«بريتبارت»... صعد مع ترمب ويدّعي «حمايته»

بانون يواصل معاركه السياسية عبره بعد مغادرته البيت الأبيض

ستيف بانون المدير التنفيذي الحالي لموقع «بريتبارت» خلال حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب في 20 يناير الماضي (أ.ف.ب) - عدد أمس لموقع «الصحافة الكبيرة» التابع لـ«بريتبارت»   («الشرق الأوسط»)
ستيف بانون المدير التنفيذي الحالي لموقع «بريتبارت» خلال حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب في 20 يناير الماضي (أ.ف.ب) - عدد أمس لموقع «الصحافة الكبيرة» التابع لـ«بريتبارت» («الشرق الأوسط»)
TT

«بريتبارت»... صعد مع ترمب ويدّعي «حمايته»

ستيف بانون المدير التنفيذي الحالي لموقع «بريتبارت» خلال حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب في 20 يناير الماضي (أ.ف.ب) - عدد أمس لموقع «الصحافة الكبيرة» التابع لـ«بريتبارت»   («الشرق الأوسط»)
ستيف بانون المدير التنفيذي الحالي لموقع «بريتبارت» خلال حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب في 20 يناير الماضي (أ.ف.ب) - عدد أمس لموقع «الصحافة الكبيرة» التابع لـ«بريتبارت» («الشرق الأوسط»)

جرت العادة أن يستثمر رجال الأعمال ومجموعات الضغط في صحف ومواقع وقنوات إخبارية للدفع بمصالحهم، سواء كانت سياسية أو تجارية. لكنه من النادر أن تنجح وسائل الإعلام في اقتحام الدوائر السياسية، ناهيك عن أقوى إدارة في العالم. ذلك ما نجحت شبكة «بريتبارت» الإعلامية في تحقيقه خلال فترة قصيرة نسبيا، بعد أن كانت منبوذة من طرف جزء كبير من النخبة السياسية في واشنطن لآرائها التي وُصفت بالمحرّضة على العنف والتفرقة. وتبوّأ ستيف بانون، الرئيس التنفيذي للموقع الإخباري، منصب مدير حملة دونالد ترمب الانتخابية، قبل أن يتسلم منصب كبير استراتيجيي البيت الأبيض لفترة لم تتجاوز 8 أشهر. وألهم بانون الكثير من شعارات ترمب الانتخابية وساهم في تحديد أولوياته الرئاسية، وهي الأولويات نفسها التي تبناها «بريتبارت» ودفع بها.
وبينما لا يتمتّع الموقع الإخباري اليميني بالشهرة، ولا المصداقية، التي تحظى بها وسائل إعلام أميركية أخرى مثل صحف «نيويورك تايمز» أو «واشنطن بوست» أو حتى موقع «بازفيد»، إلا أنه أصبح الموقع اليميني المحافظ الأكثر شعبية بعد تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية.
فما هو «بريتبارت»، وهل أصبح فعلا مقياسا لتوجهات الإدارة الأميركية؟ وهل يمكن اعتباره لسان البيت الأبيض غير الرسمي؟

فكرة إسرائيلية ونشأة أميركية
قرر أندرو بريتبارت، وهو إعلامي أميركي يميني اشتغل لصالح رواد المواقع الإخبارية مثل أريانا هافينغتون ومات درودج واشتهر بمساهماته الصحافية في صحيفة «واشنطن تايمز» وموقع «درودج ريبورت» وبآرائه النقدية للإعلام التقليدي، عام 2007 إنشاء شبكة إخبارية إلكترونية خاصة به.
وروى لاري سولوف، محامي أندرو والشريك المؤسس لموقع بريتبارت، في مقال رأي نشره عام 2015 أنه رافق أندرو في رحلة صحافية إلى إسرائيل عام 2007، وفاجأه الأخير ذات ليلة في القدس بفكرة إنشاء شبكة إعلامية «تدعم الحرية وإسرائيل».
وقال سولوف: «طلب مني (أندرو) الانسحاب من شركة المحاماة التي كنت شريكا بها والتي تعدّ 800 موظف، لأشارك معه في مشروع إعلامي». وتابع: «ربما كان ذلك تحت تأثير المكان التاريخي الذي كنا نوجد به، لكنني وافقت»، على حد تعبيره. وأضاف: «أتذكر أننا ناقشنا في تلك الليلة رغبتنا في إنشاء موقع يؤيد الحرية ويؤيد إسرائيل».
وأطلق أندرو بريتبارت، الذي أدرك أهمية الإعلام الرقمي، في البداية موقعا يقدم خدمة إخبارية عبر انتقاء وتجميع قصص صحافية من الوكالات وقنوات مثل «فوكس نيوز» وإعادة نشرها، قبل أن ينشئ في 2008 و2009 و2010 ثلاثة موقع إخبارية مرتبطة بالموقع الأم، لُقّبت بـ«الكبار الثلاثة»، هي «هوليود الكبير» و«الحكومة الكبيرة» و«الصحافة الكبيرة». وعكست هذه المواقع السياسة التحريرية لأندرو بريتبارت وشركائه، مع انضمام محررين وصحافيين يحملون توجهات سياسية معادية لليسار واليمين المعتدل والإعلام التقليدي.
اشتهر بريتبارت في 2010 و2011 بسلسلة من القصص الكاذبة، التي اعتمدت في حالات عديدة على تلاعب بمقاطع فيديو. واشتهر منها مقطع لمسؤولة في وزارة الزراعة الأميركية، تدعى شيرلي شيرود، تدلي بتصريحات عنصرية، ما أدى إلى طردها من الوزارة. وتبين بعد ذلك أنه تم التلاعب بالفيديو، وأنها كانت في الحقيقة تنتقد التصريحات العنصرية.
في المقابل، استعاد الموقع بعضا من ثقة قراءه، بعد أن فجّر فضيحة في عام 2011 حول النائب الديمقراطي عن نيويورك، أنثوني وينر، الذي استخدم موقع «تويتر» لإرسال صورة خادشة للحياء لسيدة في العشرينات من عمرها، ما دفعه إلى الاستقالة في 23 من يونيو (حزيران).

«هافينغتون بوست اليمين»
تحت إشراف مؤسسه، اكتسب بريتبارت مكانة بارزة في الإعلام الأميركي عبر نشره سلسلة من القصص والفضائح حول سياسيين ليبراليين وبيروقراطيين ومنظمات، كما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز». وأصبح الموقع منبوذا من طرف الديمقراطيين والوسطيين وبعض الجمهوريين الذين اعتبروا أنه يحرض على الانقسام السياسي والكراهية ويروج لقصص صحافية مضللة. في المقابل، يجد فيه قراؤه اليمينيون منصّة لمواجهة الإعلام التقليدي والليبرالي.
وسلط الضوء على بريتبارت بشكل أكبر مع التحاق المصرفي ستيف بانون بفريقه، وتصريحه بأنه سيجعل الموقع الإخباري «هافينغتون بوست» اليمين. ولم يبرز ستيف بانون، الذي يربط اسمه اليوم بالموقع الإخباري المثير للجدل، ضمن الفريق الإعلامي إلا بعد وفاة أندرو بريتبارت عام 2012 بسكتة قلبية. واصل بانون مشروع أندرو بإطلاق موقع محدث وشامل للثلاثة الكبار تحت اسم واحد. وعمل على توسيع فريق بريتبارت، وافتتح في 2014 مكتبا جديدا على رأس كل 90 يوما، وأصبح للموقع مكاتب بتيكساس وفلوريدا وكاليفورنيا ولندن والقدس والقاهرة.

بانون أو عرّاب «بريتبارت»
بدأ بانون مطلع الثمانينات خدمته ضابطاً في البحرية، وقضى 4 سنوات بصفة مهندس مساعد على متن مدمرة، ثم أصبح المساعد الخاص لقائد العمليات البحرية في وزارة الدفاع بالتزامن مع دراسته في جامعة جورج تاون، للحصول على شهادة في دراسات الأمن القومي. في الثمانينات، ونتيجة إعجابه الشخصي المتزايد بالرئيس رونالد ريغان، توجه بانون لدراسة إدارة الأعمال في جامعة هارفارد، وانتقل منها إلى مصرف «غولدمان ساكس»، أشهر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة، قبل أن يغادره ويؤسس مصرفاً صغيراً للاستثمارات، حمل اسم «بانون وشركاه». واستحوذ على المصرف بنك «سوسيتيه جنرال» في عام 1998.
وغير بانون مسيرته المهنية بعد ذلك، وقرر الاستثمار في مجال الإعلام، متجهاً ناحية هوليوود. وسرعان ما أنتج وثائقيا يحمل اسم «في مواجهة الشر»، لتوثيق الأحداث السياسية التي شهدتها الولايات المتحدة تحت قيادة ريغان. وأنتج بعد ذلك أفلاما أخرى تعكس اهتماماته السياسية اليمينية، وشملت «حزب الشاي»، والسياسية المثيرة للجدل سارة بالين، وغيرها.
التقى بانون بأندرو بريتبارت في عام 2004، وتبلورت فكرة إنشاء «بريتبارت»، لكن بانون لم يتحمل مسؤولية الموقع إلا بعد رحيل مؤسسه. أدار بانون فريق عمل الموقع، الذي تحول إلى منبر لحركة «حزب الشاي» في نظر الكثيرين، خاصة عقب فوز باراك أوباما بولايته الأولى. وفيما نجح بانون في تطوير بريتبارت، إلا أن الكثيرين من فريق أندرو انتقدوا الرئيس التنفيذي الجديد، واعتبروا أنه ابتعد عن «إرث المؤسس». وقال بين شابيرو، صديق أندرو وأحد كبار المحررين بالموقع، إن «المؤسس (أندرو) كان يهدف لمواجهة المتنمرين في السياسة. وأنشأ موقع (بريتبارت) لمحاربتهم». وقدم شابيرو استقالته من هيئة تحرير الموقع، معترضا على التوجه الذي فرضه بانون على الموقع.

حماية الرئيس من «أعدائه»
أثارت عودة كبير مستشاري البيت الأبيض إلى حضن المؤسسة الإعلامية اليمينية جدلا واسعا في الساحتين الإعلامية والسياسية. وفيما عبّر سياسيون عن مخاوفهم من تداعيات التحاق بانون الذي شارك في اجتماعات بالغة السرية خلال عمله في البيت الأبيض بـ«بريتبارت»، رأى آخرون في ذلك فرصة لجس نبض اهتمامات الرئيس ترمب.
فبعد ساعات من مغادرته منصب كبير المستشارين في البيت الأبيض منتصف الشهر الماضي، التحق بانون باجتماع تحرير في موقع «بريتبارت» وأكّد في تصريح صحافي نادر أنه «سيحارب، مع الرئيس ترمب، أعداه»، في إشارة إلى «الإعلام الكاذب».
ويرى الكثيرون أن «بريتبارت» تقود الحروب الإعلامية التي لا يستطيع الرئيس الحالي قيادتها، حتى إنه يهاجم أحيانا المقربين من ترمب لتوجهاتهم «الغامضة» باعتباره. وقبل فترة قصيرة من إقالة بانون من منصبه، شن «بريتبارت» حملة ضد ابنة ترمب إيفانكا، وصهره جاريد كوشنر ولقّبهم بـ«ديمقراطيي» البيت الأبيض. كما هاجم الموقع استراتيجية ترمب في أفغانستان القاضية بتعزيز عدد الجنود الأميركيين بها، إلا أنه سرعان ما عاد لدعم الرئيس في معاركه في الكونغرس المتعلقة بتمويل جدار المكسيك الحدودي وإلغاء واستبدال نظام الرعاية الصحية «أوباماكير».
وفي تصريحات صحافية أذيعت في مقابلة تلفزيونية أمس، أعاد بانون تأكيده أنه سيواصل حماية الرئيس الأميركي من «أعدائه». وركز بانون على قضية الهجرة، في دفاعه عن قرار توجه الرئيس لإلغاء برنامج «الحالمين للمهاجرين الصغار، وهاجم الكنيسة الكاثوليكية واتهمها بدعم الهجرة بدافع «المصلحة الاقتصادية».
وبثت قناة «سي بي إس» مقتطفات من حلقة برنامجها الحواري «60 دقيقة» مع بانون (63 عاما)، الذي وصف نفسه بأنه «محارب شارع (...) أنا محارب، لذلك أنا ودونالد ترمب على اتفاق كبير». وأضاف مصرفي الأعمال السابق: «سأكون سندا له من الخارج على الدوام، لحمايته. هدفنا دعمه، لكي يعي أعداؤه أنه لن يكون هدفا سهلا».
واتخذ مثالا الجدل الذي أثارته تصريحات ترمب بعد أعمال عنف تخللت مظاهرة لليمين المتطرف، قابلها تجمع لمناهضي العنصرية في مدينة شارلوتسفيل وأسفرت عن مقتل امرأة، بعدما وضع اللوم على المعسكرين على قدم المساواة.
وقال بانون: «أنا الوحيد الذي تكلم محاولا الدفاع عنه. عندما يتحالف المرء مع أحدهم، فعليه البقاء إلى جانبه»، مضيفا: «إن كنتم ضعفاء فعليكم بالاستقالة»، في إشارة إلى كبير المستشارين الاقتصاديين لدى ترمب غاري كون، الذي صرح بأن الرئيس كان يمكنه اتخاذ «موقف أفضل» من أحداث شارلوتسفيل. وشدد بانون على إدانة منظمي هذا التجمع، مؤكدا أن «لا مكان في السياسة الأميركية... للنازيين الجدد والكونفدراليين (الجنوب الأميركي أثناء الحرب الأهلية) الجدد وجماعة كو كلوكس كلان» العنصرية، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
كما انتقد ممثلي الكنيسة الكاثوليكية الأميركية التي نددت بإلغاء ترمب لبرنامج «داكا» أو «الحالمين» الذي أقامه سلفه باراك أوباما لحماية نحو 800 ألف مهاجر شاب مهاجر من الترحيل، كانوا قاصرين عندما وفدوا إلى الولايات المتحدة مع أهلهم، ويجيز لهم الدراسة والعمل ولو مؤقتا. وقال إن «سلوك الأساقفة كان فظيعا»، مضيفا أنهم «يحتاجون إلى المهاجرين السريين لملء كنائسهم»، و«لديهم مصلحة اقتصادية في هجرة مفتوحة، هجرة غير مشروعة مفتوحة». وتابع: «أحترم البابا والكرادلة والأساقفة فيما يتعلق بالديانة، لكننا نتحدث هنا عن سيادة أمة، وفي هذا الموضوع ليسوا إلا أفرادا لديهم آراء».

حليف «مشروط» للبيت الأبيض
قفزت نسبة قراء «بريتبارت» من 2.9 مليون زائر في 2012 إلى 17 مليونا في 2016، وفق إحصائيات نشرتها صحيفة «واشنطن بوست»، ليصبح بذلك أكثر موقع محافظ أميركي قراءة. ويمكن إرجاع هذا الارتفاع الهائل في الزيارات إلى تميّز الموقع بمقابلات حصرية مع المرشح الجمهوري، آنذاك، دونالد ترمب، ومشاركاته المتكررة في برنامج ستيف بانون.
وبينما كسب الموقع الإخباري قاعدة قراء جديدة، إلا أنه واجه سيلا من الانتقادات اعتبرته «ناديا يتجمع فيه معجبو ترمب، على حد تعبير هيئة الإذاعة البريطانية، وابتعاده عن أسباب إنشائه. وهو ما أشار إليه شابيرو في انتقاد آخر لقيادة بانون، وكتب في مقال رأي نشره في موقع «ديلي واير» في أغسطس (آب) من العام الماضي أن «بريتبارت أصبح موقع ترمب الشخصي»، لافتا إلى أنه قرر الاستقالة في مارس (آذار) 2016 بعد أن أصبح واضحا أن ولاء «بريتبارت» لترمب يفوق ولاءه لموظفيه.
ورد رئيس تحرير «بريتبارت» على هذه الاتهامات في مقابلة مع «نيويورك تايمز»، قال فيها: «ولاؤنا ليس لدونالد ترمب، ولاؤنا لقرائنا وقيمنا». وتابع: «إذا تراجع ترمب عن القيم والوعود التي قطعها للناخبين والتي أدّت إلى فوزه بالانتخابات الرئاسية، فإننا سنصبح من أشد منتقديه».


مقالات ذات صلة

تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

العالم العربي تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

أظهر التقرير السنوي لحرية الصحافة لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، اليوم الأربعاء، أن تونس والسنغال كانتا من بين الدول التي تراجعت في الترتيب، في حين بقيت النرويج في الصدارة، وحلّت كوريا الشمالية في المركز الأخير. وتقدّمت فرنسا من المركز 26 إلى المركز 24.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم غوتيريش يندد باستهداف الصحافيين والهجوم على حرية الصحافة

غوتيريش يندد باستهداف الصحافيين والهجوم على حرية الصحافة

ندّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم (الثلاثاء)، باستهداف الصحافيين، مشيراً إلى أنّ «حرية الصحافة تتعرّض للهجوم في جميع أنحاء العالم». وقال في رسالة عبر الفيديو بُثّت عشية الذكرى الثلاثين لـ«اليوم العالمي لحرية الصحافة»، إن «كلّ حرياتنا تعتمد على حرية الصحافة... حرية الصحافة هي شريان الحياة لحقوق الإنسان»، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية. وأضاف أن «حرية الصحافة تتعرّض للهجوم في جميع أنحاء العالم»، مشيراً إلى أنّه «يتمّ استهداف الصحافيين والعاملين في الإعلام بشكل مباشر عبر الإنترنت وخارجه، خلال قيامهم بعملهم الحيوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم صحافي ليبرالي في الصين يواجه تهمة «التجسس»

صحافي ليبرالي في الصين يواجه تهمة «التجسس»

ذكرت جمعية تعنى بالدفاع عن وسائل الإعلام أن تهمة التجسس وجهت رسمياً لصحافي صيني ليبرالي معتقل منذ عام 2022، في أحدث مثال على تراجع حرية الصحافة في الصين في السنوات الأخيرة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». كان دونغ يويو، البالغ 61 عاماً والمعروف بصراحته، يكتب افتتاحيات في صحيفة «كلارتي» المحافظة (غوانغمينغ ريباو) التي يملكها الحزب الشيوعي الحاكم. وقد أوقف في فبراير (شباط) 2022 أثناء تناوله الغداء في بكين مع دبلوماسي ياباني، وفق بيان نشرته عائلته الاثنين، اطلعت عليه لجنة حماية الصحافيين ومقرها في الولايات المتحدة. وقالت وزارة الخارجية اليابانية العام الماضي إنه أفرج عن الدبلوماسي بعد استجو

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم العربي المغرب: أربعة من وزراء الإعلام السابقين يرفضون لجنة مؤقتة لمجلس الصحافة

المغرب: أربعة من وزراء الإعلام السابقين يرفضون لجنة مؤقتة لمجلس الصحافة

بدا لافتاً خروج أربعة وزراء اتصال (إعلام) مغاربة سابقين ينتمون إلى أحزاب سياسية مختلفة عن صمتهم، معبرين عن رفضهم مشروع قانون صادقت عليه الحكومة المغربية الأسبوع الماضي، لإنشاء لجنة مؤقتة لمدة سنتين لتسيير «المجلس الوطني للصحافة» وممارسة اختصاصاته بعد انتهاء ولاية المجلس وتعذر إجراء انتخابات لاختيار أعضاء جدد فيه. الوزراء الأربعة الذين سبق لهم أن تولوا حقيبة الاتصال هم: محمد نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب «التقدم والاشتراكية» المعارض، ومصطفى الخلفي، عضو الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية» المعارض أيضاً، والحسن عبيابة، المنتمي لحزب «الاتحاد الدستوري» (معارضة برلمانية)، ومحمد الأعرج، عضو

«الشرق الأوسط» (الرباط)
المشرق العربي «الجامعة العربية» تنتقد «التضييق» على الإعلام الفلسطيني

«الجامعة العربية» تنتقد «التضييق» على الإعلام الفلسطيني

انتقدت جامعة الدول العربية ما وصفته بـ«التضييق» على الإعلام الفلسطيني. وقالت في إفادة رسمية اليوم (الأربعاء)، احتفالاً بـ«يوم الإعلام العربي»، إن هذه الممارسات من شأنها أن «تشوّه وتحجب الحقائق». تأتي هذه التصريحات في ظل شكوى متكررة من «تقييد» المنشورات الخاصة بالأحداث في فلسطين على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما في فترات الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.