الجربا لـ {الشرق الأوسط}: الغرب وعد بالتسليح خلال أسابيع

قال إن المعارضة ستطلب من الدول العربية المؤيدة تسليم سفارات سوريا للائتلاف

الجربا لـ {الشرق الأوسط}: الغرب وعد بالتسليح خلال أسابيع
TT

الجربا لـ {الشرق الأوسط}: الغرب وعد بالتسليح خلال أسابيع

الجربا لـ {الشرق الأوسط}: الغرب وعد بالتسليح خلال أسابيع

بتواضع وبساطة، يتحدث أحمد عاصي الجربا، رئيس الائتلاف الوطني السوري، عن جولاته ولقاءاته التي قادته إلى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا، ولقاءاته قادة هذه الدول، وخصوصا النتائج التي أسفرت عنها. كذلك، يتناول حال الائتلاف الداخلية واستحقاقاته المقبلة، ومنها إعادة تشكيل هيئته السياسية وشخصية رئيسه.
«الشرق الأوسط» التقته في باريس على هامش زيارته العاصمة الفرنسية التي توجت بلقائه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند.
تعكس تصريحات الجربا «تفاؤلا» برؤية الأمور تتغير لجهة وعي الغرب بأنه آن الأوان لأن يمد المعارضة السورية بالسلاح النوعي الذي تحتاجه. وقال في اللقاء إنه يعتقد أن «هذه الإجراءات، (أي مساعدة المعارضة عسكريا)، ستترجم في الأسابيع المقبلة ترجمة حقيقية على أرض الواقع». ويؤكد الجربا أن الأميركيين أصبحوا مقتنعين بنسبة 90 في المائة بضرورة مساعدة المعارضة عسكريا. وأفاد بأن الدول الخليجية طلبت عقد اجتماع استثنائي لمجلس الجامعة العربية لنقل مقعد سوريا إلى الائتلاف، وكشف عن أنه اقترح أن تعمد الدول التي تصوت لصالح هذا الاقتراح إلى تسليم السفارة السورية لديها إلى الائتلاف على أن تمتنع عن ذلك الدول التي تصوت ضد الاقتراح.
على المستوى الداخلي، يؤكد الجربا أنه لن يترشح مجددا لولاية ثالثة، ومن ثم يتعين ترك اللعبة الانتخابية تدور دورتها. لكنه نبه إلى أن المنسحبين من الائتلاف في حال فشلوا في الفوز بالرئاسة «لن يمكنهم العودة إليه مجددا». وعزا الجربا استقالة وزير الدفاع، أسعد مصطفى، من منصبه «لأسباب سياسية وأخرى شخصية»، بسبب سوء علاقته برئيس الحكومة أحمد طعمة. وفيما يلي نص الحوار:
* عقدت قبل يومين لقاء مع الأمير سعود الفيصل في منزله بباريس. وكان وزير الخارجية السعودي قد شارك بلندن في اجتماع المجموعة الأساسية لـ«أصدقاء الشعب السوري». أود أن أعرف منك الخلاصات التي توصلتم إليها فيما يخص الملف السوري؟
- المملكة بالنسبة لنا مرجعية حقيقية. وكان من المهم أن أجتمع مع الأمير سعود الفيصل بعد لقاءاتي المهمة في واشنطن، كما كان يتعين علينا أن ننسق بعضنا مع بعض وأن نتفحص خلاصة ما توصلنا إليه في اللقاءات التي عقدناها - إن في العاصمة الأميركية أو مع المجموعة الأساسية في لندن أو باريس. واجتماعي بالأمير سعود الفيصل كان ذا طابع تشاوري تنسيقي، عرضنا خلاله بالتفصيل ما آل إليه الوضع السوري والظروف المحيطة به اليوم.
* لكن، هل هناك عناصر جديدة أو توجهات جديدة برزت أخيرا؟
- طبعا. أعتقد أنه بعد فشل الحل السياسي، وبعد استقالة الأخضر الإبراهيمي، وبعد وصول إجرام النظام إلى مستويات غير مسبوقة، وإصراره على الحل العسكري بصفته الطريق الوحيد لحل الأزمة وتكريسه بترشح الأسد لولاية جديدة - كان من المهم أن نتدارس كل ذلك ونقوم بتفحصه وتحليليه. ونحن نرى أنه من الضروري أن تحصل خطوات عملية على الأرض، إذ إن الوضع لم يعد يحتمل، ونحن بحاجة لتغيير حقيقي ميداني في كل مناطق سوريا. هذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام، وهذا هو المدخل والرسالة التي توجهها الدول العربية والإقليمية والغربية لتصل إلى الأسد، ومفادها أننا نحن هنا ولن نترك للنظام الحبل على الغارب ليستهتر بالمجتمع الدولي، بالغرب والشرق. ما قرره الأسد إهانة كبيرة لنا نحن كسوريين. قلنا - ونقول - إن الأسد بترشحه أغلق الباب نهائيا أمام الحل السياسي. شرعيته بالنسبة لنا سقطت منذ ثلاث سنوات وثلاثة أشهر. وانتخاباته أصلا غير قانونية ولن تترتب عليها أي تبعات قانونية.
* في البيان الذي صدر عن اجتماع لندن، هناك فقرة وردت فيه وأريد منك أن تخبرني ما المقصود بها. تقول الفقرة: «لقد اتفقنا بالإجماع، وفي إطار استراتيجية منسقة ومتفق عليها، على اتخاذ مجموعة من التدابير التي تهدف إلى زيادة دعمنا للمعارضة المعتدلة التي يمثلها (الائتلاف الوطني) والمجلس العسكري الأعلى والمجموعات المسلحة المعتدلة..». ما المقصود عمليا بهذه «التدابير»؟
- الآن، هناك مجموعة من الأفكار والإجراءات التي سنقوم بها نحن وحلفاؤنا. ما حصل في اجتماع المجموعة الأساسية بلندن تكريس وترجمة للنتائج التي عدنا بها من واشنطن. الوضع الآن سيكون مختلفا عما كان عليه في السابق. هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها كلاما جديا، واللغة التي سمعناها مختلفة تماما عما كنا نسمعه في السابق. وليس بالضرورة أن يعكس البيان كل ما دار في الاجتماعات. ربما ما لم يرد فيه هو الأهم. أعتقد أن هذه الإجراءات ستترجم في الأسابيع المقبلة ترجمة حقيقية على أرض الواقع.
خلافات شخصية بين مصطفى أسعد وأحمد طعمة
* ما الذي يحصل داخل الائتلاف؟ أنتم بحاجة إلى إظهار أنكم موحدون ومتفقون فيما بينكم. والحال أن استقالة وزير الدفاع أسعد مصطفى والتصريحات والاتهامات التي ترافقت مع الاستقالة تظهر العكس؟
- أسعد مصطفى رجل وطني وشريف. في الفترة الماضية، عين وزير دفاع وأخذت المطالب تنهال عليه. والمشكلة أنه لم يكن قادرا على تلبيتها، لأن إمكاناتنا محدودة.
* لكنك رئيس الائتلاف وكان بمقدورك أن تطلب تلبية ما يريد. أليس كذلك؟
- أنا رئيس الائتلاف وأستطيع أن أتخذ القرار. ولكن المشكلة أن الإمكانات المتوافرة محدودة. ثم هناك خلافات بينه وبين رئيس الحكومة أحمد طعمة، وهي ليست بجديدة. أسعد مصطفى كان شخصا يريد أن يعمل بجد. هو شخص صادق حاول. لكن الإمكانات لم تتوافر له، وخلافاته مع طعمة رمت بثقلها على فاعلية عمله.
* هل هذه المشاكل شخصية أم سياسية؟
- هي في البداية خلافات شخصية، والتمويل عندما كان يصل إلى الحكومة لم يستطع أسعد مصطفى أن يحصل منه على ما يريده بسبب الخلافات الشخصية. الأمر الآخر أن الإمكانات متواضعة. وترافق ذلك مع بيان صادر عن كتائب مهمة وفاعلة وقوية في دير الزور، وهي التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، طلبوا فيه من طعمة ومصطفى الاستقالة. ووصلوا إلى حد تخوينهم والحديث عن شراء ولاءات... كما أنهم طلبوا مني التدخل المباشر لحل هذه الأزمة. مصطفى لم يعد يحتمل، وخلافاته مع طعمة تفاقمت، الأمر الذي دفعه للاستقالة.
* لكن هذه القصة جاءت بعد أخرى مزعجة؛ أعني قصة إبعاد اللواء إدريس عن قيادة المجلس العسكري وما أثاره هذا التصرف من انشقاقات داخل الكتائب المقاتلة.
- موضوع إدريس انتهى وأصبح وراءنا.
* ما أردت قوله إن الخلافات داخل «المؤسسة العسكرية» للمعارضة مسيئة إلى المعارضة والائتلاف. أليس كذلك؟
- هاتان الأزمتان غير متماثلتين. الأولى كانت بخصوص إعادة هيكلة حقيقية للجناح العسكري وقيادة الأركان، وكان لأسعد مصطفى دور حقيقي في إنجاز المجلس العسكري هذه الخطوات المهمة. والآن، لم تعد هناك مشكلة. وصلنا إلى حالة من التوحد الكامل. عبد الإله البشير رئيس أركان، وهناك المجلس العسكري الأعلى، وقادة الأركان، وكلهم الآن يعملون يدا واحدة.
* هل يمكن أن نؤكد أن العلاقة انتظمت الآن بين القيادة السياسية للمعارضة وجناحها العسكري؟
- نعم. هذا هو الواقع اليوم. والدليل أن عبد الإله البشير رافقني إلى أميركا. وجاء ذلك بعد توحد الأركان والمجلس العسكري الأعلى. جاء معي إلى البيت الأبيض وشارك في كل المحادثات التي أجريتها.
* أنت تعلم أنه إذا لم تكن القيادة العسكرية منتظمة، فإن هذا لن يساعدكم على الحصول على المساعدات العسكرية النوعية لأن من سيوفر لكم المساعدات سيكون بحاجة إلى ضمانات.
- الأمور اليوم في قيادة الأركان ممتازة. والأوضاع قد رتبت.
لست مرشحا لفترة جديدة
* قريبا، هناك انتخابات جديدة داخل الائتلاف لتجديد الهيئة السياسية والمكتب. هل أنت مرشح لدورة رئاسية جديدة للائتلاف؟
- أنا لست مرشحا.
* في المطلق؟
- نعم. في المطلق. نحن لدينا نظام داخلي ينص على أن مدة الرئاسة ستة أشهر قابلة للتجديد لمرة واحدة. أنا خضت الانتخابات مرتين ونجحت فيهما. بالنسبة إلي، مر على ترؤسي الائتلاف سنة.
عندما وصلت لرئاسة الائتلاف بعد استقالة معاذ الخطيب، لم يكن له مقر ولا تجهيزات ولا أرشيف... قمنا بكل هذا وبدأنا خطوات عملية وبنشاط سياسي غير مسبوق في تاريخ المعارضة السورية، وأنجزنا محطات مهمة؛ منها المشاركة في مؤتمر جنيف، حيث لم تكن المشاركة غير مقبولة، لكننا نجحنا في إقناع الائتلاف بالذهاب إلى جنيف ورأسنا مرفوع، وأدخلنا عنصرا أساسيا في معادلة المعارضة السورية وهو «المجلس الوطني الكردي»، وهو ما حدث خلال ولايتي الأولى. كذلك، فإن زيارتي الولايات المتحدة مهمة وتاريخية بكل المقاييس. كل ذلك إنجازات حققناها، وهي تضاف إلى حضورنا القمة العربية واجتماع مجلس التعاون الخليجي. ومما يمكن التوقف عنده، التنسيق العالي مع باريس، حيث اجتمعت أربع مرات بالرئيس هولاند؛ ثلاث مرات في الإليزيه ومرة في المملكة السعودية، وهو يعكس التقدم العالي السياسي والدبلوماسي للمعارضة. كذلك، ذهبنا للصين لأول مرة بدعوة رسمية من وزير الخارجية، وذهبنا إلى روسيا وطرقنا بابها بدعوة من الوزير لافروف وجلسنا معا لمدة أربع ساعات وربع الساعة. الخلاصة أننا سعينا لطرق الأبواب كافة حتى الأبواب التي نعدها مغلقة أو داعمة للنظام.
أنا أعد أنني قمت بما هو متوجب علي في هذه المرحلة. بعض الزملاء والأصدقاء والأعضاء اقترح تغيير القانون الداخلي. لكنني بصراحة لا رغبة لي في ذلك. هذا قراري ولن أغيره، وإن أصروا على عكس ذلك.
* أي، الباب مغلق؟
- نعم. هو كذلك.
* لكن، هناك مشكلة، إذ عندما ستأتي الانتخابات مجددا ستطفو على السطح الخلافات والانقسامات الداخلية.
- ليس بالضرورة. الآن، تعود أعضاء الائتلاف الانتخابات. ونحن متفقون على أن العملية ديمقراطية وفيها الفائز والخاسر. من يفز نرحب به ومن يرد الرحيل، في حال خسارته، نقل له مع السلامة. لكن هذه المرة، من يترك الائتلاف لن يستطيع العودة إليه مجددا «كما حصل المرة الماضية». نحن نريد أن نتعلم أن هناك عملية ديمقراطية يجب أن تطبق مهما كانت الظروف. وهو قرار واضح، ولا انقسامات بشأنه.
* هيثم المالح أعلن قبل يومين أن هناك اجتماعا خاصا للجامعة العربية لإعطاء مقعد سوريا لـ«الائتلاف الوطني». هل من معلومات إضافية بهذا الشأن؟
- القرار اتخذ في القمة العربية بالكويت لجهة حضور الائتلاف بشكل رسمي في أول دورة عادية للمجلس، أي في سبتمبر (أيلول) المقبل. أعتقد أن بلدان الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، طلبت جلسة استثنائية الشهر المقبل لحسم موضوع مقعد سوريا في الجامعة ولتسليمنا إياه رسميا. لا أعرف كيف ستسير الأمور، ولكن الطلب يقوم على ما شرحته لك.
* هل يجري الحسم عن طريق التصويت؟
- أعتقد أن إجماع البلدان العربية على هذا الموضوع سيكون صعبا. نحن قدمنا اقتراحا إلى وزراء الخارجية ينطلق من اعتبار أن عددا من الدول العربية، لأسباب موضوعية أو ربما لأسباب أخرى خاصة بها، ستكون معارضة لهذا التطور. واقتراحي أن البلدان التي صوتت لصالح تسليمنا المقعد يمكنها أن تسلمنا السفارة السورية لديها. أما التي لم تصوت لصالح التسليم، فيمكنها ألا تحتذي حذو الدول الأخرى. وأعتقد أن ذلك سيمثل رسالة قوية للأسد، خاصة في موضوع ترشحه.
ما يهمنا من هذا العمل رمزيته بالدرجة الأولى، ومعناه أن العرب طردوا هذا النظام أصلا من هذا المقعد منذ سنتين، وبما أن العالم الحر والعالم العربي والإسلامي قبلوا بالائتلاف ممثلا شرعيا للشعب السوري، فمن الطبيعي أن نحتل مقعد سوريا في الجامعة العربية.
حصيلة الجولة الغربية
* قمت بزيارة مطولة لواشنطن وأخرى للندن وحاليا لباريس. ما الذي عدت به من هذه الجولة؟
- أولا، هذه كانت المرة الأولى التي يدعى فيها الائتلاف بشكل رسمي لزيارة الولايات المتحدة وتحصل لقاءات على أعلى المستويات. من الناحية السياسية، هذا أمر مهم جدا. لا يخفى عليك أن واشنطن اعترفت بالائتلاف ممثلا شرعيا للشعب السوري وهي تعد الأسد مارقا وأنه نظام يدعم الإرهاب. لكن، أنت تعلم أن الرئيس أوباما اتخذ قرارا بعدم التدخل العسكري المباشر في أي مكان. والمرة الوحيدة التي كان يمكن أن يأمر فيها بالتدخل العسكري في سوريا كانت في سبتمبر من العام الماضي في موضوع السلاح الكيماوي. كما أن الكونغرس والرأي العام الأميركي غير متحمسين أيضا.
* لكنكم لا تطلبون تدخلا عسكريا أميركيا مباشرا.
- الرأي العام الأميركي والكونغرس وبعض أطراف الإدارة يعدون الثورة السورية ذهبت لمكان آخر، وأن الائتلاف ليس لديه شيء على الأرض، وأن القوى التي تتبعه عسكريا أصبحت ضعيفة، وأن المتطرفين و«القاعدة» و«داعش» هم المسيطرون.
ما قمنا به في الولايات المتحدة عمل بالغ الأهمية: أولا، أعضاء الكونغرس كانوا ثلاثة أجنحة: طرف مؤيد لنا، وآخر يعارض في المطلق تقديم مساعدات عسكرية لنا وضد التدخل نهائيا وأي طريقة حقيقية للمساعدة. أما الطرف الثالث فمتردد بين الطرفين الأول والثاني.
أكاد أقول إننا نجحنا بنسبة 90 في المقابل.
* هل أفهم منك أن هناك نتيجة ملموسة إيجابية من هذه الزيارة لجهة طلب أسلحة نوعية؟
- نعم. أعتقد ذلك.
* هل هناك من أفق زمني؟
- أعتقد أن المسألة غير طويلة.
* لكن، ما سبب تصريح الجنرال ديمبسي بعد يومين من عودتك من واشنطن بأنه «من غير الممكن» تسليم المعارضة السورية الأسلحة النوعية التي تطلبها، خصوصا الصورايخ المحمولة المضادة للطائرات؟
- ديمبسي تحدث في معهد «أتلانتيك» وأنا زرت المعهد وتناقشت مع إدارته في هذا الموضوع. هذا رأي ديمبسي الشخصي.
* ولكنه رجل مسؤول؟
- نعم. نحن طرقنا باب الإدارة والكونغرس وباب الوسائل الإعلامية الأميركية وباب معاهد البحث. وأنا أعلم، وبفضل الاحتكاك المباشر مع الأميركيين منذ سنة، أن هذه اللقاءات كانت إيجابية، وأستطيع أن أقول لك الآن إننا بشكل مؤكد تقدمنا درجة. قبلها، كانت المراوحة. في السنة الماضية، كانوا يقولون لنا: لا نريد التدخل، وهذا الموضوع لا نريده. أنا نقلت إليك ما سمعته. وما قلته «في لقاءاتي» إننا لا نريد أن يأتي أولادكم إلى سوريا ولا أن تقوم طائراتكم بعمليات قصف. ما نريده هو السلاح الذي يمكننا من أن ندافع عن أنفسنا من الطائرات والقنابل والبراميل المتفجرة، كما أننا مع الحل السياسي. والوصول إليه يمر عبر إقناع بشار الأسد بأن لا حل عسكريا للصراع ومن ثم يتعين أن توفروا لنا الدعم العسكري.
لقد لمست فعلا أن هناك جدية حقيقية أن يكون هذا الأمر في المقبل من الأيام بشكل إيجابي وأن يترجم على أرض الواقع.
* هل اقتنع الأميركيون بالضمانات التي يطلبونها مقابل تسليمكم السلاح؟
- لقد شرحت لهم ضماناتنا وهم اقتنعوا بهذه الضمانات. أنت تعلم أن حجتهم هي الخوف من وقوع هذه الأسلحة في «الأيدي الخطأ». نحن نرفض الإرهاب ونقاتله على الأرض وهم يعلمون ذلك جيدا، ومن ثم من المستحيل أن يتسرب السلاح للجهة التي نقاتلها. أما الأمر الثاني، فهو أن الدول يمكن أن تشرف معنا على هذا الموضوع، ولدينا الأشخاص العسكريون المتخصصون في القطاعات المعنية. ثمة أمور تقنية تفصيلية ومقنعة وقد قمنا بشرحها لهم بشكل مستفيض وللأصدقاء كافة.
* ما المقصود بما قلته أول من أمس بقصر الإليزيه في موضوع «اتخاذ إجراءات مع الأصدقاء لإيقاف مهزلة الانتخابات». عن أي إجراءات تتحدث؟
- المقصود أنه يتعين علينا القيام بعمل حقيقي على الأرض ليفهم الأسد أن المسألة ليست بمثابة لعبة يمكن أن يلعبها، والسوريون ليسوا دمى.
* هل تعني أن المقصود هو العمل العسكري؟
- نعم. أعني العمل العسكري، وهو من أهم الإجراءات التي أقصدها والتي من ضمنها أيضا العمل القانوني كإحالة النظام إلى المحكمة الجنائية الدولية ونزع الشرعية...
* ثمة من يقول في الغرب إن الأميركيين وغير الأميركيين لا مشكلة لديهم في استمرار الحرب بسوريا، وما الضرر بالنسبة إليهم إذا كانت، على سبيل المثال، «داعش» تقاتل «النصرة» أو إذا كان «حزب الله» يقاتل الجيش السوري الحر، ومن ثم هناك إدارة للنزاع وليس رغبة في إيجاد حلول له. ما رأيك في ذلك؟
- هذا موجود لدى طرف معين في الغرب. أنت تعلم أن هناك آراء مختلفة وانقسامات داخل كل بلد. ولقد استفدت من لقاءاتي أن أؤكد كل مرة أن جعل السوريين يقتل بعضهم بعضا أمر غير مفيد، وأن الدول الخمس المحيطة بسوريا حليفة كلها للغرب، ومن ثم فإن الحرب في سوريا ستهدد استقرارها، وإذا انفجرت سوريا فإن شظاياها ستصيب هذه البلدان. وأبعد من ذلك، فإن الشظايا ستصل إلى أوروبا. ولذا، شددت على الحاجة نهائيا لوضع حد لهذه التحاليل، وهم فهموا رسالتنا. ثم نحن الطريق الثالث، ومصلحتهم أن نبقى موجودين، لأننا نمثل الحل في سوريا. وبيننا وبينهم مصلحة مشتركة. لا الأميركيون ولا الأوروبيون يريدون بقاء النظام ولا يريدون «داعش». وإذا كنا نحن نحارب الاثنين وإضعافنا سيؤدي إلى تقوية الطرفين، فإن مصلحتهم في دعمنا.
* من يخلف الإبراهيمي؟
- يتعين علينا تحريك الملف السياسي. ولكنه يحتاج إلى شق ميداني. وطالما لم يتوافر ذلك، لا فائدة من الحديث عن حل سياسي. وإذا توافر لنا الدعم الحقيقي، فإن الأمور يمكن أن تتغير بشكل كبير. بعدها، سنفتح المجال للحل السياسي، ولكن من غير الأسد.
المبادرة الإيرانية
* ما رأيك في ما ينسب إلى الإبراهيمي عن المبادرة الإيرانية، التي تقوم، وفق ما قاله، على تأجيل الانتخابات ووقف النار وتعديل الدستور وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
- أنا التقيت الإبراهيمي في الكويت وقال لي إن اللقاءات التي قام بها في إيران لم تكن مشجعة. الإيرانيون يتحدثون، لكنهم جزء من المشكلة، وإذا أرادوا أن يكونوا جزءا من الحل فعليهم القيام بخطوات وإجراءات معينة.
* ما هي؟
- عليهم أولا سحب «حزب الله» من سوريا وسحب الحرس الثوري الإيراني الذي يقود العملية الأمنية في سوريا والمرتزقة العراقيين الذين تمولهم وتأتي بهم من العراق. بعدها، يمكن أن نقول إن الدول الإقليمية يمكن أن تقدم رؤيتها للحل. ولكن، يتعين على الإيرانيين أن يأخذوا بعين الاعتبار أن لا مكان للأسد في سوريا مطلقا.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.