شن المخرج المسرحي اللبناني المعروف لوسيان بورجيلي يوم أمس، حملة على المديرية العامة للأمن العام اللبناني، متهما إياها باحتجاز جواز سفره، لمدة غير محددة، مما يعطل مشاركته لتمثيل لبنان في مهرجان «ذي ليفت فستيفال» في لندن، بعد أن ارتبط بعقد يحتم عليه الالتزام بما وقع عليه، مع ثلاثة ممثلين يشاركون في المسرحية. وعلى الرغم من إصرار بورجيلي على أنه يعاقب على مسرحية انتقد فيها العمل الرقابي المجحف للأمن العام اللبناني العام الماضي، قللت هذه الجهة من أهمية ما يحدث معتبرة إياه «إجراء روتينيا».
وقال بورجيلي لـ«الشرق الأوسط» يوم أمس: «إنه توجه صباح أول من أمس إلى المديرية العامة لتجديد جواز سفره، ودفع الرسوم الإضافية المتوجبة لإنجاز جواز سفره في اليوم نفسه، وحينما عاد بعد الظهر لتسلمه في الموعد المحدد، استغرب وجود جوازه في مغلف أصفر في مكان مختلف عن الجوازات المنجزة». ويضيف بورجيلي: «بعد أن ذهب الموظف لرؤية أحد الضباط وعاد، قال لي إن جواز سفري لن ينجز وإنه قد يحتاج شهرا ونصفا أو أكثر». ويضيف بورجيلي: «رغم استفساري عن السبب لم أعط جوابا، وبعد الإلحاح قال لي أحدهم: أنت تعرف السبب، الأمر يتعلق بشيء حصل معك عام 2013، هل تذكر؟»، ويضيف بورجيلي: «قلقت بالتأكيد، خاصة أن أحدا لم يؤكد لي أن شهرا ونصفا ستكون فترة كافية لإعادة جواز سفري، مع أني لست مجرما أو محكوما، أو مرتكب جنحة». ويشرح بورجيلي: «لم يحدث عام 2013 سوى أنني قدمت في الجامعات، خمس عروض من مسرحيتي (بتقطع أو ما بتقطع) لتمنع من العرض بعد ذلك، لأنها تنتقد الطريقة التي تعمل بها الرقابة في لبنان. واتهمت بأنني مهلوس ومشعوذ، ورميت بمختلف النعوت، لمجرد أنني أقدم مسرحية انتقادية».
ومع أن الموظف المسؤول في الأمن العام، بحسب بورجيلي أخبره بخصوص جواز سفره، أنه يجب أن ينتظر أسبوعا ليقدم طلب إعادة نظر، وينتظر الإجابة لأسبوعين بعدها، وجد نفسه يذهب مباشرة لتقديم هذا الطلب ويقبل، ويعطى وصلا. ويسأل بورجيلي: «لماذا قيل لي أن أنتظر أسبوعا ما دام القانون يجيز لي تقديم الطلب مباشرة؟ وما الذي يؤكد لي أنني سأستلم جوابا خلال أسبوعين؟ فمسرحيتي (بتقطع أو ما بتقطع) التي منعت، أعطوني بشأنها ورقة مشابهة منذ تسعة أشهر، ولا أزال بلا جواب».
رئيس مكتب شؤون الإعلام في المديرية العامة للأمن العام اللبناني، العميد منير عقيقي، في اتصال لـ«الشرق الأوسط» معه، قلل من أهمية ما حدث، معتبرا أن ملف التجديد موجود في المديرية، ويخضع لما سماه «روتينا إداريا» وربما أن هناك «إشكالية إدارية ما، وهذا يحدث مع كثير من المواطنين، وأتصور أنه بين 24 و48 ساعة، يكون الطلب قد درس، وبمقدور بورجيلي أن يأخذ جوابا». وأضاف العميد عقيقي: «لا أريد الدخول في سجالات إعلامية، لكن أستطيع أن أقول إن ما رواه بورجيلي غير دقيق».
لكن بورجيلي يقول: «ما حدث معي يؤكد أن من ينتقد النظام يعاقب، ويمنع من السفر»، متسائلا: «في هذه الحالة ما الفرق بيننا وبين كوريا الشمالية. ها أنا مكبل الحركة ومنتهكة حقوقي، ومهما تحدث الإعلام وأقام الدنيا ولم يقعدها، فلن يحدث شيء، وسيستمرون في إجراءاتهم».
العلاقة بين المبدعين اللبنانيين والناشطين مع الرقابة، تشوبها الكثير من الإشكالات، لكنها اقتصرت في الغالب على منع مسرحيات وأفلام وكتب، ونادرا ما كنا نسمع عن حجز جوازات سفر. لكن الناشط اللبناني عماد بزي في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، كان قد اشتكى من احتجاز جواز سفره، وأصدرت جمعية «إعلاميون ضد العنف» حينها بيانا استنكرت فيه ما تعرض له الناشط اللبناني من حجز وطلب للتحقيق. يومها وصف الأمن العام أيضا ما حدث بأنه «روتين إداري متصل بأوراق غير مكتملة». وردت الجمعية بالقول: «إنّه رغم التوضيحات التي حصلت عليها الجمعية من مسؤول كبير في الأمن العام، بأن ما ينطبق على بزي ينسحب على العشرات يوميا، وأن المسألة بعيدة كل البعد عن السياسة، ما زالت تعتقد الجمعية بأن ما يتعرض له بزي للمرة الثالثة هو كناية عن مضايقات إدارية بخلفية سياسية ربطا بأفكاره ومواقفه ونشاطه».
بورجيلي ليس ناشطا سياسيا، لكنه مسرحي يحب المشاكسة، وقال لنا أمس: «لو وضعوا مسدسا في رأسي، وقالوا لي اختر بين حريتك وكرامتك أو أن تخضع لما نريد لقلت لهم: أطلقوا النار عليّ. أفضل أن أموت على أن أحيا مقيدا، فليس من معنى للحياة بلا حرية أو قانون».
ومن المفترض، في حال أفرج عن جواز سفره، أن يقدم بورجيلي في المهرجان اللندني، العرض الأول، من مسرحيته «فانشينغ ستايت» أو «الدولة التي تضمحل» خلال أيام 26 و27 و28 من يونيو (حزيران) المقبل. والمسرحية تتحدث عن اتفاقية سايكس بيكو عام 1915 وكيف أنها زلزلت ولا تزال تزلزل المنطقة. ويعتبر أن إجراءات الأمن العام تمنعه من تمثيل لبنان في هذا المهرجان، كما أنها تضعه في موقف حرج ماليا وأدبيا. فمن يعوض الخسائر المالية، وكيف له أن يتصرف مع إدارة المهرجان؟.
وكان بورجيلي قد درس في الولايات المتحدة الأميركية، وعاد إلى لبنان، ليقدم عددا من الأعمال منها «مثلي مثلك» التي قامت على التفاعل مع الجمهور والارتجال، وكذلك قدم «66 دقيقة في دمشق» خارج لبنان. ومنعت مسرحيته «بتقطع أو ما بتقطع» العام الماضي، لأن الأمن العام اللبناني رأى فيها مبالغة وافتراء على الطريقة التي يعمل بها، ومنذ أيام قام بورجيلي بافتعال مشهد تمثيلي بين رجل وامرأة خلال ماراثون بيروت الرياضي، حيث كان الرجل يعنف المرأة على مرأى من المشاركين على أساس أنها زوجته، فيما كان بورجيلي يسجل هذه المشاهد التي حضر لها، وأظهرت تقاعس الناس في الدفاع عن المرأة. وتأتي قصة احتجاز جواز سفر بورجيلي أمس، في إطار مسلسل الاشتباك المتواصل بين السلطة والفنانين، في لبنان، وتلك الحرب الخفية بين من يريد تقييد الحرية ومن يسعى إلى المزيد منها.
9:41 دقيقه
لوسيان بورجيلي يشن حملة بسبب حجز جواز سفره
https://aawsat.com/home/article/102136
لوسيان بورجيلي يشن حملة بسبب حجز جواز سفره
المخرج اللبناني: أختار أن يطلق الرصاص على رأسي على أن تقيد حريتي
مشهد من مسرحية «بتقطع أو ما بتقطع»
- بيروت: سوسن الأبطح
- بيروت: سوسن الأبطح
لوسيان بورجيلي يشن حملة بسبب حجز جواز سفره
مشهد من مسرحية «بتقطع أو ما بتقطع»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

