الإخوان دخلوا «حارة سد» ويغوصون في رمال متحركة

تورطهم المثبت في العنف يهدد مستقبل جماعتهم بعد مطاردتهم دوليا

الإخوان دخلوا «حارة سد» ويغوصون في رمال متحركة
TT

الإخوان دخلوا «حارة سد» ويغوصون في رمال متحركة

الإخوان دخلوا «حارة سد» ويغوصون في رمال متحركة

قال الدكتور محمد حبيب، النائب السابق للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإخوان المسلمين دخلوا في «حارة سد» على الصعيدين الداخلي والخارجي، لأن من فشلوا في حكم مصر هم أنفسهم من يديرون قضيتهم اليوم، وكان مفترضا تغيير هذه القيادة مباشرة، إلا أن إصرارهم على الاستمرار يؤدي إلى مزيد من الفشل، ولا أتوقع للجماعة أي نجاح، لأنها تقود القضية بالعقلية والاستراتيجية الفاشلة نفسها، ومن ثم فالتغير الحادث لهم سيكون للأسوأ.
وفي تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أيضا، أكد عبد الرؤوف الريدي، سفير مصر السابق في واشنطن والرئيس الشرفي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، حدوث تغيير تدريجي في الموقف الأميركي تجاه الإخوان، وأنهم أصبحوا كمن يغرق في رمال متحركة كلما ارتكبوا عنفا تركوا أثرا عكسيا أكثر سوءا.
قبيل إجراء مرحلة التصويت الخاصة بالمغتربين المصريين في الانتخابات الرئاسية المصرية بأيام، ظهرت انشقاقات في صفوف جماعة الإخوان، بخروج أصوات حاولت الظهور بموقف أكثر مرونة تجاه العملية الانتخابية، في محاولة اعتبرت مناورة لكسب أصوات في الانتخابات البرلمانية المقبلة. وجاء هذا الموقف مواكبا للإعلان عما أطلق عليه وثيقة بروكسل، التي اعتبرها البعض، وراء شق صفوف مؤيدي الرئيس المعزول. كما اعتبرت ورقة يحاول الإخوان اللعب بها لكسب التعاطف الدولي من جديد، بعد تعرضهم، أخيرا، لمطاردات قانونية وأمنية، ومواجهتهم لقرارات حظر من قبل دول عربية وغربية كثيرة.
وكانت الفترة الأخيرة، شهدت تحولا كبيرا في الموقف الدولي من جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولي. وهذا ما بدا واضحا في صدور قرارات خاصة بتعقبهم أو حظرهم أو وضع نشاطهم رهن التحقيق القانوني في الكثير من دول العالم، لا سيما الدول الغربية المعروفة بنشاط الجماعة المكثف على أراضيها، مثل بريطانيا وأميركا، الأمر الذي اعتبره خبراء بمثابة حصار خانق للجماعة، ويخلق أزمة غير مسبوقة في تاريخها تجعل مستقبلها على المحك وتهددها بالزوال.
هذا التحول في الموقف الدولي، جاء في أعقاب أحداث عنف إرهابية شهدتها مصر، نسبت لجماعة الإخوان، واعتبرت دليلا دامغا على تورطهم في ارتكاب أعمال إرهابية، واكبها تهديد من قيادات إخوانية بارتفاع موجة العنف في العالم إذا ما تم حظر الجماعة. فهل تتخلى الدول الكبيرة عن دعم الإخوان في ضوء هذه التحولات؟ وكيف يؤثر ذلك على مستقبل جماعة الإخوان في مصر والعالم؟ وهل لمناورات الجماعة الأخيرة دور في استعادة جزء من الدعم الدولي الذي فقدوه مؤخرا؟
الدكتور عبد الرؤوف الريدي، سفير مصر السابق لدى الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، الرئيس الشرفي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن مستقبل جماعة الإخوان يتوقف عليهم أنفسهم، وعلى سلوكهم. فإذا استمروا في ممارسة العنف فستزداد كراهية الناس لهم، وهم لا يستطيعون الاعتماد على الأطراف الخارجية. وأنه لكي تستمر الحركة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في قوتها، لا بد أن تكون قوية داخل مصر أكثر منها خارجها. لكنهم في مصر الآن، يخسرون كثيرا بسبب ما يرتكبونه من عنف.
وأضاف الريدي أن مجموعة الإجراءات التي تم اتخاذها أخيرا، في عدد من دول العالم ضد الإخوان، تؤثر عليهم بقوة. ولكن يبقى السؤال عن حقيقة الموقف الأميركي من الإخوان. وأرى أنه من الممكن حدوث تغيير تدريجي في هذا الموقف لكنه لن يكون تغييرا حاسما، بمعنى أن أميركا لن تعتبرهم جماعة إرهابية، لأنها دخلت مع الإخوان بشكل قوي وواضح، ولدى الأميركيين إخوان يعملون معهم في واشنطن وعلى تواصل مع مراكز الأبحاث وبعض مؤسسات المجتمع المدني وأعضاء بالكونغرس، مشيرا إلى أن الإخوان عرفوا أصول اللعبة في أميركا، وأن بينهم وبين أوباما وإدارته، تفاهمات، كانت سببا في تفاجئهم بما حدث في 30 يونيو. وكانت أكبر خسارة للإخوان، هي الفترة التي تولوا فيها حكم مصر، لأنهم ارتكبوا خلالها أخطاء كبيرة كشفت عن فضائح كثيرة. وهم الآن، كمن يغرق في رمال متحركة، كلما ارتكبوا عنفا تركوا أثرا عكسيا. ومن ثم فحتى لو كان لجماعة الإخوان وجود في الخارج، فهو لن يغنيها عن قوة رئيسة لهم في مصر، ما لا أتوقعه في الفترة المقبلة، في ظل المضي قدما في خارطة الطريق التي أخذ العالم يتجاوب معها، وبات يتقبل الشرعية المصرية مع الوقت.
وعما إذا كان ما يحدث في العالم ضد الإخوان، مجرد تكتيك، قال الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، عميد معهد الدراسات العربية لـ«الشرق الأوسط»، إن المسألة حقيقية وليست خداعا سياسيا أو تكتيكا، لأن تصرف جماعة الإخوان المسلمين بهذا الشكل العنيف، في أعقاب عزل الرئيس السابق، وتورطهم في أعمال إرهابية حقيقية، حتى لو لم تكن راجعة كلها للجماعة، إنما تزامنت مع إعلان اعتراضهم على عزل مرسي، كما أنها نمت من قبل تنظيمات هي فروع من الشجرة الأصلية للإخوان. ونحن نذكر طريقة استقبال القوى الكبرى لما حدث يوم 3 يوليو الماضي، حين اعتبرته انقلابا وأيدت الإخوان. لكن تطورين مهمين حدثا بعد ذلك، أولهما رد الفعل الإخواني الذي اتخذ أشكالا عنيفة لا يمكن الدفاع عنها، حتى لو كانت من قبل تنظيمات أخرى. وكان سهلا إثبات هذه الأشياء، فهم متورطون على الأقل في أعمال تخريب، خاصة في المنشآت الجامعية وغيرها، إلى جانب تورطهم في التحريض على العنف. وهو ما جعل هذه الدول تشعر بنوع من القلق، من خطر وجود الإخوان على أراضيها. من هنا بدأت المسألة بقرار من ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، إجراء تحقيق حول نشاط هذه الجماعة. وهناك تحقيقات أخرى في بعض المدارس البريطانية التي ثبت اختراق الإخوان لها.
واستبعد يوسف اختفاء الإخوان، مؤكدا أن الاتجاه سيبقى نحو إدخال مزيد من الدين في السياسة. وقال إن كل ما سيحدث في تقديري، أنه إذا أصر الإخوان على منهجهم الحالي، فإنهم سوف يختفون خلال مرحلة تاريخية قد تمتد لعقد أو اثنين، لأن المواطن العادي لا يستسيغ هذا الأسلوب على الإطلاق، خاصة أن الإخوان قبل توليهم الحكم، كانوا يقومون بالدعوة وتقديم المساعدات، ولم يجرب المصريون ممارستهم السياسية.
وفي هذا السياق كشف مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، الذي يديره د. سعد الدين إبراهيم بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، عن تبنيه حملة عالمية واسعة لجمع الوثائق والمستندات التي تثبت تورط جماعة الإخوان في أعمال إرهابية، أو التحريض عليها، وتقديمها للدول الغربية لحضها على اعتبار الإخوان جماعة إرهابية بالفعل.
وقالت داليا زيادة، المدير التنفيذي للدراسات الإنمائية بالمركز لـ«الشرق الأوسط»: «إننا قمنا بحملة دولية لإدراج جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي، وجمعنا أوراقا ومستندات تثبت قيام الجماعة بالتورط في دعم منظمات إرهابية وهو ما يترتب عليه أن يجري إدراج الإخوان كتنظيم إرهابي».
وأضافت داليا، لا شك أن تطور الموقف الأميركي تجاه أنصار بيت المقدس، ومن ثم تجاه الإخوان، ستتبعه مواقف لدول أخرى ستدرج الجماعة على قائمة الإرهابيين، هذا بالإضافة لتصنيفها، خليجيا، كمنظمة إرهابية. كما أن بريطانيا فتحت تحقيقات، تأسيسا على أن أي أمر يشار إليه دوليا يجب التحقيق فيه. وبعد ذلك لو ثبت تورطهم في أعمال إرهابية، تصنف الجماعة كإرهابية وتوقف أنشطتها، وهو الهدف المراد بشكل نهائي من إثارة المسألة، ليس في مصر وحدها، وإنما على المستوى الدولي. فالمطلوب ما يترتب على ذلك من قرار بوقف نشاط الجماعة بالكامل ومعاقبة أعضائها. وعلى ذلك أرى أن مستقبل جماعة الإخوان إلى الهاوية، فهم يتهاوون والعالم يتعامل معهم بشكل قوي وحاسم.
وأكدت زيادة، أن ما يتعرض له الإخوان الآن، من مختلف دول العالم، يعد أزمة كبيرة غير مسبوقة في تاريخ الجماعة، مشيرة إلى أن الأزمات السابقة كانت فردية، تأتي من طرف واحد، أما الآن، فنرى العالم كله ضد الإخوان، وهو ما يعد خطرا كبيرا يهدد مستقبل الجماعة.
وكشفت داليا زيادة، لـ«الشرق الأوسط»، عن حملة مركز ابن خلدون للحصول على أوراق ومستندات تثبت تورط الإخوان في الإرهاب. وقالت إنه تم الحصول على هذه الأوراق من دول عدة منها دولة الإمارات العربية وأميركا وإيطاليا. وأضافت، «إننا حصلنا على وثائق من واقع تحقيقات إف بي آي الأميركية، وصدور أحكام قضائية أميركية تدين الإخوان. كما توصلنا إلى وثائق تثبت علاقة تركيا بالتنظيم الدولي للإخوان». وقالت، «إن أكثر الدول التي ترتبط بعلاقات قوية مع جماعة الإخوان، هي بريطانيا وأميركا. وهناك خطة إخوانية لاستغلال الدولتين. ففي لندن تصاغ الأفكار والرؤى، وفي واشنطن تكون التحركات السياسية. هذا بالإضافة إلى أن أغلب الثقل الاقتصادي للإخوان موجود في بريطانيا».
وعن الرؤية الأمنية لمستقبل الإخوان، قال الخبير الأمني اللواء طلعت مسلم، لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل الإجراءات التي تشهدها بعض الدول ضد جماعة الإخوان، فلا شك أنها ستضيّق عليهم، لكنها لن تقضي على الجماعة، لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على خداع المواطنين. فهي قادرة على الخداع، وتتخذ من الدين وسيلة سهلة لديها، سواء للتأثير على محدودي الثقافة أو المتعلمين وذوي الشهادات العليا. وعلينا أن نتابع ما تفعله أميركا. وأعتقد أنها تتابع نشاط الجماعة ولا تهتم إلا بما يؤثر على مصالحها. وبالنسبة لباقي الإجراءات في الدول الأخرى، فهي تحمل إشارات إيجابية، وعلينا أن نتابعها، لأننا تعودنا على صدور قرارات بلا نتيجة، خاصة أنه في القضايا الدولية لا توجد حكومة لمتابعة تنفيذ القانون، وإنما تقوم كل دولة على حدة بتنفيذ القانون الدولي، حسب ما تراه. وعلينا أن نتابع تلك القرارات في مصر بالصورة التي تتناسب مع الواقع لتحويله إلى واقع فعال.
وحول حقيقة وجود التنظيم الدولي للإخوان، قال مسلم، «حتى وإن كان لا يرقى إلى مستوى تنظيم بالمعنى المتعارف عليه، لكنه موجود على أرض الواقع. وقد نجح الإخوان في الوجود في تلك الدول الأجنبية، لأنهم درسوا قوانينها وخاصة حساسيتهم لحرية التعبير. وهم يستغلون الحريات الزائدة في هذه الدول كما أنهم لا يتورطون في أي شيء داخلها وإنما يوجهون نشاطهم لبلاد أخرى. وبالنسبة للواقع في مصر فقطعا سيكون هناك تأثير لهذه التغيرات الحادثة في الخارج على مصر لكني لا أتوقع أن يكون التأثير كبيرا فإذا كنا كمصريين لا نستطيع أن نحكم الإخوان فمن غير المعقول أن نطالب غيرنا أن يحكموهم لكن تلك القرارات تفيد على الأقل في التوقف عن مساعدتهم».
جدير بالذكر أن علاقات جماعة الإخوان المسلمين بالعالم الخارجي، بدأت مبكرا منذ عهد حسن البنا، حينما أنشأ مجلسا تنفيذيا يضم في عضويته فروعا من دول العالم، ثم توقف في عهد عبد الناصر. ثم قام الإخوان بإحياء التنظيم الدولي، وبدأت لقاءاته بمكة المكرمة والمدينة المنورة وتركيا ولبنان والأردن وبعض الدول الأوروبية. ويذكر مؤرخو الجماعة أن أول شعبة أنشأها الإخوان خارج مصر كانت في جيبوتي عام 1933، وبعدها أنشئ قسم الاتصال بالعالم الإسلامي في أوائل عام 1944، وتولى مسؤوليته القيادي الإخواني عبد الحفيظ الصيفي.
وتعليقا على ما تتعرض له جماعة الإخوان من إجراءات مشددة اليوم، بهدف التضييق عليها، قال القيادي الإخواني المنشق، ثروت الخرباوي في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، «لا شك أن الإجراءات التي يواجه بها الإخوان اليوم داخل مصر وخارجها، تصب ضدهم وتعرضهم لأكبر أزمة في تاريخهم، وكأن وصولهم للحكم كان أكبر عقاب لهم. وقد تنبأت منذ سنوات، أن عام 2018 هو عام النهاية بالنسبة لهم. فلن نجد وقتها أثرا لأحد منهم».
وعن أعداد الإخوان في العالم قال الخرباوي، إنه يتوازن مع عددهم في مصر، حيث لا يتجاوز 400 ألف. وهو العدد نفسه حول العالم تقريبا، لأن وجودهم يرتبط بالجاليات العربية والإسلامية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، وتتركز بصفة أساسية، في أميركا وبريطانيا، حيث يوجد حوالي عشرة آلاف إخواني في كل منهما، بينما يزداد العدد قليلا في ألمانيا لوجود جالية تركية كبيرة هناك. وعلى مستوى دول الخليج، سيتناسب أيضا عدد الإخوان هناك مع العدد الصغير للسكان. ويتركز العدد الأكبر في دولة الكويت، يليها الإمارات والمملكة العربية السعودية، حيث يبلغ العدد في كل منهما نحو ثلاثة آلاف إخواني. بينما يتناقص العدد في باقي أنحاء العالم.
وعلى سبيل المثال، لا يتجاوز عدد الإخوان المسلمين في جنوب أفريقيا المائة وخمسين فردا، بينما يزداد قليلا في دول آسيوية كباكستان وأفغانستان.
وبحسبة بسيطة نجد أن إجمالي عدد الإخوان خارج مصر أقل من نصف مليون. وأضاف الخرباوي، على الرغم من أن قوة الإخوان اكتسبوها من قوتهم التنظيمية وليس من أعدادهم، هذا بالإضافة إلى القوة المالية الجبارة التي يمتلكها الإخوان في التنظيم الدولي.
فإن قوة الإخوان المالية لن تحمي التنظيم الدولي من الفناء، ولن تدفع عنهم التأثيرات السلبية لأسوأ أزمة يتعرضون لها في تاريخهم، قائلا إن «التنظيم الدولي للإخوان قد انتهت صلاحيته، لأن الفكرة التي أقاموا عليها تنظيمهم قد انهارت أصلا، ومن ثم حدث تناقص للمقبلين عليها من القوى البشرية وتناقص معها القوى المالية بشكل كبير، بعد أن أصبح التوجه الجديد البديل حاليا هو لصالح الجماعات السلفية».
وعن مستقبل التنظيم وتوجهه الجديد في ضوء تلك المطاردات الدولية، أكد الخرباوي أن القبلة الجديدة للتنظيم الدولي للإخوان، ستكون تركيا أو ألمانيا، حيث يوجد رأسمال إخواني كبير هناك.
وعلى الرغم من تحفظه الشديد وإصراره على عدم الإدلاء بأي أحاديث صحافية، فإن الشرق الأوسط نجحت في اختراق صمت سيف الإسلام حسن البنا، ابن مؤسس جماعة الإخوان، الذي قال في اتصال تليفوني تعليقا على ما تتعرض له الجماعة من حصار وإجراءات تضييق على أنشطتها في دول العالم المختلفة، ومدى خطورة ذلك على مستقبل التنظيم الدولي أو جماعة الإخوان في العالم: «إنني لا أشعر بأي خطر على مستقبل الجماعة لأنه يرتبط بالإسلام وليس بالتنظيم، كما يرتبط بكل فكر مفكر للعقيدة الإسلامية. ففكر الإخوان ينتشر في العالم أوتوماتيكيا.
وهو ما قاله لي الدكتور مصطفى محمود في لقاء سابق معه، فلا داعي لنحطم تاريخنا أو نماذجنا من أجل صراع هو في حقيقته صراع سياسي مع جماعة الإخوان».
وأضاف البنا أن الإخوان المسلمين لحن مميز ألفه حسن البنا، ويغنى في كل مكان، لكن لا يوجد تنظيم دولي، وكل ما في الأمر، هو أن الدول تتلقف مظلة حسن البنا الفكرية التي تستقطب الجمهور. وليت الغرب يعرف حقيقة دعوة التآخي والتسامح التي يدعو لها الإخوان، وكتابات حسن البنا الذي استنكر أسلوب العنف وأفتى بعدم إقامة الحدود، وأن الدولة هي المنوطة بذلك، وإن كان حدث انحراف فكري في الجماعة بظهور آراء متشددة لبعض الأفراد خلال عهود سابقة، فإن ذلك كان رد فعل على عمليات التعذيب البشعة التي تعرض لها الإخوان في تلك المرحلة. ويشرفني أن تعرف الدول الغربية والعربية حقيقة موقف الإخوان وتدرسه دراسة حقيقية لتتأكد من سلميتهم.
ومن واقع تجربته معهم كنائب سابق للمرشد، قال الدكتور محمد حبيب، إنه في الأزمات التي كانت تحدث بين الجماعة والأنظمة السياسية في الماضي، كانت الجماهير تتعاطف مع الإخوان.
ولكن للأسف الشديد أصبح صدام الإخوان هذه المرة ليس مع مؤسسات الدولة فقط، وإنما مع الشعب المصري أيضا، بعد أن حل عدم الرضا والقبول والكراهية محل ذلك التعاطف. وبالتالي فهذه القيادات ظلمت نفسها وجماعتها وتاريخها والدعوة الإسلامية ذاتها والوطن كله، وأصبح المستقبل السياسي والدعوي لجماعة الإخوان المسلمين يكاد يكون اليوم قاتما.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن يحاولوا تحسين صورتهم الذهنية لدى الشعب المصري، إذا بهم بتصرفاتهم وسلوكياتهم وممارساتهم يلعبون دورا من أخطر ما يمكن في تشويه ومسخ هذه الصورة. ولا أتوقع لهم مستقبلا لا في المدى القريب ولا البعيد، والمسألة ستستغرق ما لا يقل عن 15 سنة. أما بالنسبة للإجراءات الدولية ضد التنظيم الدولي للإخوان، فأحب أن أوضح أولا، أن التنظيم الدولي قبل 25 يناير لم يكن موجودا بالمعنى التنظيمي، وإنما كان أقرب للشكل التنسيقي، فكانت هناك تنظيمات للإخوان في مختلف الدول بالإضافة إلى وجود أمانة للتنظيم في لندن، يمثل أعضاؤها همزات وصل بين مكتب الإرشاد العام وبين باقي تنظيمات الجماعة في دول العالم، وبعد ثورة يناير ووصول الإخوان إلى قمة هرم السلطة في مصر، بدأ التنظيم الدولي للإخوان يأخذ شكلا أكثر فاعلية وتأثيرا، خاصة أنه لاقى قدرا كبيرا جدا من الدعم الأميركي والأوروبي إلى جانب الدعم القطري والتركي، ومن ثم فإنه حينما أطيح بحكم الإخوان في الثالث من يوليو الماضي نتيجة لفشلهم وسوء إدارتهم، أحدث ذلك ارتباكا في كل الحسابات والمشاريع الأميركية في المنطقة.
وإذا كانت أميركا شعرت بإحباط من الفشل الإخواني، إلا أنها ظلت لفترة طويلة تحاول أن تدعم الإخوان وأنصارهم للعودة إلى السلطة ثانية، مما جعل الإخوان يراهنون على ذلك الدعم، بالإضافة لمراهنتهم على أعمال العنف والإرهاب وتأزيم الوضع الاقتصادي بمصر، وانهيار النظام.
لكن تقدم مؤسسات الدولة فيما يتعلق بخارطة الطريق والاستفتاء على الدستور والاستعداد للانتخابات الرئاسية والمضي قدما في إجراء المحاكمات، أدى جميعه إلى تقزيم سقف الإخوان وتضاؤل الدعم الغربي لهم.



«فخ الأسد»... ليلة هزت حلفاء طهران في بغداد

TT

«فخ الأسد»... ليلة هزت حلفاء طهران في بغداد

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)
صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب)

يطلب مسؤول أمني رفيع في الحكومة العراقية من سائق السيارة أن يسرع قليلاً. عليه اللحاق بطائرة تعيده من دمشق إلى بغداد. واحدة من الرسائل تتدفق إلى هاتفه تقول: «الفصائل السورية في طريقها إلى العاصمة». في مساء يوم السبت السابع من ديسمبر (كانون الأول) 2024 كان المسؤول قد أنهى مهمة روتينية شمال شرقي سوريا، لتنسيق أمن الحدود، لكن البلاد الآن على وشك أن تكون بيد نظام جديد، يشع من أنقاض.

على أسوار دمشق، كانت سيارة المسؤول العراقي تنتظر «ترتيبات استثنائية» مع السلطات الجديدة في سوريا. ونشأت بين الجانبين «اتصالات من عدم».

يقول مسؤول سوري سابق في «إدارة العمليات العسكرية» إنها «المرة الأولى التي تواصلت فيها (هيئة تحرير الشام) مع مسؤول في الحكومة العراقية». ويقول عنصر أمن عراقي كان حاضراً في الترتيبات إن «الأمر تم بسلاسة غير متوقعة حينها، ودخلنا دمشق» رفقة عناصر من «الهيئة» صباح الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024. ثم وصلت رسالة مثل الصاعقة: «هرب (بشار) الأسد».

مطار دمشق بعد سقوط نظام الأسد (أرشيفية-أ.ف.ب)

كان مطار العاصمة السورية مسرح أشباح. حتى ضباط «لواء النقل الجوي» الذين يعرفهم المسؤول العراقي اختفوا. لا أحد يسأل عن تذكرة أو جواز سفر. الممر الخاص بالدبلوماسيين مشرع للرياح. غادر الرجل على متن رحلة استثنائية إلى بغداد.

خلال النهار، تحلق الطائرة وعلى متنها المسؤول الأمني مع حقيبة أسئلة عن سوريا الجديدة. في مسار الرحلة ذاتها، لكن على الأرض، تغادر ميليشيات عراقية كانت تتمركز في سوريا منذ عام 2011. العجلات التي تحركت من ريف دمشق نحو بلدة البوكمال، قرب الحدود العراقية، قطعت رحلة أخيرة باتجاه واحد لمئات المسلحين، تاركين خلفهم خمسة عشر عاماً من «محور المقاومة» ينهار الآن مثل جبل من رمال.

تكشف شهادات خاصة جمعتها «الشرق الأوسط» من شخصيات عراقية ضالعة في الملف السوري قبل هروب الأسد كيف انسحبت ميليشيات من سوريا دون تنسيق، أو ترتيبات مسبقة، وما دار في الكواليس حول رؤيتها لما حدث، وأظهرت لاحقاً أن طهران وموسكو والأسد كانوا قد اتخذوا قرارات عدم القتال في سوريا في أوقات متباعدة، ولم يشاركوا المعلومات المطلوبة مع حلفاء عراقيين إلا في وقت متأخر.

كما تسلط الشهادات الضوء على ردود فعل مجموعات شيعية في أعقاب انهيار نظام الأسد، وصلت إلى المطالبة بتقوية نفوذ الفصائل المسلحة في العملية السياسية العراقية، وتعزيز ما بات يعرف بـ«الحاكمية الشيعية» في بغداد، حتى «تستوعب صدمة أولئك الذين تركوا سوريا».

الرئيس السوري بشار الأسد يصافح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في دمشق (أرشيفية)

«ليست مناورة... تم خداعنا»

في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بعد ثلاثة أيام من بدء «ردع العدوان»، أجرى رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني مكالمة مع بشار الأسد. يومها كانت فصائل المعارضة السورية قد سيطرت على ريف حلب. وقال السوداني للأسد إن «أمن سوريا يرتبط بالأمن القومي للعراق». في اليوم التالي حاصرت المعارضة حماة. ولم يتصل السوداني بالأسد مرة أخرى.

في نينوى، المحافظة الشمالية القريبة من الحدود مع سوريا كان قادة فصائل شيعية يحاولون إرسال الدعم إلى سوريا، لأنه «مع تحرك الفصائل السورية كان عدد المسلحين الموالين لإيران أقل بكثير عما كانوا قبل سنوات». يقول مسؤول فصائلي في نينوى أيضاً إنهم «أخبروا المقاتلين أن عليكم حماية الشيعة والمراقد في سوريا، وكثيرون تحمسوا».

ويقول كاظم الفرطوسي، المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء» التي انخرطت في الميدان السوري منذ عام 2013، إن فصيله انسحب من هناك أواخر 2023. ويضيف: «كانت مهمتنا قد انتهت».

أرشيفية لعناصر حركة «النجباء» التي كانت تنشط في شرق سوريا خلال عرض عسكري في بغداد

حتى عام 2018، ازدحمت سوريا بأكثر من 150 ألف مقاتل من «الحرس الثوري» الإيراني، وعناصر «حزب الله» اللبناني، وميليشيات عراقية، وفق تقديرات أمنية عراقية وسورية. بدا أن الجيش التابع للنظام السوري السابق أقل حجماً من كل الحشود الأجنبية. وبحلول ديسمبر 2023 حدث شيء ما، وسمح «الحرس الثوري» الإيراني بمغادرة مجموعات شيعية بعد مشاورات مع الأسد. قيل على نطاق واسع إن «صفقة إقليمية قادت إلى هذا التحول الميداني».

مع انسحاب جزء من الميليشيات الإيرانية وحلفائها من سوريا عام 2023، كان نظام بشار الأسد يحاول استعادة مقعده في الجامعة العربية. وتطلب ذلك منه الكثير من الوقت حتى يمهد لاندماج شبه مستحيل مع العالم العربي، لم ينجح في النهاية.

ومع بدء عمليات «ردع العدوان» في نوفمبر 2024، تقلص عدد الجماعات الإيرانية في سوريا إلى بضعة آلاف، لكن عودة الأسد لم تكتمل.

مع تحرك فصائل المعارضة نحو دمشق، كان الشعور السائد بأن الجماعات الشيعية تتحرك لسد نقص لم تنتبه إليه. في الثاني من ديسمبر 2024، تسلل العشرات من المسلحين ليلاً عبر طريق عسكري غير رسمي إلى الأراضي السورية، وأوقف طيران أميركي طريقهم بقصف أرتال قرب البوكمال. بعد ذلك، كان واضحاً أن الذين تحمسوا لدخول سوريا تراجعوا عن الفكرة.

في صباح اليوم التالي سيطرت قوات المعارضة السورية على 14 بلدة في حماة، وباتت تتفرغ لمعركة حمص. يومها أعلنت كتائب «حزب الله» العراقية أن «الوقت مبكر لاتخاذ قرار إرسال الدعم العسكري إلى سوريا».

ويقول مسؤول في فصيل شيعي مسلح إنه سأل مرؤوسيه في بغداد عن «عمليات ردع العدوان» في أيامها الأولى. قالوا له: «اطمئن... قد تسقط سوريا (بيد المعارضة)، لكن دمشق باقية (يقصد بيد الأسد)». ويضيف: «بعد أسبوع، لم نستوعب ما حدث».

قبل وصول المعارضة السورية إلى حمص، كانت المجموعات الشيعية ترجح أن الأمر سيتوقف هناك. يقول قيادي في فصيل شيعي إن «تقارير استخبارية اطلع عليها مسؤولون في جهاز الأمن الوطني العراقي، وقيادة الحشد الشعبي، وقادة فصائل، أفادت بأن الروس والإيرانيين سيوقفون زحف المعارضة، وأن مدينة حمص ستكون النقطة الفاصلة».

لم يستخدم الروس تفوقهم الجوي إلا بشكل محدود. ومع تحرك فصائل المعارضة من حماة باتجاه حمص في 6 ديسمبر 2024، كانت طائرات يُعتقد أنها روسية ضربت جسر «الرستن» الرابط بين المدينتين بقوة تدميرية لا تمنع عبور الأرتال.

لاحقاً، أظهرت لقطات مصورة من الجو أن الروس احتفظوا بطائرات سوخوي المزودة بالصواريخ في قاعدة حميميم دون استخدامها، وعبرت فصائل المعارضة الجسر إلى حمص التي أضحت محررة بالكامل بحلول فجر 7 ديسمبر 2024.

لقطة من فيديو لقناة «سوريا» تظهر طائرات حربية روسية رابضة في قاعدة حميميم باللاذقية خلال عمليات «ردع العدوان«

الآن، بات كثيرون من «محور المقاومة» أكثر قناعة بأن الزحف السريع للفصائل ليس مجرد مناورة. يقول القيادي الشيعي إنهم في تلك اللحظة فهموا أن «الإيرانيين شاركوا معنا مواقف متضاربة (...) ربما تم خداعهم».

لقد بقي السؤال عن أدوار طهران وموسكو غامضاً. لم تمتلك فصائل شيعية أجوبة حاسمة في الأشهر القليلة التي تلت هروب الأسد. اليوم، يعتقد الفرطوسي، المتحدث باسم «كتائب سيد الشهداء»، أن «الموقف الروسي والإيراني لم يتغير إلا بعد أن تراجع نظام الأسد، وانهارت القوى الماسكة للأرض، وتحولت المعركة إلى مواجهة مع شعب»، وفق تعبيره.

لكن مصادر من فصائل كانت نشطة في سوريا منذ عام 2013 تحدّثت عن «قرار اتخذته إيران مبكراً بعدم خوض معركة في سوريا بسبب حسابات إقليمية أشد تعقيداً». تقول المصادر إن «إيران لم تكن متأكدة من نتائج لصالحها في حال واجهت زحف المعارضة، لأنها اكتشفت متأخرة أن موسكو باتت تتصرف لوحدها في سوريا».

في النهاية، بدا أن أقطاب التحالف بين موسكو وطهران والأسد ينفصلون عن بعضهم، ويتخذون قرارات ميدانية متباعدة، سمحت بتقدم سريع للمعارضة، وهروب أسرع للأسد. لكن الأكيد من وجهة نظر القيادي الشيعي أن «الجماعات العراقية لم تكن في صلب نقاشات أفضت إلى ما حدث في النهاية».

في تلك اللحظة، كان أكثر من عشرة فصائل عراقية قد أمضت أكثر من عشر سنوات في الجبهة السورية، تورط خلالها آلاف المسلحين في بحر من الدماء.

و«تدور الدوائر»

في السادسة فجراً، يوم 8 ديسمبر 2024، كتب رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي رسالة عبر «إكس» قال فيها: على الباغي تدور الدوائر. ثم طغت أجواء الصدمة على القوى السياسية الشيعية في بغداد.

يومان بعد التحرير، تكون جميع الفصائل قد غادرت الأراضي السورية، والأسد في موسكو. في 12 ديسمبر 2024، ظهر نوري المالكي وهو زعيم «ائتلاف دولة القانون» وكان حليفاً قوياً للأسد لسنوات، ليصرح بأن «الهدف مما حدث في دمشق هو تحريك الشارع في بغداد». وانفجر الرأي العام بالأسئلة عما حدث.

حاول المجتمع السياسي الشيعي في بغداد استيعاب الصدمة، ونشطت في الكواليس نقاشات عن «مستقبل الشيعة في العراق»، طغى عليها ارتباك شديد، وفق شهادات أشخاص شاركوا في اجتماعات خاصة عقدت في الأسابيع التي تلت هروب الأسد.

وتحدث هؤلاء أن صناع قرار شيعة لم يجدوا أجوبة عما حدث في سوريا، ودور إيران فيه، وواجه كثيرون صعوبات في الإجابة عن سؤال كيف سيتغير العراق والمنطقة بعد الأسد؟.

يقول أحد المشاركين في جلسة خاصة عقدت في يناير (كانون الثاني) 2025 إن الأزمة في سوريا لا تتعلق بهروب الأسد، وانكسار «محور المقاومة»، بل إنها بالنسبة لـ«العراقيين الشيعة تتعلق بإعادة تعريف دورهم بعد سقوط تحالفات وتوازنات قديمة».

جانب من أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

وظهرت أعراض جانبية لهذه النقاشات الصعبة على الجماعات الشيعية. وروّج كثيرون من بيئة «المقاومة» لمشروع «الفيدرالية الشيعية» التي تمتد من سامراء إلى البصرة، على بحر من نفط. سرعان ما اضمحلت الفكرة مثل رماد بارد.

وتصاعد حديث جاد عن «الحاكمية الشيعية». يقول قيادي في فصيل مسلح إن «القوى الشيعية كانت تركز خلال الأشهر الماضية على تقوية الوضع الداخلي، وتعزيز حضورها في الحياة السياسية، وهذا ما يفسر المشاركة الفاعلة في الانتخابات التي أجريت في 11 نوفمبر 2025، وفوز فصائل مسلحة بمقاعد في مجلس النواب الجديد».

يبدو أن جميع الذين قاتلوا في سوريا فازوا بمقاعد في البرلمان الجديد. لقد حصلت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي على 28 مقعداً داخل البرلمان، وفازت منظمة «بدر» بزعامة هادي العامري بـ18 مقعداً، وحصلت كتلة «حقوق»، التابعة لـ«كتائب حزب الله»، على ستة مقاعد، بينما حصلت قائمة تابعة لـ«كتائب الإمام علي» على ثلاثة مقاعد، وحصل تحالف «خدمات» بزعامة شبل الزيدي على تسعة مقاعد.

ويطرح هؤلاء اليوم مشروعاً انتقالياً يقوم على أدوار شيعية جديدة، يتقدمه طموح متنامٍ لدى قادة مثل قيس الخزعلي لصياغة مظلة تحمي الجماعات الشيعية من التفكك عبر حضورٍ أثقل في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية معاً.

وفي مارس (آذار) 2025، سئل الخزعلي عن سوريا الجديدة. وقال إن «الدولة العراقية من واجباتها ومن مصلحتها أن تتعامل معها ما دامت تلك الدول والحكومات تمثل دولها».

ويقول قيادي شيعي إن لحظة هروب بشار الأسد لم تكن حدثاً في سوريا بقدر ما كانت زلزالاً في الوعي الشيعي داخل العراق؛ إذ دفعت الجميع إلى إعادة التفكير في شكل التحالفات التي حكمت الإقليم لأعوام طويلة. لكن خلف هذا التحول تبرز أسئلة معلّقة، وشكوك حول «مستقبل النظرية الإيرانية ذاتها» بعدما بدأت تتعرّض لاختلال كبير بعد أربعة عقود من النفوذ المتواصل في المنطقة. يقول القيادي إن «الجواب لم ينضج بعد».


سوريا بعيون أميركية... «رحلة جنونية من العزلة إلى الانفتاح»

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

سوريا بعيون أميركية... «رحلة جنونية من العزلة إلى الانفتاح»

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والسوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

مع مرور عام على إطاحة نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، تتابع أوساط سياسية وبحثية أميركية تطورات السلطة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ويشير هؤلاء إلى مساعي دمشق لتوطيد العلاقات بالمجتمع الدولي، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية تشمل الاستقرار السياسي، وإعادة بناء الاقتصاد، فضلاً عن تحديات خارجية تتعلق برفع العقوبات ومكافحة الإرهاب.

وثمة إجماع بين أوساط أميركية معنية بالملف السوري على أن سقوط الأسد فتح نافذة تاريخية لإعادة بناء البلاد، لكن النجاح يعتمد على ترسيخ نموذج مستقر.

ويرى الخبراء أن الشرع «حقق تقدماً مذهلاً في عام واحد؛ من إنهاء الحرب، إلى الانخراط الدولي، لكنه يحتاج إلى مزيد من الإصلاحات لتجنب احتمالات الفوضى».

ويقول ستيفن كوك، الزميل الأول في «مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا» بـ«مجلس العلاقات الخارجية»، إن «لقاء الشرع مع الرئيس (الأميركي) دونالد ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 يمكن أن يكون منطلقاً لبدء عمل جاد وواعد في سوريا»، مشيراً إلى أن «رفع واشنطن العقوبات يتزامن مع إظهار دمشق مساعيَ جادة للقيام بإصلاحات سياسية؛ أهمها في (التعامل مع الأقليات ومكافحة التطرف)»، لكنه يحذر بأن «الحكم في بلد مفلس وممزق سياسياً يظل سؤالاً مفتوحاً».

ويشير كوك، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الانتخابات البرلمانية المحدودة التي جرت في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 (التي غطت 119 مقعداً من 210)، كانت «خطوة رمزية مهمة»، لكنها لم تشمل مناطق الدروز والكرد؛ مما قد يعكس «هشاشة الانتقال»، داعياً إلى توسيع الممارسة لتجفيف منابع الانقسام.

الرئيس السوري أحمد الشرع يحضر بدمشق حفل توقيع مذكرة تفاهم للاستثمار في سوريا يوم 6 أغسطس 2025 (رويترز)

تغيير الشرق الأوسط

يشيد آرون زيلين، الخبير في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، بجهود الشرع في مكافحة «داعش»، ويقول إن لديه فرصة لإحداث تأثير إيجابي في منطقة الشرق الأوسط، لكنه نصح الحكومة السورية الجديدة بالتركيز على تفكيك فصائل مسلحة في البلاد.

وعدّ زيلين تصريحات الشرع الإصلاحية بشأن بناء مؤسسات الدولة علامة إيجابية على توجهات حكومته، رغم قلقه من أن الاقتصاد المدمَّر يهدد الاستقرار في سوريا، لا سيما مع التقديرات التي تفيد بأن تكلفة إعادة إعمار البلاد قد تصل إلى 216 مليار دولار.

بدوره، يقول إدوارد جيريجان، مدير «مركز بلفير للعلوم والشؤون الدولية» بجامعة هارفارد، إن الشرع يواجه «اختباراً لإعادة التوحيد» في بلاد متعددة الطوائف والإثنيات، ويوصي بـ«تعزيز الثقة الداخلية» عبر إصلاحات أمنية موحدة.

ويبدي المحلل الأميركي سيث فرانتزمان تفاؤلاً كبيراً بمستقبل سوريا، عادّاً الشرع «رجلاً مثيراً للإعجاب ومغيراً للعبة»، ويصف التحول في سوريا في أقل من عام بـ«الجنون المطلق»؛ بالتحول من دولة منبوذة إلى دولة بفرص واعدة ومدعومة من الغرب ولاعبين وازنين في الخليج العربي والمنطقة.

ورأى الشرع، في تصريح أمام «منتدى الدوحة» يوم 6 ديسمبر 2025، أن سوريا تسير في الاتجاه الصحيح، بعدما تحولت من منطقة مصدرة للأزمات إلى نموذج للاستقرار، مشيراً إلى أن البلاد «تحتاج الآن إلى بناء مؤسسات مستقرة؛ وهو ما يضمن استمرارية عادلة لبناء الدولة».

الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي خلال توقيع اتفاق دمج «قسد» في الجيش السوري بدمشق يوم 10 مارس 2025 (إ.ب.أ)

صراعات داخلية

ويقول فرانتزمان إن زيارة الشرع التاريخية إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2025 تعدّ «محوراً مهماً لإعادة بناء سوريا المحطمة»، بالتزامن مع رفع الشرع من قائمة العقوبات الأميركية، وتجديد تعليق «قانون قيصر».

ويشيد معظم التحليلات بالشرع لتحقيقه تقدماً ملموساً في الاستقرار الداخلي، لكن التحذيرات تتعلق بالصراعات الداخلية التي قد تذكي أعمال عنف أو فوضى. أما خارجياً؛ فتشيد تقارير أميركية بحرص الشرع على توجيه بلاده نحو الغرب، وانضمامها إلى «التحالف الدولي ضد (داعش)»، حيث يشيد مركز «بروكينغز» بعلاقات الرئيس السوري بتركيا والولايات المتحدة، بوصفها مفتاحاً للاستقرار، محذراً من السماح بعودة نفوذ روسيا وإيران.

وكان الشرع قد أقر، خلال حضوره مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، بالرياض، في 29 أكتوبر 2025، بأن هناك مخاطر استراتيجية ارتبطت بالفترة السابقة تسببت في خلق حالة من الاضطراب والقلق لبعض دول العالم.


الصعود التركي في سوريا... من المواجهة إلى التحالف

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع خلال أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع خلال أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير 2025 (الرئاسة التركية)
TT

الصعود التركي في سوريا... من المواجهة إلى التحالف

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع خلال أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع خلال أول زيارة له في أنقرة 4 فبراير 2025 (الرئاسة التركية)

تشكلت في الأسابيع الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في سوريا قناعة بأن تركيا لعبت الدور الأكبر في الوصول «السلس» لفصائل المعارضة إلى دمشق في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، وتعزز ذلك مع دعم أنقرة السريع للإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وتقديم نفسها بوصفها أحد «الرعاة الأساسيين» في مرحلة ما بعد الأسد.

كانت تركيا أول دولة ترسل مسؤولاً رفيع المستوى إلى سوريا للقاء الشرع في «قصر الشعب»، إذ زار رئيس مخابراتها، إبراهيم كالين، دمشق يوم 12 ديسمبر 2024، وتوجه للصلاة في الجامع الأموي، ليبدو أنه حقق وعد الرئيس رجب طيب إردوغان، في الأيام الأولى للثورة السورية في 2011، عندما قال سينهار نظام الأسد بأسرع وقت و«سندخل دمشق ونصلي في الجامع الأموي».

وأوحت تصريحات لوزير الخارجية هاكان فيدان بأن تركيا هي من لعبت الدور الرئيسي في سقوط الأسد وفتح الطريق أمام الشرع إلى دمشق، عندما قال، بعد أيام قليلة، إن أنقرة أقنعت روسيا وإيران، خلال الاجتماع بصيغة «آستانة»، على هامش «منتدى الدوحة» في 7 و8 ديسمبر 2024 بعدم التدخل.

من وجهة نظر فيدان، كان «نظام بشار الأسد ضعيفاً للغاية خلال العامَين أو الأعوام الـ3 الماضية، مع مقاومة نسبية في بعض الأماكن، لكن المعارضة دخلت حلب دون إطلاق نار تقريباً. مع ذلك، لو كرر الروس والإيرانيون رد فعلهم في عام 2016، لكان الشعب السوري قد واجه خطر المزيد من إراقة الدماء والنزوح».

وعندما سُئل فيدان: «كيف أقنعتم روسيا بعدم الوقوف إلى جانب الأسد؟». أجاب بكلمة واحدة: «تحدثنا».

إسرائيل قصفت مطار حماة العسكري في مارس الماضي على خلفية تقارير عن استخدامه من جانب تركيا في نقل مواد لوجيستية ومعدات لإقامة قاعدة جوية في حمص (أ.ف.ب)

تقييم الحصاد

في 16 أغسطس (آب) 2025 عقدت مجموعة التنسيق بين المؤسسات التركية اجتماعاً برئاسة نائب وزير الخارجية نوح يلماظ، الذي أصبح الآن سفيراً لتركيا في دمشق، أُجريت خلاله مراجعة شاملة للعلاقات مع سوريا والخطوات التي ستُتخذ خلال الفترة المقبلة لتعزيزها وتنفيذ الاتفاقات التي توصل إليها الجانبان في مختلف المجالات.

خلال الأشهر الـ8 الأولى بعد سقوط الأسد، وعبر تحركات مكثفة، كانت تركيا أول دولة تعيد فتح سفارتها في دمشق، إضافة إلى قنصليتها في حلب، كما وقعت في 12 أغسطس مذكرة تفاهم للتعاون العسكري والتدريب والاستشارات.

وتحركت تركيا على المستوى الثنائي والإقليمي لدعم حكومة الشرع في مكافحة تنظيم «داعش»، وإقناع الولايات المتحدة بمنظور جديد يجعلها تتخلى عن دعمها لـ«قسد» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» (الكردية) عمودها الفقري، في السيطرة على شمال شرقي سوريا، بعد التحالف معها في الحرب على «داعش».

في هذا الإطار سعت تركيا إلى تشكيل تحالف يقوم على مبدأ «الملكية الإقليمية»، الذي يعني أن تقوم دول المنطقة بنفسها على حل مشاكلها دون تدخلات خارجية، وبدأت بالفعل جهوداً لتشكيل منصة خماسية تضمها مع كل من الأردن والعراق ولبنان إلى جانب سوريا، وعقد وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء المخابرات في الدول الخمس اجتماعاً في عمان في 9 مارس (آذار) الماضي، لكنه لم يسفر عن تأسيس آلية سعت إليها أنقرة.

نتيجة لذلك شكّلت تركيا آلية تنسيق مع سوريا عبر مركز عمليات مشترك في دمشق، لتأكيد دعمها للحكومة السورية في الحرب على «داعش».

وعقدت خلال الأشهر الـ10 المنقضية 3 اجتماعات لوزراء الخارجية والدفاع ورئيسي المخابرات في البلدين فضلاً عن الزيارات الثنائية المتبادلة على مستوى وزيري الخارجية، وزيارات رئيس المخابرات التركية لدمشق، كما زار الشرع تركيا 3 مرات في الفترة بين فبراير (شباط) وأغسطس.

على الصعيد الاقتصادي، أعادت تركيا تشغيل جميع البوابات الحدودية مع سوريا، وتم توقيع بروتوكول في أنقرة يوم 5 أغسطس الماضي، لإنشاء لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة، وبدء دراسة إنشاء مناطق صناعية، بهدف إنعاش الاقتصاد السوري المتضرر من جراء الحرب وتعزيز التجارة بينهما. كما أعاد البلدان الجاران تأسيس مجلس الأعمال المشترك، الذي توقف عن العمل في 2011.

وتقول تركيا إنها تهدف إلى تجاوز عتبة ملياري دولار في صادراتها إلى سوريا بنهاية العام الحالي، مستغلة الزخم في العلاقات التجارية بينهما. واتخذت خطوات جديدة لتسهيل وتسريع التجارة مع سوريا، وتم الاتفاق على أن تصبح حلب مركزاً لوجيستياً قوياً في الفترة المقبلة.

جانب من لقاء ترمب ونتنياهو بالبيت الأبيض في يوليو 2025 (أ.ف.ب)

تنافس مع إسرائيل

في المقابل، تغيرت أهداف تركيا في سوريا عما كانت عليه خلال حكم بشار الأسد، فبعدما كانت تركز على تأمين حدودها مما تصفه بـ«تهديد (قسد)»، وإنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية بعمق يتراوح ما بين 30 و40 كيلومتراً، تسعى اليوم إلى إزالة هذه المجموعة الكردية من المعادلة السورية، عبر ترك أسلحتها والاندماج في مؤسسات الدولة، وإقناع الولايات المتحدة بوقف دعمها لها عبر عرض قيام إدارة سورية جديدة بحراسة سجون «داعش»، ودعمها في هذا الأمر. وزادت على ذلك بالسعي لدى الولايات المتحدة لملء الفراغ، حال انسحاب القوات الأميركية.

لقد أظهرت تحركات تركيا في الواقع السوري الجديد سعيها لملء الفراغ العسكري من خلال العمل على إنشاء قواعد برية وبحرية وجوية في وسط سوريا وعلى سواحلها عبر نموذج يشبه تدخلها في ليبيا بعد القذافي، كما تردد من خلال وسائل إعلام، والانفراد بأكبر دور في الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار والتدخل في جميع المجالات من الصحة إلى التعليم وغيرها، استكمالاً لما بدأته بالفعل منذ سنوات في شمال سوريا.

أثارت هذه التحركات قلق إسرائيل التي تخشى استبدال الوجود التركي بالوجود الإيراني في سوريا، وفرض أمر واقع جديد تكون فيه تركيا هي الضامن سياسياً وأمنياً، اعتماداً على علاقاتها القوية مع الإدارة الجديدة ومع فصائل معادية لها.

جانب من اجتماع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وترمب والشرع لبحث رفع العقوبات المفروضة على سوريا في الرياض مايو الماضي (واس)

«نعم أخذتها»

وبدا أن تركيا نجحت في سباقها لإظهار دورها بوصفها «راعياً» تتشاور معه الإدارة السورية حول مستقبل البلاد، وبرزت بوصفها واحدة من أبرز القوى المهيمنة، وهو ما أكده الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالبيت الأبيض في يوليو (تموز) 2025.

قال ترمب إنه هنّأ إردوغان، في اتصال هاتفي بينهما، على «أخذه سوريا (...) وإنه كان يحاول النفي، ويقول إنه لم يأخذها، وإنه قال له إنك فعلت شيئاً عجز الآخرون عن فعله طوال ألفي عام، مهما تعددت أسماؤها تاريخياً، وإنه (إردوغان) قال في النهاية نعم أخذتها».

وجاء موقف ترمب بعد متابعة حالة التنافس بين تركيا وإسرائيل في سوريا، والمخاوف المتبادلة بينهما التي دفعت إسرائيل إلى تدمير قواعد جوية ومطارات رئيسية، بينها مطار حماة العسكري، والقضاء على مقدرات الجيش السوري، مع تردد أنباء، بعد 3 أشهر من سقوط حكم الأسد، عن سعي تركيا إلى إقامة قواعد جوية في حمص، ما دفع تركيا وإسرائيل إلى إرساء قواعد اشتباك تمنع الصدام بينهما في سوريا خلال اجتماعات فنية في باكو توسطت فيها أذربيجان.

عرض ترمب على نتنياهو حل مشاكله مع تركيا إذا كان منطقياً في طلباته، لافتاً إلى علاقته الجيدة مع إردوغان، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي قال، قبل مغادرة واشنطن، إن تركيا تريد إنشاء قواعد عسكرية في سوريا، وإنه يرفض إقامتها لأنها تُشكل خطراً على إسرائيل.

بدورها، تؤكد تركيا أن المسألة الرئيسية بالنسبة إليها وللولايات المتحدة هي ضمان ألا تشكل إسرائيل تهديداً لسوريا، وألا تكون سوريا مصدراً لتهديد أي طرف في المنطقة، وأن يحترم الجميع سلامة أراضي وسيادة بعضهم، بحسب ما قال وزير خارجيتها، هاكان فيدان، الذي شارك في جانب من اجتماع ترمب والرئيس السوري أحمد الشرع بالبيت الأبيض في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وعبرت تركيا، أكثر من مرة، عن عدم انزعاجها للمفاوضات بين دمشق وتل أبيب، مشددة على أن هدفها الأول هو وحدة أراضي سوريا وسيادتها.

ورد إردوغان، الذي التقى ترمب في البيت الأبيض في سبتمبر (أيلول) الماضي، على تصريح أخير لنتنياهو، منذ أسابيع قليلة، قال فيه إن إسرائيل «أوقفت تركيا في سوريا»، مطالباً بالتركيز على ما تفعله تركيا بدلاً من التركيز على ما تكتبه الصحافة الإسرائيلية، مضيفاً: «نحن نفعل ما يلزم في إطار أولوياتنا الاستراتيجية، وسنواصل ذلك».

جانب من الاجتماع بصيغة «آستانة» لوزراء خارجية تركيا هاكان فيدان وروسيا سيرغي لافروف وإيران عباس عراقجي على هامش منتدى الدوحة في ديسمبر 2024 (الخارجية التركية)

شبح العقوبات

تحرص تركيا أيضاً على عدم البقاء بعيداً عن أي ملف يتعلق بسوريا، بما في ذلك رفع العقوبات، الذي بدأ بإعلان مفاجئ من ترمب، قال إنه بناء على طلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وإردوغان، الذي شارك، عبر الهاتف في اجتماع بالرياض، في مايو (أيار) تمت فيه مناقشة رفع العقوبات.

وأكد إردوغان مواصلة تركيا دعمها لدمشق في حربها ضد التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها «داعش»، واستعدادها لتقديم الدعم فيما يتعلق بإدارة وتأمين مراكز الاحتجاز التي يُحتجز فيها عناصر «داعش»، لافتاً إلى أن قرار ترمب رفع العقوبات عن سوريا يحظى بأهمية تاريخية، وأن هذا القرار سيكون مثالاً للدول الأخرى التي فرضت عقوبات على دمشق، وأن فرص الاستثمار ستشمل مختلف المجالات في سوريا، بعد رفع العقوبات.

وسبق إعلان ترمب رفع العقوبات اجتماع ثلاثي لوزراء الخارجية التركي، هاكان فيدان، والولايات المتحدة، ماركو روبيو، وسوريا، أسعد الشيباني، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في جنوب تركيا، في أبريل (نيسان) الماضي، لمناقشة تفاصيل تعهد ترمب بإسقاط العقوبات عن سوريا.

وتلقى فيدان دعوة لزيارة أميركا بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، وشارك في جانب من لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 10 نوفمبر الماضي.

وعقد فيدان لقاءات مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والممثل الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، والسفير الأميركي في أنقرة المبعوث الخاص إلى سوريا، توم براك، والعديد من المسؤولين الآخرين في البيت الأبيض، فضلاً عن لقاء مع الشرع ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ولقاء ثلاثي جمعه بالشيباني وروبيو.

وقال فيدان إنه تم خلال الاجتماعات تبادل وجهات النظر حول كيفية إدارة المناطق الإشكالية في شمال وجنوب سوريا، وفي أماكن أخرى، بشكل أفضل وكيف يمكن تنفيذ العمل على إلغاء «قانون قيصر»، وإن التركيز منصبّ حالياً على ما يمكن فعله لرفع العقوبات في إطار «قانون قيصر» بشكل كامل، لمساعدة الاقتصاد السوري على التعافي.

وأشار إلى أن الشرع التقى أعضاءً في الكونغرس، وشدد على أهمية التصويت على إلغاء «قانون قيصر»، مضيفاً أن الرئيس الأميركي يتبنى نهجاً إيجابياً تجاه التعامل مع القضايا السورية.

الشرع وعبدي خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية في دمشق 10 مارس 2025 (إ.ب.أ)

هاجس «قسد»

تعمل تركيا على استغلال حالة التشاور المستمر بشأن سوريا، في ضمان موقف أميركي داعم لتنفيذ الاتفاق الموقع بين الشرع، وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، في دمشق 10 مارس الماضي، بشأن اندماجها في الجيش والمؤسسات الأمنية السورية، الذي يفترض أن ينتهي تنفيذه قبل حلول نهاية العام الحالي.

وبعد 47 عاماً من الصراع المسلح، أطلقت تركيا مبادرة العام الماضي، لحل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه، أسفرت عن دعوة زعيمه، السجين لديها، عبد الله أوجلان في 27 فبراير الماضي، إلى حله والتخلي عن الكفاح المسلح، والتحول إلى العمل الديمقراطي في إطار قانوني.

وتتمسك أنقرة بأن دعوة أوجلان تشمل جميع امتدادات حزب «العمال الكردستاني»، وأن «البنية الحالية لـ(قسد) تقوّض وحدة سوريا وتهدّد الأمن القومي لتركيا وتعرّضه للخطر»، وأنه لا يمكن حصر مسألة نزع سلاح حزب العمال الكردستاني في تركيا وحدها.

وتطالب «قسد» تركيا بعدم عدّ مؤسساتها العسكرية والإدارية والأمنية، والإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، تهديداً لها، لأنها «مؤسسات للسلام والأمن».

وعدّ قائد «قسد»، مظلوم عبدي، أن اتفاق 10 مارس مع الشرع شكل منعطفاً مهماً بإغلاق الطريق أمام محاولات تقسيم سوريا ومنع انزلاقها إلى حرب أهلية، وضمن الاعتراف الدستوري بحقوق الكرد، لكنه أكد أنه «يجب أن تكون هناك سوريا لا مركزية، بحيث يتمكّن كل إقليم من إدارة نفسه».

وذهب الكاتب في صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية، فاتح تشيكرجه، إلى أن أميركا تسعى لتأسيس «نموذج بارزاني» الذي أرسته في شمال العراق ضد إيران، في شمال سوريا، وأن الممر الذي يجري إعداده من العراق إلى سوريا يهدف إلى ذلك، وهو مطلب إسرائيلي أيضاً لمنع نقل الأسلحة من إيران إلى لبنان والمنطقة المحيطة.

ولفت إلى أن تركيا لم تقبل في البداية بنموذج مشابه لـ«بيشمركة بارزاني»، وهي الآن تعد «قسد» الحليفة لأميركا، تنظيماً إرهابياً، لكنها يمكن أن تقبل الأمر بعد ذلك في شمال سوريا كما حدث في إقليم كردستان العراق.

الحال، أن تركيا ستواصل خلال المرحلة المقبلة السعي لترسيخ موقعها بوصفها أبرز قوة مؤثرة في إعادة تشكيل سوريا، مستفيدة من علاقتها الوثيقة بالإدارة الجديدة ودعم واشنطن المتزايد لدورها. ومن المتوقع أن تضغط أنقرة باتجاه استكمال دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية وتقليص أي حضور عسكري غير مرغوب فيه قرب حدودها. لكن التنافس مع إسرائيل والحضور الأميركي قد يحدان من قدرة تركيا على فرض رؤيتها بالكامل.