مهرجان كان: السعفة لـ «الشتاء} التركي والإخراج لـ«الثعلب» الأميركي

بينهم تيموثي وبينوش وغودار ولا تنس الطفل «المعجزة»

هيلاري سوانك
هيلاري سوانك
TT

مهرجان كان: السعفة لـ «الشتاء} التركي والإخراج لـ«الثعلب» الأميركي

هيلاري سوانك
هيلاري سوانك

بصرف النظر عمن فاز بجوائز الإخراج والتمثيل ليل أمس السبت، فإن المسابقة هذا العام كشفت عن عدد من السينمائيين المتميزين بمواهبهم في الميادين التي اختاروها للعمل. يقينا أن التميز والإجادة أمران مفروغ منهما لدى أي مخرج أو ممثل، نعلم جميعا أن المتوفر من عطاءات وأداءات ليس متساويا وفي أحيان ليس متساويا بوضوح شديد، وأن المعايير قد تختلف بين أهل المهنة عن تلك التي في بال النقاد ولو أن بعض النقاد يعتقد غير ذلك.
التالي إذن، عشرة أسماء من تلك التي تستحق الجوائز من وجهة نظر نقدية بحتة وربما بعضها، وهذه الكتابة تمت - لضرورات النشر - صباح يوم توزيع الجوائز مساء، ما يعني أنه ربما فاز واحد أو أكثر ممن ترد أسماؤهم هنا بالجائزة التي يأملها كل المتنافسين:
* تيموثي سبول الممثل في دور البطولة في «مستر تيرنر»
* لدى هذا الممثل البريطاني البالغ من العمر 57 سنة سبعون فيلما و53 حلقة تلفزيونية تشهد جميعها بموهبته. بدأ السينما سنة 1978 وعمل غالبا مع بعض خيرة المخرجين، فهو مع البريطاني جون ماكنزي في «قل لا للغرباء» (1981) وريتشارد لونكرين في «الإرسالية» (1982) ومع كن راسل في «قوطي» ثم بدأ التعاون مع مخرجين غير بريطانيين من سنة 1988 عندما مثل تحت إدارة البولندية أنييسكا هولاند في «لقتل راهب» ثم تحت إدارة كلينت إيستوود في «صياد أبيض، قلب أسود» (1990) وبرناردو برتولوتشي في «سماء ساترة» (1990). تعرف عليه المخرج مايك لي منذ عام 1990 فأسند إليه دورا رئيسا في «الحياة لذيذة» وكان ذلك أول تعاون بينهما. بعد ذلك هو غالبية أعماله: «أسرار وأكاذيب» (1996) و«توبسي تيرفي» (1999) وصولا إلى بطولة «مستر تيرنر».
كان من المفترض أن قامة سبول المديدة، وجهه الأبعد عن أن يكون وسيما وبدانته ستكون وسيلة لحجزه في خانة معينة من الأدوار، لكن هذا الممثل غير طيع في أداء النمط وقادر على أن يجسد ما يسند إليه موظفا تلك المواصفات لصالح دوره. في «مستر تيرنر» (الذي يستحق عنه جائزة أفضل ممثل عنوة عن كل الممثلين) لا يهم إن كان الرسام البريطاني جوزيف تيرنر شبيها بتيموثي سبول أم لا. هذا يصبح شأنا في طي التفاصيل. سبول يؤديه حسب أفضل أصول الأداء المسرحي وهو الابتعاد عن الكاميرا (ومنها التمثيل للجمهور مباشرة) والدخول إلى الشخصية المنشودة بكامل درجة انصبابه وبذله.
* نوري بيلج دجيلان مخرج «نوم شتوي»
* كل تاريخ هذا المخرج التركي مؤلف من سبعة أفلام روائية طويلة وفيلم قصير واحد حققه سنة 1995 من باب شراء تذكرة لانضمامه إلى المهنة التي أحب. دائما مثير للاهتمام لرسمه عوالم شخصياته وأحداثه في أجواء غير مشعة بالبهجة. الجانبان، شكل الفيلم ومضمون مشاهده، يلتقيان في التزام برؤيته لواقع الشخصيات. إنه لا يتعامل مع الوضع الاجتماعي ولا يمتد مما يتعامل معه إلى بعد سياسي، لكن في إطار تلك الشخصيات وأحداثها الجوانية لديه مساحة واسعة لقراءة السلوكيات الذكورية والأنثوية الاجتماعية وكيف يتصرف الرجل حيال المرأة وكم هو مخطئ حيالها، كما الحال في «طقوس» (2006) و«ثلاثة سعادين» (2008) والفيلم الحالي «نوم شتوي». هذا الفيلم المتسابق في هذه الدورة (والذي قدمناه في عداد هذه التغطية اليومية) نموذجي. يفتح المخرج عدسته على رجل لا يمكن أن تستشف حقيقته إلا على نحو متتابع كما لو أن هذه العدسة تتدرج في الكشف.
عنوة عن باقي أعماله، يستبدل المخرج المشاهد بالحوار. يحصر ممثليه (وبالتالي مشاهديه) في جو البيت كما كان يفعل إنغمار برغمن، ويمنحهم حوارات لا تنتهي، لكنها لا تتوقف عن الكشف أيضا. المشاهد الخارجية تلتقط، كما هو معهود في أفلامه، البيئة التي تستطيع أن تضفي على الشخصيات ملامحها، فهي هنا غير جميلة وفي «سحب مايو» (1999) تعبر عن توهان بطله كما تعبر تلك المناطق النائية ذات المناظر الموحشة في «حدث ذات مرة في أناضوليا» عن خشونة الحياة وشخوصها.
* هيلاري سوانك في دور البطولة في «رجل الديار»
* الممثلة الأميركية هيلاري سوانك تعاني من سيناريو مفرط في بساطته العضوية. ليس هناك من أحداث كثيرة، وخصوصا في محيط ما تقوم به هي على الشاشة. ينص السيناريو (الذي وضعه المخرج توميلي جونز بمعية كيران فيتزجرالد ووسلي أوليفر عن رواية غليندون سوارتاوت) على شخصية امرأة ذات إرادة قوية. وسوانك تجسد هذا العنصر جيدا. امرأة يعلو حسها بالروحاني والأخلاقي على جمالها بحيث لا يلعب الأخير أي دور فعلي في حياتها. على العكس هي امرأة تبحث عن رجل يحبها وتعلم أنها ستحبه على أي حال. خلال هذا الدور الممتد لساعة ونصف في فيلم من ساعتين، ليس هناك الكثير من الأفعال وردود الفعل تقوم بها، لكن هذا لا يؤدي بها إلى أي تكرار. عليها أن تتعامل وشخصية قدر لها أنها «هكذا» طوال الوقت. مساحتها ما بين إيمانها وعاطفتها ضيقة في سيناريو لا يتطلب منها سوى ملء هذه المساحة. على ذلك هي كل الحضور وبطل الفيلم (تومي لي جونز نفسه) لا يبذل إلا من بعد انتهاء دورها وغيابها عن الشاشة.
* بنت ميلر مخرج «القابض على الثعلب» Foxcatcher
* استند المخرج الأميركي بنت ميلر لتقديم هذا الفيلم الرائع على سيناريو لكاتبين اشتغلا عليه واحدا تلو الآخر هما دان فاترمان (الذي كتب فيلم ميلر الأسبق «كابوتي») وإ. ماكس فراي كما على تجربته مع الفيلم البيوغرافي السابق «كابوتي» عن الروائي الشهير ترومن كابوتي (كما أداه جيدا الراحل فيليب سايمور هوفمن). حين التحضير المسبق مباشرة للتنفيذ لا بد أن ميلر أدرك أنه إذا ما أراد الحديث عن شخصية بالغة التركيب والتعقيد كالشخصية التي يؤديها الممثل ستيف كاريل، فإن عليه مزج هذين العنصرين على نحو أكثر جدية مما ورد في فيلمه السابق «مونيبول» خصوصا أن عنده ممثلا لا يمانع في أن يعيد خلق نفسه هو الكوميدي (سابقا) والدرامي (حاليا) ستيف كاريل.
الحكاية هنا قاتمة وشخصيتها الرئيسة ملتوية وقدرة ميلر على التعامل معها من دون النزول إلى السهل تتبلور بمنهج صحيح يوزع حضوره في كل خانة ومع كل ممثليه (كاريل ومارك روفالو وشانينغ تاتوم) على نحو يستخرج من كل منهم أفضل ما عنده وأغربه أيضا.
* ماريون كوتيار في دور البطولة في «يومان وليلة»
* المخرجان الشقيقان جان - بيير ولوك داردن يطلبان من الممثلات الرئيسات في أفلامهما أن يتلاءمن مع المعالجة الواقعية - الاجتماعية التي يصبغانها على أفلامهما. ماريون كوتيار (38 سنة) لديها أكثر من 60 دورا سابقا لكي تبتعد عنه إذا ما أرادت العمل معهما. الطريقة تفرض عليها أن تمثل الدور كله كما لو كان من مشهد واحد (هي عمليا في كل مشهد من الفيلم): امرأة مجهدة من الحياة وهي بعد شابة تستعين بالمهدئات لمعاونتها على صد هجوم إداري عليها يقضي بإيقافها عن العمل تبعا لمحاولة الشركة خفض تكاليفها. هي مرهقة من قبل أن تبدأ السعي المضني للحفاظ على عملها (زوجها يعمل في مطعم صغير ولديهما ولدان صغيران) عبر إقناع من صوت لصالح طردها بإعادة التصويت لصالحها مباشرة بعد «الويك - إند». كوتيار باذلة لحسن تجسيد هذه الشخصية التي لا قدرات غير عادية عندها ولا مميزات. مجرد امرأة يتوقف مستقبلها على يومين وليلة تفصلها عن مصيرها. وغياب هذه الملامح التي قد يستخدمها فيلم آخر توطيدا للدراما مشترك مع غياب رغبة المخرجين في توفير لعبة إخراجية تمنح الفيلم محطات متباينة من الأحداث.
كوتيار في سنوات ما بعد دورها الجيد في «حياة وردة» (2007) خطت نحو المزيد من الأفلام غير الفرنسية (أو غير الناطقة بالفرنسية أيضا) فلعبت في أفلام أميركية بينها الفيلم الذي حط على شاشة مهرجان «كان» في العام الماضي «المهاجرة» لجيمس غراي. لكنها هي أفضل بلغتها وبثقافتها في أعمال مواطنيها الأوروبيين مما هي في تلك الناطقة بالإنجليزية. تخسر تلقائيا حيال تطويع موهبتها لتناسب التكنيك الأميركي كما الحال في «الفارس الداكن يرتفع» سنة 2012 مثلا.
* عبد الحليم ماموتسييف الطفل ذو التاسعة في فيلم «البحث»
* إذا كان هناك عنصر واحد ممتع وجدير بالإعجاب في فيلم ميشيل هازانافيشوس «البحث» فهو اكتشاف هذا الممثل الطفل الشيشاني ومنحه الظهور الذي يستحقه. شغل المخرج على الممثلين الآخرين متفاوت القبول تبعا لسيناريو مشغول على نحو تقليدي التعامل مع شخصياته: الأميركية أنيت بانينغ لها شخصية محدودة التفاعل رغم إيمانها بدورها، الفرنسية بيرينيس بيجو تبدو متوترة حتى قبل اصطدامها بالعراقيل الموقوتة حينما حاولت التوجه إلى المجلس الأوروبي لحقوق الإنسان لعرض قضيتها، لكن الطفل عبد الحليم هو المفاجأة حيث لا يمكن إغفال تلقائيته وعفويته. مرة أخرى نحن مع مقولة «الطفل المعجزة» التي تتألف عناصرها فعليا من إدارة المخرج وموهبة الممثل الأصغر سنا من أن يفكر في الطريقة التي يمكن له فيها جذب المشاهد إلى أدائه. إنه بلا سياسة عمل مسبقة وبلا خطة إعلامية. كل ما لديه فهم الدور وتأديته. بعضهم يخفق، بعضهم ينجح قليلا والقلة تنجح لأبعد ما يمكن للنجاح أن يكون. هذا الممثل الصغير من النوع الثالث.
إنه كما لو أنه ممثل كبير جرى تصغير سنواته علميا وإعادته بدنا إلى سن التاسعة مع الإبقاء على موهبته. إلى جانب وجهه المعبر بلا نطق، هناك الحركة التي ينطلق لتنفيذها بدقة. حين يرقص على أنغام أغنية «ذ بي جيز» المسماة You Should Be Dancing لا يحاول التقليد (وهذا من ضمن الدور) بل تطويع الأغنية لتناسب فولكلوره الثقافي والفني الشيشاني في الرقص. الذهول المرتسم على وجه الممثلة بيجو حين تتلصص عليه هو الذهول الذي يستحوذه هذا الممثل من المشاهدين. باقي الفيلم يتساقط من حوله.
* جان ـ لوك غودار مخرج «وداعا للغة»
* هل كلمة مخرج صحيحة في مقام غودار؟ ليس بمعناها العربي (أخرج الفكرة إلى فيلم أو العمل إلى الشاشة) بل بمعناها التقني الفرنسي (Mise en scène)؟ هل هو مركب مشاهد ولقطات، مهما بدت عشوائية؟ هل هو فنان تشكيلي أم مخرج سينمائي؟ التركيبة التي يتألف منها فيلم «المخرج» جان - لوك غودار تكاد تفلت من مفهوم تلك الكلمة لكونها تتجاوز المحدد منها، فإذا هو يشمل كذلك الصورة الثابتة، والموسيقى والتعليق والحوار المبتسر والاستعانة بالتقنيات، بدائية (صورة على صورة) أو متجددة (نظام الأبعاد الثلاثة). فيلمه «وداعا للغة» وجزء كبير من أفلامه السابقة هي صياغات فكرية وأدبية وفنية تتداخل والصورة السينمائية التي تشكل كل منها لقطة ذات طرح مع أو ضد الطرح الذي يسبقها أو يليها.
في الثالثة والثمانين من عمره وفي زمن يهاب التجديد، هو شاب أكثر من ابن السادسة والعشرين. صحيح أنه يستند إلى اسمه المدوي في عالم السينما الغابرة، تلك التي قامت على تقديس حرية المخرج التعبيرية أكثر مما توفره المعطيات الإنتاجية اليوم، إلا أن أكثر المؤمنين به، لنقل شركات التمويل التي تقف وراء فيلمه، تدرك أنها تفعل ذلك اقترانا به أكثر مما تفعل ذلك لأنها ستحقق إيرادا من عمله. هذا هو الموقف ذاته الذي وقف وراء أعمال عباقرة سينما كثيرين مثل تاركوفسكي وأنجيلوبولوس وغونيه خرجوا من ديارهم لاجئين إلى التمويل الفرنسي مدركين أن أحدا غير هؤلاء لن يكون مستعدا لتمويل أعمالهم. غودار يبقى الشأن الأغرب بين كل من بقي حيا من السينمائيين المعبرين أولا وأخيرا عن الذات (الثلاثة المذكورون ماتوا، كذلك غالبية من شكل «موجة السينما الفرنسية» التي انبثق منها غودار) وهو يزداد غرابة وإثارة للتحدي مع كل فيلم جديد يحققه.
* أندريه زفاياغنتزف مخرج «ليفياثان»
* هل هذا المخرج الروسي (50 سنة) هو نسخة من مواطنه السابق أندريه تاركوفسكي؟ هل يشتركان في صنع أفلام تثير حنق المسؤولين فيقومون بإعلان فصلها عن جذورها المواطنية (كما حال هذا الفيلم)؟ أم أنهما يشتركان فقط في الطريقة التأملية للحياة والشخصيات وللرموز والطبيعة؟ كان يمكن لزفاياغنتزف أن يكون نسخة جديدة من تاركوفسكي كونه ينشد أشعاره السينمائية فوق ذات التربة، لكنه ليس كذلك، بل هو نسخة من نفسه، ونفسه قريبة الشبه من السينمائي الفذ تاركوفسكي. هذا تبدى في أعمال زفاياغنتزف السابقة من عمله الأول «العودة» وصولا إلى هذا الفيلم. لكن مع ملاحظة أنه تخلى عن تفضيله اللقطات التي تأخذ وقتها على الشاشة، لصالح إيقاع أكثر استعجالا في فيلمه الجيد هذا. هذه النقلة لم تؤثر على صنعته كمراقب وكمتأمل ولا على حرفته ككاتب. في هذا الفيلم يورد، كما تقدم، حكاية عائلية تهاوت تحت مطرقتين في وقت واحد: مطرقة الخيانة الزوجية (ارتكبتها المرأة) ومطرقة جشع المسؤولين للاستيلاء على الغير رغبة في الاستثمار التجاري وتحقيق عوائد مادية. ما يمكن أن نضيفه اليوم هو أن الشق الأول نجده متمثلا في «النفي» ثاني أفلام زفاياغنتزف (2007) بالكامل: رجل وعائلته المؤلفة تماما من زوجة وصبي. الزوجة حامل من سواه. الزوج يكتشف، عن طريق ابنه، أن صديقه هو الفاعل.
في معالجته لمواضيعه يتابع هذا المخرج طريقا تصاعديا يصل إلى نهايات عميقة. يصعد حتى يصل إلى صخرة تشرف على الهاوية. طوال الطريق يلقي نظرته على الإنسان ومتاعبه كما على الحياة خارج المدن وكيف أن السوس نخرها هي الأخرى.
* جولييت بينوش ممثلة في دور البطولة في «ضباب سيلز ماريا»
* هناك ثلاثة لافتين في هذا الفيلم: جولييت بينوش وكرستن ستيوارت (انظر أدناه) والمخرج أوليفييه أساياس الذي ينجز فيلما مختلفا عن أعماله السابقة على نحو إيجابي. الشخصية التي تؤديها بينوش هي شخصية ممثلة عالمية والعالمية هنا هي ليست مساحة الشهرة التي يحتلها الممثل أو الممثلة عادة، كما الحال مع جورج كلوني ونيكول كيدمان وتوم هانكس مثلا، فهذه نجومية، بل العالمية هنا هي ما تمثله جولييت بينوش (50 سنة) عندما تتولى بطولة أفلام من مصادر مختلفة، فرنسية وبريطانية وأميركية. تنتقل بين القارتين على نحو شبه دائم وتجيد (عكس ماريون كوتيار) البذل في اللغات الأخرى (أمر لا علاقة له بإجادة اللغة بل بالتعبير بها). لذلك هي هنا، في هذا الفيلم، تؤدي نفسها على نحو واضح. لكنها لا تنسى أن تكون سيلز ماريا وليس جولييت بينوش.
في الجوهر، المعبر عنه جيدا في أكثر من مشهد، تلك الحقيقة في أن سيلز ماريا تواجه عقدة ما بعد بلوغ النصف الثاني من العمر وكيف ستعالج ذلك بعدما تسلمت أول عرض لها لكي تؤدي شخصية أم. أمر لا بد أن بينوش واجهته لكنها تغلبت عليه بإجادتها كل الأدوار في شتى المراحل، لكنها هنا تستعير مما تعرفه لكي تمنح الشخصية الجانب المقنع من الأداء.
* كرستن ستيوارت الممثلة في دور ثانوي في «ضباب سيلز ماريا»
* بعض الممثلات الأميركيات ينطلقن من أدوار بطولة في أفلام جماهيرية من النوع السائد، إلى ما يتاح لهن من أعمال درامية أكثر حصرا من دون أن يتركن الأثر الصحيح. لكن الأميركية كرستن ستيوارت، التي لا تزال في الرابعة والعشرين من العمر، إذ تترك وراءها تلك المجموعة من الأفلام الشبابية الملتحمة تحت اسم سلسلة «حكاية توايلايت» (تشويق ورعب للمراهقين والمراهقات) تلجأ هنا إلى دور ناضج وتمنحه موهبة أداء غير متوقعة.
تؤدي هنا دور مساعدة وسكرتيرة جولييت بينوش الشخصية. وهي تترك نفسها لكي تتحول إلى عنصر من عناصر القرار الذي على بطلة الفيلم بينوش اتخاذه، حلقة من حلقات حياتها وسببا ليس خفيا كثيرا، وراء اختياراتها. ستيوارت تفعل كل ذلك بطلاقة. جمالها مستخدم للغاية مما يقنعنا بالحيرة المتجلية حول طبيعة العلاقة بينها وبين بطلة الفيلم ودوافعها. هناك ممثلات أخريات يستطعن التعبير، عبر النظرات والحركة الإجمالية، عن موضوع كهذا، لكن هنا فإن كرستين ستيوارت هي سيدة الموقف.

* تقييم أفلام المسابقة بلمحة

* عرضت المسابقة 18 فيلما ما بين بداية المهرجان في الرابع عشر وانتهائه يوم الأحد (يوم إضافي بعد ظهور النتائج) وهنا تقييمها.
Mr‪.‬ Turner ‪*‬
إخراج: مايك لي (بريطانيا)
Foxcatcher ‪ *‬
إخراج: بنت ميلر (الولايات المتحدة)
‪Leviathan * ‬
إخراج: أندريه زفاياغنتزف (روسيا)
Winter Sleep ‪*‬
إخراج: نوري بيلج دجيلان (تركيا)
The Captive ‪*‬
إخراج: أتوم إيغويان (كندا)
Timbuktu ‪*‬
إخراج: عبد الرحمن سيساكو (مالي - فرنسا)
Saint Laurent *‬
إخراج: بورترانو بونيللو (فرنسا)
Wild Tales ‪*‬
إخراج: داميان زفيرون (الأرجنتين)
The Homesman ‪*‬
إخراج: تومي لي جونز (الولايات المتحدة)
* Adieu Au Langage
إخراج: جان - لوك غودار (فرنسا)‬
*‪Jimmy›s Hall ‬
إخراج: كن لوتش (بريطانيا)‬
‪Two Day، One Night *‬
إخراج: جان - بيير ولوك داردن (بلجيكا- فرنسا)‬
* Clouds of Sils Maria
إخراج: أوليفييه أساياس (فرنسا)‬
Maps to the Stars ‪*‬
إخراج: ديفيد كروننبيرغ (كندا)‬
‪Still the Water *‬
إخراج: ناوومي كواسي (اليابان)‬
‪The Search *‬
إخراج: ميشيل هازانافيشوس (فرنسا)



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».