف قام به حلف الناتو على موكبه أثناء تحركه على الطريق بين مدينتي ترهونة وبني وليد.
ويتذكر أبو صوة تلك الأيام الصعبة في سجن الهضبة وحديثه مع السنوسي بقوله: «الفراق قبل الأخير بين القذافي ورئيس مخابراته كان في بني وليد عقب ذلك الاجتماع، الذي أشرت إليه مع الضباط... لكن الفراق الأخير كان بعد أن توجه السنوسي من الجفرة إلى القذافي في الحي رقم 2 في سرت لكي يخبره بمقتل نجله خميس. وكان ابن السنوسي هو الذي يقود السيارة بنجل القذافي، وهو في الوقت نفسه ابن خالة خميس... وقد تعرضت السيارة لقصف من طائرات الناتو... وتوفي محمد عبد الله السنوسي مباشرة، لكن خميس مات في المستشفى في بني وليد، وتم دفنهما في بني وليد أيضا».
بعد ذلك تلاحقت الأحداث سريعا، حسب أبو صوة. فقد انسحب السنوسي مرة أخرى إلى الجنوب، ثم انتقل إلى النيجر، ومنها إلى مالي، حيث كان معه هاتف ثريا يجري منه اتصالاته بهوية أخرى، كما كان يحمل جواز سفر باسم مختلف. ومن مالي سافر إلى المغرب حيث جرى رصده هناك، وطلبت منه السلطات المغربية مغادرة البلاد. ومن هناك انتقل إلى موريتانيا.
وبعد قليل من الصمت، يعود أبو صوة للتذكر قائلا: «مما حدثني به عبد الله السنوسي أنه في أول زيارة لزوجته له بعد أن استقر في فيلا في معسكر بموريتانيا، قالت له: يا عبد الله جهز نفسك سيتم تسليمك... وقد انزعج السنوسي من تحذير زوجته له وشعر بإحباط وتشاؤم، وقال لها: كيف تفكرين هكذا؟ وبعد أيام جرى تسليمه إلى ليبيا بالفعل».
وأبرز أبو صوة أن الجماعة الليبية المقاتلة حوَّلت غرف الدراسة والمحاضرات في كلية الشرطة بطرابلس إلى سجن وزنازين حديدية لقيادات النظام السابق، وخصصت طابقا يقع تحت الأرض معزولا عن العالم لكبار رجال القذافي، وقال بهذا الخصوص: «السجن المعروف اليوم باسم سجن الهضبة كان كلية لتخريج ضباط الشرطة، وكان يتكون من عنابر وصالات دراسة، جرى تحويلها في ظرف شهرين بعد 2011 إلى زنازين لكي يكون مكانا شديد الحراسة... وقد كان الغرض من سجن الهضبة هو أن يكون مكانا ذا حراسة مشددة في قلب العاصمة لكي تسجن فيه العناصر البارزة في النظام السابق، مثل الساعدي القذافي وعبد الله السنوسي، فالصالات وعنابر الدراسة وكل شيء صنف من جديد، وبنيت وأعدت لكي تكون سجونا ضيقة جدا، ويوجد داخل سجن الهضبة سجن آخر تحت الأرض يسمى سجن الحفرة، والمصطلح المتداول عنه، تندرا، بين السجناء كان هو الفيلات، وذلك بسبب عزلته التامة عن العالم».
ويضيف أبو صوة متحدثا عن هذه المرحلة الصعبة من حياته: «كان سجن الحفرة مكانا معدا للتعذيب، وظل لمدة سنتين مكانا لعزل عبد الله السنوسي. وهو يقع تحت أرض السجن الرئيسي، ومن يدخله لا يسمع صوت أي شيء... صمت مطبق... لا بشر ولا حتى صوت سيارة عابرة، وكله مطلي من الداخل باللون الأسود، سواء الممرات أو الجدران، وكل زنزانة فيه مطلية بالأسود بالكامل، ومنعدمة الإضاءة. وفيها حمام صغير جدا، بحيث حينما تراه للوهلة الأولى تقول إنه يستحيل أن تتمكن من الدخول إليه لقضاء حاجتك».
مكث أبو صوة في سجن الهضبة نحو أربع سنوات في عنبر يسمى «الأزلام»، والمقصود بهم كبار شخصيات النظام السابق، وذلك بعد أن طاف على عدة سجون أخرى بشعة، من بينها سجن النعايمي في عين زارة، وسجن الجديدة وسجن إمعيتيقة وغيرها من السجون القاسية. أما حين وصل إلى سجن الهضبة فقد وجد أن «عبد السنوسي موضوع في غرفة بسجن تحت الأرض ويعامل معاملة سيئة ويتعرض للتعذيب... لكن أخيرا أمر النائب العام بإصلاح وضعه، ونقله إلى غرفة. لكن السجانين أنفسهم الذين كانوا يعذبونه تحت الأرض تبعوه في اليوم نفسه الذي نقل فيه إلى الغرفة الجديدة، وأخرجوه في الممر وضربوه ضربا مبرحا، وقالوا للسنوسي ستطالك أيدينا أينما ذهبت».
في السجن لم يكن يتم السماح بالاختلاط بين رموز النظام السابق، يوضح أبو صوة الذي يضيف قائلا: «في البداية كانوا متساهلين، لكن بعد أن امتلكت الجماعة المقاتلة زمام الأمور في الإشراف على السجن، أصبحت تتعامل مع هذا الوضع بحساسية كبيرة جدا، وأصبح لا يمكن لأي أحد مثلا أن يتحدث مع عبد الله السنوسي، ولو سلم على شخص وتحدث معه ولو بربع كلمة، فإنه يتم الإعلان عن النفير داخل السجن وإجراء تحقيق، وفرض عقوبات. لكن أحيانا يكون هناك نوع من التساهل... فمن الممكن، مثلا، أن نلتقي معه داخل العيادة، أو بعد منتصف الليل، بعد أن يهدأ السجن، حيث نتحدث من خلال فتحات الأبواب الحديدية للزنازين».
ويتابع أبو صوة: «زنزانتي كانت أمام زنزانة السنوسي، وقد بقيت أتحدث معه عبر شراعات الأبواب طيلة أربعة أشهر، وهي الفترة التي سمعت منه الكثير عن أحداث 2011 وما قبلها. رموز النظام السابق الكبار يكونون عادة في سجون انفرادية. أما أنا فكان معي اثنان في غرفتي، هما مدير الشؤون الفنية في جهاز الأمن الخارجي، الشيباني عبد السلام، وتم الإفراج عنه ولله الحمد، وضابط في جهاز الأمن الخارجي، يدعى عبد الله صالح، وقد سجن ظلما لست سنوات تقريبا».
وكان الضابط صالح أحد المسؤولين عن الأمن الشخصي للقذافي، ومسؤولا عن سلامة أغراضه في رحلاته، والقيام بتفتيش كل من يدخل عليه، وظن السجانون أن لديه معلومات، وقد سجن ست سنوات إلا شهرين، وخرج براءة، كما كان صالح قد أمضى أربع سنوات معتقلا في مصراتة، ورأى صنوف العذاب ألوانا، قبل أن يتم نقله إلى سجن الهضبة باعتبار أنه من أبناء طرابلس.
ومما عرفه أبو صوة من الضابط صالح أن «القذافي كان إذا انتقل من البيت وخرج إلى الساحة أو الهواء الطلق ليتحدث مع رفيقه الذي معه، فهذا يعني أن الموضوع حساس جدا، لأنه كان يخشى من التسجيل، ويخشى حتى ممن يصنع له الشاي أو يقدم له القهوة في الخيمة أو في المكتب».
بهذا الخصوص يقول أبو صوة: «في مرة سألت الضابط صالح لماذا يجلس القذافي على مقعد بلاستيك قيمته 25 دينارا ليبيا، ويلزم ضيوفه من كبار الزعماء بالجلوس على مثل هذه الكراسي الرخيصة، فأجابني قائلا إن القذافي كانت لديه فلسفة في هذا الأمر، على اعتبار أنه لا أحد يستطيع أن يضع في هذه الكراسي العارية الملساء شيئا مثيرا للريبة كأجهزة التنصت ولواقط الصوت وغيرها».
أمضى أبو صوة وقتا طويلا مع الساعدي نجل القذافي، وقال عنه «إنه كان يفضل الوحدة داخل السجن... وكان حديثي مع الساعدي أكثر من أي شخص آخر... هو مضطرب في إجاباته وفي موقفه. وهو شخص متدين. كان مناصرا لوالده لكنه لم يحمل في البداية البندقية ليقاتل. وعقب سقوط النظام انخرط في العمل العسكري في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه... ومعظم مناقشاتي مع الساعدي في السجن كانت دينية حول قضايا الفكر والمنهج والعقيدة والفقه. وقد درسنا حتى مسائل في قواعد النحو والصرف».
وأشار أبو صوة إلى أن الساعدي كان «دائما لوحده في الزنزانة، وإن كان في بعض الأحيان مع شخص أو شخصين، وكان يكون وحده، إما بطلب منه وإما لعقوبة لحقت به. وقد تعرض لعدة مواقف نتج عنها معاقبته بالحبس الانفرادي. فقد كان له موقف صلب في قضية المصالحة التي حاول أن يطرحها مدير السجن خالد الشريف، الرجل الثاني في تنظيم الجماعة الإسلامية المقاتلة، وكان للساعدي فلسفة مختلفة عن فلسفة عبد الله السنوسي، أو البغدادي المحمودي أو غيرهما في موضوع المصالحة. لقد كان مناورا وكانت لديه شروط صارمة مثل الإفراج أولا عن بعض السجناء لإثبات حسن النيات».
ويتذكر أبو صوة أن أبو زيد دوردة كان أيضا من أشد سجناء النظام السابق صلابة في وجه سجانيه من الجماعة الليبية المقاتلة: «ولم يرضخ، ولم يتنازل قيد أنملة، إنه يؤمن بمشروع المصالحة، ولكن تساءل مع مَن؟ فمن يحكمون اليوم هم أنفسهم منقسمون، ولا توجد قيادة تملك القرار».
وتابع أبو صوة قائلا: «في يوم من الأيام قال دوردة لآمر من أمراء الجماعة الإسلامية المقاتلة أثناء محاولة التفاوض على الصلح مع قيادات النظام السابق: أنتم تحملون فكرا منحرفا، والدخول معكم في حوار أمر مستحيل... لقد أخرجناكم من السجون وعفونا عنكم وأعطيناكم الأموال، ففعلتم ما فعلتم. من الصعب أن نخوض معكم تجربة أخرى نهايتها معروفة».
وبسبب هذا الموقف عوقب دوردة عقابا شديدا، وبقي في السجن الانفرادي، وناله الكثير من الشتم والسب، وتعرض لأهوال من التعذيب بسبب عدم مرونته، حسب أبو صوة الذي أوضح أيضا أن الحالة الصحية لرئيس الوزراء السابق المحمودي كانت متدهورة في السجن، لأنه «كان يعاني من مرض... ولقي من التعذيب والإهانة ما لا يخطر على بال. فقد كان ينظف دورات المياه، ويقوم بغسيل ممرات السجن... ويعلم أنه يمكن أن يفعلوا به كل شيء. حالة من التعذيب النفسي والجسدي. كما أُجريت له عملية في ظروف غير صحية داخل السجن، ورفضت الجماعة المقاتلة إخراجه حتى لعيادة قريبة جدا من السجن تحت حراسة مشددة. وتم تعقيم العيادة في السجن تعقيما سيئا، وأجريت له عملية مناظير في البطن أكثر من مرة، لأن لديه مشكلات في المعدة وفي الكبد».
ويضيف أبو صوة موضحا أن المحمودي كان يعاني كذلك من مشكلة صحية أخرى تتعلق بمنطقة الحوض في جسده... «وكان يعاني عذابا مريرا بسبب ذلك. فمثلا كان حوضه يتعرض إلى فصل عن مكانه، ولا تتم إعادته إلا بطريقه صعبة جدا من قبل إخصائي علاج طبي. وقد رأيته يسقط على الأرض فيحدث له هذا الأمر، وكان يتألم ويصرخ. وقد رأيت حراس السجن وهم يقومون بتصويره بالهواتف وهو ينظف الحمامات وينظف الساحة من بقايا السجائر».
ويؤكد أبو صوة أنه رأى أيضا ضباطا قطريين يحضرون التحقيقات داخل عدة سجون، منها إمعيتيقة والهضبة، مع المساجين من رجال المخابرات الليبية... ويقول بهذا الخصوص: «في البداية حضر قطريون في صالات التحقيق، ووجهوا أسئلة، ربما لم يتعاملوا مع السجين مباشرة، لكن الغرض كان معروفا، كان القطريون، في البداية في سجن إمعيتيقة وفي سجن الهضبة».
وأوضح أبو صوة أن هذه الملاحظات جاءت في ظروف عصيبة... «بالنسبة لي كسجين لا تتحرك إلا ورأسك إلى الأسفل، ولا يسمح لك بالخروج إلا وأنت ذاهب للنيابة. ورغم هذا شاهدت في إحدى المرات اثنين من الضباط القطريين داخل سجن الهضبة وهم في صحبة أحد كبار قيادات الجماعة الليبية المقاتلة (ذكر اسمه)... حدث ذلك في بداية 2014 وكانا ضابطين شابين. تجولا لكن لم أعرف ماذا فعلا. فالسجين مثلي لا يخرج إلا للنيابة أو للتحقيق... وكل من كان يأتي ليحقق معي كان يُسمح له بذلك».
ويتابع أبو صوة موضحا: «كل الضباط الكبار الذين كانوا معي في سجن إمعيتيقة قالوا لي إن ضباطا قطريين حققوا معنا في البدايات، أي في 2011. كانوا يقيمون في فندق قريب من السجن، وكانوا حريصين على جمع المعلومات».
وعما إذا كان قد سأل أيا من قيادات النظام السابق عما يثار بشأن نقل الأرشيف الأمني الليبي إلى قطر، يقول أبو صوة: «أخبرني ضابط في الأمن الخارجي، وكان منشقا على القذافي، بأن ما مقداره حمولة شاحنة ضخمة من وثائق جهاز المخابرات تم نقلها إلى قطر». قبل أن يضيف: «تكلمت أيضا مع أبو زيد دوردة حول هذا الموضع، أي موضوع أرشيف الدولة، فقال إنه كانت هناك أوامر بحرق هذه الأشياء. لكن الوقت والظرف لم يسعفهم، لأن سقوط طرابلس كان مفاجئا».
ويضيف أبو صوة موضحا: «كان هناك سباق محموم من جانب أطراف ليبية على جمع المعلومات من رجال المخابرات عن النشاط الخارجي لهذا الجهاز في عهد القذافي... أنت تعلم أن جهاز الأمن الخارجي مثل أي جهاز مخابرات كانت له عمليات في الخارج، فكان المحققون حريصين على الحصول على تفاصيل موثقة، واعترافات بشأن كل عملية، بعد التعذيب والتهديد... ويقومون بالتسجيل صوتا وصورة لضباط الأمن الخارجي، وما قاموا به من أعمال خارج ليبيا».
وفي هذا السياق يتذكر أبو صوة واقعة تخص رئيس الإدارة الفنية لجهاز الأمن الخارجي، الشيباني عبد السلام، قائلا إن هذا الرجل الطاعن في السن والمريض «رفض رفضا تاما إفشاء أي معلومات، ولم يتعاون معهم أبدا رغم مرضه، فهو يعاني من حساسية حادة في صدره، وكانوا يخشون تعذيبه خوفا من أن يلقي حتفه، إلا أن الإهانة والسب لم تتوقف بحقه. وجرى تقييده... وظل يوما كاملا مكبلا في حديد الدرج ولا يستطيع أن يجلس».
وبخلاف زنازين «الحفرة»، هناك وسائل تعذيب كثيرة في سجن الهضبة لرموز النظام السابق، حسب أبو صوة الذي يوضح: «بعد أن وقعت حالات قتل بحق سجناء، صدرت تعليمات بعدم اللجوء إلى الضرب... ومنذ ذلك الوقت ظهرت طرق جديدة، منها مثلا وضع عشرين شخصا في غرفة لا تسع إلا لثلاثة أشخاص فقط، ويتم منعهم من شرب الماء والطعام إلا بكميات محدودة، ومن الدخول إلى الحمام، ويُعطَون قوارير بلاستيكية فارغة لقضاء الحاجة. وليس أمامك إلا خيار واحد، وهو الاعتراف بما طلب منك الاعتراف به أمام النيابة».
وممن كان شاهدا على موتهم تحت التعذيب، يذكر أبو صوة أربعة أشخاص، من بينهم ضباط جرى التنكيل بهم في محاولة للحصول على معلومات منهم بخصوص اختفاء الإمام الشيعي اللبناني موسى الصدر في عهد القذافي... «كان هذا الضابط يلقب باسم محمد الوراكينة، كما قُتل تحت التعذيب شخصان آخران، أحدهما عقيد في جهاز الشرطة العسكرية يدعى حبيب، كان يعاني من ارتفاع في ضغط الدم وتم تعذيبه حتى مات. وآخر اسمه العميد أبو بكر مؤمن، ومات بسبب الإهمال الصحي حيث كان زملاؤه يصرخون داخل الزنزانة بأنه مريض ولديه شلل بسبب جلطة وتم إهماله حتى توفي».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.