العلاقة التاريخية بين الفن والموضة... بين كسب ود الزبائن وتحقيق الربح

محلات «براونز» تحيي ذكرى الفنان جان ميشيل باسكيات بمجموعة محدودة

من عرض «ديور» - من عرض «برادا» - كنزة  من مجموعة «باسكيات فور براونز»
من عرض «ديور» - من عرض «برادا» - كنزة من مجموعة «باسكيات فور براونز»
TT

العلاقة التاريخية بين الفن والموضة... بين كسب ود الزبائن وتحقيق الربح

من عرض «ديور» - من عرض «برادا» - كنزة  من مجموعة «باسكيات فور براونز»
من عرض «ديور» - من عرض «برادا» - كنزة من مجموعة «باسكيات فور براونز»

حققت لوحة للفنان الأميركي الراحل جان ميشيل باسكيات مؤخرا، رقماً قياسياً في مزاد بدار «سوذبي»، إذ حصدت 110.5 ملايين دولار.
إذا كنت عاشقا للفن لكن العين بصيرة واليد قصيرة، لا تقلق، لأن صناع الموضة وجدوا الحل، وهو أنك لا تحتاج إلى الملايين حتى تستمتع بأعمال باسكيات. محلات «براونز» اللندنية مثلا طرحت مجموعة محدودة هذا الشهر أطلقت عليها «باسكيات فور براونز» تزامنا مع الاحتفالات التي تشهدها الأوساط الفنية بجون ميشيل باسكيات. وفسرت المحلات خطوتها بالقول: «لم تُحدق في الحائط للاستمتاع بلوحة فنية عندما يمكنك الاستمتاع بها في كل زمان وكان من خلال قطعة تلبسها؟».
أما في حال لم تكن تعرف الفنان باسكيات، فأنت من قلة، لأنه كان أسطورة في الثمانينات. غير الكثير من المفاهيم إلى حد أن الفنان أندي وورهول من فرض إعجابه به تبناه فنيا. كان أيضاً شابا وسيما يتمتع بكاريزما وإنتاجية لا تنضب. كل هذه العناصر جعلت منه نجما مرموقا في الأوساط الفنية. فهو من القلائل الذين حققوا الشهرة والثروة في حياتهم. تتميز لوحاته بألوان براقة وأسلوب فريد يتناول البوب أرت، وهذا تحديدا ما لخصته محلات «براونز» في 18 قطعة للجنسين، تشمل «تي - شيرتات» وبنطلونات جينز وسترات وإكسسوارات متنوعة. كانت هذه المجموعة ثمرة تعاون بينها وبين شركة «روم بايز أوف» النيويوركية المتخصصة في أزياء مستلهمة من ثقافة الشارع. أجمل ما فيها أنها، على العكس من لوحات الفنان، لا تحتاج إلى الملايين ولا أي مبالغ إضافية لتأمينها لأن أغلى قطعة فيها لا تتعدى الـ500 جنيه إسترليني.
هذه المبادرة تفتح مرة أخرى ملف العلاقة الحميمة التي تربط الفن والموضة. وهي علاقة تعود إلى عدة عقود، إن لم نقل قروناً، لم تقتصر على استلهام كلا الطرفين من بعض فحسب، بل تعدت ذلك لتشمل صداقات شخصية، كانت ثمرتها أعمال تتحدى الزمن، في مجال الأزياء على الأقل. الدليل أن مؤرخي الفن يعتمدون في كثير من الأحيان على دراسة أنواع الأقمشة وطرق حياكة الأزياء لتحديد الحقبة التي تم فيها رسم لوحة ما. ما لا يمكن إنكاره أن المصممين من جهتهم تعاملوا مع الموضة بشكل جدي على أنها فن قائم بذاته. صحيح أن الأدوات تختلف لكن النتيجة تُؤكد أنهم لا يقلون إبداعا أو خيالا. بول بواريه الذي كان من الأوائل الذين تعاملوا مع رسامي الفن الانطباعي في بداية القرن العشرين شرح هذه العلاقة قائلاً: «لقد أحببت دائما الرسامين... ويبدو لي أننا نحترف نفس المهنة الأمر الذي يُشجعني أن أذهب إلى القول إننا زملاء».
قراءة سريعة في كتب الموضة، تشير إلى أن بداية هذه العلاقة تعززت واستقوت في منتصف القرن التاسع عشر. الحقبة التي شهدت انتعاشا في فن البورتريهات مع ظهور طبقات بورجوازية جديدة تريد إبراز مكانتها من خلال أدق التفاصيل. من فخامة المكان والديكور إلى جمال وتفرد الأزياء. في نهاية هذا القرن وُلد مفهوم الـ«هوت كوتير» كما نعرفه اليوم. مع ظهوره اكتسبت الأزياء لغة خاصة تعكس تطورات العصر وتغيراته. زادت هذه «الحقبة الجميلة» أو «لابيل إيبوك» في عالم الفن من حماس الرسامين على رسم أدق التفاصيل بواقعية أكبر. ظهرت هذه الواقعية في أزياء تضج بالألوان والنقشات والطبعات المستلهمة من الطبيعة.
في بداية القرن العشرين، لم تعد الموضة قصرا على باريس. فقد انتقلت عدواها إلى إيطاليا. كان السؤال الذي طرحه الإيطاليون على أنفسهم هو كيف يمكنهم منحها شخصية وهوية تُميزها عن الموضة الفرنسية؟. بعد عدة مناقشات توصلوا إلى أن الحل يكمن في الفن، أي ربطها بتاريخهم الفني الطويل. روزا جينوني، وهي خياطة، أو مصممة بمفهوم اليوم، لعبت دورا كبيرا في تبلور هذه الشخصية الفنية. ففي عام 1906 وخلال معرض «ميلان إكسبو» قدمت قطعتين طبقت فيهما فكرتها. الأولى كانت عبارة عن معطف استلهمته من لوحة للفنان بيزانيللو والثانية عبارة عن فستان فخم استلهمته من لوحة «بريمافيرا» لساندرو بوتشيللي. بين عشية وضحاها أصبحت تصاميمها مرادفة لفن النهضة وأصبح الفن والموضة وجهين لعملة واحدة في ميلانو.
في باريس، وفي نفس الفترة كان المصمم الفرنسي بول بواريه يُظهر نفس الأعراض والميول الفنية. لم يكتف بمصادقة فنانين شباب مغمورين من عصره ولا باقتناء أعمالهم فحسب، بل وظف بعضهم للعمل معه في مشغله الخاص بالرسم على الأقمشة. كان الرسام فرانسيس بكابيا الذي يشتهر بإنجازاته المبتكَرة وسلوكه التحريضي خلال المرحلة الدادائية أحد أصدقائه، كذلك كان موريس فلامينك وأندريه ديراين. جمعهم حب الألوان الزاهية والرغبة في الإبداع.
إلى جانب الرسم عشق بول بواريه المسرح، وخصص حيزا كبيرا من وقته لتصميم ملابس الممثلين، وهو ما حدد أسلوبه الدرامي إلى حد كبير. أسلوب لم تكمن قوته في التصميم والتفصيل بقدر ما كانت في تطويعه الألوان الصارخة ورسمه لوحات فنية على القماش.
هذه العلاقات تطورت وانتشرت لتصبح بمثابة موضة دارجة بين المصممين. فقد طالت غابرييل شانيل وإلسا سكاباريللي في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. بينما تجسدت هذه العلاقة في صداقات بين شانيل وجون كوكتو ودالي وغيرها، أظهرت إلسا سكاباريللي تفانيا أكبر ترجمته في أزياء وعطور. أحيانا كثيرة على حساب الجانب التجاري، الأمر الذي تسبب لها في مشكلات مادية كبيرة. في عام 1954 أغلقت دارها بسبب عدم مجاراتها لتغيرات السوق، مُخلفة إرثا لا يزال كثير من المصممين المعاصرين يغرفون منه، بداء من ميوتشا برادا إلى جون بول غوتييه. هذا الأخير مثلا استوحى شكل قارورة عطره الشهير التي تأخذ شكل جسد امرأة من قارورة عطر ابتكرتها قبله بعقود. وبالطبع لا يمكن الحديث عن الفن من دون التطرق إلى المصمم كريستيان ديور، الذي قبل أن يصبح واحدا من أهم مصممي القرن العشرين، كان يحلم بالعمل في المجال الفني. افتتح قاعة عرض صغيرة في عام 1928 لبيع لوحات فنانين شباب من أمثال بابلو بيكاسو وجون كوكتو، وماكس جاكوبس، وجورج أوريك. وعندما أصبح مصمما أعطانا لوحات انطباعية لا مثيل لها مطبوعة بالورود والأزهار على فساتين فخمة لا تزال تُلهب الخيال لحد الآن.
ولم تخفت قوة هذه العلاقة الحميمة في أي زمن. ففي الستينات ظهرت على شكل فستان استلهمه الراحل إيف سان لوران من الرسام الهولندي بيت موندريان. كان يتميز بمربعات على شكل مكعبات متعددة الألوان أصبحت تُعرف في لغة الموضة بـ«كالار بلوكينغ» Color Blocking. لا يزال الفستان شاهدا على فنية إيف سان لوران لحد الآن. فقد دخل المعارض والمتاحف.
وشيئا فشيئا بدأت هذه التعاونات تتوسع لتشمل مجالات إبداعية أخرى مثل تصوير الحملات الترويجية والأفلام القصيرة والمجلات وغيرها. وقد تكون أعمال أندي وورهول من أشهر هذه الأعمال. فانطلاقته أساسا كانت من عالم الموضة في الخمسينات من القرن الماضي، حيث تعاون كرسام أحذية مع مجلات «غلامور» ثم «فوغ» وهاربر بازار». كما تولى إخراج «إنترفيو» وهي مجلة مهتمة بالفن والموضة. كان قارئا جيدا لعصره وسابقا له في الوقت ذاته. رفض فكرة الحُكم على أسلوب ما بأنه سيء أو أفضل من غيره، لأن المُفترض في الموضة حسب رأيه «أن تعبر عن نفسها بأسلوب تجريدي هذا الأسبوع وأسلوب فنان بوب في الأسبوع الذي بعده من دون أي شعور بضرورة التنازل عن الأسلوب الخاص أو الإحساس بالذنب».
ربما ما توقعه وورهول آنذاك أن القيود التي كانت تفرضها الموضة ستلغى، من الفوارق بين ما هو مناسب للنهار والمساء إلى ما هو فني وما هو تجاري. وبالفعل استسلم المعارضون والمحافظون في الثمانينات لتغيرات العصر، واضطروا لفتح أبواب المتاحف والمعارض لصناع الموضة. صحيح أن أسباب البعض كانت تجارية محضة لأنهم كانوا يحتاجون لتمويل بيوت الأزياء الكبيرة، إلا أنه هذا لا يعني أنهم لم يكونوا يستحقون ذلك. فالثقافة تغيرت، ولم يعد فيها مكان للآراء المتحجرة من جهة، والموضة أصبحت مع الوقت فنا قائما بذاته من جهة ثانية. الدليل على هذا أن معرض «جمال متوحش» للراحل ألكسندر ماكوين حقق أرباحا غير مسبوقة ورقما قياسيا في عدد زوار متحف المتروبوليتان بنيويورك، الأمر الذي استدعى تمديده لعدة أشهر.
التعاونات مع الفنانين أيضاً أخذت منحى تجارياً محضاً في بعض الأحيان، وذلك باللعب على نقاط ضعف مستهلك يعشق الفن لكنه لا يستطيع له سبيلاً. ما قامت به الموضة أنها تعمدت تعويضه عن ذلك بإكسسوارات وأزياء بتوقيع فنانين كبار. ونجحت في ضرب عصفورين بحجر واحد: إرضاء زبائنها وكسب ودهم من ناحية، وتحقيق الربح من ناحية ثانية. الفنانون بدورهم استفادوا، إذ حصلوا على تمويلات هم في أمس الحاجة إليها، فضلاً عن تحقيقهم الانتشار بين شريحة من الزبائن يتمتع بعضهم بإمكانيات مادية عالية، ويمكن أن يتحولوا إلى هواة لاقتناء التحف الفنية مستقبلاً.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.