الرئيس التنفيذي لـ«بلومبيرغ»: شراكتنا مع «الأبحاث والتسويق» ستنتج كياناً رائداً

إطلاق قناة «بلومبيرغ العربية» وإذاعة وبوابة رقمية وسلسلة مؤتمرات بموجب الاتفاق بين المجموعتين

سميث خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)
سميث خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)
TT

الرئيس التنفيذي لـ«بلومبيرغ»: شراكتنا مع «الأبحاث والتسويق» ستنتج كياناً رائداً

سميث خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)
سميث خلال الحوار مع («الشرق الأوسط»)

عندما تتشارك أكبر شركة للنشر والأبحاث والتسويق في منطقة الشرق الأوسط مع أكبر شركة في مجال المعلومات وأخبار المال والأعمال في العالم، فإن النتائج لن تكون أقل من نقلة نوعية تفتح آفاقاً غير مسبوقة على مستويات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا والأعمال والاستثمار وتطبيقات المستقبل والذكاء الصناعي.
قبل أيام، شهدت مدينة نيويورك مراسم توقيع اتفاقية شراكة طويلة الأجل بين «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق»، إحدى أكبر مجموعات النشر الإعلامية في المنطقة، وشركة «بلومبيرغ إل بي» العالمية الرائدة للخدمات الإخبارية والإعلامية والمعلومات المالية. لتعلن الشركتان عن إطلاق تلفزيون «بلومبيرغ العربية» كمنصة جديدة لتقديم أخبار الأعمال التجارية والمالية باللغة العربية للأسواق الخليجية والعربية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وبموجب هذه الاتفاقية، ستطلق «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق»، وهي الشركة الناشرة لمطبوعات «الشرق الأوسط» و«عرب نيوز» و«الاقتصادية» وغيرها، شبكة تلفزيون وإذاعة على مدار الساعة، إضافة إلى بوابة رقمية متكاملة خاصة، ونشر مجلة «Bloomberg Businessweek» باللغة العربية، وإطلاق سلسلة جديدة من المؤتمرات والفعاليات المتخصصة.
ويهدف إطلاق تلفزيون «بلومبيرغ العربية» إلى توفير الأخبار والتحليلات الاقتصادية والمالية المتعلقة بعالم المال والأعمال والشركات والأسواق في منطقة الشرق الأوسط والأسواق العالمية كافة للجمهور الناطق باللغة العربية في جميع أنحاء العالم ليتمكن صناع القرار الاقتصادي والمعنيون بأسواق المال والأعمال من متابعة الأنشطة المالية والاستثمارية كافة وهم يتخذون القرارات المهمة المتعلقة بأعمالهم.
وشهد مقر شركة «بلومبيرغ» في وسط مانهاتن بنيويورك مراسم توقيع الاتفاقية بين الرئيس التنفيذي لمجموعة «بلومبيرغ» الإعلامية جاستن ب. سميث والعضو المنتدب الرئيس التنفيذي لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» الدكتور غسان الشبل. والتقت «الشرق الأوسط» سميث في أعقاب توقيع الاتفاقية، وكان هذا الحوار الذي شرح من خلاله المنتجات الجديدة التي ستخرج عن هذه الشراكة وتأثيرها على صناعة الإعلام والنشر في المنطقة العربية.
> في البداية، كيف ترى هذه الشراكة بين «بلومبيرغ» و«المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» وما هي المنتجات التي سيتم إطلاقها من خلالها؟
- شركة «بلومبيرغ» تعد أكبر شركة في مجال المعلومات وأخبار المال والأعمال في العالم، ولدينا منصات إخبارية ووسائط إعلامية عالمية تركز على توفير البيانات والأخبار والتحليلات لصانعي القرارات الاقتصادية من خلال تقنيات مبتكرة تشمل خمس منصات إعلامية هي شبكة تلفزيون وإذاعة عالمية وخدمات رقمية ومطبوعات وخدمات المؤتمرات والمناسبات، إضافة إلى منصة سادسة سنقوم بإطلاقها خلال ثلاثة أشهر لبث الأخبار الاقتصادية على مدار الساعة بالمشاركة مع موقع «تويتر».
ولشركة «بلومبيرغ» تواجد عالمي قوي وتبث بعض الأخبار باللغات المحلية لبعض الأسواق، لكن حتى اليوم لم تكن لدينا شراكة عميقة ومميزة أو استثمار باللغة العربية في منطقة الشرق الأوسط وأدركنا أنه إذا قمنا بإدارة بعض الوسائط والمنصات الإعلامية باللغة الإنجليزية في منطقة الشرق الأوسط، فإن المردود سيكون محدوداً، لذا كان التفكير في التوجه إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي أسواق ديناميكية تنمو بشكل هائل، باللغة العربية ومن خلال التعاقد مع شركة كبيرة تتمتع بتواجد قوي محلياً وإقليمياً ولها إصداراتها ومنصاتها الرقمية المنتشرة في العالم العربي.
هذه الشراكة تعد اتحاداً وتضافراً بين قوتين، أي بين ما لدى «بلومبيرغ» من خبرة ومهارات وقدرات تتعلق بالصحافة الاقتصادية والمالية و«المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» بما تملكه من خبرة في إقليم الشرق الأوسط واللغة العربية. وهدفنا هو خلق شركة رائدة للصحافة الاقتصادية باللغة العربية عبر وسائط إعلامية عدة لخدمة صانعي القرار الاقتصادي والمالي ورجال الأعمال.
والمنتجات التي ستنطلق من خلال هذه الشراكة ستكون منصات إعلامية متعددة، منها قناة تلفزيون هي «بلومبيرغ العربية» التي تبث على مدار الساعة وخدمة الإذاعة، وبوابة رقمية متكاملة تبث فيديوهات باللغة العربية، وسيتم نشر مجلة «بلومبيرغ بيزينس ويك» باللغة العربية، إضافة إلى إطلاق سلسلة جديدة من المؤتمرات والفعاليات.
> مع هذه الخطط الطموحة لـ«بلومبيرغ» للتوسع بمنتجاتها باللغة العربية في منطقة الشرق الأوسط. كيف ترى تأثير هذه الشراكة على المنطقة؟
- الشراكة بين «بلومبيرغ» و«المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» تعني اتحاد وتضافر قوتنا معاً، أي ما تملكه «بلومبيرغ» من قدرات عميقة في صناعة الوسائل الإعلامية الاقتصادية وما تملكه «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» من قوة تواجد محلي وإقليمي وعالمي وخبرة في العمل في السوق السعودية والخليجية والعربية بصفة عامة ومنصاتها الإعلامية المتعددة. وهذا التضافر والاتحاد في القوتين سيؤدي إلى خلق مشهد إعلامي جديد وتدفق في المعلومات والأخبار الصحافية والمحتوى الإعلامي الهائل الذي يمكن أن يكون قوة فاعلة في التنمية ودفع النمو الاقتصادي لأن أي نموذج لنجاح اقتصادي يكون دائماً وراءه محتوى جيد.
وهناك جانب كبير من المحتوى الإعلامي الاقتصادي لما تنشره «بلومبيرغ» ستتم ترجمته من الإنجليزية إلى العربية والبعض الآخر سيكون من داخل السوق السعودية والخليجية والعربية، ولدينا في «بلومبيرغ» طاقم محررين يتكون من 2700 صحافي ومحلل مالي واقتصادي موزعين عبر كل دول العالم ويقودون أكبر عمليات تحرير صحافي في العالم، وينتجون آلاف القصص الصحافية عن الاقتصاد العالمي بما يقدر بخمسة آلاف قصة خبرية اقتصادية في اليوم الواحد. وسيكون التعامل مع «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» عبر مستويين هما ترجمة المحتوى الخاص بـ«بلومبيرغ» وإضافة محتوى محلي وخليجي وعربي، وسيعمل المحررون على تحديد أفضل محتوى اقتصادي إعلامي للأسواق.
والمستثمر سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في السوق الأوروبية أو الأميركية يرغب في معرفة الكثير من التفاصيل والأخبار الاقتصادية بشكل فوري، ويريد التفاصيل، وليس فقط الرؤية العامة. لذلك أتوقع لهذه الشراكة والمنتجات الإعلامية تأثير ضخم.
> «بلومبيرغ» رائدة في المحتوى المتخصص المالي والتجاري. ماذا يمكن أن تقدمه هذه الشراكة في وقت تسعى فيه المملكة العربية السعودية إلى تنويع اقتصادها، وجذب استثمارات أجنبية؟
- كلما زادت التغطية الإخبارية للأحداث الاقتصادية وأخبار السوق والأعمال، زاد اهتمام المستثمرين. وهناك بالفعل مستثمرون في الولايات المتحدة مهتمون بشكل خاص بالسوق السعودية ونتوقع أن يتزايد الاهتمام بتزايد نشر المعلومات والأخبار، فأكثر ما يرغب المستثمرون في معرفته والحصول عليه هو المعلومة. و«بلومبيرغ» لديها معلومات مالية واقتصادية أكثر من أي شركة على وجه الأرض وتوفرها عبر منصات متعددة وهذه هي القوة التي تحققها الشراكة الجديدة مع «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق».
> هل لدى «بلومبيرغ» شراكات مثيلة مع شركات أخرى بلغات أخرى؟
- لدينا شراكات لكنها تركز على منصة إعلامية واحدة، أو سوق واحدة فقط، وليس أسواق إقليمية وهذا ما يجعل شراكتنا مع «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» شراكة مميزة لأنها تركز على إقليم الشرق الأوسط بأكمله. والطموحات الكبيرة لدى الشركتين في استغلال إمكاناتهما بأقصى فاعلية أيضاً تجعل هذه الشراكة مميزة، وقد أقمنا شراكة لتكون طويلة المدى وقوية للغاية وسنعمل معاً لتقديم منتجات سيكون لها تأثير كبير وفاعلية كبيرة.
> مع هيمنة وسائط الإعلام الاجتماعي وتزايد انتشار الخبر عبر وسائط جديدة متنوعة، كيف تقود «بلومبيرغ» وشراكتها الجديدة مع «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» صناعة الإعلام، وبصفة خاصة الإعلام الاقتصادي؟
- بالفعل الأمور تتغير، والمنتجات ووسائط الإعلام والأفكار الجديدة تتزايد، لكن الأمر الوحيد الثابت هو الرغبة في المعرفة لدى المتلقي، فإذا كنا نقدم منتجاً يريده الناس فستكون هناك دائماً وسيلة لإيصاله. صناعة الإعلام تتطور وتتقدم وتشهد تغييرات كثيرة لكنها المنتج في النهاية ثابت ووسائل تقديمه تتنوع.
و«بلومبيرغ» لديها ثقافة وتراث وتعد رائدة في تكنولوجيا الهندسة والميديا الرقمية ويعمل بها أربعة آلاف مهندس وتقدم نماذج إعلامية قوية تعتمد على مزج قطاع الأعمال والصناعة المالية والميديا وتركز على زيادة الاشتراكات. ونحن محظوظون أن لدينا التاريخ والتراث والنهج الفكري والنموذج الابتكاري لتقديم أفكار ونماذج متنوعة، ومنها ما سنطلقه بعد ثلاثة أشهر من بث فيديوهات اقتصادية عبر منصة «تويتر». ويوجد 150 مليون مشترك في «تويتر»، ما يجعل المشروع أكبر شركة إعلامية من حيث عدد المشتركين، أكبر من شبكة «سي إن إن»، وصحيفة مثل «نيويورك تايمز».
وعدد المستخدمين لـ«تويتر» في المملكة العربية السعودية ضخم للغاية وهناك أسواق عربية وخليجية عدة، ومنها السوق السعودية، تعتمد على «تويتر» في النقاشات. والمشكلة أن «تويتر» رغم سرعته العالية في نشر الأخبار العاجلة، إلا أن هناك أموراً تتعلق بدقة الخبر وصحته لأن المحتوى لم يتم تحريره من قبل صحافيين متخصصين. والفكرة التي تقوم «بلومبيرغ» بتطويرها هي أخذ مزايا «تويتر» في السرعة مع استغلال ما تملكه من مهارات صحافية بحيث يكون الخبر عاجلاً وأيضاً دقيقاً. وإذا نجحنا في هذا الإصدار الجديد مع «تويتر»، فإننا سندرجه في شراكتنا مع «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق».
> ومع هذا التسارع في وسائل الإعلام والمنصات الإعلامية المتنوعة كيف ترى المستقبل خلال السنوات العشر المقبلة؟
- أي شخص يدعي أنه يمكن أن يعرف المستقبل القريب، لا يقول الحقيقة لكن بإمكاننا التكهن والتخمين بناء على بعض الأمور الأساسية فالهواتف الذكية أصبحت تسيطر وتهيمن على عالم الاستهلاك الإعلامي وهناك تزايد وتوسع في استخدامها، وهذا الاتجاه سيتزايد لذا يمكننا أن نتوقع تزايد التعامل عبر وسائط الإعلام الاجتماعي التي ستطور نفسها لتكون أكثر ذكاء وأكثر فاعلية وتفاعلاً مع تطبيقات تستخدم الواقع الافتراضي وتتمتع بمستويات عالية من الذكاء الصناعي.


مقالات ذات صلة

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)
إعلام مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
أوروبا شعار «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي BBC) خارج مقر الشركة في لندن، 12 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أفادت وسائل إعلام بريطانية نقلاً عن مصادر الأربعاء، بأن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تعتزم إلغاء نحو ألفَي وظيفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».