حليمة يعقوب... نصر آخر للمرأة الآسيوية

الرئيسة الثامنة لسنغافورة مسلمة زوجها عربي الأصل

حليمة يعقوب... نصر آخر للمرأة الآسيوية
TT

حليمة يعقوب... نصر آخر للمرأة الآسيوية

حليمة يعقوب... نصر آخر للمرأة الآسيوية

أصبحت حليمة يعقوب خلال هذا الأسبوع أول امرأة وأول مسلمة تتولى منصب رئيس جمهورية سنغافورة، أحد أنشط المعاقل الاقتصادية في آسيا والعالم. يعقوب (63 سنة)، وهي محامية وسياسية نقابية عصامية، تتحدر من أصول هندية - مالاي، بينما يتحدر زوجها من أصول عربية يمنية، وتجدر الإشارة إلى أن المواطنين المتحدرين من أصول صينية يشكلون غالبية كبيرة تربو على 74 في المائة من سكان سنغافورة البالغ تعدادها السكاني أكثر بقليل من خمسة ملايين و600 ألف نسمة، في حين لا تزيد نسبة المسلمين عن 14 في المائة من السكان. ومن ناحية ثانية، يأتي تبوء حليمة يعقوب منصب الرئاسة في سنغافورة إنجازاً سياسياً إضافياً كبيراً للمرأة الآسيوية التي كانت الرائدة على مستوى العالم عندما أصبحت الزعيمة السريلانكية التاريخية سيريمافو بندرانايكه عام 1960 أول امرأة تُنتخَب ديمقراطياً لقيادة بلد في العالم.

عندما تُروى قصص النجاح لا بد أن تُذكر سنغافورة...
سنغافورة الدولة - الجزيرة، التي تُعد إحدى أصغر دول العالم مساحة وأوسعها أفقاً وأعظمها طموحاً ومنجزات، هي اليوم عملاق اقتصادي وخدماتي على مستوى العالم. ولعل هذه الدولة التي لا تزيد مساحتها عن مساحة مدينة أوروبية من الحجم تختصر في تركيبتها وتكوينها كثيراً من الأبعاد الحضارية والثقافية. فهي على سبيل المثال تحمل اسماً هندياً سنسكريتياً يعني «مدينة الأسود»، وهي تشكل جغرافياً (رغم كونها جزيرة) امتداداً لشبه جزيرة الملايو، ثم إن غالبية سكانها من الصينيين، ومنهم صانع نهضتها الحديثة رئيس وزرائها السابق لي كوان يو (1923 - 2015، حكمها بين 1959 و1990). ولكن قصة نجاحها الاقتصادية اتصلت أيضاً بالبريطانيين والحضارمة اليمنيين العرب الذين هاجروا قبل عقود كثيرة إلى جنوب شرقي آسيا، وحققوا نجاحات، وجمعوا ثروات وأسهموا في نشر الثقافتين والإسلامية والعربية في جزر الهند الشرقية وشبه جزيرة الملايو، وفيهما قامت دول إندونيسيا وماليزيا وبروناي، بجانب سنغافورة.

بطاقة هوية
وُلِدت حليمة بنت يعقوب يوم 23 أغسطس (آب) 1954 لعائلة الأب فيها هندي مسلم كان يعمل حارساً وتوفِّي عندما كانت حليمة لا تزال في الثامنة من عمرها، وأم من المالاي (سكان الملايو). ولقد ربّتها أمها التي أسهمت إسهاماً كبيراً في شحذ همتها وطموحها. أما زوجها فهو من أصول يمنية عربية اسمه محمد عبد الله الحبشي (وهو متقاعد حالياً) وأثمر زواجهما خمسة أولاد.
تميّزت حليمة منذ نعومة أظفارها بالذكاء والرغبة في التحصيل العلمي، وبالفعل التحقت باثنتين من أفضل مدارس سنغافورة الخاصة، هما مدرسة سنغافورة الصينية للبنات (أُسِّست عام 1899) ومدرسة تانجونغ كاتونغ للبنات (مدرسة إنجليزية أسست عام 1953). وبعد إكمالها دراستها الثانوية التحقت بجامعة سنغافورة الوطنية، التي تعد من أكثر جامعات آسيا تميزاً واحتراماً أكاديمياً، وفيها درست الحقوق... تخرّجت حاملة الإجازة في الحقوق عام 1978، وباشرت ممارسة المهنة بعدما دخلت نقابة المحامين السنغافورية عام 1981. ولاحقاً، حصلت على درجة الماجستير في الحقوق، ومن ثم، منحتها الجامعة نفسها درجة الدكتوراه الفخرية عام 2016.

النقابات... ثم السياسة
شقّت حليمة يعقوب طريقها صعوداً في دنيا السياسة من بوابة النقابات العمالية، إذ باشرت العمل كمسؤول قانوني في المؤتمر الوطني لنقابات العمال السنغافوري، وترقّت في عملها إلى أن أصبحت مديرة لقسم الخدمات القانونية في المؤتمر بحلول عام 1992. كما عملت نائبة للأمين العام ومديرة لأمانة التنمية النسائية والأمينة التنفيذية لنقابة لاتحاد عمال الصناعات الكهربائية والإلكترونية. ثم خلال سبع سنين، في العام 1999 عيّنت مديرة لمعهد سنغافورة للدراسات العمالية الذي يعرف اليوم باسم «معهد أونغ تينغ تشيونغ للدراسات العمالية».
وفضلاً عما سبق، انتخبت يعقوب نائبة الرئيس العمالية للجنة المعايير في المؤتمر العمالي الدولي في جنيف (سويسرا) بين عامي 2000 و2002، وكذلك عام 2005. وفي عام 2004 كانت الناطق العمالي باسم المؤتمر العمالي الدولي لشؤون تطوير الموارد البشرية والتدريب.

في المعترك السياسي
غير أن انطلاق حليمة يعقوب في المعترك السياسي جاء عام 2001 عندما انتُخِبت نائبة في مجلس النواب (البرلمان) السنغافوري عن دائرة جورونغ في وسط مدينة سنغافورة. ثم، في أعقاب الانتخابات العامة التي أُجريت في البلاد عام 2011، خطت خطوة كبرى في عالم السياسة عندما عيّنت وزيرة دولة في وزارة التنمية السكانية والشباب والرياضة. وبعد سنة واحدة، عام 2012، وعلى أثر تعديل وزاري تولّت حقيبة وزيرة دولة في وزارة التنمية المجتمعية والأسرية، كما تولّت رئاسة المجلس المحلي لمنطقة جورونغ.
وبجانب المناصب الوزارية، رشح رئيس الوزراء السنغافوري لي هسيين لوونغ يوم 8 يناير (كانون الثاني) 2013 حليمة يعقوب لخلافة مايكل بالمر في رئاسة مجلس النواب الذي اضطر للاستقالة من منصبه إثر فضيحة شخصية. ويوم 14 من الشهر نفسه انتخبت رئيسة لمجلس النواب، لتغدو أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ سنغافورة.
بعدها، في يناير 2015 ثبتت يعقوب موقعها في قيادة حزبها، حزب حركة الشعب، عندما ضمت إلى اللجنة المركزية للحزب، وهي أرفع هيئة لاتخاذ القرارات فيه. وخلال العام نفسه كانت المرشح الوحيد للحزب عن الأقليات العرقية والدينية الذي خاضت قائمته المعركة الانتخابية عن دائرة مارسيلينغ - يو تي المُستحدثة. ويومذاك فازت بمقعدها عن هذه الدائرة، وجدّدت فوزها خلال العام الحالي، قبل أن تستقيل من مناصبها الحزبية والسياسية لكي تترشح لرئاسة الجمهورية.
هذه الخطوة، أي إعلان الاستقالة من جميع مناصبها الحزبية والسياسية، اتخذتها حليمة يعقوب يوم 6 أغسطس الماضي. وكانت المعركة هذه المرة مخصّصة للمرشحين المتحدّرين من المالاي. وفي هذا السياق كانت يعقوب في نظر المراقبين والخبراء المرشح الأبرز وشبه الحتمي لحزب حركة الشعب لهذا المنصب بدعم من رئيس الحكومة لي هسيين لوونغ.

معركة الرئاسة 2017
أعطت حليمة يعقوب إشارة الانطلاق لحملتها الانتخابية في معركة رئاسة الجمهورية يوم 25 أغسطس الماضي، واستثمرت خلالها إمكانياتها في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المتعددة. ومع أن بعض الجهات طرحت علامات استفهام حول ما إذا كانت ارتكبت مخالفة لقوانين الانتخابات ببدئها حملتها قبل إغلاق باب الترشيحات، فإن الهيئة القانونية المختصة أوضحت أن حظر الحملات يسري حصراً على المرشحين بعد تسميتهم. كذلك شكك بعض المشككين في استقلاليتها السياسية وهي المرتبطة بفترة طويلة بحزب حركة الشعب، بل إنها لم تستقل منها إلا قبل شهر واحد من إطلاقها حملتها. لكنها ردّت على المشككين بالإشارة إلى أنها فعلت ما فعله الرئيس السابق الراحل أونغ تينغ تشيونغ الذي انطلق هو الآخر من قاعدة حزبية. ولم تتوقف الاعتراضات والتشكيكات على الجوانب الإجرائية بل شملت في بعض الحالات كفاءة يعقوب في الإدارة المالية.
مع هذا، كانت يعقوب، في نهاية المطاف المرشح الوحيد الذي استوفى شروط الترشيح، ولهذا السبب ضمنت الفوز بالمنصب ودخول التاريخ كثامن رئيس جمهورية لسنغافورة من دون الاضطرار لخوض معركة انتخابية.

موقفها من الإسلام الراديكالي
أخيراً، مما أسهم في بناء الاحترام الواسع لحليمة يعقوب على امتداد الساحة السياسية في سنغافورة انفتاحها واعتدالها وواقعيتها السياسية في بلد متعدد الثقافات والهويات. ومع أنها سياسية ونقابية مسلمة تعتز بدينها، فإنها كانت دائمة صريحة وناشطة في مواجهة الحركات الراديكالية والمتشددة التي تتوسل العنف والإرهاب. ومعروف أن منطقة جنوب شرقي آسيا شهدت عدداً من أحداث العنف الإرهابي، كتفجيرات جزيرة بالي الإندونيسية عام 2005 التي اتهم بها تنظيم «الجماعة الإسلامية»، كما تعرف منذ مدة نشاطات لحركات متشددة كحال بعض الحركات المتشددة الناشطة في جنوب الفلبين. وفي الفترة الأخيرة أطلقت يعقوب إدانات شديدة لجرائم تنظيم داعش في سوريا والعراق.

- سنغافورة في سطور
الاسم الرسمي: جمهورية سنغافورة
الموقع: سنغافورة عبارة عن جزيرة صغيرة قبالة الطرف الجنوبي لشبه جزيرة الملايو التي تشكل جزء اليابسة الآسيوية لدولة ماليزيا بجنوب شرقي آسيا
العاصمة: مدينة سنغافورة
المساحة: 719.1 كلم مربع
تعداد السكان: نحو خمسة ملايين و600 ألف نسمة
النظام السياسي: جمهوري ديمقراطي - رئيسة الجمهورية حليمة يعقوب ورئيس الوزراء لي هسيين لوونغ
الحزب الحاكم: حزب حركة الشعب
اللغات الرسمية: الإنجليزية، والمالاي، والهوايو ماندارين الصينية، والتاميلية
التوزيع العرقي للسكان: الصينيون 74.3 في المائة، المالاي 13.3 في المائة، الهنود 9.1 في المائة، آخرون 3.3 في المائة.
توزّع الهويات الدينية للسكان: البوذيون 33.2 في المائة، المسيحيون 18.8 في المائة، المسلمون 14 في المائة، التاويون (والديانات الوطنية) 10 في المائة، الهندوس 5 في المائة، ديانات أخرى 0.6 في المائة - ويعتبر 18.5 في المائة من السكان أنفسهم لا دينيين.
الناتج الوطني الإجمالي - القدرة الشرائية - وفق تقديرات 2017: 508.449 مليار دولار (المرتبة الـ39 في العالم)
معدل الفرد من الناتج الوطني: 90724 دولاراً (المرتبة الثالثة في العالم)
العملة: الدولار السنغافوري
مؤشر التنمية الإنسانية: مرتفع جداً (المرتبة الخامسة في العالم)
مؤشر جيني لتوزّع الثروة: مرتفع (المرتبة الـ30 في العالم)



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.