«البعث الشيعي»... كيف تغلغلت إيران في عمق الدولة السورية

خطورته ليس في كونه نشاطاً دينياً صرفاً... بل هو جزء من فعل سياسي

«البعث الشيعي»... كيف تغلغلت إيران في عمق الدولة السورية
TT

«البعث الشيعي»... كيف تغلغلت إيران في عمق الدولة السورية

«البعث الشيعي»... كيف تغلغلت إيران في عمق الدولة السورية

مع بروز مفهوم الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران إلى لبنان، أخذ النشاط التبشيري الشيعي في سوريا يحظى باهتمام محلي وإقليمي ودولي، بل وأصبح أحد الموضوعات التي تجتذب اهتمام الصحافة العربية والعالمية، ذلك أن خطورة التبشير الشيعي ليس في كونه نشاطا دينيا صرفا، بل في كونه جزءا من فعل سياسي يتعلق بتغييرات القوى في المنطقة والتطورات التي لحقت بالمحور السوري الإيراني فحولته إلى محور استراتيجي بالنسبة إلى دمشق. والفترة الذهبية لحركة لتشيّع في سوريا، هي تلك تمتد بين 1970 - 2007. ولهذه التواريخ دلالة سياسية، يتوقف عندها هذا الكتاب القائم على بحث استقصائي أكاديمي رصد التحولات التي طرأت على الخريطة المذهبية في البلاد، اعتبارا من تاريخ تسلم الرئيس الراحل حافظ الأسد الحكم، إلى مرحلة الفلتان الإيراني في البلاد في أعقاب تسلم الأسد الابن مقاليد الحكم عام 2000. وهذا ما يوثقه كتاب «البعث الشيعي في سوريا» للباحث د.عبد الرحمن الحاج، مدللا على حملات «التشييع السياسي» التي عملت عليها إيران في سوريا منذ عقود.
يستعيد الكتاب في سياق موضوعاته، مرحلة طويلة تمتد من تأسيس الدولة السورية عام 1919 وحتى نهاية 2007 وما حصل بعد ذلك حتى انطلاق الثورة السورية. ويعمل على مرحلة ما بعد الأسد الأب، والنقلة النوعية والجذرية التي حصلت بعد عام 2011 من منطلق أن جميع ما حدث خلال الثورة السورية بني على ما قبلها.
ويتجه البحث، الذي اشتغل عليه المؤلف طويلا، للإمساك بالبدايات الفعلية للمدّ الشيعي في عهد حافظ الأسد وانعكاسها على التشيع في الطائفة العلوية والمكونات الأخرى، وتأثير تشكيل المحور السوري الإيراني غداة قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 وعشية حرب الخليج الأولى. ويكشف أبعاد قضية التشيع ودور النظام السياسي والجهاز الأمني في دعم وحماية هذا النوع من التبشير في المجتمع السوري.
وبحسب الإحصائيات، قفزت نسبة التشيع إلى ضعفها في عهد الرئيس حافظ الأسد، فإذا كان عدد المتشيعين من عام 1919 إلى 2007 هو 16 ألف شخص، فإن 8040 شخصا تشيعوا بين 1999 - 2007.
ويلحظ الباحث الحاج أن هذا الاختراق ما كان ليتم قبل اختراق المؤسسة الدينية التي تميز علماؤها بالاستقلال عن السلطة السياسية بين الأعوام 1919 - 1963، ثم بدأ الصراع نحو تطويع المؤسسة الدينية بعد هيمنة حزب البعث في أعقاب انقلاب 8 مارس (آذار) 1963. وأدت التوترات الطائفية التي سببتها عملية تطييف الجيش والحزب إلى ازدياد نفوذ علماء الدين وتقوية دورهم كمعارضة متزايدة ضد جمهورية البعث، إلى أن حدث الانفجار الكبير في الفترة بين 1978 - 1982، حيث أكمل الأسد إضعاف جميع مؤسسات المجتمع المدني بما فيها المؤسسات الدينية. وحرص الأسد الأب على ضبط شراكة المؤسسة السياسية مع المؤسسة الدينية في المجال العام، خصوصا أنه كان بحاجة لهؤلاء العلماء في تحسين صورته بعد العنف الوحشي الذي مارسته أجهزته ضد الإسلاميين في الثمانينات، فحول المؤسسة الدينية لتكون جزءا من قوته بدلا من أن تكون قوة مواجهة له.
وفي هذا الوقت الذي أخذ فيه الاحتقان الطائفي يتصاعد، قدم قسم من الشيعة مساندتهم للأسد ممثلة بفتوى موسى الصدر عن «العلوية والشيعة» التي «تعيد الفرع إلى الأصل» بعد طرد العلويين من جنة التشيّع لقرون. ولا يبدو أنه كان لدى حافظ الأسد في ذلك الوقت مانع من أي نشاط تبشيري شيعي يرسخ موقعه في الرئاسة.
في صيف 1976 عندما دخل جيش الأسد إلى لبنان، قدم إليه موسى الصدر (الإيراني المقيم في لبنان) خدمة أخرى، إذ أبقى الطائفة الشيعية اللبنانية خارج ائتلاف كمال جنبلاط اليساري الذي كان الأسد يحاول كبحه وإخضاعه آنذاك.
ومع أن الأسد ظل على الدوام يرفع الشعارات القومية إلا أنه كان ينقضها باستمرار وفقا لمصالحه، فقد متن علاقته بالخميني لأسباب سياسية وغير سياسية استثمارا للتغيرات الاستراتيجية التي حصلت في المنطقة بعد سقوط الشاه. «لكنه بحساباته السياسية قرر ألا يسمح للملالي في طهران وتابعيهم في لبنان بتصدير ثورتهم إلى دمشق تحت أي عنوان. وكان هذا، أحد الأسباب التي جعلت الأسد حتى التسعينات لا يسمح لأي من أعضاء حزب الله وقياداته، بدخول سوريا».
كان الأسد الأب يقظا للغاية، سيطر على حركة التشييع والحضور الإيراني لمصلحته، وفي كل مرة يشعر بتزايد النشاط الإيراني الشيعي يعمد إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة تغلغل المؤسسات الإيرانية في المجتمع السوري، كإغلاق المعاهد والمؤسسات، وحتى المستوصفات الممولة إيرانيا. دون ن يقدم الأسباب. وباستمرار كانت تحركات السفير الإيراني والملحق الثقافي ومستشاره توضع تحت المراقبة.
غير أن هذا لم يمنع شقيق الأسد جميل الأسد، من تأسيس (جمعية المرتضى الإسلامية) عام 1981 لنشر الفكر الشيعي، وفتح فروع لها في أنحاء سوريا. واللافت فيما خص الطائفة، هو العمل تحت شعار «عودة الفرع إلى أصله»، واتخذ قرار عام 1980 من مشايخ الطائفة بإرسال 500 شاب للدراسة في المعاهد الدينية في مدينة قم الإيرانية للتخصص في المذهب الجعفري.
أدت هذه الرخصة السياسية، إلى بدء نبش الشيعة الإيرانيين لمقامات مندثرة لآل البيت في سوريا، من أجل إحيائها، إلى حد اختلاق مقامات لا أساس لها تاريخيا، كما في مقام السيدة سكينة بنت علي بن أبي طالب في درايا قرب دمشق، ومقام محسن بن علي بن أبي طالب، قرب مشهد النقطة في حلب. ولم ينته عقد الثمانينات حتى سطا الإيرانيون على الأوقاف السنية التي تضمنت مقاماتهم. وفي هذه المدة تم إعادة بناء أضرحة، وتم اقتلاع ما حولها من أبنية تعد ملكيات عامة وخصوصا. وبدءا من منتصف التسعينات، انتشرت الحوزات العلمية لتدريس التشيع.
وعلى الرغم من تحديد الأسد الأب لحركة حزب الله في سوريا، فإنه منذ تجهيز ابنه بشار لوراثته، بدأ الابن يلتقي بقيادات الحزب. وما إن توفي حافظ الأسد حتى بدأ الملالي في استثمار العلاقة القوية مع الابن، فحصلوا على موافقات أمنية وتسهيلات غير عادية لإنشاء الحوزات والحسينات. وبدأت دمشق تشهد أول مواكب عزاء، ففي عام 2001 انطلق من منطقة السيدة زينب موكب وانتهى عند (مقبرة الباب الصغير) في دمشق القديمة. لتستمر في السنوات التالية مظاهر المواكب والشعارات الطائفية المرافقة لها.
كانت المشكلة التي واجهها المشروع الإيراني في سوريا، هو الديموغرافيا السكانية التي تختلف كليا عن لبنان والعراق ودول أخرى في المنطقة، إذ تكاد الأقلية الشيعية تكون معدومة في سوريا لشدة صغرها ولا تشكل أكثر من 3 في المائة من عدد السكان. ولأنه يجب تأمين الممرات الجغرافية من طهران إلى العراق نحو سوريا ولبنان، تركز التشيع في هذه المناطق لإحداث تغيير ديمغرافي سريع، في حين تبقى عملية التشييع في باقي المناطق مستمرة. ويلاحظ الباحث كيف أن أعلى نسب التشييع للعرب السنة في البادية السورية، هي في تلك المناطق القريبة من الحدود العراقية بين بلدتي ربيعة والبوكمال. وهذه الممرات البرية تقود إلى دمشق وحمص، أي الحدود اللبنانية الشرقية كلها، إضافة إلى توسيع الوجود الشيعي حول العاصمة نحو المطار الدولي ما يضمن الممر البري المكمل للمر الجوي من دمشق إلى بيروت. كل ذلك بعد أن تم احتلال منطقة السيدة زينب «السنية» وتركيز التشيع في القرى المحاذية على طول القرى الممتدة من دمشق نحو المطار الدولي.
وما كان كل هذا الغزو الإيراني، والدخول إلى عمق الدولة، سيتم لولا التغلغل في مؤسسات الدولة وبمساندة سياسية وأمنية. وقد عرف ثلاثة من أبرز قيادات الأجهزة الأمنية بصلاتهم المباشرة والاستثنائية مع إيران، وبدورهم المؤثر في موضوع التشيع في سوريا، وهم اللواء محمد ناصيف، واللواء هشام بختيار واللواء محمد منصورة. وبحسب البحث، فإنه في الوقت الذي كانت تمنح فيه التراخيص الأمنية للجمعيات الشيعية الغريبة من دون حساب ولا تدقيق في أموال التبرعات، كانت تراخيص الجمعيات الدينية السنية، أمرا مستحيلا.
عمل الباحث الدكتور عبد الرحمن الحاج لمدة عام كامل على هذا البحث، قام خلالها بالجولات الميدانية، واطلع على وثائق حكومية سرية بالغة الأهمية، والتقى بأشخاص فاعلين بعملية التشييع، وتابع ما نشر سابقا حول سوريا، بينها كتب أو تقارير شهيرة لصحافيين أو دبلوماسيين غربيين، متخصصة بعهدي حافظ وبشار الأسد. ويستعد الباحث لإصدار جزء ثان يتناول المرحلة ما بعد عام 2007. ولعب المؤلف على عنوان الكتاب ليجمع ما بين دلالة الكلمة سياسيا، أي حزب البعث الحاكم في سوريا، والدلالة اللغوية للكلمة بمعنى الإحياء.
ومن خلال هذا البحث المعمق يمكن فهم عمليات التهجير والتغيير الديمغرافي الكبير التي تمت برعاية القصف الممنهج برا وجوا لإجبار السكان على النزوح عن أراضيهم، وترك المنطقة مفتوحة لتنفيذ مشروع الهلال الشيعي الإيراني الذي يسعى لهيمنة عسكرية سياسية بلبوس مذهبي.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.