النيجر... «بوابة» واشنطن إلى منطقة الساحل والصحراء

خطر الجماعات الراديكالية أدخل الأميركيين مناطق نفوذ فرنسا في أفريقيا

النيجر... «بوابة» واشنطن إلى منطقة الساحل والصحراء
TT

النيجر... «بوابة» واشنطن إلى منطقة الساحل والصحراء

النيجر... «بوابة» واشنطن إلى منطقة الساحل والصحراء

لقد كان الدور الأميركي في الحرب على الإرهاب في الساحل الأفريقي، المعلن بشكل رسمي، مقتصراً على المساعدة اللوجيستية - مثل تزويد الطائرات بالوقود ونقل المعدات، أو الدعم الاستخباراتي عن طريق طائرات «الدرون» (الطائرات من دون طيار). غير أن مقتل جنود أميركيين بالقرب من الحدود المالية - النيجرية، كشف النقاب عن أدوار أخرى بات يلعبها الأميركيون في منطقة الساحل الأفريقي، ما دفع المهتمين إلى التساؤل إن كانت الولايات المتحدة قد أصبحت تزاحم فرنسا في مناطق نفوذها التقليدي.
لطالما كانت النيجر، تلك الدولة الأفريقية الأفقر في العالم: «حديقة خلفية» للنفوذ الفرنسي وقاعدة عسكرية تحط فيها الطائرات الفرنسية التي تطارد أشباح الإرهابيين والمهربين في منطقة الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى الشاسعة، إلا أن عملية مسلحة نفذها مجهولون يوم الأربعاء الخامس من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، خلطت الأوراق حين كشفت عن وجود عسكري أميركي في هذه الرقعة من العالم التي يبسط عليها الفرنسيون نفوذهم منذ مطلع القرن العشرين.
لقد تسبب الهجوم المسلح، الذي لم تتبنه أي جهة حتى الآن، في مقتل ثلاثة جنود أميركيين من «القوات الخاصة»، بالإضافة إلى أربعة جنود نيجريين، بينما أعلن البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) أن الهجوم استهدف دورية أميركية - نيجرية مشتركة قرب الحدود مع دولة مالي، وعلى بعد 200 كيلومتر إلى الشمال من العاصمة النيجرية نيامي.
البنتاغون اكتفى بالقول إن الجنود الأميركيين كانوا يساعدون الجيش النيجري في عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة المضطربة، من دون أن يعطي تفاصيل أكثر عن المهمة التي كان يقوم بها جنوده في منطقة خطيرة كالحدود بين النيجر ومالي، تنشط فيها تنظيمات مرتبطة بـ«القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وأخرى بايعت تنظيم داعش.
ثم إن تعليق البنتاغون على الهجوم الأخير تضمن اعترافاً ضمنياً، هو الأول من نوعه، بمشاركة جنود أميركيين ميدانياً في عمليات عسكرية على الأرض بمنطقة الساحل الأفريقي، في حين كانت هذه العمليات مقتصرة على جيوش دول الساحل الخمس (النيجر ومالي وتشاد وبوركينا فاسو وموريتانيا)، أو 4 آلاف جندي فرنسي منخرطين في عملية «برخان» لمحاربة الإرهاب في الساحل.
النيجر والموقع الاستراتيجي
من الطبيعي أن تكون دولة مثل النيجر محط اهتمام القوى العالمية المنخرطة في الحرب على الإرهاب، بسبب موقعها الجغرافي الذي يضعها في قلب الصراع. فهي رغم كونها تتمتع باستقرار نسبي بالمقارنة مع بقية الدول في شبه المنطقة، إذ لا تتمركز فيها أي من الجماعات المسلحة التي تهدد الأمن والاستقرار في الساحل الأفريقي، فإنها مع ذلك تعد أكبر متضرر من انهيار المنظومة الأمنية في محيطها الإقليمي، كما أنها تشكل ممراً مهماً لتهريب الأسلحة والمقاتلين من ليبيا نحو مالي ونيجيريا.
النيجر تملك حدوداً صحراوية شاسعة مع ليبيا، وتحديداً الجنوب الليبي الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى مرتع خصب للجماعات الإرهابية وشبكات التهريب. كذلك، فإن النيجر يحدها من الجنوب شمال نيجيريا ومحيط بحيرة تشاد، تلك المنطقة التي تزرع فيها جماعة «بوكو حرام» الرعب بعملياتها الدموية والبشعة، ومن الغرب تطل النيجر على شمال مالي، آخر البقاع الدامية في الساحل الأفريقي، حيث تتمركز القوة الضاربة لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» الذي يخوض حرباً شرسة ضد القوات الفرنسية وبعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وحتى على الصعيد الاجتماعي تعد النيجر «حلقة وصل» ما بين شمال أفريقيا وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء. وهي تشكل بتركيبتها الديموغرافية نموذجاً مصغراً لمنطقة الصحراء الكبرى، ففي الجنوب حيث ترتفع الكثافة السكانية نجد القبائل الأفريقية، مع غالبية ساحقة لقبائل الهَوسا، وهي واحدة من أعرق القبائل الأفريقية، وتتمركز بشكل أساسي في نيجيريا؛ أما في الشمال فنجد قبائل العرب والطوارق.
وهكذا تبدو النيجر جزيرة وسط بركة من الدماء، كما لا يبدو أنها قادرة على النأي بنفسها عن المصير الذي آلت إليه جاراتها، وهي التي تعاني الفقر والجهل والمرض، وظلت إلى وقت قريب تعيش اضطراباً سياسيا تخللته انقلابات عسكرية دامية؛ كل ذلك دفعها نحو الاعتماد في أمنها على الفرنسيين الموجودين بقوة فوق أراضيها. ولكن الفرنسيين كانوا أيضاً يسعون إلى تأمين مصالحهم بالدرجة الأولى، فنسبة كبيرة من اليورانيوم الذي تعمل به المفاعلات النووية الفرنسية مستخرج من مناجم في شمال النيجر.

قاعدة فرنسية كبيرة
يملك الفرنسيون قاعدة عسكرية كبيرة في العاصمة النيجرية نيامي، يتخذونها مركزاً لعملية «برخان» العسكرية لمحاربة الإرهاب في الساحل الأفريقي. وانطلاقاً من نيامي تشن القوات الفرنسية هجمات ضد الجماعات الإرهابية في شمال مالي، بالإضافة إلى مراقبة الحدود بين النيجر ومالي وبوركينافاسو، تلك المنطقة التي توصف من طرف المراقبين بأنها «مثلث الموت». بيد أن الوجود الفرنسي في النيجر لا يتوقف عند هذا الحد، بل شيد الجيش الفرنسي قاعدة عسكرية في عمق الصحراء الكبرى، بأقصى شمال شرقي النيجر، قرب الحدود مع ليبيا، لمراقبة تحركات الجماعات الإرهابية في تلك المنطقة. وهي تتبع الطرق الوعرة التي يسلكها المهربون من أجل قطع الطريق أمام أي تواصل بين الجماعات المسلحة في شمال أفريقيا ونظيرتها جنوب الصحراء.
الأميركيون... الوافد الجديد
فُتحت أبواب منطقة الساحل الأفريقي عموماً، والنيجر على وجه الخصوص، أمام الأميركيين منذ التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي عام 2013، ثم الحرب التي تخوضها فرنسا ضد الإرهاب في الساحل الأفريقي منذ عام 2014، ولقد تمكنت الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع الأخيرة من زيادة وجودها العسكري في هذه المنطقة، وشيدت عدة مهابط للطائرات في النيجر وبوركينا فاسو. وهي تعمل الآن على تشييد قاعدة عسكرية جوية كبيرة في مدينة آغاديز بشمال النيجر.
ولكن رغم تنامي الوجود العسكري الأميركي في النيجر، فإن السفارة الأميركية في النيجر تصر على أن التعاون العسكري بين البلدين هذا العام اقتصر على «التكوين والتدريب، ثم الدعم»، ضمن برامج أميركية معروفة على غرار برنامج «أكوتا»، وهو برنامج التدريب والمساعدة ضمن العمليات الطارئة في أفريقيا، بالإضافة إلى تدريب فلينتلوك الشهير، الذي نظم عدة مرات في النيجر خلال السنوات الأخيرة.
السفارة الأميركية تقول في تقرير منشور على موقعها الإلكتروني إن «البعد الأهم في التعاون العسكري بين البلدين يتمثل في إصلاح القطاع الأمني بالنيجر؛ وهو إصلاح بنيوي وتسييري للجيوش وقوات الأمن، وذلك من أجل تحقيق استغلالٍ أمثل للموارد البشرية والمادية والمالية». وفي هذا السياق أشرف الأميركيون على تدريب أول كتيبة نيجرية تشارك في الحرب الدائرة في شمال مالي عام 2013، بلغ تعداد أفرادها 850 جندياً، استفادوا من البرنامج الأميركي للتدريب والمساعدة ضمن العمليات الطارئة في أفريقيا «أكوتا». وحضر الاحتفال بتخرج هذه الكتيبة السفيران الفرنسي والأميركي في نيامي، وقال وزير الدفاع النيجري خلاله إن هذا التدريب تم بفضل «الدعم الفرنسي» و«التدريب الأميركي»، واصفاً تخرج الكتيبة بأنه ثمرة «تعاون ثلاثي الأطراف».

تنسيق فرنسي ـ أميركي
بدأ التنسيق بين الفرنسيين والأميركيين في منطقة الساحل الأفريقي، عندما قرر الفرنسيون التدخل عسكرياً في شمال مالي شهر يناير (كانون الثاني) 2013، من أجل طرد «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، والجماعات المرتبطة به، من الإقليم الذي سيطروا عليه لعدة أشهر من عام 2012، حاولوا خلالها إقامة «إمارة إسلامية»، ثم بدأوا التخطيط للتوسع نحو العاصمة المالية باماكو في الجنوب، لتستنجد الأخيرة بفرنسا.
كانت طائرات «الرفّال» الفرنسية تحلق من الأراضي الفرنسية لشن هجمات في شمال مالي، وذلك في إطار العملية العسكرية التي أطلق عليها اسم «سيرفال». ولكن المسافة الطويلة دفعت الإليزيه إلى التفكير في حل لتوفير الوقود لهذه الطائرات وهي في الجو، حل وفره الأميركيون على عجل.
الإحصائيات المعلن عنها تشير إلى أنه في الفترة ما بين يناير 2013 ويوليو (تموز) 2015، زوّد الأميركيون الطائرات الفرنسية العاملة في منطقة الساحل الأفريقي بالوقود في الجو أكثر من 2700 مرة. كما أن الطائرات الأميركية العملاقة «سي - 17» شاركت في نقل المعدات لصالح الفرنسيين خلال العملية العسكرية «سيرفال» لطرد الجماعات الإرهابية من شمال مالي، وأيضاً خلال عملية «برخان» التي أعقبتها عام 2014، وما تزال مستمرة حتى اليوم لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي.
من جهة أخرى ساهمت طائرات بلا طيار (درون) أميركية في جمع المعلومات الاستخباراتية عن التنظيمات المسلحة النشطة في منطقة الساحل الأفريقي وتبادل هذه المعلومات مع الفرنسيين. كذلك راهن الفرنسيون على 6 طائرات «درون» اشتروها من الأميركيين عام 2013 لتتبع تحرك قادة الجماعات الإرهابية في المنطقة، واستعانوا بالأميركيين لتسيير هذه الطائرات وشن هجمات ساهمت بشكل كبير في اغتيال عدد من قادة «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، ولكنها طائرات استطلاع ولا تملك القدرة على شن هجمات، إذ يؤكد المسؤولون الفرنسيون أنها توفر المعلومات ولكن عند اتخاذ قرار بالهجوم فإن هليكوبترات عسكرية أخرى تتدخل.
وفي يناير من عام 2015 أعلن وزير الدفاع الفرنسي آنذاك أن بلاده ستطلب من الأميركيين توفير ثلاث «درون» أخرى، من أجل تعزيز قدراتها الاستخباراتية في منطقة الساحل الأفريقي، واتخذ الفرنسيون أخيراً قراراً بتسليح الـ«درون» لتكون قادرة على شن الهجمات، وهي المهمة التي سيتولاها الأميركيون.

قاعدة آغاديز
قبل يومين فقط من الهجوم الذي وقع في قرية تانغو تانغو، وأودى بحياة الجنود الأميركيين والنيجريين، نشرت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، عبر موقعها الإلكتروني تقريراً إخبارياً مفصلاً، يتضمن مقابلات مع الجنود الأميركيين وصوراً كثيرة من أشغالهم خلال تشييد القاعدة الجوية الأميركية في آغاديز، بشمال النيجر، التي يتوقع أن تكون مركزاً مهماً للربط الجوي في المنطقة، ضمن الاستراتيجية المتبعة لمحاربة الإرهاب.
التقرير الذي نُشر قبل يومين فقط من الهجوم، أكد أن الأشغال متقدمة في القاعدة الجوية. ونُقلت عن جنود أميركيين تعليقات على ظروف العمل والعلاقات مع الجنود النيجريين والسكان المحليين، إذ قال الملازم أول دانيل تاب: «البلد المضيف كان لطيفاً حين سمح لنا بإقامة قاعدة مؤقتة بالقرب من موقع التدريب العسكري، في الوقت الذي نشيد فيه قاعدتنا ونقيم خط طيران للعمليات الجوية»، قبل أن يضيف: «هذه الأشغال ستمنحنا مساحة للعمل بشكل أفضل حتى نساعد القوات المسلحة النيجرية على تقوية الدفاع الوطني».
في المقابل، شكا الجنود الأميركيون من الظروف المناخية القاسية في المنطقة، قائلين إن التجهيزات والمعدات التي بحوزتهم غير مهيأة للعمل في درجات حرارة مرتفعة وتحت رياح قوية محملة بالأتربة والغبار، كما أن العواصف الرملية التي تتكرر كثيراً تعيق الطلعات الجوية، إلا أن ذلك لم يمنعهم من تشييد قاعدة جوية ستكلف 100 مليون دولار.
أيضاً ينقل التقرير عن جنود آخرين قولهم إن وجود قوات أميركية في النيجر ساهم في الرفع من المستوى المعيشي للسكان المحليين، وحسب أحدهم: «نساعد الناس على تحسين حياتهم الخاصة بطرق مختلفة (...) نساعد العاملين معنا على متابعة تكوينهم العسكري الأساسي، وتنظيم معارض تجارية للباعة المحليين، وإقامة دروس في التغذية من أجل تحسين الأوضاع الصحية في المنطقة»، وفق تعبيره.
وحول المشروع علق ملازم أول أميركي: «نحن ما زلنا في المراحل الأولى من إيجاد موطئ قدم في المنطقة، ولكن يوماً ما، هذه الصحراء التي ترونها خالية، ستتحول إلى خط جوي ساخن، يعمل بكامل طاقته». وفي انتظار أن يكون هذا الخط الجوي جاهزاً للخدمة، سمحت السلطات في النيجر للقوات الجوية الأميركية باستخدام مطار آغاديز من أجل استقبال رحلات جوية لنقل البضائع والتجهيزات، وهي خطوة يرى الأميركيون أنها تعكس متانة العلاقات القائمة بين البلدين، إذ يقول أحد القادة العسكريين الأميركيين: «النيجر حليف مهم بالنسبة للولايات المتحدة، ونحن نعمل يومياً مع الناس هنا في النيجر من أجل محاربة الإرهاب».
الأشغال في هذه القاعدة الجوية بدأت منذ شهر سبتمبر (أيلول) 2016، وفق ما أعلن عنه البنتاغون آنذاك، حين قال إنها ستكون قاعدة لإطلاق الـ«درون» في المنطقة، وأوضح المسؤولون الأميركيون أن هذه القاعدة الجوية يدخل تشييدها في إطار سياسة تهدف إلى تقوية مشاركة الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي.
ومن المفروض أن تصل تكاليف إقامة هذه القاعدة الجوية إلى 100 مليون دولار أميركي، وفق بعض التقارير الإعلامية، التي أشارت إلى أن الميزانية الابتدائية كانت 50 مليون دولار. ولكن مع انطلاق الأشغال قرر الأميركيون مضاعفة المبلغ، ما يؤكد أهمية المشروع بالنسبة لهم، وهي أهمية مبررة، خاصة أن آغاديز مدينة تتمتع بموقع استراتيجي مهم، فهي مركز دائرة تشمل ليبيا والجزائر ومالي وبوركينا فاسو ونيجيريا وتشاد، بالإضافة إلى النيجر حيث يقع مركز الدائرة. ثم إن آغاديز هي عاصمة التهريب في النيجر، والبوابة التي تمر منها قوافل المهاجرين نحو أوروبا... إنها نافذة على أسرار الصحراء الكبرى.

تخطيط للبقاء
أسئلة كثيرة تطرح حول هذه القاعدة الجوية. على سبيل المثال شككت لياه بولجر، وهي ضابطة سابقة في البحرية الأميركية أحيلت إلى التقاعد - وسبق لها ترؤس حركة مناهضة للحروب وتدعو للسلام في العالم - في الأهداف المعلنة من طرف الولايات المتحدة بخصوص هذه القاعدة الجوية؛ وقالت بولجر في مقابلة صحافية إن مشروع القاعدة الجوية في آغاديز: «يؤكد رغبة الأميركيين الكبيرة في أن يكونوا قادرين على تنفيذ هجمات ضد أي كان وفي أي وقت يريدون».
وتابعت أن القاعدة الجوية تدخل في سياق السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة التي أظهرت اهتماماً كبيراً بأفريقيا، وهو اهتمام قالت عنه إنه «بدأ عندما فصلوا قيادة العمليات في أفريقيا (أفريكوم) عن القيادة الأوروبية، وحتى الآن استثمروا 300 مليون دولار في المنطقة».
بولجر أشارت أيضاً إلى أن استثمار واشنطن مائة مليون دولار في قاعدة جوية وسط الصحراء، يؤكد تخطيط الأميركيين للبقاء طويلاً في المنطقة، قبل أن تضيف أن المدارج التي يشيدها الجيش الأميركي في القاعدة الجوية بآغاديز قادرة على استقبال طائرات ضخمة من نوع «سي - 17». ومن ثم تساءلت: «لماذا يحتاج الأميركيون لأن تحط طائرات عملاقة في وسط الصحراء. بالنسبة لي فإنهم يشيدون هذه المنشأة لتحويلها فيما بعد إلى مركز رئيسي لإطلاق عملياتهم العسكرية في المنطقة».
أخيراً، ترى بولجر أن القاعدة الجوية الأميركية في آغاديز ستساهم في رفع مستوى العداء تجاه الولايات المتحدة في الساحل الأفريقي، خاصة إذا بدأت الـ«الدرون» شن الهجمات في المنطقة، فحينها ستجد الجماعات الإرهابية النشطة في المنطقة حاضنة اجتماعية أقوى من الحاضنة الحالية.

أول عملية خطف
في غضون ذلك توقف المراقبون عند أول عملية اختطاف تستهدف مواطناً أميركياً في النيجر شهر أكتوبر من العام الماضي (2016)، حين أقدم مسلحون مجهولون على اختطاف جيفري وودك، وهو أميركي يعمل في مجال الإغاثة الإنسانية، يقيم في النيجر برفقة أسرته منذ عام 1992، ووقع حادث الاختطاف في قرية نائية بالقرب من الحدود مع مالي. وتزامن الحادث مع الإعلان عن الشروع في تشييد القاعدة الجوية في آغاديز.

أبرز التنظيمات الراديكالية في الساحل والصحراء
1. إمارة الصحراء الكبرى: تتبع لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، ويقودها الجزائري جمال عكاشة المعروف بلقب «يحيى أبو الهمام»، وتضم تحت لوائها أربعة كتائب: كتيبة طارق ابن زياد، كتيبة الفرقان، كتيبة الأنصار، كتيبة يوسف بن تاشفين، وتنشط إمارة الصحراء الكبرى بشكل أساسي في منطقة تمكبتو، شمال غربي دولة مالي، على الحدود مع موريتانيا.
2. تنظيم المرابطون: يقوده الثنائي الحسن الأنصاري وأبو دجانة القصيمي، في ظل غياب مؤسسه الجزائري مختار بلمختار، وهو واحد من أقوى التنظيمات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي. وسبق أن شنّ عدة هجمات نوعية في عواصم غرب أفريقية، من ضمنها باماكو وواغادوغو وأبيدجان، وينشط بشكل أساسي في منطقة غاو، شمال شرقي مالي، مع تأثير يمتد حتى غرب النيجر وشمال بوركينا فاسو.
3. جماعة أنصار الدين: يقودها الزعيم الطارقي المعروف إياد أغ غالي، الذي أسسها عام 2012، وتنشط بشكل كبير في منطقة جبال الإيفوغاس، في أقصى الشمال والشمال الشرقي لدولة مالي.
4. كتائب تحرير ماسينا: بقيادة محمد كوفا، وهي مرتبطة بجماعة أنصار الدين ويؤثر عليها إياد أغ غالي بشكل كبير، بينما يتركز نشاطها في المناطق الوسطى والغربية من دولة مالي.
(التنظيمات الأربعة السابقة، جميعها تعلن الولاء لتنظيم «القاعدة» وزعيمه أيمن الظواهري، ولقد توحدت مطلع العام الجاري 2017 في «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، وسلمت قيادتها لإياد أغ غالي، وأعلنت التنسيق في العمليات التي تستهدف الفرنسيين والأفارقة في شمال مالي).
5. «داعش الصحراء الكبرى»: أسست عام 2015، عندما انشقت عن «تنظيم المرابطون»، يقودها عدنان أبو الوليد الصحراوي، وتعلن الولاء لتنظيم داعش، تنشط بشكل كبير في الشريط الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ويرجح بقوة أن تكون هي من نفذت الهجوم الذي أودى بحياة الجنود الأميركيين الأسبوع الماضي.
6. جماعة أنصار الإسلام في بوركينا فاسو: يقودها إبراهيم معلم جيكو، ويعتقد أنها بايعت تنظيم داعش، وتنشط بشكل أساسي في شمال بوركينا فاسو.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».