رغم تصريحات دبلوماسية صدرت من عواصم مختلفة تشير إلى أن الخلافات بين إيران والمجموعة الدولية تتقلص، فإن الأجواء الفعلية بمدينة جنيف، حيث انطلقت أمس جولة جديدة من التفاوض بين إيران ومجموعة «5+1»، بدت غير واضحة بشأن ما إذا كان يمكن التوصل إلى اتفاق. وبدأت الجلسات ظهرا حول مائدة غداء، جمعت وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، وكاثرين أشتون مفوضة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي رئيسة الوفد الدولي، فقط دون بقية أعضاء الوفدين. ومن ثم وبعد السادسة، التقت الأطراف كافة، في جلسة لم يعلن عما دار فيها.
من جانبه، كان الوفد الأميركي قد وصل إلى جنيف في ساعة متأخرة بالأمس، بينما قضى ظريف الصباح مع وفده ثم استقبل قبل الغداء الوفد الصيني. واقتربت الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا من الحصول على تنازلات من إيران بشأن حجم نشاطها النووي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات خلال المفاوضات التي جرت بالمدينة السويسرية في الفترة من السابع حتى التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني).
وقال دبلوماسيون إنه يمكن التوصل إلى اتفاق مؤقت بشأن خطوات لنزع فتيل عشر سنوات من العداء بين الغرب وإيران خلال محادثات هذا الأسبوع.
والتزمت الوفود كافة عقد لقاءاتها بمقر سكنهم في فندق مشترك بجنيف أمس، ولم تعقد أي جلسة بمبنى الأمم المتحدة، كما هو الحال سابقا.
من جانب آخر، اشتعلت حرب كلامية بين إيران وفرنسا وإيران بسبب تصريحات لمرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي استبق فيها الاجتماعات، قال فيها إن المباحثات بين إيران والوفد الدولي (5 + 1)، الذي يتكون من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن إلى جانب ألمانيا، تتمحور حول القضايا النووية لا غير.
ورفض خامنئي أي تراجع في «الحقوق النووية» لإيران و«الخطوط الحمراء» التي أملاها بالنسبة للمفاوضات مع الدول الكبرى. وقال في خطاب متلفز ألقاه أمام خمسين ألفا من عناصر الميليشيا الإسلامية: «أشدد على ترسيخ حقوق إيران النووية».
وأضاف خامنئي، صاحب القرار في القضايا الاستراتيجية في البلاد بما فيها الملف النووي: «أنا لا أتدخل في تفاصيل المفاوضات، لكن هناك خطوطا حمراء، يجب على المسؤولين احترامها دون التخوف من ردود الأعداء، وقد قلتها للمسؤولين».
ومن بين تلك «الخطوط الحمراء»، حق إيران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ورفض إغلاق موقع فوردو تحت الأرض ومفاعل الماء الثقيل في أراك. وتحاول مجموعة «5+1» وإيران، في جنيف، وضع اللمسات الأخيرة على أول اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني، الذي يشتبه الغربيون في أنه يخفي شقا عسكريا، وهو ما تنفيه طهران، وذلك بعد عشرة أيام من مباحثات مكثفة لم تؤد إلى اتفاق.
وينص مشروع الاتفاق الذي اقترحته الدول الكبرى بهدف التحكم في النشاطات النووية الإيرانية، خصوصا على وقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وخفض مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، ووقف بناء محطة الماء الثقيل في أراك (وسط).
في مقابل ذلك، تقترح الدول الكبرى تخفيف العقوبات الدولية التي تخنق الاقتصاد الإيراني.
وهاجم آية الله خامنئي مجددا إسرائيل، قائلا إنها «كلب مسعور في المنطقة»، و«مصيرها الزوال».
وقال إن «الأعداء، وخصوصا من خلال الفم القذر والشرير للكلب المسعور في المنطقة، النظام الصهيوني، يقولون إن إيران تشكل خطرا على العالم. هذا غير صحيح ومخالف تماما لتعاليم الإسلام».
وتابع أن «أسس النظام الصهيوني ضعفت كثيرا وأن مصيره الزوال». من جانبها، رفضت ناطقة باسم الحكومة الفرنسية تصريحات القائد الإيراني، مؤكدة أنها غير مقبولة وأنها تعقد المفاوضات.
وزادت تصريحات المرشد خامنئي من الإحساس بالتشاؤم حول نتائج المباحثات النووية. بدوره، كان وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، قد استبق جلسة التفاوض أمس بإنزال شريط فيديو على صفحته بـ«تويتر» عنونه بـ«رسالة من إيران»، مطالبا بـ«احترام حقوق إيران واحترام إرادتها الحرة»، ومؤكدا أن الطاقة النووية تتعلق بمستقبل أطفال إيران وأنها قفزة لتنويع اقتصادها، نافيا أن تكون وسيلة للانضمام إلى ناد معين أو لتهديد الآخرين.
وبينما عزت مصادر إيرانية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، بطء سير المحادثات إلى خلافات بسبب ما وصفته بتضارب مصالح بين أعضاء الوفد الدولي - عزا الخبير الإيراني الدكتور حسن عابديني التشاؤم إلى الإخلال الذي تسببت فيه فرنسا المرة السابقة، بسبب ما وصفه بتنسيق مسبق بين باريس وتل أبيب بهدف إفشال التفاوض، لا سيما أن الدول الكبرى لم تكن ترغب في الأساس في الوصول لاتفاق مع إيران، وعندما اقترب الحل وساعة الحسم بادرت فرنسا في تقاسم للأدوار بالتهرب، وإلا بماذا يفسر تصرفها رغم كثرة الأدلة على إمكانية التوصل إلى اتفاق، مشيرا إلى أن إيران من جانبها واصلت العمل مع الوكالة الدولية لحلحلة القضايا العالقة في إجابات كان من الممكن أن تساعد في الوصول لحل، خاصة أنها تثبت أن الإرادة الإيرانية موجودة وأن الكرة الآن في ملعب الدول الكبرى.
وتعقد جولة المفاوضات الحالية على مستوى الخبراء والمديرين، ويفترض - كما أعلن - أن تنتهي غدا الجمعة.
وفي تطور أعطى انطباعا بالتفاؤل، أجرى رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد کاميرون، اتصالا نادرا بالرئيس الإيراني حسن روحاني لبحث آخر التطورات المرتبطة بالمفاوضات النووية. وبحث كاميرون وروحاني تحسن العلاقات بين بريطانيا وإيران مع تعيين قائمين بالأعمال غير مقيمين الأسبوع الماضي، وهي خطوة أولى في عملية تطبيع بدأت بعد انتخاب روحاني. وأكد بيان رئاسة الوزراء البريطانية أن الجانبين «قررا مواصلة جهودهما لتحسين العلاقات في شكل تدريجي ومتبادل».
وأضاف: «بالنسبة إلى البرنامج النووي الإيراني، توافق الجانبان على أن تقدما ملحوظا أحرز في المفاوضات الأخيرة في جنيف، ومن المهم انتهاز الفرصة التي تمثلها جولة المفاوضات التي تبدأ الأربعاء (أمس)».
وفي شأن النزاع السوري، توافق كاميرون وروحاني «على ضرورة (إيجاد) حل سياسي لوضع حد للمجزرة»، وفق البيان.
ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا) عن روحاني تأكيده أن بلاده لا تسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل.
في الوقت ذاته، عد وزير الخارجية البريطاني، ويليام هيغ، في إسطنبول، أمس، مفاوضات جنيف مع إيران تشكل «فرصة تاريخية».
وقال هيغ أمام الصحافيين خلال زيارة لإسطنبول، إنه لا يزال من المبكر جدا تحديد المنحى الذي ستسلكه الجولة الجديدة من التفاوض، لكنه شدد خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي أحمد داود أوغلو على أن «ثمة اتفاقا مطروحا يصب في مصلحة كل الدول بما فيها دول الشرق الأوسط».
وأضاف الوزير البريطاني أن «التباينات التي لا تزال موجودة بين الأطراف محدودة، وأعتقد أنه يمكن تجاوزها بإرادة سياسية»، متحدثا عن «فرصة تاريخية لإبرام اتفاق يسمح بالحد من الانتشار النووي في المنطقة وإقامة علاقات مع إيران على أسس أخرى».
ورفض هيغ التعليق على مواقف المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، الذي عد إسرائيل «آيلة إلى الزوال»، مؤكدا أن «جوهر هذه المفاوضات هو الذي يهم». وقال هيغ: «إنها أفضل فرصة منذ زمن لإحراز تقدم في إحدى كبرى المشكلات في السياسة الخارجية».
من جهته، قال نظيره التركي إنه «يدعم» المفاوضات الجارية حول الملف النووي، موضحا أن بلاده «مستعدة لأن تقوم بكل ما يلزم لتتكلل المفاوضات بالنجاح في أقرب فرصة». وأكد أن تركيا تعارض الانتشار النووي في المنطقة، لكنها «ترفض القيود على تطوير هذه التكنولوجيا لأغراض سلمية». ويزور داود أوغلو في 26 و27 نوفمبر (تشرين الثاني) طهران لحضور اجتماع للتعاون الإقليمي، وسيبحث أيضا الملف النووي مع محاوريه الإيرانيين.
وفي نفس الاتجاه، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أمس، إن بلاده تأمل أن تسفر المحادثات بين إيران والقوى العالمية عن اتفاق مبدئي لتخفيف حدة الخلاف بشأن برنامج طهران النووي.
من جهة أخرى، حث الرئيس الصيني شي جينبينغ، نظيره الإيراني حسن روحاني على انتهاز فرصة تحسين العلاقات مع القوى العالمية.
وقالت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، في ساعة متأخرة من الليلة الماضية، أن الرئيس الصيني امتدح نظيره الإيراني للأسلوب البناء الذي تنتهجه حكومته في المحادثات النووية وجهودها لتحسين العلاقات مع المجتمع الدولي.
ونقلت «شينخوا» عن شي قوله لروحاني خلال اتصال هاتفي: «تأمل الصين أن تغتنم إيران الفرصة وتحافظ على زخم المفاوضات وتسعى لأكبر قدر من العناصر المشتركة لتحقيق أفضل النتائج». وقال شي إن الصين ستستمر في ممارسة نفوذها النشط في محادثات الدول الست مع إيران لتوفير المناخ المناسب للتوصل إلى قرار بعيد المدى.
وقالت مستشارة الأمن القومي الأميركي، سوزان رايس، لشبكة «سي إن إن» التلفزيونية، إن قيمة الأصول الإيرانية التي سترفع عنها العقوبات في إطار أي اتفاق يجري التوصل إليه ستصل إلى أقل من عشرة مليارات دولار.
وأبقى الدبلوماسيون الغربيون قدرا كبيرا من تفاصيل الاتفاق المقترح طي الكتمان، لكنهم قالوا إن أي اتفاق لن يؤدي إلى رفع العقوبات الأشد إيلاما على مبيعات النفط والقطاع المصرفي، وهي التي يعتقد كثيرون أنها دفعت إيران في نهاية المطاف لإجراء مفاوضات جادة.
وبموجب الاتفاق المبدئي، من المرجح أن تستعيد إيران قدرتها على الوصول إلى أسواق المعادن النفيسة وبيع البتروكيماويات، وهي مصدر مهم للدخل من الصادرات، وقد تؤدي إلى الإفراج عن قدر من إيراداتها النفطية المجمدة في حسابات مصرفية بالخارج.
حديث عن فقدان الثقة وتصريحات متشددة لخامنئي تصاحب اجتماعات «جنيف»
مسؤول أميركي: سيكون من الصعب التوصل لاتفاق في هذه الجولة
المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أثناء إلقائه كلمة على قوات الباسيج الإيرانية في طهران أمس (أ.ف.ب)
حديث عن فقدان الثقة وتصريحات متشددة لخامنئي تصاحب اجتماعات «جنيف»
المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أثناء إلقائه كلمة على قوات الباسيج الإيرانية في طهران أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




