النساء والإرهاب... قراءة جندرية

مقاتلات «القاعدة» و«داعش» و«أنصار الشريعة»

النساء والإرهاب... قراءة جندرية
TT

النساء والإرهاب... قراءة جندرية

النساء والإرهاب... قراءة جندرية

من آن لآخر تتصاعد ظاهرة حضور النساء في «داعش» أو غيرها من جماعات التطرف العنيف، ليس آخرها ما أثير حول حسناء «داعش» الألمانية بنت الـ16 سنة عاماً التي دَعَتْها عبر الإنترنت داعشية أخرى، ثم سلمتها لزوجها المنتظر «أبو محمد» لتنتقل إلى تركيا، دون أن تقابله، ويتسلمها آخرون ليسلموها له داخل الحدود السورية، وبعد قليل يتركها ليُقتل في إحدى المعارك، وينتهي بها الحال حيث تُحاكَم الآن في العراق، في حين أن الأرملة البيضاء مغنية الراب البريطانية سالي جونز التي انضمت لـ«داعش»، قُتِلَت في يونيو (حزيران) الماضي بضربة «درون» أميركية على الحدود السورية - العراقية.
نماذج وأمثلة طالعناها لنساء فاعلات من الإخوان المسلمين وتنظيمات الجهاد القطرية إلى الجهادية المعولمة مع «القاعدة» وجماعات أنصار الشريعة إلى «داعش»، وثارت معها مع الأخيرة قصص كثيرة وملفات مثيرة مثل «جهاد النكاح»، وقد صدرت فتاوى من بعض منظري التطرف في ذلك، ولكن لا توجد وثائق تثبته حسب الكتاب الذي نعرض له.
من هذه النماذج نذكر «أم الرباب» أو هيلة القصير التي عُرِفَت بـ«سيدة القاعدة» وجمعت لتمويل الشبكة المتطرفة الملايين، ثم تراجعت عن أفكارها وانتمائها للتنظيم، حسب وسائل الإعلام بعد القبض عليها، إلى «أم هاجر»، وفاء الشهري، شاعرة «داعش» التي عُرِفت باسم «أحلام النصر» والتي ارتبطت عام 2014 بقيادي داعشي آخر هو أبو أسامة الغريب، وغيرهن كثيرات يطرحن أهمية دراسة علاقة النساء بالإرهاب، إلى الانتحارية ساجدة الريشاوي التي تم إعدامها في الأردن عام 2014 بعد القبض عليها وغيرهن كثيرات.
هذه النماذج التي تمثل الإرهاب النسائي هي ما دفعت لتأليف هذا الكتاب المهم - الذي نعرض له - الصادر أخيراً عن دار «مسكيليان» في تونس، لمؤلفتيه بالاشتراك؛ الدكتورة آمال قرامي ومنى العرفاوي، بعنوان «النساء والإرهاب: دراسة جندرية» في سبعة فصول، تناولت على الترتيب:

1- دراسات الإرهاب والجندرة.
2- جندرة القتال الجهاد / الإرهاب.
3- فتنة التنظيم أو في دواعي الانتماء.
4- أدوار الفتيات والنساء.
5- إرهابيات مغاربيات بورتريهات.. كتبته منية العرفاوي.
6- في علاقة الأسر بالإرهاب.
7- الإرهاب وتشكيل الهويات.
ونجح الكتاب في النبش عن مناطق مهملة ومسكوت عنها في مسار كثير من الإرهابيات التونسيات، لم يسبق التطرق لها كما تقول منية العرفاوي، وكذلك الكشف عن الخلفيات الشخصية والنفسية لإرهابيات مغاربيات كثيرات، وكذلك عن علاقة الأسرة بالإرهاب، حال انتماء عنصر فيها لجماعاته، وكذلك كشفت عن أدوار كثير من الفتيات والنساء في التنظيمات الإرهابية، حيث كانت بعضهن قائدة تحمل السلاح ولا تبالي بمولودها بين يديها مثل التونسية.

الإرهاب ومفهوم النوع
تسرد قرامي دوافعها للتأليف حول «النساء والإرهاب» بقولها إنه نادراً ما كان الحديث والدراسة لـ«أشكال حضور النساء في التنظيمات الإرهابية، والجماعات المتطرّفة، والحال أنّ مشاركة النساء والفتيات في الحروب والأنشطة الإرهابيّة باتت حقيقة لا مرية فيها. فهل للأمر صلة بثقافة الإنكار، والستر، والكتم؟ وهل يعود السبب إلى البنى الذهنية الصلبة؟»، وتضيف: «لقد حفَّزَنا هذا التمركز الذكوريّ، والعمى الجندري على تخصيص هذا المؤلف لدراسة علاقة الفتيات والنساء بالإرهاب، من منظور جندري لا سيما بعد انتباهنا إلى ارتفاع أعداد المنتسبات إلى الجماعات الإرهابيّة، والمتعاطفات مع الجماعات المتطرّفة، وإقدام عدد من المغاربيات على المشاركة في الأعمال الإرهابية تخطيطاً، وتنفيذاً يضاف إلى ذلك شدّ عدد من التونسيات الرحال إلى (بلاد الشامّ)».
ولأن المؤلفتين تونسيتان، وكانت الهجرة التونسية، ذكورية ونسائية، هي الأكبر لحلم الخلافة الداعشي الذي اندثر، فقد اهتمّا اهتماماً خاصّاً بواقع النساء في تنظيم أنصار الشريعة في تونس، خصوصاً أن المرأة فيه، كما تذكر منية العرفاوي، تبَوَّأَتْ مكانة خاصة خارج الإطار التقليدي أو النمط المعتاد في تنظيمات مشابهة.
من جانبها، ترى آمال قرامي أن المسألة لم تمثل ظاهرة بعد، رغم ارتفاع أعداد مشاركة النساء في الأعمال والتنظيمات الإرهابية، لكنها مرشّحة للارتفاع لأسباب متعدّدة. وبناء على هذا المعطى، بات إخضاع موضوع إقبال الفتيات والنساء على تبنّي التطرّف، والانتماء إلى الجماعات المتشدّدة للتمحيص مبرَّراً وضروريّاً، خصوصاً مع سهولة الدعوة والتجنيد عبر الإنترنت والمواقع التفاعلية.
تساءلت المؤلفتان، آمال قرامي ومنية العرفاوي، عن الأسباب التي تدفع فئات من الشابات والنساء من جميع بلدان العالم إلى الانتماء إلى الجماعات المتشدّدة، وعلى رأسها تنظيم داعش، والقبول بالتضحية بكلّ شيء في سبيل الالتحاق بـ«بلاد الشّام» وهذه الجماعات، لا سيما أن هذه الهجرة «الجهادية» النسائية تتناقض حسب مفاهيم الحداثة، مع حقوق المرأة حيث تؤسس تنظيمات كـ«داعش» لـ« لمجتمع بطريكي لا مكان فيه للمساواة والحريات، والمواطنة الكاملة... أفيكون سبب الافتتان الانبهار بقدرة هذا (التنظيم) على تحقيق ما وعد به، ونعني بذلك تحويل فكرة (الخلافة الإسلاميّة) إلى واقع مادي ومعيش، وإرساء مؤسسات تعبّر عن وجود (دولة)»؟
يطرح الكتاب التساؤلات حول انخراط نساء في أنشطة وتنظيمات إرهابية، غلب عليها تاريخيّاً الطابع الذكوري بالأساس، من قبيل هويّة الفتيات والنساء المنخرطات في العمل الإرهابي؟ وما مقوّمات الخطاب الذي تتوجّه به الجماعات المتشدّدة إلى الفتيات والنساء؟ وما الأدوار التي تضطلع بها الشابات والنساء داخل الجماعات الإرهابيّة؟ وكيف استطاعت هذه الجماعات أن تقنع الشابات والنساء من مختلف البيئات بضرورة الاضطلاع بأدوار مختلفة عن السائد في مجتمعاتهن؟

النساء وحلم «مجتمع الذكور»
ومن الإشكاليات التي يطرحها الكتاب التساؤل حول تصدّر التونسيات قائمة المتورّطات في قضايا الإرهاب في سوريا، رغم أنهن الأفضل حالاً عربياً، ومحميات بترسانة من الحقوق، فينجذبن إلى التطرّف، ويسهمن في دعم الجماعات المتشدّدة بل واحتلال منزلة الصدارة في قائمة أشهر الإرهابيات. ومما لا شك فيه أنّ هذا «اللغز» يُثير استياء، وغضب، واستغراب، واستنكار... البعض وفضول البعض الآخر.
وتؤكد قرامي في كتابها أن الكتاب يمثل الإرهابيات فقط!
بل قصد لإبراز علاقة الأمهات: أمهات الإرهابيين، وأمهات ضحايا الإرهاب، والزوجات، والشقيقات، والبنات كسبيل لكسر جدار الصمت، وتغيير عدسة البحث ذلك أنّ كلّ الندوات التي عقدت في تونس، ومصر، والمغرب، وغيرها من البلدان آثرت الاهتمام بمن تورّطن في قضايا الإرهاب وفي المقابل غضّت الطرف عن المشكلات التي تعانيها النساء اللواتي وجدن أنفسهن يتحمّلن تبعات تجارب عاشها الأبناء أو الأزواج.

3 فئات للنساء في التنظيم الإرهابي
تذكر منية العرفاوي أن النساء في تنظيم أنصار الشريعة ينقسمن إلى ثلاث فئات:
الأولى: زوجات أُرغِمْنَ دون اختيار على الخضوع والتسليم لأزواجهن القيادات في التنظيم.
الثانية: المقتنعات بالفكر المتطرف ممن سعين اختيارا للانتماء للتنظيم، ونشر أفكاره، مثل أسماء البخاري زعيمة مجموعة «شباو» الإرهابية التي نسيت مشاعر الأمومة، وجازفت بحياة طفليها، ورفضت الاستسلام وتبادلت إطلاق النار مع قوات الأمن، ولم تكتفِ بذلك (حسب العرفاوي)، بل كفرت زوجها وقائد المجموعة، وأصرت على القتال إلى آخر رصاصة.
الثالثة: المتعاطفات والمتحمسات للتنظيم وأفكاره.
وحسب العينة التي بحثتها الدراسة تتراوح أعمار المنتميات من النساء لتنظيم أنصار الشريعة بين 16 و35 سنة، ولاحظت الدراسة أن 90 في المائة ممن شملتهم العينة من النساء المهاجرات لتنظيم داعش وغيره كانت العاطفة وابتزاز المشاعر حافزاً رئيساً لهم، ولم يركزن أو يسألن أو يتساءلن عن تأصيل شرعي أو ما شابه، وهنا نذكر بحالة شبيهة ظهرت بعد ظهور الكتاب وهو حالة الفتاة الألمانية ذات الستة عشر ربيعاً، التي عُرِفَت بـ«حسناء داعش»، وتم القبض عليها بعد تحرير الموصل في العراق.
ولكن تستدرك العرفاوي أن بعض المنتميات لهذه التنظيمات كنَّ ضحية موجة التدين التي اكتسحت المجتمع التونسي خلال عامي 2011 و2012 وجذبت الكثيرات ممن كن يعانين أزمة هوية واغتراب من غير المتدينات أحياناً.
وتشير العرفاوي إلى أن الفقيرات أو الأميات لسن فقط هن الإرهابيات، بل من مستويات تعليمية واقتصادية مختلفة، وكانت النسبة الأكبر من العمليات الإرهابية خصوصاً بالمتعلمات، كما تشير العرفاوي إلى أنه لا توجد أي أدلة موثوقة على انتشار ما عُرِف بظاهرة «جهاد النكاح» الذي ذاع عن بعض التونسيات.

النساء في «داعش» غير «القاعدة»
وحسب منية العرفاوي، فإن وضعية النساء في «داعش» غيرها في «القاعدة» السابقة، فقد أجازت «داعش» جهاد النساء بالمال والجسد، فهاجرت مئات النساء إليها، وشكلن كتيبة للحسبة النسائية، وبلغن حسب تقارير دولية 1000 امرأة أغلبهن من الأجنبيات توزعن على عدد من الكتائب، مثل كتيبة «الخنساء» التي كانت من أشهر كتائب «داعش» وأشرسها حسب الكاتبة، وكذلك عدد من السرايا، مثل سرية «أم محمد» التي كانت تقودها باكستانية تسمى أقصى محمد، إلى جانب سرية «أم مقداد» التي تقودها سعودية، وسرية «أم الريان» التي كانت تقودها تونسية، وأغلب القيادات النسائية تزوجن من قادة عسكريين في «داعش».
ومما يقرأه الكتاب تفسير دور النساء في القتال في التراث والتاريخ الإسلامي، وقد حفرت آمال قرامي في تحقيق ذلك الكثير من الجهد، كما أشار الكتاب إلى أن نسبة الفرنسيات كانت الأكثر بين الداعشيات، كما يترجم لعدد كبير من النساء الإرهابيات، في التنظيمات المختلفة على السواء، وفي تحليل معمق لا يكتفي بالسرد التاريخي، بل يؤمن بتداخل المجالات والتخصصات ويستخدم منهجاً تكاملياً في التحليل يثري القارئ، ويضيف للباحث الكثير في هذا المبحث المهمل أو النادر.
ختاماً، نرى أن هذا الكتاب، لآمال قرامي ومنية العرفاوي، وبلغت صفحاته أكثر من خمسمائة صفحة، قد أضاف الكثير وسد فجوة واسعة بين الإرهاب والجندرة، وفي توجهات الإرهاب النسائي واحتمالات توسعه، والقدرة على فهمه وتحليله، وإن كنا نرى أن الظاهرة قديمة وكانت سمة واضحة منذ عهد الخوراج التي برزت فيها أسماء نساء كثيرات وتولى بعضهن قيادة الطائفة أحياناً.
كما نرى أن الفارق بين جاذبية «داعش» للنساء والمقاتلات عن «القاعدة»، كونها حقيقة كما كتبت قرامي أغرتهم بالدولة والمدينة الفاضلة والاستقرار على عكس «القاعدة»، التي لم تركز على فكرة «الدولة» وظلت في مرحلة الاستنزاف والإنهاك، ولم يكن فرقاً في جواز جهاد النساء من عدمه.


مقالات ذات صلة

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

تحذيرات أمنية قبل 100 يوم من الانتخابات الرئاسية النيجيرية

تُجرى الانتخابات الرئاسية والتشريعية النيجيرية في 16 يناير 2027، وانتخابات حكام الولايات ومجالسها في 6 فبراير (شباط)

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

مالي: الجيش يدخل كيدال دون قتال بدعم من روسيا

مدينة كيدال تبقى عنوان الحرب المشتعلة في مالي منذ أكثر من 15 عاماً. الجيش المالي يدخلها بعد ستة أشهر من سقوطها في يد المتمردين الطوارق

الشيخ محمد ( نواكشوط)
المشرق العربي دورية للشرطة العراقية تنقل معتقلين إلى باحة محكمة الكرخ في العاصمة بغداد يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن هجوم أودى بحياة شرطي قرب كركوك

أعلن تنظيم «داعش»، الثلاثاء، مسؤوليته عن هجوم وقع أمس، وتسبب في مقتل شرطي اتحادي عراقي، وإصابة آخرين جنوب غربي مدينة كركوك الغنية بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي صورة نشرتها وزارة الداخلية السورية تظهر خالد رائد بيروني (أبو حسن دوشكا) القيادي في «داعش» الذي تم القبض عليه (الداخلية السورية)

سوريا تعلن توقيف قيادي «داعشي» متهم بتفجير مسجد في حمص

أعلنت الداخلية السورية توقيف قيادي في «داعش» بريف دمشق، قالت إنه مسؤول عن تفجير مسجد علي بن أبي طالب واعتداءات طائفية في حمص.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».