أوروبا تتجه يمينا

أوروبا تتجه يمينا
TT

أوروبا تتجه يمينا

أوروبا تتجه يمينا

أحدث فوز قوى اليمين المتطرف المناهض للبناء الأوروبي، في انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت الأيام الماضية، زلزالا سياسيا، رغم أن اليمين المحافظ استمر في شغل أكبر عدد من النواب في البرلمان الأوروبي.
وكان فوز الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبن في فرنسا هو الأبرز، حيث وضعها في الصدارة كأقوى تكتل سياسي في البلاد. وفي بريطانيا تصدر حزب الاستقلال (يوكيب) المناهض لأوروبا نتائج الانتخابات، ونال نسبة تاريخية بلغت 29 في المائة من الأصوات في ثلثي مناطق البلاد الـ12. وإزاء تلك الأحداث العاصفة عقد القادة الأوروبيون، مساء أمس في بروكسل، اجتماعا بحثوا خلاله خصوصا تحليل نتائج الاقتراع الذي اتسم بالتشكيك وحتى رفض الاتحاد الأوروبي لا سيما في فرنسا. واحتفل زعيم حزب «يوكيب»، نايجل فاراج بلغة مليئة بالرموز الحربية بفوزه في الانتخابات، مفصلا مشروعه لاجتياح البرلمان البريطاني العام المقبل، لكن الهدف الأخير لـ«جيشه الشعبي» يبقى إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
فمن هو نايجل فاراج؟ ومن هي مارين لوبن؟
* نايجل فاراج.. «ثعلب في بيت دجاج»
* يسلط نظره على ويستمنستر

* «ثعلب حزب الاستقلال دخل بيت دجاج وستمنستر»، هذا ما قاله زعيم حزب الاستقلال البريطاني (يوكيب) نايجل فاراج، النجم السياسي الصاعد المعادي لعضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، والذي لا يتمتع حتى الآن بأي تمثيل داخل برلمان المملكة المتحدة، الذي تسيطر عليه النخبة السياسية المتمثلة بالأحزاب السياسية الرئيسة، وهي المحافظين والعمال والديمقراطيين الأحرار، والتي تبادلت الأدوار السياسية خلال قرن من الزمن في إدارة سدة الحكم في البلاد.
وبعد فوزه بحصة الأسد في الانتخابات البرلمانية الأوروبية وحصوله على أعلى نسبة من الأصوات وأكبر عدد من المقاعد لتمثيل المملكة المتحدة في البرلمان الأوروبي التي بدأت الأسبوع الماضي وأعلنت نتيجتها صباح يوم الاثنين، وصف نايجل فاراج فوزه «بالهزة الأرضية»، مضيفا أن «حزبه كسر المعايير السياسية وأن ما حصل في الانتخابات الأوروبية، وكذلك الانتخابات المحلية لمجالس البلديات في المملكة المتحدة، لم يحدث لأكثر من مائة عام في السياسة البريطانية»، وهذا سيمهد الطريق لحزبه لدخول البرلمان في وستمنستر.
وحصل الحزب على 24 مقعدا، أي بنسبة 27.49 في المائة من الأصوات، وجاء في المرتبة الأولى، وجاء في المرتبة الثانية حزب العمال المعارض الذي حصل على 20 مقعدا بنسبة 25.4 في المائة من الأصوات، أما حزب المحافظين الحاكم فقد حصل على 19 مقعدا بنسبة 23.93 في المائة من نسبة الأصوات. وتعالت الأصوات من داخل حزب الديمقراطيين الأحرار الحاكم في الائتلاف الحكومي مطالبة زعيم الحزب نيك كليغ بالتنحي بسبب الهزيمة التي مني بها، إذ جاء في المرتبة السادسة، بعد أن خسر عشرة مقاعد مقارنة بما حصل عليه في الدورة السابقة التي أجريت عام 2009. وحصل الحزب في الدورة الحالية على مقعد واحد فقط بنسبة 6.8 في المائة من نسبة الأصوات.
وكان حزب يوكيب قد فاز في الانتخابات الأوروبية السابقة التي جرت في 2009 بـ13 مقعدا. وهذه المرة الأولى منذ عام 1906 التي لا يكون فيها النصر في انتخابات تجري على الصعيد الوطني من نصيب أحد الحزبين الرئيسين في البلاد، أي حزبي المحافظين والعمال.
لكن خصومه السياسيين يتهمون يوكيب وزعيمه فاراج بأنهما يفتقدان إلى سياسات واضحة، ويصفه الكثير من المعلقين بأنه «حزب القضية الواحدة»، أي عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. ووعد فاراج بوضع بيان يوضح موقف الحزب من قضايا الاقتصاد والتعليم والصحة والعلاقات الخارجية وغيرها، ليكون وثيقة الحزب السياسية للانتخابات البريطانية المقرر إجراؤها مايو (أيار) المقبل، ردا على خصومه السياسيين والمعلقين الذين يتهمونه بالشعبوية وأنه يلعب فقط على وتر قضية الهجرة الحساس ولا يستخدم سوى الورقة الأوروبية وتخويف الناخبين من المهاجرين.
وقال فاراج بعد إعلان النتائج وفوزه بمقعده في جنوب شرقي إنجلترا إنه «سيطلق بيان حزبه للانتخابات القادمة من دونكستر في شمال إنجلترا»، أي من مدينة الدائرة الانتخابية لزعيم حزب العمال إيد ميليباند. وأضاف «لقد بدأنا بوضع سياساتنا التي تخص النظام الصحي وقضايا الدفاع والتعليم ومستوى الصرف العام. وسوف نضع هذه السياسات على الإنترنت من أجل أن يطلع عليها الجميع».
وكان قد ركز في حملاته الانتخابية، على الصعيدين المحلي والأوروبي، على موضوع الهجرة والخوف من تدفق ملايين من مواطني أعضاء الاتحاد الـ28 إلى بريطانيا، وهذا ما تسمح به الاتفاقيات التي وقعت عليها بريطانيا.
البعض يرى أن حصول حزب يوكيب على نسبة قياسية عكست الرغبة عند الناخب لمعاقبة النخبة السياسة في وستمنستر، التي يرون أنها متغطرسة وبعيدة عن نبض الشارع. كما أن تقدم الحزب على حساب الأحزاب الرئيسة جاء بتدرج خلال السنوات القليلة الماضية. وأظهرت بعض مراكز البحث في بريطانيا اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، خصوصا أن ذلك جاء على خلفية الأزمة المالية والاقتصادية وفضيحة المصاريف لأعضاء للبرلمان. ومما ساعد حزب يوكيب على تقوية مواقعه واستمالة شرائح كبيرة من المجتمع البريطاني هو إزالة قيود الهجرة على مواطني عضوي الاتحاد الأوروبي الجديدين، رومانيا وبلغاريا، مما يخول مواطني هذين البلدين دون أي عائق القدوم إلى بريطانيا والبحث عن عمل فيها. ولعب نايجل فاراج على هذه الأوضاع وسخرها لصالح حزبه في الانتخابات الأوروبية والمحلية.
إذ تمكن الحزب من أن يزيد عدد ممثليه في المجالس المحلية من تسعة عام 2012 إلى 150 مقعدا يوم الخميس الماضي. حزب الديمقراطيين الأحرار خسر أكثر من 300 مقعد في المجالس المحلية وخسر السيطرة على جزء من المجلس لعدم حصوله على أكثرية.
لكن هل شعبية يوكيب في هذه الانتخابات كافية لإيصاله إلى ويستمنستر، وهل سيحصل على عدد من المقاعد تخوله أن يصبح الوكيل السياسي الذي يحمل بجيبه مفاتيح وستمنستر، كما حصل مع حزب الديمقراطيين الأحرار في الدورة الانتخابية البرلمانية السابقة عندما اضطر «المحافظين» والعمال الدخول بمفاوضات ائتلافية من أجل تشكيل حكومة غير آيلة للسقوط.
لكن على الرغم من كل هذا التقدم فإن أداءهم ليس كما كانت التوقعات في الانتخابات المحلية، وليس بمستوى الانتخابات الأوروبية.
وقال فاراج، 51 عاما، «سنركز جهود يوكيب على المناطق التي له فيها أعضاء في المجالس البلدية ونستخدمها كمنطلق للفوز بمقاعد محددة في مايو 2015». كما يقر بضرورة تشكيل هيئة قيادية ذات صفة تمثيلية ضد الهجوم المعمم لأحزاب «المؤسسة الحاكمة» بعد سنوات من التفرد بالسلطة. وأضاف «أعتقد أن الرأي العام البريطاني يود رؤية فريق منكب على العمل مع اقتراب الانتخابات العامة» معلنا عن تعيين متحدثين كفؤ للصحة والدفاع والهجرة والوظائف قريبا. وقال «في المستقبل لن يتعلق الأمر بي بقدر ما سيتعلق بهم».
حزب يوكيب كان لا يزال حتى يوم الاثنين يعد هامشيا بمنتسبيه الـ36 ألفا. وقال فاراج «لم تتخلصوا منا». أما وسائل الإعلام البريطانية المعادية له عموما فتشير إلى أعضاء حزبه على أنهم «شائبو الصدغين» وهم بغالبيتهم خمسينيون.
جون كيرتيس أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستراثكلايد قال خلال اشتراكه في حوار نظمته هيئة البث البريطاني «بي بي سي» ليلة الانتخابات قال، إن «أداء الحزب جيد لكن لا يجب أن نبالغ في قوتهم.. جيد لكن ليس فوق العادة».
«أداؤهم ليس جيدا في لندن، لأن سكان لندن من الشباب والأقليات العرقية. لهذا نرى أن القاعدة الشعبية لحزب الاستقلال في المناطق العمالية خارج لندن وبين المسنين والبيض».
لكنه في نهاية المطاف فقد أجبر حزب يوكيب السياسيين أن يتفاعلوا مع الوضع الجديد. وقال رئيس الوزراء ديفيد كاميرون «سوف نعمل المستحيل لأن نجيب على أسئلة الناس الذين يعملون بجد». المقصود هنا الإجابة على تخوف الناس من تدفق المهاجرين الأوروبيين.
بوريس جونسون، عمدة لندن، الذي يعتقد الكثير من المعلقين أنه الوريث الطبيعي لزعيم حزب المحافظين ديفيد كاميرون في حالة هزيمته في انتخابات العامة في مايو المقبل، قال لـ«بي بي سي» إنه «على رئيس الوزراء أن يوضح سياسية الهجرة، وأن تكون محصورة ببعض المهنيين في الأعمال وألا تكون مفتوحة للجميع»، مضيفا أن «على حزب المحافظين أن يجري استفتاء عاما حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي عام 2016 وليس كما وعد الحزب أن يكون الاستفتاء في عام 2017».
وكان قد وافق ديفيد كاميرون تحت ضغط المعاديين لأوروبا في معسكره وحزب يوكيب على تنظيم استفتاء عام 2017 حول بقاء البلاد في الاتحاد الأوروبي بعد إصلاحات سيجري إقرارها بخصوص علاقة الدول الأعضاء مع الاتحاد.
وقال رئيس الوزراء كاميرون، إن «المواطنين يشعرون بخيبة أمل كبيرة حيال الاتحاد الأوروبي.. يريدون تغييرا وبالنسبة لي، فإنني تلقيت الرسالة تماما وفهمتها».
وعلق المحللون بحذر حتى الآن على إمكانية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، رغم أن الغالبية في هذا البلد من المشككين في أوروبا.
ويؤيد 46 في المائة من البريطانيين الخروج من أوروبا بحسب ما أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه مطلع مايو، فيما يدعو 39 في المائة إلى تحسين وضع بريطانيا فيها.
وكان فاراج صرح لوكالة الصحافة الفرنسية أثناء الحملة الانتخابية متحدثا عن ديفيد كاميرون «تحالف؟ إنني لا أثق به لكن بوسعي الإقدام على صفقة لضمان تنظيم استفتاء».
وفي الوقت الحاضر يبقى ماثلا في ذهن كاميرون أن يوكيب «يريد القضاء على المحافظين وليس العمل في فريق معهم». لكن وزير المالية جورج أوزبورن صرح قائلا إنني «أحترم السيد فاراج»، حرصا منه على عدم استبعاد ربع الناخبين الذين صوتوا له.
وهذا ما يرضي زعيم يوكيب الذي يطرح نفسه في موقع الرجل الثالث على الساحة السياسية، ويطالب باستمرار أن يقابله قادة الأحزاب في مناظرات، إلا أن الوحيد الذي وافق على ذلك كان زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار نيك كليغ، والذي لم يبل بلاء حسنا، وحسب استطلاعات الرأي خرج نايجل فاراج منتصرا منها.
جون مان من حزب العمال قال غاضبا إن «حزب العمال لم يستغل افتنان نايجل فاراج بمارغريت ثاتشر»، مضيفا لصحيفة «الغارديان»: «كان قرارا خاطئا قرار عدم مهاجمة يوكيب.. بعض المخططين لسياسة الحزب عدوا أن تقدم حزب يوكيب سيكون على حساب كاميرون وحزب المحافظين. عليهم أن ينزلوا من أبراجهم العاجية وأن يراجعوا حساباتهم».
وحتى في داخل حزب العمال ارتفعت بعض الأصوات تطالب بالتغيير في قيادة الحزب، بعد أن فشل الحزب في الحصول على عدد أكبر من المقاعد في الانتخابات المحلية. ومن أجل أن يشكل حكومة أكثرية دون الاعتماد على الأحزاب الصغيرة. فكان على الحزب الحصول على 500 مقعد بدلا من الـ300 مقعد، التي جاءت أكثر من توقعات بعض المحللين.
لكن المزاج في حزب العمال تغير بعد نتيجة استطلاع رأي، قامت به مؤسسة تابعة للورد أشكروفت من حزب المحافظين، والذي يبين أن حزب العمال متقدم على حزب المحافظين في بعض المناطق الساخنة بـ12 نقطة، وبهذا ستكون النسبة التي قد يحصل عليها 41 في المائة مقارنة مع 29 في المائة لحزب المحافظين، وهذا كاف لكسب 83 مقعدا من المحافظين. وبهذا سينجح حزب العمال بأكثرية في الانتخابات القادمة. وحسب الاستطلاع فإن يوكيب سيحصل على 18 في المائة من الأصوات وثمانية في المائة لحزب الديمقراطيين الأحرار.
ووسط فرحة الفوز، فصل الزعيم الشعبوي خارطة الطريق التي سيعتمدها خلال الأشهر المقبلة. وهو لا يعتزم الاندفاع بشكل متهور في المعركة التشريعية في مايو 2015 بخوض السباق لجميع المقاعد المطروحة في مجلس العموم الذي يبقى حتى الآن حصنا منيعا على تنظيمه.
وقال حزب يوكيب إنه لا يريد فقط أن يدخل نايجل البرلمان في انتخابات مايو المقبل «لا نريد أن يكون نايجل هو الوحيد. سنحاول استهداف ما يقارب 30 مقعدا. هذه الطريقة المثلى للأحزاب الصغيرة حتى تدخل المعترك السياسي. وهذا ما قام به حزب الديمقراطيين الأحرار لسنوات وزادوا من رصيدهم السياسي على مدى سنوات».
التوقعات تفيد بأنهم سيحصلون على بعض المقاعد في البرلمان في العام المقبل. وهذا سيعطيهم قاعدة سياسية مهمة في السياسة البريطانية.
في بداية التسعينات لجأ حزب الديمقراطيين الأحرار إلى استهداف بعض المقاعد التي لا تتمتع فيها الأحزاب بأكثرية. في الخامس من يونيو (حزيران) سيكون هناك انتخابات تكميلية بسبب استقالة أحد أعضاء حزب المحافظين من مقعده، ونتيجتها ستكون مؤشرا على مدى اختراق البنية السياسية التقليدية.
* مارين لوبن.. المرأة الطموح
* عينها على الرئاسة الفرنسية

* منذ أشهر، تردد مارين لوبن أن هدفها في الانتخابات الأوروبية التي جرت يوم الأحد الماضي هو الحلول في المرتبة الأولى لتفرض نفسها رقما صعبا في المعادلة الانتخابية الفرنسية، ولتهيئة الاستحقاقات القادمة.
فهذه المرأة «الحديدية»، التي بدأت مسيرتها السياسية في ظل والدها جان ماري لوبن وهي في الثامنة عشرة من عمرها، يحركها طموح لا حدود له، إذ إن عينيها ترنوان نحو استحقاق ربيع عام 2017، حيث ستجرى الانتخابات الرئاسية، وهي تعتقد أن الأحزاب الكلاسيكية «انتهى مفعولها» وأنه «حان وقت وصول مرشح وطني لرئاسة الجمهورية» لإعادة تصويب الأمور ووضع فرنسا على سكة «النهوض الوطني». وعندما تنظر مارين لوبن إلى المشهد السياسي حولها حيث عجز حزب الرئيس فرنسوا هولاند عن الوصول إلى عتبة الـ14 في المائة من الأصوات، وحيث حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية غارق في فضائحه المالية والحروب الداخلية لقادته، فإنها ترى أن هناك فرصة يتعين اقتناصها، وأنه آن أوانها.
تعي مارين لوبن، هذه المحامية المتمرسة في فن النقاش والجدال، أن «الزلزال السياسي» الذي أحدثه احتلال الجبهة الوطنية الصدارة بحصولها على 25 في المائة من أصوات الناخبين الفرنسيين، آخذ في هدم الثنائية الحزبية التي تعودت عليها فرنسا منذ تأسيس الجمهورية الخامسة، وأن التصويت لليمين المتطرف لم يعد فقط تعبيرا عن احتجاج أو رفض للطبقة السياسية التقليدية، بل أصبح تعبيرا عن «قناعات» ناشئة وطروحات تدافع عنها الجبهة الوطنية. وتريد مارين أن تكمل حلم والدها جان ماري لوبن في الانتخابات الرئاسية عام 2002 عندما تقدم على المرشح الاشتراكي ليونيل جوسبان في الدورة الأولى، ونازل الرئيس شيراك في الدورة الثانية. لكن الأخير، كما كان متوقعا، تفوق عليه بحصوله على نحو 80 في المائة من الأصوات. وبحسب الجبهة، فإن المجتمع الفرنسي لم يكن «جاهزا» لتقبل رئيس للجمهورية قادم إليه من اليمين المتطرف. بيد أن الأمور تغيرت جذريا. فشخصية مارين لوبن مختلفة عن شخصية والدها. هي امرأة وحديثة ولا تجر وراءها أثقال حرب الجزائر حيث مارس الأب التعذيب ضد مناضلي جبهة التحرير الوطنية. وهي لا تنوء كذلك تحت أعباء اتهامات معاداة السامية التي انصبت على رأس جان ماري لوبن منذ ثلاثة قرون، ولا يربط الناس بينها وبين الشعارات النازية أو العنصرية.. باختصار، أخذ الفرنسيون ينظرون إلى الجبهة الوطنية وهي الحزب اليميني المتطرف الوحيد الذي احتل المراتب الانتخابية الأولى، على أنها «حزب سياسي كغيره من الأحزاب». والجديد أن منتسبيه أخذوا يتباهون بانتمائهم إليه بعد أن كانوا في السابق يحاولون إخفاءه. فمن هي هذه المرأة التي تريد أن تربط حصانها في باحة قصر الإليزيه؟ وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه؟
مارين لوبن هي البنت الصغرى لجان ماري لوبن. ولدت في شهر أغسطس (آب) من عام 1968 في ضاحية نويي الراقية الواقعة على المدخل الغربي لمدينة باريس. درست الحقوق ومارست مهنة المحاماة، وهي مسجلة في نقابة المحامين في العاصمة. خلال دراستها الجامعية انضمت بطبيعة الحال إلى التجمع الطلابي القريب من الجبهة الوطنية المسمى «الدائرة الوطنية لطلاب باريس». لها من زوجها الأول الذي طلقته في عام 1999 بنتان وصبي، وهي تساكن حاليا لويس اليو، نائب رئيس الجبهة السابق، وذلك بعد طلاقها الثاني من أحد قادة الجبهة.
وإذا كانت مارين لوبن ستتوجه إلى البرلمان الأوروبي على رأس مجموعة مؤلفة من 24 نائبا من ضمنهم والدها (من أصل 74 نائبا فرنسيا)، فإنها ليست جديدة على هذا البرلمان الذي دخلته للمرة الأولى عام 2004. فمنذ عام 1998، أطلقها والدها في عالم السياسة والجبهة الوطنية ووضعها في الواجهة لقطع الطريق على صهره برونو ميغريه الذي حاول القيام بانقلاب داخلي على مؤسس الحزب. كذلك فإن والدها تدخل بقوة لوأد الاحتجاجات الداخلية التي اندلعت لرغبته في توريثها الزعامة، الأمر الذي تم في مؤتمر عام الحزب بداية عام 2011 حيث انتخبت بنسبة مريحة رئيسة للجبهة الوطنية. وبطبيعة الحال، فإنها ترشحت للانتخابات الرئاسية عام 2012 متنافسة مع الرئيس السابق نيكولا ساركوزي والمرشح الاشتراكي فرنسوا هولاند. وجاءت المفاجأة بحصولها على نسبة 17.90 في المائة من الأصوات، وهي أعلى نسبة حصل عليها مرشح يمين متطرف بما في ذلك والدها عام 2002. وفي ربيع العام نفسه، سعت للدخول إلى الندوة البرلمانية. لكن النظام الانتخابي وعدم «استعداد» الفرنسيين حرماها من الفوز عن دائرة بادوكاليه، الواقعة شمال غربي فرنسا.
لم تتخط مارين لوبن حتى الآن سن الـ46 عاما. لكنها رغم ذلك تجر وراءها تجربة سياسية عريضة، إذ إنها خاضت أول انتخابات نيابية وهي في الثامنة عشرة من عمرها. وحتى اليوم، لم يحالفها الحظ في الدخول إلى الندوة النيابية. لكنها بالمقابل انتخبت للعديد من المناصب المحلية.
يكمن سر نجاح مارين لوبن في أنها عرفت كيف «تقولب» من جديد الجبهة الوطنية وتنزع عنها الصور الرائجة بصددها، مثل العنصرية ومعاداة السامية والفاشية. الجبهة الوطنية، وفق ما تكرره «ليست يمينا متطرفا»، بل هي حزب «يميني وطني» يدافع عن مصالح الشعب الفرنسي وسيادته التي «سلبها» الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي. وما تريده مارين لوبن أن تنسحب فرنسا من الاتحاد وأن تتخلى عن العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، وأن تعيد الرقابة على الحدود وتحد من تدفق المهاجرين وتمنع بناء المساجد وارتداء البرقع والصلاة في الشوارع. وبحسب فكر الجبهة الوطنية، فإن الهجرة غير الشرعية سببها «تلكؤ» الدولة عن القيام بمهامها. وهذه الهجرة سبب أول لارتفاع نسبة البطالة وعجز صناديق الرعاية الاجتماعية وفقدان الهوية الفرنسية التي جعلت من الدفاع عنها هاجسها الأول.
غير أن مارين لوبن نقلت الجبهة الوطنية من مكان إلى مكان، ونجحت في تغيير صورتها لجعلها حزبا عاديا. وإذا نظرنا للنتائج الانتخابية التي تمثل المؤشر الحقيقي لوزن أي حزب سياسي لوجدنا أنها نجحت في ذلك. ففي عام 2007، حصل والدها في الانتخابات الرئاسية على 10.4 في المائة من الأصوات، بينما حصلت هي في الاختبار نفسه وبعد خمس سنوات على نحو 18 في المائة من الأصوات، وها هو حزبها يحصل في انتخابات الأحد الماضي على 25 في المائة من الأصوات بحيث تحولت الجبهة الوطنية إلى أول تشكيلة سياسية في فرنسا.
واضح أن طموحات مارين لوبن لن تتوقف عند البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، حيث ستسعى إلى تشكيل مجموعة مستقلة مع نواب أوروبيين يصبون في الاتجاه السياسي والآيديولوجي نفسه. لكنها بانتظار الاستحقاقات القادمة ستحاول ترجمة فوزها الأوروبي إلى نفوذ وتأثير داخليين بحيث تطأ بكل ثقلها المشهد السياسي الفرنسي. وأول ما تتوقعه هو «انفجار» اليمين بين جناح يريد التحالف بين الجبهة، وجناح رافض له، وبالتالي اجتذاب الفئات الأكثر يمينية أو براغماتية من اليمين الكلاسيكي. وبما أنها تعي «وزنها» الجديد، فإنها بادرت بعد إعلان النتائج مساء الأحد إلى مطالبة رئيس الجمهورية بحل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية جديدة، ودعت رئيس الحكومة مانويل فالس إلى الاستقالة باعتبار أن النتائج تفقده المصداقية لا بل الشرعية.
تقول مارين لوبن «نحن نشهد اليوم رفضا كاملا للنظام السياسي. إنه نوع من الثورة الوطنية» التي في رأيها تتخطى الأحزاب التقليدية ولن تتوانى عن الإطاحة بها. لكن هل حل زمن الجبهة الوطنية في فرنسا؟ واضح أن الحزبين الرئيسيين (الاشتراكي والاتحاد من أجل حركة شعبية) يعانيان حاليا من حالة انعدام الوزن. الأول وجد نفسه في طريق مسدود بسبب عجز سياساته الاقتصادية عن مواجهة البطالة وغياب النمو والتقشف وارتفاع الضرائب وحالة التشنج الملمة بالفرنسيين. والثاني غارق في نزاعاته وطموحات قادته وأنانياتهم. ولذا فإن مارين لوبن مقتنعة بأن الفرصة متاحة للانقضاض على قلعة الجمهورية ورفع علم الجبهة الوطنية على أسوارها. لكن ما تراه لوبن جيدا لحزبها يبدو بالغ الإساءة لفرنسا التي ستضعف صورتها في المحافل الأوروبية والدولية.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.