مستثمر يراهن بملايين الدولارات على «كذب الأسواق»

التقلبات لا تزال منخفضة لكن الخوف في تزايد مستمر

العلم الأميركي يغطي أعمدة بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يغطي أعمدة بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

مستثمر يراهن بملايين الدولارات على «كذب الأسواق»

العلم الأميركي يغطي أعمدة بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يغطي أعمدة بورصة نيويورك (أ.ب)

كان الأربعاء 13 سبتمبر (أيلول) يوماً جيداً آخرا لكسب الأموال في وول ستريت: لقد ارتفعت الأسواق، وكانت أسعار الفائدة عن أدنى معدلاتها، وكان مقياس فيكس لعدم ارتياح المستثمرين يتجه نحو الانخفاض مجددا. ولكن مع احتفال المستثمرين بذلك كانت هناك ردة فعل قوية من إحدى زلات السوق، إذ لاحظ كريستوفر كول، المتداول الذي يدير أحد صناديق التحوط هنا ويراهن على أشكال مختلفة من التقلبات المالية المريعة، شيئاً في خِضَمّ سيول البيانات والأكواد التي زينت جدار الشاشات أمام عينيه.
يقول السيد كول: «من الناحية النظرية، فإن التقلبات لا تزال منخفضة للغاية، ولكن الخوف في تزايد مستمر»، مشيراً إلى رسم بياني على إحدى نوافذ التداول الستة. ولقد أظهر الرسم البياني أنه خلال الشهور التي تلت فترة الثلاثين يوما التي يقيسها مؤشر فيكس لبورصة شيكاغو للأوراق المالية، كان المستثمرون يتوقعون بعض التحركات العنيفة في سوق الأسهم.
وكان الرهان ضد اشتعال هذه الاضطرابات إحدى أطول الصفقات أمدا وأكثرها ربحية في التاريخ المالي الحديث.
والسيد كول، الذي أنشأ شركة «ارتميس كابيتال للمستثمرين الخارجيين» في عام 2012، يأخذ الجانب المضاد، مجادلاً مع العمق العاطفي للمتداول الحقيقي أن هذا الهدوء في الأسواق لا يمكن أن يستمر بحال.
ووفقاً لذلك، كان يقارن من حيث أوجه التشابه مع انهيار سوق الأسهم في عام 1987، عندما اتجه المستثمرون للاعتقاد بأن التقلبات لن تندلع أو يكون لها مكان.
وحتى الآن، كان الرهانات إزاء حالة الفوضى في الأسواق تسيطر على كل التداولات. ومن المتداولين اليوميين الذين يلتزمون أماكنهم أمام شاشات حواسيبهم إلى المستثمرين الرئيسيين المتطورين في جميع أنحاء العالم، كسب كثير منهم الكثير من الأموال بالمراهنة على أن مؤشر فيكس سوف يواصل الهبوط.
وبعد بلوغ الذروة اقترابا من 90 في وقت الأزمة المالية، هبط مؤشر فيكس في الآونة الأخيرة إلى أدنى مستوى له منذ عقود ببلوغه أقل من 9 في المائة، على الرغم من الارتفاع الحاد الذي يسجله في بعض الأحيان صعودا (كما حدث بعد ظهيرة يوم الأربعاء إذ وصل إلى 10.5).
ولقد ساعدت كثير من العوامل على طول ذلك الطريق، كما يقول المحللون. ومن بينها عمليات الطباعة المالية الهائلة وشراء السندات بواسطة البنوك المركزية العالمية ووفرة الاستثمارات المتداولة في البورصات، والتي تسهل كثيرا على المتداولين المحترفين والهواة على حد سواء بالمراهنة على هبوط مؤشر فيكس.
والآن، وقبل شهر فقط من الذكرى الثلاثين ليوم الاثنين الأسود، عندما هبط مؤشر ستاندرد أند بورز 500 في البورصة بنسبة 20 في المائة، يراهن السيد كول على وقوع كارثة مماثلة، مدعومة بالارتفاع الحاد المسجل في مؤشر فيكس والمبيعات الهائلة في الأسهم.
ويقول السيد كول: «حقيقة أن الجميع كانوا متحفزين لأن يكون التقلب قصيرا وموجزا قد أدت إلى هذا الاستقرار الانعكاسي - أو السلام الكاذب. ولكن إذا ضربت النظام صدمة من الصدمات، فإن كل هذه العناصر ذاتية الانعكاس سوف تأخذ الاتجاه الآخر المعاكس وتصبح مزعزعة للاستقرار بدلا من مؤيدة للاستقرار».
وانتظار النهاية الأكيدة لثاني أطول ارتفاع مسجل في أسواق زيادة الأسعار في التاريخ المالي الحديث قد أصبح، ولأسباب مفهومة، من الأمور المألوفة لدى الجميع. وليس فقط على هوامش المستثمرين الذين يتوقعون دائما هبوط قيمة الأسهم والسندات. فالأحاديث السائدة بين أروقة وول ستريت تدور حول الأسواق المالية المبالغ في قيمتها للغاية، وتساءلت أصوات مؤسساتية كبيرة، مثل لويد سي بلانكفين المدير التنفيذي في «غولدمان ساكس»، حول أن «الأمور باتت في ارتفاع مطرد ولفترة طويلة جدا».
وهناك شركة استثمارية بريطانية مغمورة، تحمل اسم «روفر كابيتال»، قد تسببت في إثارة ضجة إثر توقعها بوقوع خاتمة مدمرة، وكثير من صناديق التحوط لا تزال تعتمد خيارات مؤشر فيكس الرخيصة، وسوف تدفع بسخاء إذا ما ارتفع المؤشر مرة أخرى.
أما شركة «ارتميس كابيتال» فهي على مسار مختلف بعض الشيء. فإنها، كما يقول السيد كول، صندوق تحوط لرؤوس الأموال الكبيرة. مما يعني، من واقع حمى الأسهم المرتفعة، أن الصندوق يراهن على الانعكاس، ويوفر الحماية السلبية للمستثمرين الحذرين من خلال العثور على طرق مبتكرة لشراء التعرض للفوضى المالية. وهذه التداولات تستلزم شراء مجموعة متنوعة من الأدوات المشتقة التي تعود بالمكاسب إذا ما كان هناك ارتفاع تصاعدي كبير في مؤشر فيكس، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الأسهم بوتيرة سريعة.
وفي الآونة الأخيرة، تحول كثير من مديري صناديق التحوط إلى هذا الأسلوب بشكل ملحوظ. والسيد كول الذي بدأ شركته برأسمال يبلغ مليون دولار في عام 2012، يبلغ رأسمال الشركة حاليا 200 مليون دولار، وكان الطلب قوياً للغاية في الفترة الأخيرة لدرجة أنه يعتقد أن يصل إلى 300 مليون دولار قريباً، وعند هذه النقطة سوف يقلل من مزيد من الوصول.
والسيد كول (38 عاماً) لديه حماس بالغ للعمل ويقضي صباح كل يوم في القراءة، والترميز، والتفكير الحر حول ما سيكون عليه حال سوق الأسهم في نهاية اليوم. وعلى غرار كثير من شكوك الأسواق المصدق عليها، فلديه مراوغاته المعروفة كذلك. ولتذكير نفسه بالاستفادة القصوى من كل يوم، فإنه يرتدي ساعة تحسب له الوقت المتبقي لديه على قيد الحياة - 50 عاماً وأربعة أشهر.
وفي الوقت الحالي، يحسب السيد كول أن ما يصل إلى تريليون ونصف التريليون دولار من أموال المستثمرين في مراهنات الأسواق سوق تبقى كما هي بأكثر أو أقل منذ عام 2009: أي خالية تماما من التقلبات. وهذا المبلغ، كما يقول، يشمل 60 مليار دولار من الأموال التي تشهد تقلبات موجزة من مختلف الأشكال. وأغلب هذا المبلغ هو من الأموال التي تنشر استراتيجيات التداول حيث التقلب هو المدخل الحاسم لتخصيص التعرض لسوق الأوراق المالية. وبالتالي، فإن التقلب المنخفض يعني تحميل المزيد من هذه الأموال على الأسهم. والتراكم على تداولات التقلبات المنخفضة كان يتم بواسطة الشركات، والتي قد تشتري خلال العام الحالي ما يقرب من تريليون دولار من الأسهم، كما يتوقع المحللون.
وفي عام 1987، تسبب حافظات التأمين في تحويل هبوط السوق إلى انكسار تاريخي عندما باعت البرامج التي تديرها الحواسيب العقود الآجلة في سوق الأسهم في سوق مفعم بالمتداولين المذعورين في غياب المشترين الراغبين في ذلك. ويقول السيد كول أن مبلغ تريليون ونصف التريليون دولار في التقلبات الموجزة يمكن أن يلعب دورا مماثلا اليوم إذا ارتفع مقياس الخوف بصورة حادة.
وكل من باعة مؤشر فيكس سوف يتحولون إلى مشتريي مؤشر فيكس، مما سوف يرفع المؤشر عاليا ويسبب انخفاض حاد في الأسهم.
وكما يتنبأ بالأمر، فإن الاستراتيجيات الشكلية العقيمة التي باعت العقود الآجلة لسوق الأوراق المالية المنخفض في عام 1987 وأموال التقلبات الموجزة اليوم هي الأقرب إلى براميل النفط التي يمكن أن تتحول لنيران هائلة بسبب الاشتعال الناجم عن الزلازل.
يقول السيد كول: «في عام 1987، كنا في سوق مرتفعة للأسهم، وكان بنك الاحتياطي الفيدرالي وراء المنحنى فيما يتعلق بالتضخم وأسعار الفائدة. وما يمكن أن يسبب الأزمة حالياً هو الارتفاع المفاجئ في أسعار الفائدة، وارتفاع إعادة شراء الأسهم، ثم تحول بائعي التقلب إلى مشتريي التقلب في لحظة واحدة». وهي، من نواحٍ كثيرة، مسألة أخلاقية بالنسبة له.
يجني بائعو التقلب مكاسب رخيصة وعابرة، وهي التي يقارنها بالتسارع، والبدانة، والزواج من أجل المال. وأولئك المستعدون للمعاناة وتقبل الأوجاع الآنية للتقلبات الطويلة - قبل ظهور مكافآت الكوارث - يرى السيد كول أنهم هم الأكثر حكمة وحصافة.
والقول إن السيد كول مهووس بالتقلب - من واقع أنه بناء مالي وفلسفي على حد سواء - سيكون بمثابة بخس الرجل حقه. فمن واقع رسائل وأوراق الاستثمار خاصته، فإنه يذكر أشعار غوته، وأفلام ويليام فريدكين وجورج لوكاس، وأعمال جوزيف كامبل عن الأساطير باعتبارها من الأدوات التعليمية لتفسير نزوات التغيرات المفاجئة من حولنا.
وفي خاتمة المطاف، رغم كل شيء، فإنه يعتقد أن أولئك الذين يتعقلون بالتقلب لفترة طويلة، من أموال تكافؤ المخاطر لدى البنوك المركزية العالمية، سوف يواجهون ردود فعل قوية.
يقول السيد كول: «التقلب هو أداة من أدوات الحقيقة، وكلما أنكرنا الحقيقة، عثرت عليك الحقيقة من خلال التقلب. وإن رغبت البنوك المركزية في المحافظة في إنقاذ اليوم، فهذا أمر جيد. ولكن التقلب سوف يتحول وقتئذ عبر أشكال أخرى مثل الشعبوية، وسياسات الهوية، وتهديد نسيج الديمقراطية. وهذا هو الشيء الذي لن يتمكن صندوق التحوط من توفير الحماية ضده».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الاقتصاد السعودي أثبت كفاءته في إدارة الأزمات

الاقتصاد Saudi Minister of Finance speaks at a dialogue session at the Miami Summit (Asharq Al-Awsat)

الاقتصاد السعودي أثبت كفاءته في إدارة الأزمات

أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن الاقتصاد السعودي أثبت كفاءة استثنائية في إدارة الأزمات وقدرة فائقة على امتصاص الصدمات بمرونة عالية، وحذر في الوقت.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، وسط حذر المستثمرين بشأن التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد يصطف الآلاف خارج مكتب مؤقت لإعانات البطالة أنشأته وزارة العمل في ولاية كنتاكي (أرشيفية - رويترز)

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

ارتفعت طلبات إعانة البطالة الجديدة في الولايات المتحدة بشكل طفيف الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

عضو في «المركزي الأوروبي»: لا للتسرع في رفع الفائدة رغم صدمة أسعار الطاقة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

عضو في «المركزي الأوروبي»: لا للتسرع في رفع الفائدة رغم صدمة أسعار الطاقة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

قال كريستودولوس باتساليدس، رئيس البنك المركزي القبرصي، إن البنك المركزي الأوروبي يجب ألا يتسرع في رفع أسعار الفائدة استجابةً لارتفاع تكاليف الطاقة، إذ إن توقعاته الأساسية لا تزال قائمة ولا توجد حتى الآن أي مؤشرات على ترسخ التضخم.

وأشار باتساليدس إلى أنه لن يتردد في رفع أسعار الفائدة إذا ظهرت دلائل على أن التضخم بدأ يتفاقم في دول الاتحاد الأوروبي الـ21، لكنه أضاف أن المعلومات المتوفرة حالياً غير كافية لاتخاذ قرار بشأن تعديل أسعار الفائدة، وفق «رويترز».

وأوضح في مقابلة: «ليست لدينا معلومات كافية لاتخاذ قرار بشأن إعادة النظر في هذا الأمر أو تحديد أسعار الفائدة. لن أتسرع في أي قرار». وأكد أن توقعات التضخم على المدى الطويل، المؤشر الرئيس للبنك في تقييم مدة الصدمة، ما زالت مستقرة حول هدف البنك البالغ 2 في المائة.

وأضاف أن الأسواق تتوقع حالياً ثلاث زيادات في أسعار الفائدة هذا العام، بدءاً من أبريل (نيسان) أو يونيو (حزيران)، لكنها توقعات مرنة وقابلة للتغير مع تطور الأزمة. وأوضح: «أفضل توخي الحذر. الحكمة تأتي مع المزيد من المعلومات. إذا لم تتوفر المعلومات اللازمة، فلن يكون لديك سوى الحدس، ولا ينبغي اتخاذ قرارات استناداً إليه».

وأشار إلى أن المخاطر تميل نحو ارتفاع التضخم، محذراً من أن «أثر الذاكرة» المتبقي لصدمة 2021 - 2022 قد يدفع الأسر والشركات إلى تعديل توقعاتها للأسعار والأجور بوتيرة أسرع. لكنه أكد أن الظروف الحالية مختلفة جوهرياً مع ارتفاع أسعار الفائدة، وتباطؤ سوق العمل، وتشديد السياسة المالية، ومحدودية الطلب المكبوت.

ومن المتوقع أن يعقد البنك المركزي الأوروبي اجتماعه المقبل بشأن السياسة النقدية في 30 أبريل، حيث سيستعرض تحليلاً محدثاً للسيناريوهات المتعلقة بتوقعاته للتضخم.

توقعات التضخم تراجعت قبل الحرب

في سياق متصل، أظهر مسح للبنك المركزي الأوروبي أن مستهلكي منطقة اليورو كانوا يخفضون توقعاتهم للتضخم قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قبل أن يعيد الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة تشكيل هذه التوقعات. وبيّن المسح أن متوسط توقعات التضخم خلال الاثني عشر شهراً المقبلة والسنوات الثلاث المقبلة انخفض إلى 2.5 في المائة من 2.6 في المائة في الشهر السابق، بينما بقيت توقعات التضخم للسنوات الخمس المقبلة ثابتة عند 2.3 في المائة، مع الإشارة إلى أن 97 في المائة من إجابات المسح جُمعت قبل 28 فبراير (شباط).

ومنذ ذلك الحين، رفع البنك المركزي الأوروبي توقعاته للتضخم بشكل حاد بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، مع توقعات ببلوغ التضخم ذروته فوق 3 في المائة في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، بينما يشير السيناريو الأكثر تشاؤماً إلى ارتفاع حاد ومطول في الأسعار.


الصين تطلق تحقيقين في الممارسات التجارية الأميركية

سفينة حاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
سفينة حاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين تطلق تحقيقين في الممارسات التجارية الأميركية

سفينة حاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
سفينة حاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

أعلنت وزارة التجارة الصينية، يوم الجمعة، عن بدء تحقيقين مضادين في الممارسات الأميركية التي تعرقل تدفق المنتجات الصينية إلى الولايات المتحدة، متجنبةً بذلك الرد الفوري على الإجراءات الأميركية التي أُعلن عنها في وقت سابق من هذا الشهر.

وقد سادت هدنة تجارية بين الصين والولايات المتحدة منذ لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرئيس الصيني شي جينبينغ في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي. وكان ترمب قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأنه سيزور بكين في منتصف مايو (أيار)، في إطار جهود واشنطن الأوسع لإعادة ضبط العلاقات في منطقة آسيا والمحيط الهادي.

وأعلنت وزارة التجارة الصينية، في بيان لها، أن التحقيقين الصينيين - المقرر انتهاؤهما خلال ستة أشهر مع إمكانية تمديدها - يأتيان رداً على تحقيقين أميركيين بموجب المادة 301 ضد الصين، ووصفتهما بأنهما إجراءان متبادلان. وأضافت الوزارة أن الصين ستتخذ، بناءً على نتائج التحقيقين، التدابير اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها.

وكانت الولايات المتحدة قد بدأت في وقت سابق من هذا الشهر تحقيقين تجاريين بشأن فائض الطاقة الإنتاجية في 16 دولة شريكة تجارية، من بينها الصين، وبشأن العمل القسري.

وقال متحدث باسم وزارة التجارة الصينية، في بيان، إن التحقيقات في مزاعم تعطيل سلسلة التوريد العالمية وتجارة «المنتجات الصديقة للبيئة» جاءت «رداً على تحقيقي الولايات المتحدة بموجب المادة 301 ضد الصين».

وكانت الصين قد وصفت تحقيقات «المادة 301» تلك - التي تستهدف التجارة الخارجية - بأنها «تلاعب سياسي».

وخلال محادثات تجارية ثنائية في باريس، أعربت الصين عن قلقها إزاء هذه التحقيقات. وفي محادثات مع الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، على هامش اجتماع منظمة التجارة العالمية في الكاميرون يوم الخميس، أعرب وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، مجدداً عن قلقه، لكنه أكد أيضاً استعداد الصين لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري.

وجاءت هذه الجهود بعد أسابيع من إلغاء المحكمة العليا الأميركية للتعريفات الجمركية العالمية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، قائلةً إنه تجاوز صلاحياته في استخدام صلاحياته الاقتصادية الطارئة لفرضها على جميع الدول تقريباً.

احتجاز سفن

على الجانب الآخر، اتهمت الولايات المتحدة، الصين، يوم الخميس، باحتجاز سفن ترفع علم بنما في مواني الدولة الآسيوية، وذلك عقب سيطرة السلطات البنمية على ميناءين كانا خاضعين سابقاً لشركة صينية.

وقالت اللجنة البحرية الفيدرالية الأميركية في بيان لها: «فرضت الصين الآن تصعيداً كبيراً في احتجاز السفن التي ترفع علم بنما في المواني الصينية تحت ستار رقابة الدولة على المواني، متجاوزةً بذلك المعايير التاريخية بكثير». وأضاف البيان: «نُفذت عمليات التفتيش المكثفة هذه بموجب توجيهات غير رسمية، ويبدو أنها تهدف إلى معاقبة بنما بعد نقل أصول مواني شركة (هاتشيسون)».

كانت محكمة بنمية قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) أن العقد الذي سمح لشركة مواني بنما، وهي شركة تابعة لمجموعة «سي كي هاتشيسون» العملاقة في هونغ كونغ، بإدارة ميناءي بالبوا وكريستوبال على قناة بنما منذ عام 1997، «غير دستوري».

ويُعدّ حكم المحكمة أحدث خطوة قانونية تُلقي بظلالها على الممر المائي، الذي يُسيّر نحو 40 في المائة من حركة الحاويات الأميركية و5 في المائة من التجارة العالمية.

وقد انخرطت دولة بنما، الواقعة في أميركا الوسطى، في توترات أوسع نطاقاً بين واشنطن وبكين، حيث ادّعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دون تقديم أي دليل، العام الماضي، أن الصين تُدير القناة فعلياً.

وقالت الهيئة الأميركية: «بالنظر إلى أن السفن التي ترفع علم بنما تُنقل حصة كبيرة من تجارة الحاويات الأميركية، فإن هذه الإجراءات قد تُؤدي إلى عواقب تجارية واستراتيجية وخيمة على الشحن الأميركي».

ووفقاً للبيان، فإن للمفوضية صلاحية التحقيق «فيما إذا كانت لوائح أو ممارسات الحكومات الأجنبية تُؤدي إلى ظروف غير مواتية للشحن في التجارة الخارجية للولايات المتحدة».

رغبة في التقارب

في مقابل الاحتكاكات الصينية الأميركية، أعرب وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو لنظيره الأوروبي عن استعداد الصين لتوسيع وارداتها من الاتحاد الأوروبي «بنشاط»، وأمل أن يخفف التكتل المكون من 27 دولة القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين، وأن يمتنع عن تسييس القضايا التجارية.

كما أعرب وانغ عن أمله في أن ينظر الاتحاد الأوروبي إلى تنمية العلاقات «بعقلانية وموضوعية»، وأن يعالج الخلافات والتباينات بشكل مناسب، وأن يعمل معاً على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية.

وأدلى وانغ بهذه التصريحات للمفوض التجاري الأوروبي ماروش سيفكوفيتش يوم الخميس على هامش اجتماع لمنظمة التجارة العالمية في الكاميرون، وفقاً لبيان صادر عن وزارة التجارة الصينية يوم الجمعة.


في مفاجأة إيجابية... عجز الموازنة الفرنسية ينخفض إلى 5.1 % في 2025

صورة جوية تُظهر برج إيفل ونهر السين وأفق مدينة باريس (رويترز)
صورة جوية تُظهر برج إيفل ونهر السين وأفق مدينة باريس (رويترز)
TT

في مفاجأة إيجابية... عجز الموازنة الفرنسية ينخفض إلى 5.1 % في 2025

صورة جوية تُظهر برج إيفل ونهر السين وأفق مدينة باريس (رويترز)
صورة جوية تُظهر برج إيفل ونهر السين وأفق مدينة باريس (رويترز)

تلقت الحكومة الفرنسية مفاجأة إيجابية يوم الجمعة مع تسجيل عجز الموازنة العامة انخفاضاً أكبر من المتوقع في 2025، إذ بلغ 5.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة التي تسعى السلطة التنفيذية لمواصلة خفضها في 2026 «مهما حصل».

وأوضح المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية أن الرقم المنشور يقل بمقدار 0.3 نقطة عن توقع وزارة الاقتصاد البالغ 5.4 في المائة. وبحسب هذا التقدير الأولي، انخفض العجز بمقدار 0.7 نقطة مقارنة بعام 2024، مدفوعاً بزيادة الإيرادات نتيجة رفع الضرائب، وفقاً لبيان المعهد.

وقال رئيس الوزراء، سيباستيان ليكورنو، خلال اجتماع مع الوزراء المكلفين بالشؤون الاقتصادية والمالية: «لقد عشنا فترة (مهما كلف الأمر). أعتقد أنه يمكن القول إن ضبط المالية العامة بشفافية يجب أن يستمر مهما حصل»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأتاح هذا التحسن خفض نسبة الدين العام خلال الربع الرابع إلى 115.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي نهاية 2025، أي تحسن بمقدار 1.6 نقطة مقارنة بنهاية سبتمبر (أيلول)، لكنها تمثل زيادة مقدارها 3 نقاط خلال عام كامل.

وقال وزير العمل والحسابات العامة، دافيد أمييل، في مقابلة مع قناة «تي إف 1»: «يجب الاستمرار في تقليص العجز، وأرقام عام 2025 تدعونا لأن نكون طموحين في تحقيق انخفاض جديد للعجز في 2026».

ووضعت الحكومة هدفاً لعجز بنسبة تقارب 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026، وكان يبدو تحقيق هذا الهدف أسهل قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط)، التي يُتوقع أن تؤثر على النمو الاقتصادي وبالتالي على الإيرادات الضريبية.

وفيما يتعلق بالآثار الاقتصادية المبكرة في فرنسا نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، أوضح أمييل أنه «من المبكر جداً الحصول على بيانات دقيقة».

«لا أموال فائضة»

وأضاف الوزير أنه لا يمكن اعتبار تحسن الأرقام أفضل من المتوقع سبباً لمنح مساعدات سريعة للشركات أو المستهلكين، مؤكداً: «لا توجد أموال فائضة. الفائض يكون فقط عندما لا يكون هناك عجز».

وتابع: «أي إنفاق إضافي سيتم تعويضه بدقة حتى آخر يورو من إنفاق آخر كان مقرراً».

وتمثل زيادة الإيرادات الجزء الأكبر من الجهد المبذول لتقليص العجز، بينما يرى العديد من الاقتصاديين أن الجزء الأصعب سياسياً - خفض الإنفاق - لم يبدأ بعد.

وأشار المعهد الوطني للإحصاء إلى أن الإيرادات تسارعت في 2025 بنسبة 3.9 في المائة، بعد أن كانت 3.2 في المائة في 2024، مع زيادة كبيرة في الضرائب على الدخل والثروة التي ارتفعت بنسبة 6.6 في المائة في 2025.

أما النفقات فقد تباطأت، إذ زادت باليورو الجاري بنسبة 2.5 في المائة بعد أن كانت 4 في المائة في 2024، لكنها لا تزال أعلى قليلاً من نمو الناتج المحلي الإجمالي بالقيمة (+2 في المائة)، أي أنها زادت فعلياً بنسبة 0.9 في المائة بالحجم الحقيقي.

ويرى رئيس الوزراء أن هذه النفقات تمثل «إنفاقاً عاماً مضبوطاً»، مشيداً بـ«خط واضح - جدية، استقرار، ضبط»، لكنه أشار إلى «ارتفاع مقلق جداً» في عدد حالات الإجازات المرضية في فرنسا.

ويُعتبر خفض العجز ضرورياً لاحتواء زيادة الدين العام، الذي بلغ 3.460.5 مليار يورو نهاية 2025، مقارنةً بـ 3.484.1 مليار يورو نهاية سبتمبر (أيلول).

وفي ظل الاضطرابات في الأسواق المالية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، شهدت فرنسا ارتفاعاً في أسعار الفائدة على سنداتها الحكومية خلال الأسابيع الأخيرة.