الإخوان دخلوا «حارة سد» ويغوصون في رمال متحركة

تورطهم المثبت في العنف يهدد مستقبل جماعتهم بعد مطاردتهم دوليا

الإخوان دخلوا «حارة سد» ويغوصون في رمال متحركة
TT

الإخوان دخلوا «حارة سد» ويغوصون في رمال متحركة

الإخوان دخلوا «حارة سد» ويغوصون في رمال متحركة

قال الدكتور محمد حبيب، النائب السابق للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإخوان المسلمين دخلوا في «حارة سد» على الصعيدين الداخلي والخارجي، لأن من فشلوا في حكم مصر هم أنفسهم من يديرون قضيتهم اليوم، وكان مفترضا تغيير هذه القيادة مباشرة، إلا أن إصرارهم على الاستمرار يؤدي إلى مزيد من الفشل، ولا أتوقع للجماعة أي نجاح، لأنها تقود القضية بالعقلية والاستراتيجية الفاشلة نفسها، ومن ثم فالتغير الحادث لهم سيكون للأسوأ.
وفي تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أيضا، أكد عبد الرؤوف الريدي، سفير مصر السابق في واشنطن والرئيس الشرفي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، حدوث تغيير تدريجي في الموقف الأميركي تجاه الإخوان، وأنهم أصبحوا كمن يغرق في رمال متحركة كلما ارتكبوا عنفا تركوا أثرا عكسيا أكثر سوءا.
قبيل إجراء مرحلة التصويت الخاصة بالمغتربين المصريين في الانتخابات الرئاسية المصرية بأيام، ظهرت انشقاقات في صفوف جماعة الإخوان، بخروج أصوات حاولت الظهور بموقف أكثر مرونة تجاه العملية الانتخابية، في محاولة اعتبرت مناورة لكسب أصوات في الانتخابات البرلمانية المقبلة. وجاء هذا الموقف مواكبا للإعلان عما أطلق عليه وثيقة بروكسل، التي اعتبرها البعض، وراء شق صفوف مؤيدي الرئيس المعزول. كما اعتبرت ورقة يحاول الإخوان اللعب بها لكسب التعاطف الدولي من جديد، بعد تعرضهم، أخيرا، لمطاردات قانونية وأمنية، ومواجهتهم لقرارات حظر من قبل دول عربية وغربية كثيرة.
وكانت الفترة الأخيرة، شهدت تحولا كبيرا في الموقف الدولي من جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولي. وهذا ما بدا واضحا في صدور قرارات خاصة بتعقبهم أو حظرهم أو وضع نشاطهم رهن التحقيق القانوني في الكثير من دول العالم، لا سيما الدول الغربية المعروفة بنشاط الجماعة المكثف على أراضيها، مثل بريطانيا وأميركا، الأمر الذي اعتبره خبراء بمثابة حصار خانق للجماعة، ويخلق أزمة غير مسبوقة في تاريخها تجعل مستقبلها على المحك وتهددها بالزوال.
هذا التحول في الموقف الدولي، جاء في أعقاب أحداث عنف إرهابية شهدتها مصر، نسبت لجماعة الإخوان، واعتبرت دليلا دامغا على تورطهم في ارتكاب أعمال إرهابية، واكبها تهديد من قيادات إخوانية بارتفاع موجة العنف في العالم إذا ما تم حظر الجماعة. فهل تتخلى الدول الكبيرة عن دعم الإخوان في ضوء هذه التحولات؟ وكيف يؤثر ذلك على مستقبل جماعة الإخوان في مصر والعالم؟ وهل لمناورات الجماعة الأخيرة دور في استعادة جزء من الدعم الدولي الذي فقدوه مؤخرا؟
الدكتور عبد الرؤوف الريدي، سفير مصر السابق لدى الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، الرئيس الشرفي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن مستقبل جماعة الإخوان يتوقف عليهم أنفسهم، وعلى سلوكهم. فإذا استمروا في ممارسة العنف فستزداد كراهية الناس لهم، وهم لا يستطيعون الاعتماد على الأطراف الخارجية. وأنه لكي تستمر الحركة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في قوتها، لا بد أن تكون قوية داخل مصر أكثر منها خارجها. لكنهم في مصر الآن، يخسرون كثيرا بسبب ما يرتكبونه من عنف.
وأضاف الريدي أن مجموعة الإجراءات التي تم اتخاذها أخيرا، في عدد من دول العالم ضد الإخوان، تؤثر عليهم بقوة. ولكن يبقى السؤال عن حقيقة الموقف الأميركي من الإخوان. وأرى أنه من الممكن حدوث تغيير تدريجي في هذا الموقف لكنه لن يكون تغييرا حاسما، بمعنى أن أميركا لن تعتبرهم جماعة إرهابية، لأنها دخلت مع الإخوان بشكل قوي وواضح، ولدى الأميركيين إخوان يعملون معهم في واشنطن وعلى تواصل مع مراكز الأبحاث وبعض مؤسسات المجتمع المدني وأعضاء بالكونغرس، مشيرا إلى أن الإخوان عرفوا أصول اللعبة في أميركا، وأن بينهم وبين أوباما وإدارته، تفاهمات، كانت سببا في تفاجئهم بما حدث في 30 يونيو. وكانت أكبر خسارة للإخوان، هي الفترة التي تولوا فيها حكم مصر، لأنهم ارتكبوا خلالها أخطاء كبيرة كشفت عن فضائح كثيرة. وهم الآن، كمن يغرق في رمال متحركة، كلما ارتكبوا عنفا تركوا أثرا عكسيا. ومن ثم فحتى لو كان لجماعة الإخوان وجود في الخارج، فهو لن يغنيها عن قوة رئيسة لهم في مصر، ما لا أتوقعه في الفترة المقبلة، في ظل المضي قدما في خارطة الطريق التي أخذ العالم يتجاوب معها، وبات يتقبل الشرعية المصرية مع الوقت.
وعما إذا كان ما يحدث في العالم ضد الإخوان، مجرد تكتيك، قال الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، عميد معهد الدراسات العربية لـ«الشرق الأوسط»، إن المسألة حقيقية وليست خداعا سياسيا أو تكتيكا، لأن تصرف جماعة الإخوان المسلمين بهذا الشكل العنيف، في أعقاب عزل الرئيس السابق، وتورطهم في أعمال إرهابية حقيقية، حتى لو لم تكن راجعة كلها للجماعة، إنما تزامنت مع إعلان اعتراضهم على عزل مرسي، كما أنها نمت من قبل تنظيمات هي فروع من الشجرة الأصلية للإخوان. ونحن نذكر طريقة استقبال القوى الكبرى لما حدث يوم 3 يوليو الماضي، حين اعتبرته انقلابا وأيدت الإخوان. لكن تطورين مهمين حدثا بعد ذلك، أولهما رد الفعل الإخواني الذي اتخذ أشكالا عنيفة لا يمكن الدفاع عنها، حتى لو كانت من قبل تنظيمات أخرى. وكان سهلا إثبات هذه الأشياء، فهم متورطون على الأقل في أعمال تخريب، خاصة في المنشآت الجامعية وغيرها، إلى جانب تورطهم في التحريض على العنف. وهو ما جعل هذه الدول تشعر بنوع من القلق، من خطر وجود الإخوان على أراضيها. من هنا بدأت المسألة بقرار من ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، إجراء تحقيق حول نشاط هذه الجماعة. وهناك تحقيقات أخرى في بعض المدارس البريطانية التي ثبت اختراق الإخوان لها.
واستبعد يوسف اختفاء الإخوان، مؤكدا أن الاتجاه سيبقى نحو إدخال مزيد من الدين في السياسة. وقال إن كل ما سيحدث في تقديري، أنه إذا أصر الإخوان على منهجهم الحالي، فإنهم سوف يختفون خلال مرحلة تاريخية قد تمتد لعقد أو اثنين، لأن المواطن العادي لا يستسيغ هذا الأسلوب على الإطلاق، خاصة أن الإخوان قبل توليهم الحكم، كانوا يقومون بالدعوة وتقديم المساعدات، ولم يجرب المصريون ممارستهم السياسية.
وفي هذا السياق كشف مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، الذي يديره د. سعد الدين إبراهيم بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، عن تبنيه حملة عالمية واسعة لجمع الوثائق والمستندات التي تثبت تورط جماعة الإخوان في أعمال إرهابية، أو التحريض عليها، وتقديمها للدول الغربية لحضها على اعتبار الإخوان جماعة إرهابية بالفعل.
وقالت داليا زيادة، المدير التنفيذي للدراسات الإنمائية بالمركز لـ«الشرق الأوسط»: «إننا قمنا بحملة دولية لإدراج جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي، وجمعنا أوراقا ومستندات تثبت قيام الجماعة بالتورط في دعم منظمات إرهابية وهو ما يترتب عليه أن يجري إدراج الإخوان كتنظيم إرهابي».
وأضافت داليا، لا شك أن تطور الموقف الأميركي تجاه أنصار بيت المقدس، ومن ثم تجاه الإخوان، ستتبعه مواقف لدول أخرى ستدرج الجماعة على قائمة الإرهابيين، هذا بالإضافة لتصنيفها، خليجيا، كمنظمة إرهابية. كما أن بريطانيا فتحت تحقيقات، تأسيسا على أن أي أمر يشار إليه دوليا يجب التحقيق فيه. وبعد ذلك لو ثبت تورطهم في أعمال إرهابية، تصنف الجماعة كإرهابية وتوقف أنشطتها، وهو الهدف المراد بشكل نهائي من إثارة المسألة، ليس في مصر وحدها، وإنما على المستوى الدولي. فالمطلوب ما يترتب على ذلك من قرار بوقف نشاط الجماعة بالكامل ومعاقبة أعضائها. وعلى ذلك أرى أن مستقبل جماعة الإخوان إلى الهاوية، فهم يتهاوون والعالم يتعامل معهم بشكل قوي وحاسم.
وأكدت زيادة، أن ما يتعرض له الإخوان الآن، من مختلف دول العالم، يعد أزمة كبيرة غير مسبوقة في تاريخ الجماعة، مشيرة إلى أن الأزمات السابقة كانت فردية، تأتي من طرف واحد، أما الآن، فنرى العالم كله ضد الإخوان، وهو ما يعد خطرا كبيرا يهدد مستقبل الجماعة.
وكشفت داليا زيادة، لـ«الشرق الأوسط»، عن حملة مركز ابن خلدون للحصول على أوراق ومستندات تثبت تورط الإخوان في الإرهاب. وقالت إنه تم الحصول على هذه الأوراق من دول عدة منها دولة الإمارات العربية وأميركا وإيطاليا. وأضافت، «إننا حصلنا على وثائق من واقع تحقيقات إف بي آي الأميركية، وصدور أحكام قضائية أميركية تدين الإخوان. كما توصلنا إلى وثائق تثبت علاقة تركيا بالتنظيم الدولي للإخوان». وقالت، «إن أكثر الدول التي ترتبط بعلاقات قوية مع جماعة الإخوان، هي بريطانيا وأميركا. وهناك خطة إخوانية لاستغلال الدولتين. ففي لندن تصاغ الأفكار والرؤى، وفي واشنطن تكون التحركات السياسية. هذا بالإضافة إلى أن أغلب الثقل الاقتصادي للإخوان موجود في بريطانيا».
وعن الرؤية الأمنية لمستقبل الإخوان، قال الخبير الأمني اللواء طلعت مسلم، لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل الإجراءات التي تشهدها بعض الدول ضد جماعة الإخوان، فلا شك أنها ستضيّق عليهم، لكنها لن تقضي على الجماعة، لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على خداع المواطنين. فهي قادرة على الخداع، وتتخذ من الدين وسيلة سهلة لديها، سواء للتأثير على محدودي الثقافة أو المتعلمين وذوي الشهادات العليا. وعلينا أن نتابع ما تفعله أميركا. وأعتقد أنها تتابع نشاط الجماعة ولا تهتم إلا بما يؤثر على مصالحها. وبالنسبة لباقي الإجراءات في الدول الأخرى، فهي تحمل إشارات إيجابية، وعلينا أن نتابعها، لأننا تعودنا على صدور قرارات بلا نتيجة، خاصة أنه في القضايا الدولية لا توجد حكومة لمتابعة تنفيذ القانون، وإنما تقوم كل دولة على حدة بتنفيذ القانون الدولي، حسب ما تراه. وعلينا أن نتابع تلك القرارات في مصر بالصورة التي تتناسب مع الواقع لتحويله إلى واقع فعال.
وحول حقيقة وجود التنظيم الدولي للإخوان، قال مسلم، «حتى وإن كان لا يرقى إلى مستوى تنظيم بالمعنى المتعارف عليه، لكنه موجود على أرض الواقع. وقد نجح الإخوان في الوجود في تلك الدول الأجنبية، لأنهم درسوا قوانينها وخاصة حساسيتهم لحرية التعبير. وهم يستغلون الحريات الزائدة في هذه الدول كما أنهم لا يتورطون في أي شيء داخلها وإنما يوجهون نشاطهم لبلاد أخرى. وبالنسبة للواقع في مصر فقطعا سيكون هناك تأثير لهذه التغيرات الحادثة في الخارج على مصر لكني لا أتوقع أن يكون التأثير كبيرا فإذا كنا كمصريين لا نستطيع أن نحكم الإخوان فمن غير المعقول أن نطالب غيرنا أن يحكموهم لكن تلك القرارات تفيد على الأقل في التوقف عن مساعدتهم».
جدير بالذكر أن علاقات جماعة الإخوان المسلمين بالعالم الخارجي، بدأت مبكرا منذ عهد حسن البنا، حينما أنشأ مجلسا تنفيذيا يضم في عضويته فروعا من دول العالم، ثم توقف في عهد عبد الناصر. ثم قام الإخوان بإحياء التنظيم الدولي، وبدأت لقاءاته بمكة المكرمة والمدينة المنورة وتركيا ولبنان والأردن وبعض الدول الأوروبية. ويذكر مؤرخو الجماعة أن أول شعبة أنشأها الإخوان خارج مصر كانت في جيبوتي عام 1933، وبعدها أنشئ قسم الاتصال بالعالم الإسلامي في أوائل عام 1944، وتولى مسؤوليته القيادي الإخواني عبد الحفيظ الصيفي.
وتعليقا على ما تتعرض له جماعة الإخوان من إجراءات مشددة اليوم، بهدف التضييق عليها، قال القيادي الإخواني المنشق، ثروت الخرباوي في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، «لا شك أن الإجراءات التي يواجه بها الإخوان اليوم داخل مصر وخارجها، تصب ضدهم وتعرضهم لأكبر أزمة في تاريخهم، وكأن وصولهم للحكم كان أكبر عقاب لهم. وقد تنبأت منذ سنوات، أن عام 2018 هو عام النهاية بالنسبة لهم. فلن نجد وقتها أثرا لأحد منهم».
وعن أعداد الإخوان في العالم قال الخرباوي، إنه يتوازن مع عددهم في مصر، حيث لا يتجاوز 400 ألف. وهو العدد نفسه حول العالم تقريبا، لأن وجودهم يرتبط بالجاليات العربية والإسلامية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، وتتركز بصفة أساسية، في أميركا وبريطانيا، حيث يوجد حوالي عشرة آلاف إخواني في كل منهما، بينما يزداد العدد قليلا في ألمانيا لوجود جالية تركية كبيرة هناك. وعلى مستوى دول الخليج، سيتناسب أيضا عدد الإخوان هناك مع العدد الصغير للسكان. ويتركز العدد الأكبر في دولة الكويت، يليها الإمارات والمملكة العربية السعودية، حيث يبلغ العدد في كل منهما نحو ثلاثة آلاف إخواني. بينما يتناقص العدد في باقي أنحاء العالم.
وعلى سبيل المثال، لا يتجاوز عدد الإخوان المسلمين في جنوب أفريقيا المائة وخمسين فردا، بينما يزداد قليلا في دول آسيوية كباكستان وأفغانستان.
وبحسبة بسيطة نجد أن إجمالي عدد الإخوان خارج مصر أقل من نصف مليون. وأضاف الخرباوي، على الرغم من أن قوة الإخوان اكتسبوها من قوتهم التنظيمية وليس من أعدادهم، هذا بالإضافة إلى القوة المالية الجبارة التي يمتلكها الإخوان في التنظيم الدولي.
فإن قوة الإخوان المالية لن تحمي التنظيم الدولي من الفناء، ولن تدفع عنهم التأثيرات السلبية لأسوأ أزمة يتعرضون لها في تاريخهم، قائلا إن «التنظيم الدولي للإخوان قد انتهت صلاحيته، لأن الفكرة التي أقاموا عليها تنظيمهم قد انهارت أصلا، ومن ثم حدث تناقص للمقبلين عليها من القوى البشرية وتناقص معها القوى المالية بشكل كبير، بعد أن أصبح التوجه الجديد البديل حاليا هو لصالح الجماعات السلفية».
وعن مستقبل التنظيم وتوجهه الجديد في ضوء تلك المطاردات الدولية، أكد الخرباوي أن القبلة الجديدة للتنظيم الدولي للإخوان، ستكون تركيا أو ألمانيا، حيث يوجد رأسمال إخواني كبير هناك.
وعلى الرغم من تحفظه الشديد وإصراره على عدم الإدلاء بأي أحاديث صحافية، فإن الشرق الأوسط نجحت في اختراق صمت سيف الإسلام حسن البنا، ابن مؤسس جماعة الإخوان، الذي قال في اتصال تليفوني تعليقا على ما تتعرض له الجماعة من حصار وإجراءات تضييق على أنشطتها في دول العالم المختلفة، ومدى خطورة ذلك على مستقبل التنظيم الدولي أو جماعة الإخوان في العالم: «إنني لا أشعر بأي خطر على مستقبل الجماعة لأنه يرتبط بالإسلام وليس بالتنظيم، كما يرتبط بكل فكر مفكر للعقيدة الإسلامية. ففكر الإخوان ينتشر في العالم أوتوماتيكيا.
وهو ما قاله لي الدكتور مصطفى محمود في لقاء سابق معه، فلا داعي لنحطم تاريخنا أو نماذجنا من أجل صراع هو في حقيقته صراع سياسي مع جماعة الإخوان».
وأضاف البنا أن الإخوان المسلمين لحن مميز ألفه حسن البنا، ويغنى في كل مكان، لكن لا يوجد تنظيم دولي، وكل ما في الأمر، هو أن الدول تتلقف مظلة حسن البنا الفكرية التي تستقطب الجمهور. وليت الغرب يعرف حقيقة دعوة التآخي والتسامح التي يدعو لها الإخوان، وكتابات حسن البنا الذي استنكر أسلوب العنف وأفتى بعدم إقامة الحدود، وأن الدولة هي المنوطة بذلك، وإن كان حدث انحراف فكري في الجماعة بظهور آراء متشددة لبعض الأفراد خلال عهود سابقة، فإن ذلك كان رد فعل على عمليات التعذيب البشعة التي تعرض لها الإخوان في تلك المرحلة. ويشرفني أن تعرف الدول الغربية والعربية حقيقة موقف الإخوان وتدرسه دراسة حقيقية لتتأكد من سلميتهم.
ومن واقع تجربته معهم كنائب سابق للمرشد، قال الدكتور محمد حبيب، إنه في الأزمات التي كانت تحدث بين الجماعة والأنظمة السياسية في الماضي، كانت الجماهير تتعاطف مع الإخوان.
ولكن للأسف الشديد أصبح صدام الإخوان هذه المرة ليس مع مؤسسات الدولة فقط، وإنما مع الشعب المصري أيضا، بعد أن حل عدم الرضا والقبول والكراهية محل ذلك التعاطف. وبالتالي فهذه القيادات ظلمت نفسها وجماعتها وتاريخها والدعوة الإسلامية ذاتها والوطن كله، وأصبح المستقبل السياسي والدعوي لجماعة الإخوان المسلمين يكاد يكون اليوم قاتما.
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن يحاولوا تحسين صورتهم الذهنية لدى الشعب المصري، إذا بهم بتصرفاتهم وسلوكياتهم وممارساتهم يلعبون دورا من أخطر ما يمكن في تشويه ومسخ هذه الصورة. ولا أتوقع لهم مستقبلا لا في المدى القريب ولا البعيد، والمسألة ستستغرق ما لا يقل عن 15 سنة. أما بالنسبة للإجراءات الدولية ضد التنظيم الدولي للإخوان، فأحب أن أوضح أولا، أن التنظيم الدولي قبل 25 يناير لم يكن موجودا بالمعنى التنظيمي، وإنما كان أقرب للشكل التنسيقي، فكانت هناك تنظيمات للإخوان في مختلف الدول بالإضافة إلى وجود أمانة للتنظيم في لندن، يمثل أعضاؤها همزات وصل بين مكتب الإرشاد العام وبين باقي تنظيمات الجماعة في دول العالم، وبعد ثورة يناير ووصول الإخوان إلى قمة هرم السلطة في مصر، بدأ التنظيم الدولي للإخوان يأخذ شكلا أكثر فاعلية وتأثيرا، خاصة أنه لاقى قدرا كبيرا جدا من الدعم الأميركي والأوروبي إلى جانب الدعم القطري والتركي، ومن ثم فإنه حينما أطيح بحكم الإخوان في الثالث من يوليو الماضي نتيجة لفشلهم وسوء إدارتهم، أحدث ذلك ارتباكا في كل الحسابات والمشاريع الأميركية في المنطقة.
وإذا كانت أميركا شعرت بإحباط من الفشل الإخواني، إلا أنها ظلت لفترة طويلة تحاول أن تدعم الإخوان وأنصارهم للعودة إلى السلطة ثانية، مما جعل الإخوان يراهنون على ذلك الدعم، بالإضافة لمراهنتهم على أعمال العنف والإرهاب وتأزيم الوضع الاقتصادي بمصر، وانهيار النظام.
لكن تقدم مؤسسات الدولة فيما يتعلق بخارطة الطريق والاستفتاء على الدستور والاستعداد للانتخابات الرئاسية والمضي قدما في إجراء المحاكمات، أدى جميعه إلى تقزيم سقف الإخوان وتضاؤل الدعم الغربي لهم.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.