استفتاء كردستان العراق يقرع طبول حرب إثنية

تواجهه أنقرة وطهران وبغداد... والغرب يدعو لتأجيله

استفتاء كردستان العراق يقرع طبول حرب إثنية
TT

استفتاء كردستان العراق يقرع طبول حرب إثنية

استفتاء كردستان العراق يقرع طبول حرب إثنية

يعكس الرفض الإيراني والتركي والعراقي القاطع لاستفتاء كردستان العراق المزمع إجراؤه الاثنين المقبل، توتراً غير مسبوق، لا تخفي من تداعياته احتمالات تجدد صراع إقليمي متحد ضد الأكراد الذين يجدون في الاستفتاء فرصة لإعلان دولة خاصة بهم، يطمحون إليها منذ قرن، ومهّدوا لها في عام 1992 مع انتزاع حكم ذاتي كامل. وبعدما خطوا نحوها بانتزاع صلاحيات «فيدرالية» في دستور عام 2005، اقتربوا نحوها بعد توسيع «كردستان» باتجاه الأراضي المتنازع عليها في كركوك قبل 3 سنوات، وإثبات القوة في مقارعة «داعش» بدعم غربي منذ 2014 حتى الآن.
الاستفتاء يتوقع أن يفتح شهية أكراد إيران وتركيا للانفصال، وهو مصير تتخوف منه أنقرة وطهران اللتان تحاولان تطويقه بالدبلوماسية، بينما تلوح الحكومة العراقية في بغداد بالحل العسكري، وهو ما ينذر بصراع إثني في العراق بعد القضاء على «داعش»، ما يعني أن البلاد متجهة نحو جولة دموية جديدة، ولكن بعناوين قومية هذه المرة.

رغم المطالبات الدولية والعراقية بتأجيل استفتاء الاستقلال في إقليم كردستان العراق المقرّر في 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، فإن قيادة الإقليم اختارت التمسك بإجراء العملية. ووجهت رسالة إلى العالم مفادها أنها ماضية نحو الاستقلال مهما كانت الظروف والضغوط، ومؤكدة أنه «لم يعد هناك وقت لتأجيل العملية»، خصوصاً بعدما نفت تلقيها أي بديل أفضل من الاستفتاء يرضي الشعب الكردي ويحثها على إجراء الاستفتاء لمدة زمنية بوجود ضمانات دولية.
الأحزاب الكردية في كردستان العراق كانت قد صوّتت كلها، باستثناء حركة التغيير والجماعة الإسلامية، يوم 7 يونيو (حزيران) الماضي في اجتماع موسع عُقد في أربيل (عاصمة الإقليم) برئاسة رئيس الإقليم مسعود بارزاني على إجراء استفتاء الاستقلال في 25 سبتمبر الحالي وإعلان الاستقلال، وذلك بعد إجراء مفاوضات مع بغداد لحل كل المشكلات العالقة بين الجانبين. ومنها الاتفاق على الحدود والنفط والمياه وبناء علاقات جديدة بين دولتين على أساس الجيرة الحسنة بعد فشل الجانبين خلال السنوات الماضية من التوصل إلى حل للمشكلات بينهما. لكن حكومة بغداد منذ اللحظة الأولى رفضت الاستفتاء جملة وتفصيلاً. وكانت إيران أول دولة ترفض الاستفتاء مطالبة أربيل بإلغائه. ثم تبعتها دول أخرى بينها الولايات المتحدة الأميركية، التي وبحسب تصريحات القادة الكرد والمسؤولين الأميركيين «لا تقف ضد الاستفتاء، بل ترى أن التوقيت غير مناسب لإجرائه»، بحجة التأثير على سير مراحل الحرب ضد «داعش» في المنطقة. وليس هذا موقف واشنطن وحدها، إذ تضغط روسيا وفرنسا وبريطانيا أيضاً على أربيل لتأجيل الاستفتاء والجلوس لحل المشكلات مع الحكومة العراقية في إطار العراق الموحد.

اتهامات كردية لحكومة بغداد

القيادة الكردية، من جانبها، ترى أن الاستفتاء على الاستقلال حق منحه له للكرد المجتمع الدولي والدستور العراقي، الذي ينص على أن الدستور هو الضامن لبقاء العراق موحداً. إلا أن هذه القيادة تتهم أيضاً حكومة بغداد بأنها منذ عام 2005 «انتهكت نحو 55 مادة دستورية متعلقة بالكرد وحقوقهم، ورفضت الشراكة مع الكرد وهمّشتهم في جميع مفاصل الدولة العراقية».
وشهد الإقليم يوم 15 سبتمبر الحالي تفعيل «برلمان كردستان» وعودة جلساته بعد انقطاع استمر لنحو سنتين إثر المشكلات بين الأطراف الكردستانية، واختصت الجلسة الأولى بالتصويت على تفويض المفوضية العليا للانتخابات والاستفتاء في كردستان بالمضي في إجراء استفتاء الاستقلال. وبهذا أصبح قرار الاستفتاء في إطار تشريعي صادر عن البرلمان بعدما كان صادراً عن الجهة التنفيذية، الأمر الذي عزز إجراء العملية بشكل أكبر يحول دون تأجيله بسهولة. وتحرص القيادة السياسية الكردية خلال اجتماعاتها مع الوفود الدولية التي كثفت أخيراً زياراتها لأربيل لحثها على تأجيل العملية، على القول إن بغداد وسياساتها هي التي دفعت الكُرد إلى اختيار هذه الطريق.
وكشف محمد حاجي محمود، سكرتير الحزب الاشتراكي الكردستاني، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأمم المتحدة عرضت مناقشة أوضاع الإقليم، بما في ذلك استفتاء الاستقلال في الأمم المتحدة، مقابل إرجاء القيادة الكردستانية إجراء الاستفتاء سنتين. وأضاف أن بريت ماكغورك، المبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي ضد «داعش»، وسفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ورئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق، قدّموا هذا العرض إلى بارزاني أول من أمس، وأكدوا أنه في حال رفضه، فإن على الإقليم تحمل التبعات. لكن الإقليم رفض مقترح التحالف الدولي، مع القول إنه لن يغلق باب الحوار والمفاوضات مع بغداد والمجتمع الدولي من أجل نيل الاستقلال في مرحلة ما بعد الاستفتاء.
ومن جهة ثانية، قال فرحان جوهر، النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني في برلمان كردستان العراق، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التفكير بإجراء الاستفتاء ولد من اللحظة الأولى التي أقدمت فيها الحكومة العراقية على انتهاك حقوق كردستان وشعبها، ومن ثم قطعت ميزانية ورواتب موظفي الإقليم ولم تلتزم بالدستور، لذا لم يبقَ أمامنا حل آخر سوى الاستفتاء». وعما إذا كانت الأطراف السياسية الكردية تدعم كلها خطوة الاستفتاء، قال جوهر: «جميع أبناء شعب كردستان يؤيدون هذه العملية، والأحزاب أيضاً، ما عدا التغيير والجماعة الإسلامية فهما تطالبان بتأجيله، لكنهما تؤكدان أنه فيما لو أجري فإنهما ستدعمانه».
وشدد بيان المجلس الأعلى للاستفتاء الذي أصدره عقب الاجتماع الذي عقده مساء الخميس الماضي على التمسك بالاستفتاء، وجاء في البيان أن «كردستان لم تتلقَ البدائل المطلوبة عن عملية الاستفتاء»، وأن المقترحات التي عرِضت على الإقليم لا يمكن أن تصبح بديلاً للاستفتاء ولا تضمن استقلال كردستان، و«بما أنه لم يصلنا ما يضمن الاستقلال، وخصوصاً أن الوقت يمضي، وها قد بدأ بالنفاد، فإن عملية الاستفتاء ستجرى في وقتها وموعدها المحدد». ولفت البيان إلى أن وفد المجلس سيتوجه اليوم (السبت) إلى بغداد لتوضيح موقف القيادة السياسية الكردستانية.
وأوضح جوهر أنه إذا قاطعت حكومة بغداد «كردستان بعد الاستفتاء» ولم تتفاوض معها، فإن كردستان ستعلن دولتها فوراً، لكنه يستبعد أن تلجأ بغداد أو دول الجوار إلى اتخاذ خطوة كهذه ضد كردستان.

المناطق المتنازع عليها

جدير بالذكر، أن استفتاء الاستقلال لن يشمل محافظات إقليم كردستان ذاتي الحكم فقط، بل سيشمل أيضاً كل المناطق المتنازع عليها والمشمولة بالمادة 140 من الدستور العراقي بين الإقليم والحكومة العراقية، كمحافظة كركوك وعدد من مدن محافظات الموصل وديالى وصلاح الدين. وتحتضن هذه المناطق إلى الكرد المكوّنات العربية والتركمانية والمسيحية، فيما تسيطر قوات البيشمركة منذ عام 2003 على هذه المناطق. وتقول أربيل إن البيشمركة «حافظت على غالبيتها من السقوط بيد مسلحي داعش» و«حرّرت في وقت قياسي ما سقط منها بيد التنظيم خلال السنوات الثلاث الماضية»، كما تقول إن الإقليم طمأن سكان هذه المناطق ومكوناتها ومكوّنات كردستان بأن الدولة المقبلة لن تكون دولة قومية، بل ستقوم على أساس المواطنة.
لكن تبقى هناك مخاوف عند كرد الإقليم والمناطق المتنازعة عليها من سيناريوهات عدة قد تحدث بعد إجراء الاستفتاء وتهدد الإقليم، أبرزها نشوب مشكلات وأعمال عنف في المناطق المتنازع عليها إثر تهديدات توجهها الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية، إضافة إلى سيناريو اقتصادي يتمثل في إغلاق طهران وأنقرة حدودهما مع كردستان العراق وفرض حصار اقتصادي على الإقليم، وتهديدات الحكومة العراقية بغلق المطارات واستخدام القوة ضد الإقليم. ومع هذا، يرد حاج كاروان، النائب عن الاتحاد الإسلامي في برلمان كردستان على تهديدات الميليشيات الشيعية بالقول لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «لقد حسبنا حساب كل شيء، هناك بعض التهديدات التي تطلقها جهات غير رسمية. نحن نتعامل مع الحكومة العراقية ولا نتعامل مع الميليشيات الشيعية التي نعتبرها غير قانونية. حدودنا محصنة من قبل قوات البيشمركة ولن تستطيع أي جهة لا شيعية ولا سنية اجتياز حدودنا».

بغداد وطهران وأنقرة

في هذه الأثناء، يشير الحراك الإقليمي إلى أن العراق وإيران وتركيا تجاوزت التباينات فيما بينها، واتفقت على مواجهة الاستفتاء الكردي. ولا يحمل بيان الدول الثلاث المشترك الذي تلا اجتماعاً على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أي لبس حول المواجهة المحتملة، إذ توعدت الدول الثلاث بـ«اتخاذ إجراءات ضد إقليم كردستان العراق إذا ما مضى قدماً في إجراء الاستفتاء على الاستقلال». وأعرب بيان الدول الثلاث عن قلقها من أن يعرّض الاستفتاء المكاسب التي حققها العراق ضد «داعش» للخطر ومن احتمال اندلاع نزاعات جديدة في المنطقة، بالقول إنه «سيتسبب بصراعات في المنطقة يكون من الصعب احتواؤها». وفي العاصمة اللبنانية بيروت، يرى الدكتور سامي نادر، مدير معهد المشرق للشؤون الاستراتيجية، أن البيان الثلاثي «هو بمثابة إعلان حرب باردة في الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن أطرافها هم «إيران وتركيا والعراق وسوريا وروسيا من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والأكراد من جهة أخرى، تُضاف إليها دول عربية لها مصلحة في الحد من التمدد التركي، والحد من التمدد الإيراني في المنطقة كون إقامة دولة كردستان ستوازي تمدد إيران». ويوضح نادر في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن المواجهة الهادفة إلى انتزاع مكاسب بطيئة «لن تكون حرباً باردة بنسختها السابقة، بل بنسخة جديدة تهدف إلى تثبيت توازن استراتيجي وموازين قوة مستمدة لطرفي النزاع».
وتخشى إيران وتركيا أن تصيب عدوى المطالبة بالاستقلال الأقليتين الكرديتين على أراضيهما. وفي حين التزمت روسيا الحذر، وحثت المملكة العربية السعودية قيادة كردستان العراق على التخلي عن الاستفتاء، محذرة من عواقبه، فإن الطرف الإقليمي الوحيد الذي أعلن تأييده الاستفتاء هو إسرائيل، التي لطالما أيدت بلا جلبة طموحات الأكراد بصفتهم يشكلون منطقة عازلة غير عربية في مواجهة إيران.
الدكتور طلال عتريسي، الباحث اللبناني في الشؤون الإقليمية والإيرانية، استبعد من جهته في حديث لـ«الشرق الأوسط» المواجهة العسكرية المباشرة، مشيراً إلى أن الاستفتاء «قد لا يحصل»، كما أن حصوله «لا يعني مباشرة حصول الاستقلال، لأنه بحاجة لإجراءات معقدة». وتابع: «أستبعد حصول صراع مسلح، لكن الضغوط السياسية والاقتصادية مرجحة وبدأت فعلاً»، لافتاً إلى تلميحات إيران إلى تعليق الاتفاقيات المعقودة مع كردستان، بينما يبدو أن تركيا «هي الأكثر تحمساً لعمل عسكري، بالنظر إلى صراعها مع حزب العمال الكردستاني، ومخاوفها من امتداد نزعة الاستقلال إلى الأكراد في الأراضي التركية».

لقاء المصالح

يعزز حصول أكراد العراق على استقلالهم التام طموحات الأقلية الكردية التركية التي تمثل ربع السكان في تركيا البالغ عددهم 80 مليوناً. في المقابل، يرى الأكراد أنهم أكبر قومية حرمت من الدولة في العالم بعد أن ظلوا مشرذمين بين إيران والعراق وتركيا وسوريا إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. ويوجد العدد الأكبر منهم في تركيا، حيث يخوض حزب العمال الكردستاني الانفصالي حركة تمرد سعت في الأساس إلى إقامة دولة كردية منذ 1984. وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حذر في كلمة أمام الأمم المتحدة الثلاثاء، السلطات في كردستان العراق، من أن «تجاهل الموقف التركي الواضح والحازم في هذا الشأن قد يقود إلى عملية تحرم الحكومة الإقليمية الكردية العراقية حتى من الامتيازات التي تتمتع بها حالياً». ولا تقف تركيا التي تبدي معارضة شرسة لإقامة دولة كردية، وحيدة في رفضها تنظيم الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، ولكن من غير الواضح إن كانت مستعدة للمجازفة بالرد بصورة ملموسة. وتلتقي أنقرة في رفضها الاستفتاء المقرر تنظيمه الاثنين ليس مع حكومة بغداد فحسب، بل مع جارتها الصعبة إيران، حيث يعيش ملايين الأكراد في إيران التي واجهت كذلك عمليات تمرد متفرقة خاضتها مجموعات مثل «حزب الحياة الحرة الكردستاني». ولطالما تعاونت طهران وأنقرة في قمع انبعاث مظاهر القومية الكردية. هذا، عدا عن حلفائها الغربيين في حلف شمال الأطلسي.
ولقد حذرت تركيا أكراد العراق بعد سنوات من العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع حكومة كردستان العراق من أنهم سيدفعون «الثمن»، متحدثة عن احتمال فرض عقوبات عليهم بعد الاستفتاء غير الملزم، لكنها لم تفصح عما تعنيه بذلك. ويشير عتريسي إلى أن الصراع مع تركيا «سيأخذ الطابع الاقتصادي أيضاً»، بالنظر إلى أن تركيا تعتبر اليوم أهم حلفاء كردستان العراق في الدول المحيطة، وفتحت للإقليم فرص تصدير نفطه عبر أراضيها، ويتشاركان العداوة لحزب العمال الكردستاني، فضلاً عن أن الحلف والعلاقات الوطيدة مع أكراد العراق سمح لتركيا بالتمدد عسكرياً إلى العراق وتثبيت وجودها في قاعدة بعشيقة العسكرية في شمال العراق.
ويتابع عتريسي: «أعتقد أن الأمور ستتغير كلياً بالعلاقة مع تركيا في حال إعلان الأكراد استقلالهم، بالنظر إلى أن أنقرة تكرر في هذا الوقت موقفها الداعم لوحدة سوريا والعراق، وبات كل الهاجس التركي محصوراً في منع إقامة دولة كردية في العراق»، مشدداً على أنه «في حال أعلنت دولة كردستان مستقلة، فإن تركيا ستعيد حساباتها الاقتصادية مع كردستان». وللعلم، على الرغم من غضب تركيا إزاء وجود قواعد لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، عززت أنقرة مبادلاتها التجارية مع حكومة كردستان العراق، وجعلتها في موقع قوة في أربيل حتى باتت كردستان العراق أحد أكبر الأسواق المستوردة للبضائع التركية من المواد الاستهلاكية إلى المفروشات. وحالياً توفر تركيا المنفذ الوحيد لتصدير النفط من كردستان العراق في خط أنابيب يصل إلى مرفأ جيهان.
وهنا يشير ديفيد رومانو، أستاذ السياسات الشرق أوسطية في جامعة ميزوري الأميركية إلى أن «تركيا تستطيع إلحاق الأذى بأكراد العراق لو رغبت». ولكن قطع العلاقات الاقتصادية معهم سيعني المجازفة بعشرة مليارات دولار سنوياً من العائدات التجارية ومن استيراد النفط والغاز ورسوم المرور المهمة بالنسبة لمحافظة الأناضول ذات الغالبية الكردية في جنوب شرقي تركيا. ويضيف أن «تركيا تثير كثيراً من الضجيج بإدانتها الاستفتاء، لكن الهدف الرئيسي من وراء ذلك هو تهدئة خاطر التيار القومي في حزب (العدالة والتنمية) الحاكم».

التخلي الغربي

في المقابل، رغم وقوف إسرائيل وحدها مرحبة بالاستفتاء الكردي وداعمة له. يلحظ عتريسي أن أياً من الأطراف الدولية الفاعلة، لا يبدو متحمساً للاستفتاء، ولا للاعتراف بالدولة الكردية إذا نشأت، وهو ما يفسر النصائح الأوروبية بإرجاء الاستفتاء. وفي رد على التقديرات بأن الغرب تخلى عن كردستان في هذا الوقت، يقول عتريسي إن الغرب «لم يتخلَ عن الإقليم، لكنه يعتبر أنه غير متفرغ في هذا الوقت لمشكلة إضافية، في ظل انشغاله بملف الحرب على الإرهاب، ومستقبل سوريا». ثم يضيف أن السياسة الخارجية الأوروبية في هذا الوقت «غير جاهزة لمشكلة إضافية في الشرق الأوسط، ولا تستطيع أن تحل المشكلات»، معرباً عن اعتقاده أن الأوروبيين «غير متحمسين لقيام دولة كردستان، ولا يعتبر قيامها أولوية بالنسبة لهم».
التقدير نفسه، يؤكده الدكتور سامي نادر لجهة التشديد على أن الغرب لم يتخلَ عن كردستان ودعمها، لكن «منسوب المخاطر بالنسبة للأميركيين والأوروبيين مرتفع، كون المسألة مرتبطة بموقف إيران وتركيا». ويوضح نادر أن «الغرب يخشى إغضاب إيران كونه، منذ توقيع الاتفاق النووي، بدأ بتطبيع نسبي معها على المستوى الاقتصادي... وهناك مصالح واضحة كبيرة». أما بالنسبة للموقف الأميركي الرسمي فإنه، وفق نادر، «يأخذ بعين الاعتبار الشريك التركي الذي يشعر بتناقض الموقف الأميركي حيال دعم الأكراد، كونه يستمر بالدعم العسكري المباشر وشبه الحصري لأكراد سوريا والعراق ويبني علاقات استراتيجية مع أكراد سوريا بدليل إقامة 8 قواعد عسكرية في سوريا، رغم أنه يأخذ مواقف داعمة لتركيا». ومن ثم، يقول: «أي خطوة إضافية تهدد الشراكة مع الأتراك، في وقت تبدو فيه كردستان عملياً إقليماً مستقلاً وتربطها مع الأميركيين شراكة، كما أن كردستان تتلقى دعماً إسرائيلياً هائلاً يغير خريطة المنطقة بشكل جذري».



ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.