توافد زعماء العالم إلى نيويورك... وكوريا الشمالية وميانمار أبرز الملفات

ترقب لسياسات ترمب في أول حضور له لدورة الجمعية العامة

TT

توافد زعماء العالم إلى نيويورك... وكوريا الشمالية وميانمار أبرز الملفات

بدأ أمس توافد قادة العالم إلى نيويورك لحضور الدورة 72 للجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام. الكثير من الإثارة والتشويق تنتظر الجلسات التي ستبدأ صباح الثلاثاء المقبل، وسط أحداث سياسية ملتهبة كالعادة تشغل المجتمع الدولي من شرق الكرة الأرضية إلى غربها.
وتثير استفزازات كوريا الشمالية ومستقبل الاتفاق النووي الإيرانية الكثير من الجدل، وتطرأ على سطح الأحداث بقوة عمليات التطهير الاثني للروهينغا في ميانمار، إضافة إلى ما ستشكله مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لأول مرة في هذه الدورة من اهتمام ومتابعة وربما مفاجآت.
ويتغيب عن المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيسي الصيني شي جينبينغ، ورئيسة ميانمار أونغ أن سو تشي. ولا يزال الجدل قائماً حول تورط روسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولا يوجد لدي الصين الكثير لتقدمه للرئيس ترمب لكبح جماح كوريا الشمالية. وقد اختارت أونغ سان سو كي الحائزة على جائزة نوبل للسلام وزعيمة حكومة ميانمار عدم الحضور والمشاركة في اجتماعات نيويورك عندما أدركت أنها ستلقي العديد من الانتقادات.
ووفقاً لما أعلنه البيت الأبيض فمن المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الاثنين مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ثم يعقد لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
أجندة الرئيس ترمب ستكون مليئة يومي الثلاثاء والأربعاء بالكثير من اللقاءات، حيث يلتقي مع الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر لمناقشة سبل حلحلة الأزمة مع الدول العربية والخليجية، ثم يلتقي مع الملك عبد الله عاهل المملكة الهاشمية الأردنية، والرئيس محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيسة وزراء المملكة المتحدة تيريزا ماي، وعدد من رؤساء الدول الأفريقية. كما سيجتمع يوم الخميس مع زعماء من تركيا وأفغانستان وأوكرانيا، ثم يعقد حفل غداء مشتركا مع زعيمي كوريا الجنوبية واليابان.
الأزمات العالمية الملحة

في كل عام يأتي زعماء العالم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وعادة ما تكون هناك أزمة عالمية ملحة على قمة جدول الأعمال. وفي السنوات الماضية كانت قضايا مثل تدفق اللاجئين من القضايا الرئيسية التي تشغل المجتمع الدولي، لكن هذا العالم يعد التحدي الضخم هو فهم نوايا وسياسات الرئيس ترمب نفسه مع اقتراحاته لتخفيض حاد للأموال التي تساهم بها الولايات المتحدة في ميزانية الأمم المتحدة، خاصة أن الولايات المتحدة تعد أهم لاعب دولي عندما يتعلق الأمر بصنع القرار في قضايا ما بين منع الانتشار النووي، إلى حفظ السلام، إلى تقديم المعونة.
وتعد الولايات المتحدة أيضا أكبر مساهم مالي في الأمم المتحدة، وتقدر مساهمتها بنحو مليار دولار سنويا، إضافة إلى مشاركتها الكبيرة في برامج مثل برنامج الأغذية العالمي، ومفوضية شؤون اللاجئين، والتي تصل إلى 40 في المائة من ميزانيات هذه المنظمات.
وستسلط الأضواء والعيون على الرئيس ترمب الذي يستضيف اجتماعات لقادة العالم حول إصلاح الأمم المتحدة يوم الاثنين، ثم خطابه الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة صباح الثلاثاء، وهو ما يثير التساؤلات والتكهنات عما إذا كان ترمب سينتهج أسلوب الرؤساء الأميركيين السابقين نفسه ويدعو في خطابه إلى الحاجة إلى تعاون دولي أكبر على الجبهات المختلفة، أم أنه سيصدر تهديدات لدول بعينها، ويقترح إجراءات تشمل أن تقوم الولايات المتحدة وحدها برد على تهديدات كوريا الشمالية النووية.
ويشير المحللون إلى أن العالم ينتظر هذا الخطاب بترقب وقلق بأن يكرر ترمب خطابه السابق يوم تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة باعتماد شعار أميركا أولا، والتأكيد في خطابه أمام الأمم المتحدة على هذا النهج، وهو ما يشير إلى تراجع أميركي في الدور القيادي الذي تقوم به منذ عقود.
ويشير جون الترمان نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بواشنطن إلى أن موضوعين أساسيين سيسيطران على المناقشات داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأول هو أسلوب إدارة ترمب، والثاني هو التهديدات والتحديات التي تفرضها إيران وتدخلاتها لزعزعة استقرار جيرانها.
ويقول الترمان: «زعماء العالم يستيقظون كل صباح ويتساءلون هل لا تزال الولايات المتحدة صديقة لنا أم لا، ويتساءلون أيضا: ماذا يعني أن يكونون أصدقاء للرئيس ترمب؟. وأعتقد أن الاجتماعات ستكون فرصة لعدد من القادة لمعرفة توجهات ترمب».
ويضيف: المشكلة الثانية تتعلق بكيفية تعامل العالم مع إيران، وهو موضوع للمناقشات داخل الجمعية العامة، وأيضا في المناقشات الجانبية، إضافة إلى قضايا أخرى ستتم مناقشتها مثل جهود دفع السلام الفلسطيني الإسرائيلي، والوضع في اليمن وليبيا، إضافة إلى التركيز على كوريا الشمالية في ضوء نمطها المتزايد من الاستفزازات.

الوفد الأميركي المشارك تقلص عدده
وتشير بعض التقارير والتسريبات الصحافية إلى أن عدد أعضاء الوفد الأميركي المشارك في اجتماعات الدورة الحالية للأمم المتحدة قد تم تخفيضه إلى حد كبير، ولن تتم اجتماعات ثنائية ومتعددة الأطراف بالكم نفسه الذي شهدته الدورات السابقة من اجتماعات الأمم المتحدة. فقد جرت العادة أن يتألف الوفد الأميركي من نحو ألف شخص، وأشارت مصادر بالخارجية الأميركية إلى أن عدد الوفد الأميركي قد يتقلص إلى عدة مئات فقط
ومن المتوقع أن يقيم الرئيس ترمب في منتجعه للجولف في ولاية نيوجيرسي التي تبعد ساعة بالسيارة عن مدينة نيويورك وطول فترة اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد يستضيف بعض زواره من قادة العالم هناك، ولن يقيم في برج ترمب القريب من مبنى الأمم المتحدة. وجرت العادة أن يبقي الرئيس الأميركي في أحد فنادق نيويورك القريبة من الأمم المتحدة.

استوريا مكان سكن الرؤساء الأميركيين
على مدى عقود كان فندق والدورف استوريا في مانهاتن مقرا للعديد من الزوار السياسيين طوال فترة مشاركتهم في الدورات المتعاقبة للجمعية العامة للأمم المتحدة.
واعتاد الرؤساء الأميركيون الإقامة به خلال فترة انعقاد الجمعية العامة منذ افتتاح الفندق في الأربعينات من القرن الماضي، وأقام بالفندق 13 رئيساً أميركيا. كما كان الفندق هو المقر لسكن سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. وتغير هذا التقليد عام 2016 حينما اشتراه الصينيون ورفض الرئيس أوباما الإقامة في الفندق، وأثيرت في ذلك الوقت مخاوف من التجسس والتصنت على الوفد الأميركي، وفضل الرئيس أوباما في السنة الأخيرة من ولايته أن يقيم في فندق نيويورك بالاس الذي تملكه شركة لوت الكورية الجنوبية.
ويقول تيد بيكون الباحث ببرنامج السياسة الخارجية بمؤسسة بروكينغز، إن «إقامة ترمب في منتجعه للجولف في نيوجيرسي قد لا تشكل أهمية خاصة، لكنه يعد مثالا آخر على فهم شخصية ترمب، وأنه يقوم بالأشياء بطريقته الخاصة».

خطابات الرؤساء أمام الجمعية العامة
على الرغم من تخصيص 15 دقيقة لكل متحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (التي يشارك فيها 193 دولة)، فإن الرؤساء والزعماء والقادة لا يلتزمون بالفترة الزمنية المحددة. وضرب الرئيس الكوبي فيدل كاسترو رقماً سياسية في هذا المضمار، حيث قدم أطول خطاب في تاريخ الأمم المتحدة واستمر لمدة 269 دقيقة (ما يقرب من خمس ساعات)، يليه العقيد الليبي معمر القذافي الذي استمرت بعض خطبه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لأكثر من ساعة ونصف. ويعد الرئيس السابق باراك أوباما أكثر الرؤساء الأميركيين الذين تحدثوا لفترة طويلة في خطاباتهم حيث أعطى خطابه في 38 دقيقة في المتوسط وفقا لمجلة الـ«إيكونويميست».

اجتماعات منتدى الأعمال العالمي
على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تعقد مؤسسة بلومبيرغ منتدى الأعمال العالمي بنيويورك في العشرين من سبتمبر (أيلول) المقبل، حيث يشارك فيه رؤساء 30 دول من بينها قادة مجموعة العشرين، والاتحاد الأوروبي، إلى جانب أكثر من 100 من الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات العالمية. ويعقد المنتدى برعاية بلومبيرغ ومجموعة ماهيندرا وميسك والمؤسسة الخيرية السعودية.
ويستهدف المنتدى مناقشة سبل حل التحديدات الجديدة للنظام الاقتصادي العالمي ومناقشة فرص النهوض بالتجارة والنمو الاقتصادي والتحديات المجتمعية من تغير المناخ إلى تحديات الإرهاب. ويتضمن لقاءات ومحادثات بين الخبراء والقادة العالميين لدعم خطط التعاون التجاري والحكومي، من أجل تحقيق النمو الاقتصادي، وتشجيع الابتكار، وتوسيع التقدم الاجتماعي.

مشاركة كبيرة لسياسيين ورجال أعمال
ويشارك في هذا المنتدى الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، والملياردير بيل غيتس، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش، ومديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، ورئيس مجموعة البنك الدولي جيم كيم، والرئيس التنفيذي لشركة غولدمان ساكس ورئيس مجلس الإدارة لويد بلانكفين. وتناقش جلسات المنتدى الذي يعقد لمدة يوم واحد قضايا تتعلق بكيفية اغتنام الفرص التجارية الكامنة في أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وفهم القواعد الجديدة للعولمة، بما في ذلك التغييرات في سياسات التجارة الدولية والهجرة، وكيف يمكن لصفقات التجارة العالمية خلق الازدهار على نطاق واسع. ويخصص المنتدى جلسة خاصة لمناقشة ما الذي يعنيه التحول الاقتصادي في المملكة العربية السعودية للاستثمار العالمي، وما الذي تطرحه رؤية 2030 من آفاق استثمارية دولية.كما تناقش جلسات قضايا تغير المناخ، وخلق مصادر جديدة للطاقة النظيفة، والقضاء على الفقر في جميع أنحاء العالم. ومن المتوقع أن يصدر عن المنتدى إعلانات تجارية قطرية.


مقالات ذات صلة

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)

«الحوار المُهيكل» يبحث تحديات «الحوكمة وضمانات الانتخابات» في ليبيا

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن «محور الحوكمة» سيعمل على معالجة 5 قضايا مهمة، من بينها كيفية التوصل إلى اتفاق سياسي قبل الانتخابات ونزاهة العملية الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي جنود من قوات «يونيفيل» يجرون دوريات في مركبات برفقة جنود لبنانيين بمنطقة البويضة بقضاء مرجعيون جنوب لبنان بالقرب من الحدود مع إسرائيل - 8 يناير 2026 (أ.ف.ب)

«يونيفيل» تعلن عن إطلاق نار إسرائيلي قرب جنودها في جنوب لبنان

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) عن إطلاق نار إسرائيلي تعرّض له جنودها قرب منطقة العديسة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ مايك والتز سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة يتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول الوضع في إيران بمقر الأمم المتحدة في نيويورك 15 يناير الحالي (أ.ف.ب) play-circle 00:41

مسؤول أميركي يحذّر إيران: ترمب «رجل أفعال»

المبعوث الأميركي لدى الأمم المتحدة يبلّغ إيران أن الرئيس دونالد ترمب «رجل أفعال»، في تحذير أميركي لطهران على خلفية التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها البلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.


ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».