الحوثي وصالح... من يكسر عظم الآخر؟

محللون يرصدون ميزان القوى بين شريكي الانقلاب في حال اندلاع نزاع مسلح بينهما

شريكي الانقلاب (صالح - الحوثي)
شريكي الانقلاب (صالح - الحوثي)
TT

الحوثي وصالح... من يكسر عظم الآخر؟

شريكي الانقلاب (صالح - الحوثي)
شريكي الانقلاب (صالح - الحوثي)

عاشت العاصمة اليمنية صنعاء خلال الأسابيع القليلة الماضية، على وقع الخلافات المحتدمة بين شريكي الانقلاب (الحوثي - صالح)، والتي وصلت حد الاقتتال، في أكثر من موقع، كما حدث في منطقة حريب القراميش، الواقعة إلى الشرق من صنعاء، الغرب من مأرب، حيث سقط قرابة 28 مسلحا من الطرفين، أو كما حدث قبل أيام في محافظة تعز، حيث جدد الطرفان الاقتتال، وينظر المراقبون إلى الواقعتين، وغيرهما مما لم يعلن عنه بشكل رسمي، بأنه «بروفة» لما سيحدث في قادم الأيام، خاصة في ظل حالة الاستقواء التي يمارسها الحوثيون ضد صالح والموالين له.
للقصة بدايات لكنها، حتى الآن، دون نهايات أو ملامح نهايات معروفة. فبعيد اتفاق الطرفين على تشكيل ما سمي «المجلس السياسي الأعلى»، أواخر العام الماضي، وتحديداً إبان انعقاد مشاورات الكويت، وهو التحالف الذي ظهر فيه الرئيس السابق علي عبد الله صالح رسمياً كجزء من الانقلاب، بشكل رسمي وإن كان قد أظهر نفسه مؤيداً لانقلاب الحوثيين وكان الموالون له في صدارة المشهد، منذ البداية، وكان الجميع، وما زالوا، يتذكرون أن القوات الموالية لصالح هي التي دبرت وسمحت للميليشيات الحوثية باجتياح محافظة عمران ثم صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2014.
لم يدم «شهر العسل» ولم يتمكن الطرفان من إظهار نفسيهما مكان الدولة الشرعية عبر ذلك المجلس وعبر استدعاء «بقايا» البرلمان وعقد جلسات «صورية»، كما يصفها المراقبون، من أجل تمرير صيغة إشهار ذلك المجلس الانقلابي، ثم الحكومة الانقلابية، التي انبثقت عنه.
من بدايات القصة في الصراع بين الطرفين، هو الرغبة الجارفة لدى المتمردين الحوثيين في السيطرة على كل شيء، على الدولة ومفاصلها من دون شريك، وهذه الرغبة الممزوجة بروح الانتقام من صالح ورجالاته، كما يقول البعض، دفعتهم إلى ممارسة سلوكيات مماثلة لما قاموا به ضد الخصوم السياسيين في الشرعية والأحزاب السياسية الأخرى، وإن بصورة أكثر إهانة بالنسبة للموالين لصالح، فبعد تشكيل الحكومة الانقلابية (نوفمبر/تشرين الثاني 2016)، بوقت قصير، بدأ الحوثيون في توجيه الإهانة تلو الأخرى لممثلي صالح في تلك الحكومة، عبر الاعتداء عليهم ومنعهم من دخول مكاتبهم، ووصلت تلك الإهانات إلى لطم «صفع» عدد من الوزراء والمسؤولين، ثم تطور الأمر إلى إزاحة الكثير منهم من مواقعهم، في مختلف المؤسسات وإحلال مسؤولين موالين للحوثيين في مواقعهم. وبنظر الكثير من المراقبين، فإن الحوثيين، في الآونة الأخيرة، بدأوا يتصرفون بعيدا عن «مبدأ الشراكة»، كما يسمى، مع صالح، وهو ما أثار حفيظته، خاصة بعد تدني شعبيته وسط الجناح الموالي له من حزب المؤتمر الشعبي العام، جراء صمته عما يتعرضون له على يد الحوثيين من إهانات وإذلال وإقصاء من المناصب والمواقع القيادية، ولعل ذلك ما دفع صالح إلى المهرجان الاستعراضي في 24 أغسطس (آب) الماضي، بالاحتفال بمناسبة الذكرى 35 لتأسيس حزب المؤتمر، وهو المهرجان الذي أثار حفيظة الحوثيين وكانوا يعارضون إقامته، بسبب خشيتهم من أن يسحب صالح البساط من تحت أيديهم والظهور بأن لديه موالين كثيرين.
يقول الدكتور معن دماج، الكاتب وأستاذ الفلسفة بجامعة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن المهرجان الذي دعا إليه وأقامه صالح في ميدان السبعين في أغسطس الماضي، وضع الحوثيين أمام خيارين «الأول هو التحرك لضرب صالح وجماعته قبل أن ينجح في قلب الميزان السياسي في مناطق هيمنة تحالفهما وصولا حتى تغيير المعادلة الأمنية والعسكرية المهيمنة هناك، مع ما ينتج عن ذلك من ضعفهما معا وخصوصا الحوثيين في صراعهم مع الجيش الوطني والمقاومة الشعبية والتحالف العربي، والخيار الثاني هو الانتظار وعدم المجازفة بالصراع مع صالح والذي سيضعفهما معا أمام الدولة الشرعية لكنهم بذلك يجازفون بأن يصلوا إلى الصراع مع صالح من موقف أضعف». ومنذ تشكيل ما سمي «المجلس السياسي الأعلى»، كان يفترض أن تكون رئاسته بالتناوب بين حزب صالح والحوثيين، إلا أن جماعة الحوثي تسيطر على المجلس منذ تشكيله ومددت لرئيسه الذي ينتمي إليها (صالح الصماد)، أكثر من مرة، ولم تسلم الرئاسة لممثلي صالح، كما كان متفقا، هذا عوضا عن أن الحوثيين وخلال جولات الحوار في جنيف وبييل السويسريتين ومن ثم جولتي الكويت، كانوا من يسيطرون على المشهد السياسي والتفاوضي، مع حالة إقصاء واضحة لممثلي صالح. وبالعودة إلى المشهد السياسي في القريب جدا، فإن الأسبوع الماضي شهد أول محادثة عبر دائرة تلفزيونية مغلقة بين علي عبد الله صالح وعبد الملك الحوثي، وبعيدا عن حالة السخط التي انتابت الموالين لصالح بسبب ما وصفوه بـ«الاستخفاف بالزعيم، كما يطلقون على صالح، من قبل الحوثيين»، وهو السخط الذي ظهر جليا على وسائل التواصل الاجتماعي. وبعيدا عن ذلك، صدم مؤيدو صالح به وأصدر منشورا يوكل فيه إلى نائبه في قيادة الحزب (عارف الزوكا) القيام نيابة عنه بمهام التحركات للأنشطة الاجتماعية (التهاني والتعازي)، وهو ما فسر على أنه ضغط من قبل الحوثيين على صالح للاعتزال عن الظهور الإعلامي.
بالطبع، سبقت تلك المحادثة المتلفزة، أن سربت معلومات تتحدث عن مطالب حوثية من صالح مع اشتداد الأزمة بين الطرفين والتي وصلت حد الملاسنات الإعلامية والحملات المتبادلة، أبرز تلك المطالب تمثلت في طلب الحوثيين من صالح عدم إقامة أي مهرجانات جماهيرية أو شعبية، وتسليم بقية المعسكرات إلى (وزارة الدفاع) في الحكومة الانقلابية، وغيرها من المطالب، وفي خطوة تصعيدية أخرى، طالبته هيئة مكافحة الفساد، هو ورئيس اللجنة الثورية العليا، كما تسمى، محمد علي الحوثي وأعضاء اللجنة، بتقديم إقرار بالذمة المالية، وهو الأمر الذي اعتبره مراقبون استهدافا لصالح في إطار الصراع الدائر بين الطرفين، خاصة أن المطالبة هددت بالحبس لمن لا يقدم الإقرار 6 أشهر، على أقل تقدير، وفي حين يعتقد المراقبون أن وضع اسم الحوثي وأعضاء اللجنة في قائمة المطالبة بمثابة ذر الرماد في العيون وأن المستهدف هو صالح، فإنهم يستغربون صمته ومطالبته بإقرار الذمة الماضية وهو لا يشغل منصبا رسميا في الحكومة الانقلابية، أصلا. لكن صالح (السبت الماضي)، ظهر في اجتماع للجنة العامة (المكتب السياسي) لحزب المؤتمر معلنا أنه توصل مع عبد الملك الحوثي إلى تفاهمات تمنع «شق الصف».
طوال أكثر من 3 عقود من حكمه لليمن، بنى صالح جيشا يوصف في اليمن بـ«الجيش العائلي»، ولم يكن أحد من المراقبين يتوقع أن يأتي يوم ويتمكن أحد من خلخلة بينة هذا الجيش «العائلي» الموالي لصالح، على الإطلاق، حتى إن محاولة الرئيس عبد ربه منصور هادي إعادة هيكلة القوات المسلحة بعد خلع صالح وتولي هادي قيادة البلاد كرئيس توافقي، اصطدمت ببنية الجيش المصمم على مقاس صالح وعائلته والموالين له، وهذا الجيش، بشهادة الجميع، هو من مهد لبضعة آلاف من الحوثيين من اجتياح العاصمة والمدن، بعد أن نزع ضباطه وجنوده بزاتهم العسكرية وارتدوا الملابسة الشعبية التي تميز الميليشيات وانطلقوا معها كميليشيات، لكن وبقدرة قادر، تمكن الحوثيون من اختراق بينة «الجيش العائلي» والسيطرة على معظم المعسكرات والقوة التي كان يباهي بها صالح، بحسب المراقبين.
يؤكد المحلل العسكري، العميد عباس الشاعري أن الحوثيين تمكنوا، من خلال دعم القوات العسكرية الموالية لصالح، و«أثناء سيطرتهم على معظم المناطق والمحافظات الشمالية والجنوبية قاموا بسحب الأسلحة والمعدات العسكرية من الوحدات والألوية والمناطق العسكرية إلى عقر دارهم في صعدة وبعض المحافظات القريبة منها وتخزينها تحت سيطرتهم وإشرافهم وذلك بكميات كبيرة، بما فيها الأسلحة الثقيلة كالدبابات وراجمات الصواريخ والمدفعية والصواريخ الباليستية وغيرها، مما أكسبها قوة عسكرية صلبة تستطيع خوض القتال في أكثر من جبهة، ويؤكد ذلك ما هو حاصل اليوم بوجودها في أكثر من جبهة سواء داخل اليمن أو في الحدود مع المملكة العربية السعودية». وفي كل الحالات، يتزايد الحديث عن إمكانية دخول الطرفين (صالح والحوثي) في صراع عسكري. ويؤكد الشاعري لـ«الشرق الأوسط» أن صالح «كان يعتمد على قوات الحرس الجمهوري وبقية الوحدات الأمنية كالأمن المركزي وغيره وكانت هذه الوحدات فعلا مجهزة تجهيزا تكتيكيا عسكريا ومسلحة ومدربة تدريبا متفوقا ولكن الحوثيين سعوا، خلال فترة تحالفهم مع صالح، بطرق ملتوية وهادئة إلى تفكيك هذه القوات».
ويعتقد أستاذ الفلسفة، الدكتور معن دماج أنه «إذا اندلع الصراع، فإن ميزان القوى يبدو في مصلحة الحوثيين في العاصمة، حيث يسيطرون أمنيا على أغلبها كما في محافظة صعدة وأجزاء من محافظتي عمران وحجة، بينما ميزان القوى في مصلحة علي صالح في الحزام القبلي المحيط بصنعاء ومحافظة ذمار وبقية المحافظات الشمالية جنوبا وغربا، كما يمتلك علي صالح أسلحة نوعية خصوصا تلك التي كانت بحوزة القوات الخاصة، وهي كتائب مدربة تدريبا عاليا»، لكن دماج يقول إن «ذلك لا يعني أن هناك إمكانية لحسم سريع أو أن كفة أحدهما سترجح بشكل تلقائي، لكن على الأرجح أن صراعا إذا اندلع سيؤدي إلى تقاسم السيطرة على المناطق التي تقع تحت هيمنتهما، خصوصا أنهما لن يندفعا بالصراع إلى غايته لأن ذلك يعني تسليم رقبتيهما معا للشرعية والتحالف العربي».
ويرى العميد الشاعري أنه «في حالة حدوث أي مواجهات مسلحة بين الطرفين، فلن ينتصر أي طرف، وإن انتصر طرف على الآخر، فلن يكون إلا لفترة قصيرة جدا، وقد تنشب حرب أهلية إن لم يستغل هذا الوضع طرف ثالث ونقصد قوات الشرعية المدعومة من دول التحالف التي بالإمكان أن تفرض سيطرتها على الوضع وتخضعه لصالح الشرعية». ويتساءل القائد العسكري الشاعري عن الأسباب التي لن تجعل الغلبة لأي من الطرفين ويجيب، أيضا، لهذه الأسباب: «لأن الطرفين لا يحملان مشروعا وطنيا واضحا يرضي تطلعات الشعب لبناء دولة وطنية حديثة، الحوثيون يواجهون كرها شديدا من معظم عامة الشعب بسبب مشروعهم الهزيل لإعادة الولاية، وصالح هو الآخر غير مرغوب من قبل قطاعات واسعة من الشعب بسبب تجربته الفاشلة بإقامة نظام عائلي مناطقي خلال سنوات حكمه الـ33 عام والذي ما زال، حتى هذه اللحظة، يحاول إعادة الحكم إلى حظيرة العائلة والمنطقة والقبيلة».
وكلما تواردت الأخبار والأنباء عن سعير الخلاف بين الحوثي وصالح، برزت الكثير من التحليلات بخصوص ما سوف يكون عليه الوضع لو أن المواجهة العسكرية اندلعت وانفجر الوضع بينهما، وتصل بعض تلك التحليلات إلى «الأمنيات»، لدى البعض، فيما يحسم البعض الآخر موقفه وقراءته، كما هو الحال بالنسبة للكاتب عبد السميع محمد، الذي قال إن صالح سوف يهزم في المواجهة وذلك «يعود إلى أن الحوثي حركة فتية عقائدية لها مهارات قتالية تطورت خلال معتركات عدة ومنذ اجتياحها لصنعاء في سبتمبر 2014، تمكنت الحركة من اختراق وحدات الحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية، ولكون الحوثي وحركته ليس غريبا عن البيئة العصبوية القبيلة الطائفية التي ظلت لزمن طويل محركا وباعثا للصراعات فقد تمكن الحوثي من استمالة الكثير من الضباط والقادة القبليين المحسوبين على الرئيس السابق صالح».
غير أن الكلام الأكثر خطورة ما يطرحه محمد قاسم نعمان، رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان، الذي قال إن «المؤشرات تبين أن الحوثيين كانوا قد أعدوا العدة من قبل لتصفية الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وهذا الهدف أي تصفية صالح كان معدا من قبل إبرام التحالف بينهما، أي من قبل خطتهم في السيطرة على عمران ودخول صنعاء والسيطرة عليها»، مؤكداً أن «هدفهم كان يقوم على الاستفادة من إمكانات صالح وبالذات قوات الحرس الجمهوري وألوية أخرى كي ينجحوا في انقلابهم على الشرعية وقبل صالح التحالف معهم لأن همه الرئيسي هو الانتقام من كل من عمل على إسقاطه من السلطة عام 2011، بما فيهم الرئيس عبد ربه منصور». ثم يردف نعمان بأن «الحوثيين لا يريدون مواجهة المؤتمر الشعبي وقبائله، لكنهم فقط يريدون إزاحة صالح لينفردوا في ترتيبات وقف الحرب ويقدموا أنفسهم أنهم يمثلون قوة رئيسية في محافظات الشمال، وبالتالي يصبحون طرفا واحدا في مواجهة الشرعية، وباعتقادي أنهم لا يمانعون الدخول في صفقات مع بعض قيادات المؤتمر الشعبي، وبالذات مشايخ وقيادات المؤتمر في المحافظات الشمالية، ولهذا توقعاتي أن تتم تصفية صالح وأبرز المقربين له قريبا».


مقالات ذات صلة

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

المشرق العربي الدكتور رشاد محمد العليمي يرأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني (سبأنت)

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

أعرب مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه اليوم برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن اعتزازه بأداء القوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج القيادات الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية خلال اجتماعهم (الشرق الأوسط)

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

أطاحت وزارة الداخلية اليمنية بعناصر متهمة بالتخطيط لأعمال تخريبية في مأرب، بحسب مسؤول أمني رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط» إصابة مساعد القائد والقبض على زعيم الخلية.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

أعلن الجيش اليمني، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استهدفت مواقع ومصادر نيران وقدرات تابعة للجماعة الحوثية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»

وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

ما نوع العلاقة بين الحوثيين وإيران؟ سألت «الشرق الأوسط» أفراح الزوبة، أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية، فأجابت: «أستخدم تعبير التخادم؛ لأنه يصف العلاقة».

بدر القحطاني (الرياض)
تحليل إخباري وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

تحليل إخباري خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

رأى خبراء عسكريون وسياسيون يمنيون أن دخول قدرات جوية جديدة إلى الخدمة لدى القوات الحكومية، يمكن أن ينقلها تدريجياً من موقع الدفاع والاستنزاف إلى المبادرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

تحذير أممي من تعميق الأزمة الإنسانية جراء هجمات الحوثيين

طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تعميق الأزمة الإنسانية جراء هجمات الحوثيين

طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)
طفلة يمنية تتلقى العلاج في مستشفى بالمخا إثر إصابتها جراء هجمات الحوثيين (أ.ب)

حذرت الأمم المتحدة من أن التصعيد العسكري الحوثي في اليمن، وما يرافقه من استهداف للمدنيين والمنشآت والموانئ والسفن التجارية، ينذر بتعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في بلد يواجه أصلاً واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، بينما تتحرك الحكومة اليمنية لرفع جاهزية قطاعات النقل والتجارة وتأمين سلاسل الإمداد والمخزون الغذائي في مناطق سيطرتها.

ودق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك ناقوس الخطر من التداعيات المتزايدة للهجمات الحوثية على البنية التحتية المدنية، محذراً من أن استمرارها يضاعف معاناة السكان، في وقت يعاني فيه ما لا يقل عن 18 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي.

وقال تورك، في تصريح نشره موقع الأمم المتحدة، إن على جميع الأطراف الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والامتناع عن توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين أو إلحاق أضرار بالمنشآت المدنية.

مسؤولون يمنيون يجهزون جثماني بحارين باكستانيين قُتلا في هجوم حوثي على سفينة شحن (أ.ب)

وأشار المفوض السامي إلى سقوط 17 ضحية مدنية جراء هجمات حوثية استهدفت مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية منذ السادس من أغسطس (آب) الحالي، في مؤشر على اتساع نطاق المخاطر التي تهدد السكان والمنشآت المدنية بالتزامن مع التصعيد العسكري المتواصل.

وأكد تورك أن الشعب اليمني عانى «بشكل كبير جداً» جراء التركة المدمرة لسنوات الصراع والنزوح والأزمة الإنسانية، داعياً إلى خفض التصعيد وتجنيب اليمنيين المزيد من المعاناة، والوقف الفوري لأي أعمال قد تدفع البلاد مجدداً نحو صراع شامل.

هجمات في عدة جبهات

تأتي التحذيرات الأممية في أعقاب سلسلة هجمات حوثية طالت مواقع مدنية ومرافق حيوية، من بينها مخيم جو النسيم للنازحين في محافظة مأرب، حيث أصيب ستة مدنيين، بينهم طفل، وفق ما أوردته الأمم المتحدة.

كما طالت الهجمات ميناء المخا في محافظة تعز، ومضيق باب المندب، في تطور يربط بين مسارين متوازيين من التصعيد؛ أولهما يضغط على السكان والمنشآت داخل اليمن، والآخر يهدد حركة الملاحة والتجارة الدولية في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في المنطقة.

لحظة انفجار صواريخ حوثية أطلقت على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

ويحمل استهداف الموانئ والسفن التجارية تداعيات تتجاوز الأضرار المباشرة؛ إذ يمكن أن ينعكس على كلفة النقل والشحن والتأمين، ويزيد صعوبة وصول السلع إلى الأسواق اليمنية، في وقت يعتمد فيه ملايين السكان على الواردات لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وتزداد حساسية هذه التطورات في ظل هشاشة الاقتصاد اليمني وتراجع قدرة الأسر على تحمل أي ارتفاعات جديدة في أسعار الغذاء والسلع الأساسية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الموانئ أو خطوط الإمداد عاملاً إضافياً في تعميق الضغوط المعيشية.

وفي هذا السياق، لا تنظر الحكومة اليمنية إلى التصعيد باعتباره ملفاً عسكرياً وأمنياً فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً لسلاسل الإمداد والأسواق والاستقرار التمويني، وهو ما دفع وزاراتها المعنية إلى التحرك على مسارات متوازية.

استنفار في قطاع النقل

في سياق هذه التداعيات، أجرى رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني زيارة تفقدية إلى وزارة النقل في عدن، للاطلاع على سير العمل في قطاعات النقل البري والبحري والجوي، ومستوى الجاهزية للتعامل مع التطورات الراهنة.

وعقد الزنداني اجتماعاً بقيادة الوزارة والهيئات والمؤسسات والشركات التابعة لها، جرى خلاله استعراض أوضاع قطاعات النقل وأولويات المرحلة المقبلة، إلى جانب خطط التعامل مع التصعيد الحوثي واستهداف الموانئ والمنشآت المدنية والسفن التجارية.

وبحسب الإعلام الرسمي، تناول الاجتماع أوضاع المنافذ البرية والبحرية والجوية ومستوى الاستعداد للتعامل مع مختلف الاحتمالات، بما يضمن استمرار حركة النقل والتجارة، وتأمين انسيابية حركة المسافرين والبضائع، والحفاظ على سلامة المنشآت الحيوية واستدامة الخدمات المرتبطة بها.

من آثار القصف الصاروخي الحوثي على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وأكد الزنداني أن استهداف الموانئ والمنشآت المدنية، وفي مقدمتها ميناء المخا، والاعتداءات على السفن التجارية وتهديد الملاحة، تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف الاقتصاد الوطني ومصالح المواطنين، وتتجاوز تداعياته حدود اليمن لتطال أمن الملاحة والتجارة الدولية في المنطقة.

وشدد على أن حماية المنشآت الحيوية واستمرارية عمل الموانئ والمنافذ وقطاعات النقل تمثل أولوية في المرحلة الحالية، موجهاً وزارة النقل برفع مستوى الجاهزية وتعزيز التنسيق مع أجهزة الدولة واتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع أي طارئ، وفق خطط واضحة تقلل آثار أي استهداف أو تعطيل محتمل.

وفي الوقت نفسه، ربط الزنداني بين مواجهة مخاطر التصعيد وإصلاح قطاع النقل، مشيراً إلى أن هذا القطاع يواجه اختلالات تراكمت خلال سنوات الحرب، وأن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من المعالجات المؤقتة إلى إصلاحات مؤسسية شاملة تعيد بناء قدراته وتفعّل دوره في الاقتصاد والخدمات.

وأكد أهمية استعادة ميناء عدن لمكانته بوصفه ميناء محورياً في المنطقة، وتعزيز قدراته التشغيلية والإدارية والفنية، معتبراً أن تطوير قطاع النقل يحتاج أيضاً إلى شراكة حقيقية مع القطاع الخاص وتوفير بيئة مؤسسية وتشريعية تسمح له بالمساهمة في تطوير البنية التحتية والخدمات.

حماية الغذاء والأسواق

في ظل هذه التطورات، شدد وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول على رفع مستوى الجاهزية واليقظة وتعزيز العمل الاستباقي؛ لمواجهة أي تداعيات محتملة على الأسواق وسلاسل الإمداد والمخزون الغذائي.

وقال الأشول، خلال ترؤسه اجتماعاً موسعاً لمديري عموم مكاتب الوزارة في المحافظات الخاضعة للحكومة، إن التصعيد الحوثي واستهداف السفن التجارية والموانئ والمنشآت الحيوية، وفي مقدمتها ميناء المخا، يفرضان مضاعفة الجهود للحد من انعكاساته على حركة التجارة وكلفة الشحن والتأمين وتدفق السلع والأسعار.

ودعا إلى الانتقال من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى استباقها، من خلال رصد المؤشرات والتعامل معها في وقت مبكر، بما يحافظ على استقرار الأسواق ويحمي معيشة المواطنين.

صاروخ أطلقه الحوثيون على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (رويترز)

ووجه مكاتب الوزارة بإعطاء المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية أولوية قصوى، وإعداد قواعد بيانات محدثة بشأن الكميات المتوافرة ومدد التغطية التموينية والشحنات المقبلة والمخاطر المحتملة، إلى جانب تكثيف التواصل مع الغرف التجارية وكبار التجار والمستوردين لتذليل الصعوبات أمام النشاط التجاري.

وفي المقابل، شدد الوزير على عدم التهاون مع الاحتكار أو إخفاء السلع أو تخزينها بقصد افتعال الأزمات واستغلال احتياجات المواطنين، مطالباً بتكثيف الحملات الرقابية ومتابعة الأسعار والتحرك ضمن الصلاحيات قبل تحول أي اضطراب في الإمدادات إلى أزمة أوسع.

كما طالب مكاتب الوزارة برفع تقارير دورية تستند إلى الأرقام والمؤشرات والتحليل والتوصيات، بدلاً من التقارير الإنشائية، بحيث تتمكن الوزارة من اتخاذ قرارات سريعة في مواجهة أي اختلالات محتملة.


فواتير العلاج تحبس مرضى داخل مستشفيات يديرها الحوثيون

مريض يمني جرى احتجازه في مستشفى بمحافظة ذمار (فيسبوك)
مريض يمني جرى احتجازه في مستشفى بمحافظة ذمار (فيسبوك)
TT

فواتير العلاج تحبس مرضى داخل مستشفيات يديرها الحوثيون

مريض يمني جرى احتجازه في مستشفى بمحافظة ذمار (فيسبوك)
مريض يمني جرى احتجازه في مستشفى بمحافظة ذمار (فيسبوك)

لم يعد المرض وحده ما يثقل كاهل المرضى في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، إذ يعجز بعضهم عن مغادرة المستشفيات بعد انتهاء حاجتهم الطبية إلى الرقود، بسبب عدم قدرتهم على سداد فواتير العلاج المتراكمة.

وتقول أسر مرضى في صنعاء وإب وذمار ومناطق أخرى لـ«الشرق الأوسط»، إن تكاليف العلاج والأدوية والخدمات الطبية باتت تتجاوز قدرتها المالية، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية، ما دفعها إلى الاستدانة أو بيع الممتلكات لتوفير نفقات العلاج، بينما بقي مرضى داخل المستشفيات إلى حين تسوية المبالغ المستحقة.

وكشفت مصادر عاملة في القطاع الصحي الخاضع للحوثيين عن تكرار حالات من هذا النوع خلال الفترة الأخيرة في مستشفيات حكومية وخاصة، مشيرة إلى أن عجز المرضى وذويهم عن دفع الفواتير أصبح سبباً في تأخير مغادرتهم المنشآت الطبية، حتى بعد تحسن حالاتهم أو صدور قرارات طبية تسمح لهم بالخروج.

وفي أحدث الحالات التي رصدتها مصادر طبية في صنعاء، أبقت إدارة مستشفى خاص يديره ما يُسمى «الحارس القضائي» للحوثيين مريضاً من محافظة إب داخل قسم رقود الجراحة، بعد عجز أسرته عن سداد بقية تكاليف علاجه.

أطباء وعاملون صحيون في مستشفى حكومي خاضع للحوثيين بصنعاء (فيسبوك)

وقالت المصادر إن المريض سامر عبد الله الزهيري حصل على قرار طبي يسمح له بالمغادرة، وحاولت أسرته إخراجه من المستشفى، إلا أن الإدارة رفضت ذلك، وأبقت عليه إلى حين سداد المبلغ المتبقي، الذي يبلغ نحو 250 ألف ريال يمني (الدولار حوالي 535 ريالاً في مناطق سيطرة الجماعة).

وأضافت أن أسرة الزهيري لم تتمكن من توفير المبلغ، ما أبقى المريض في المستشفى رغم انتهاء حاجته الطبية إلى الرقود، وفقاً للمصادر.

ولا تختلف معاناة «أم خالد»، وهي من سكان صنعاء، كثيراً عن هذه الحالة؛ إذ تقول إنها اضطرت قبل نحو أسبوع إلى بيع بعض ممتلكاتها والاستدانة من أقاربها لتوفير جزء من تكاليف علاج ابنها، الذي أسعفته إلى مستشفى خاص تديره جهة مرتبطة بما يسمى «الحارس القضائي» الحوثي.

وتضيف أن ما تمكنت من توفيره لم يكن كافياً لتسوية كامل الفاتورة، ما أدى إلى استمرار بقاء ابنها في المستشفى رغم تحسن حالته الصحية.

حالات في إب وذمار

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر طبية بأن إدارة مستشفى الثورة العام الحكومي أبقت لعدة أيام على المريض سالم هبة سلمان، وهو من محافظة الحديدة، بعد عجزه وأسرته عن سداد تكاليف علاجية متبقية تصل إلى نحو 150 ألف ريال يمني.

وأكدت المصادر أن إدارة المستشفى رفضت السماح للمريض بالمغادرة قبل تسديد المبلغ المستحق، رغم أن المستشفى منشأة حكومية تقدم جزءاً كبيراً من خدماتها للمرضى مجاناً.

مرضى ومراجعون أمام مركز الطوارئ بالمستشفى الجمهوري في صنعاء (إكس)

وفي محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفرج مستشفى الرازي الخاص في وقت سابق عن مريض بعد بقائه لنحو شهر على خلفية عجزه عن سداد تكاليف العلاج المتبقية، التي لم تتجاوز 200 ألف ريال يمني، أي نحو 390 دولاراً وفق السعر الذي أوردته المصادر.

وحسب المصادر، فإن المريض عمر مهيم، وهو من أبناء محافظة الحديدة، ظل داخل المستشفى على ذمة المبلغ المستحق، قبل أن يتدخل تجار وفاعلو خير في المحافظة بكفالة سداد المديونية، ما أتاح له مغادرة المستشفى.

وتقول مصادر محلية إن تدخل فاعلي الخير أصبح في بعض الحالات الوسيلة الأخيرة التي تلجأ إليها الأسر لإنهاء بقاء مرضاها داخل المستشفيات، بعدما تعجز عن توفير تكاليف العلاج من مواردها الخاصة.

أزمة متشابكة

تأتي هذه الوقائع في وقت يواجه فيه القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين أزمة متفاقمة، تتصل بنقص التمويل والمستلزمات الطبية، وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على تقديم خدمات مجانية، بالتزامن مع اتساع الضغوط الاقتصادية على السكان.

وتتحمل الأسر اليمنية في كثير من الحالات جانباً كبيراً من تكاليف العلاج، في وقت أدت فيه سنوات الحرب والانقسام الاقتصادي إلى تآكل مصادر الدخل وارتفاع أسعار السلع والخدمات، بما فيها الأدوية والرعاية الطبية.

وتقول عائلات إن بعض المرضى يضطرون إلى البقاء في المستشفيات بعد استقرار حالاتهم الصحية، إلى حين تدبير المبالغ المطلوبة أو تدخل متبرعين لسداد الفواتير المتراكمة. وفي حالات أخرى، تلجأ الأسر إلى بيع ممتلكات أو الاقتراض من الأقارب والمعارف لتجنب استمرار بقاء المرضى داخل المنشآت الطبية.

يمنيون يشكون تخصيص المستشفيات العمومية للعناصر الحوثية (فيسبوك)

ويرى حقوقيون أن استمرار إبقاء المرضى بسبب العجز عن سداد الديون الطبية يضيف بُعداً إنسانياً وقانونياً إلى الأزمة الصحية، خصوصاً عندما يكون المريض قد استوفى حاجته الطبية إلى الرقود وأصبح قادراً على مغادرة المنشأة.

ويطالب هؤلاء بإيجاد آليات تضمن حصول المرضى المعسرين على الرعاية الصحية وعدم تحويل العجز عن الدفع إلى سبب يحول دون مغادرتهم المستشفيات، فضلاً عن توفير دعم للفئات الأكثر فقراً التي لم تعد قادرة على تحمل تكلفة العلاج.

وتشير وقائع سابقة وثّقتها مصادر محلية إلى أن المشكلة لا تقتصر على مستشفى أو محافظة بعينها، إذ سُجلت حالات مماثلة في مستشفيات حكومية وخاصة بمناطق خاضعة للحوثيين، شملت مرضى من فئات عمرية مختلفة، بينهم مسنون وأطفال، على خلفية عجز ذويهم عن دفع تكاليف العلاج أو الإقامة.


الحوثيون يستهدفون المخا لإجهاض صعود مينائها

عشرات الصواريخ والمسيرات الحوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
عشرات الصواريخ والمسيرات الحوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يستهدفون المخا لإجهاض صعود مينائها

عشرات الصواريخ والمسيرات الحوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
عشرات الصواريخ والمسيرات الحوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

منذ أكثر من أسبوع، يواصل الحوثيون المدعومون من إيران استهداف مدينة المخا ومينائها والمرافئ اليمنية القريبة من باب المندب على ساحل البحر الأحمر، بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في تصعيد واسع أدى إلى خروج ميناء المخا من الخدمة منذ عدة أيام، وألحق أضراراً كبيرة بالبنية التحتية والمنشآت والسفن الراسية فيه.

وبينما تزعم الجماعة الحوثية أنها تستهدف مواقع وسفناً مرتبطة بالجانب العسكري، لم يثبت صحة هذه الادعاءات، في وقت تقول فيه مصادر حكومية ومطلعة إن طبيعة القصف واتساع نطاقه يكشفان عن أهداف تتجاوز ما تعلنه الجماعة، ويرتبطان بتحولات عسكرية محتملة على الساحل الغربي، فضلاً عن مخاوف الجماعة من صعود ميناء المخا منافساً لميناء الحديدة الخاضع لسيطرتها.

ووفق إحصائية للقوات الحكومية في الساحل الغربي، استهدف الحوثيون الميناء التجاري والمرافئ القريبة منه بـ 46 صاروخاً باليستياً و55 طائرة مسيّرة، إلى جانب استخدام الزوارق المفخخة.

أضرار واسعة في ميناء المخا اليمني جراء الهجمات الحوثية الصاروخية (أ.ف.ب)

وتقول مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين يستشعرون خطر هجوم مباغت للقوات الحكومية، من دون معرفة الاتجاه الذي قد تبدأ منه أي عملية عسكرية محتملة، وهو ما دفعهم إلى استهداف مواقع لوحدات النخبة في الجيش اليمني، التي باتت، بحسب المصادر، جاهزة للمشاركة في أي معركة محتملة انطلاقاً من محافظة مأرب.

وكثفت الجماعة الحوثية قصفها لميناء المخا والمرافئ القريبة منه، في محاولة لتعطيل دوره المتنامي كميناء تجاري على البحر الأحمر، خصوصاً مع استكمال أعمال تطويره وتأهيله ليكون قادراً على استقبال سفن الحاويات، وتعزيز حركة الاستيراد والتصدير.

وأدى القصف غير المسبوق إلى تعطيل الميناء، وتوقف وصول السفن المحملة بالمواد الغذائية والكهربائية وبضائع أخرى من الضفة الأخرى للبحر الأحمر، في وقت كان المرفأ يستعد فيه لمرحلة جديدة من النشاط التجاري.

وترى مصادر مطلعة أن استهداف الميناء وبنيته التحتية بهذا الحجم يعكس أهميته التي بات يحتلها بالنسبة إلى المستوردين والتجار، خصوصاً أولئك الذين ينقلون بضائعهم إلى مناطق شمال اليمن عبر ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين، ويواجهون، وفق مصادر تجارية، أشكالاً متعددة من الجبايات والرسوم.

أشخاص يبحرون بقاربهم بمحاذاة سفن حاويات راسية بالقرب من مضيق باب المندب (أ.ف.ب)

وتشير طبيعة المواقع التي استهدفتها الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مخاوف حوثية من أن يتحول المخا إلى مركز تجاري وملاحي بديل، مستفيداً من موقعه القريب من باب المندب، ومن قدرته على خدمة مناطق واسعة تشمل تعز وإب وأجزاء من لحج والحديدة والضالع.

ولا تقتصر الحسابات الحوثية، وفق المصادر، على الجانب التجاري، إذ تنظر الجماعة إلى المخا بوصفها نقطة يمكن أن تنطلق منها عمليات عسكرية تستهدف مناطق أخرى خاضعة لسيطرتها في محافظة الحديدة، وهو ما يجعل الميناء والمدينة جزءاً من معادلة عسكرية أوسع من حدود المنشأة نفسها.

استهداف الأعيان المدنية

يكشف حجم الأضرار التي خلفتها الهجمات عن اتساع نطاق الاستهداف، إذ دمر القصف في أيامه الأولى 3 سفن تجارية كانت راسية في الميناء، بينها سفينة خشبية تحمل بضائع لتجار ووكالات مختلفة، قبل أن تتوقف عمليات تفريغ السفن عقب إجلاء العمال وخروج الرافعات المستأجرة عن العمل.

وأسفرت الضربات الأولى عن مقتل 7 أشخاص داخل الميناء، بينهم 3 مدنيين، أحدهم طباخ وآخر عامل وثالث موظف إداري، إضافة إلى أربعة من أفراد أمن المنشآت.

كما طال القصف الرصيف وورش الخدمات اللوجستية والهنغر المركزي، فضلاً عن معدات وقطع بحرية مخصصة لخدمة السفن، ما أدى إلى تعطيل أجزاء أساسية من النشاط الملاحي في المرفأ.

طائرة مسيرة أطلقها الحوثيون باتجاه مواقع تسيطر عليها الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)

وفي الأيام اللاحقة، استهدف الحوثيون سفينة «تهامة»، وهي سفينة تجارية كانت تنقل المواد الغذائية والركاب بين الموانئ اليمنية والقرن الأفريقي وأرخبيل سقطرى؛ ما أدى إلى مقتل أربعة من أفراد طاقمها، إضافة إلى اثنين من المنقذين اليمنيين الذين كانوا يحاولون إنقاذ الطاقم والسفينة، وفق مصادر محلية.

وفي أحدث قصف، استهدفت الجماعة بأربعة صواريخ سفينة تجارية محلية كانت راسية في مرفأ العرضي بمنطقة باب المندب، وتعود ملكيتها إلى مقاول محلي، وكانت تخضع للصيانة منذ عدة أشهر بعد تفريغ حمولتها من البضائع.

وبحسب مصادر ملاحية، اشترى المقاول اليمني بلال الشميري السفينة، التي تحمل اسم «أمير خان»، من تاجر هندي في إندونيسيا لاستخدامها في أنشطته البحرية والتجارية. وأضافت المصادر أن طاقم السفينة كان يمنياً، وأن أفراده غادروا السفينة بالكامل خلال الأسبوع الماضي، ما حال دون وقوع خسائر بشرية بينهم.

خسائر حوثية

يتزامن التصعيد ضد ميناء المخا مع خسائر بشرية تتكبدها الجماعة الحوثية في خطوط التماس مع القوات الحكومية، خصوصاً في جبهات جنوب الحديدة، حيث قتل أكثر من 180 من مقاتليها، وفق مصادر حكومية، من دون أن تتمكن الجماعة من تحقيق تقدم ميداني أو السيطرة على مواقع جديدة.

جندي من القوات البحرية اليمنية خلال دورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وتقول المصادر إن هذه الخسائر تأتي في وقت تحاول فيه الجماعة تعزيز وجودها العسكري على جبهات الساحل الغربي، بالتزامن مع تكثيف القصف على المخا ومحيط باب المندب، الأمر الذي يعكس، بحسب تقديراتها، محاولة حوثية لخلط الأوراق العسكرية والضغط على القوات الحكومية قبل أي تحرك محتمل.

كما تكبد الحوثيون خسائر في جبهات أخرى، من بينها مقتل حسين الهطفي، قائد حراسة عبد الخالق الحوثي، شقيق زعيم الجماعة، الذي يقود ما تسميه الجماعة «المنطقة العسكرية المركزية».

وقُتل الهطفي في غارة نفذتها طائرات مسيّرة تابعة للقوات الحكومية، ضمن سلسلة ضربات استهدفت مواقع وتجمعات للحوثيين، بحسب المصادر.

ووفقاً للمصادر الحكومية، ينحدر الهطفي من منطقة مجز في محافظة صعدة، وهو رابع أشقائه الذين قتلوا في أثناء القتال في صفوف الحوثيين منذ اندلاع الحرب.