العمالة المنخفضة التكاليف... أزمة ماكرون الكبرى مع أوروبا الشرقية

تزايد الضغوط الداخلية في فرنسا للحد من سياسة «الإغراق الاجتماعي»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

العمالة المنخفضة التكاليف... أزمة ماكرون الكبرى مع أوروبا الشرقية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)

عند زيارة أي موقع كبير للبناء في فرنسا تقريباً، سوف تكون الاحتمالات مرتفعة لأن تجد أغلب العمال ينحدرون من بلدان أوروبا الشرقية. وفي بريطانيا، تجد العمالة في المزارع الإنجليزية من بولندا ورومانيا وبلغاريا هي الغالبة في موسم الحصاد. وما يقرب من نصف سائقي الشاحنات في إسبانيا قادمون من بلدان أوروبا الشرقية كذلك.
والمبدأ الذي تستند إليه هذه الأوضاع - من حرية مواطني بلدان الاتحاد الأوروبي في العمل في أية بقعة داخل الكتلة المكونة لدول الاتحاد الثماني والعشرين - هو المبدأ نفسه الذي يشكل دعامة الاتحاد الرئيسية. ومن الناحية النظرية، فهذا المبدأ يتيح للعمال التحرك عبر جميع أنحاء المنطقة الأوروبية بحثاً عن فرص العمل والمزايا التجارية، من خلال توفير نطاق أوسع للمهارات والمواهب.
بيد أن الشركات هي الأخرى قد استفادت، ومنذ فترة طويلة، من القواعد التي تسمح لها باستقدام العمالة من أية دولة إلى أخرى داخل حدود الاتحاد. والآن، بدأت ردود الفعل في التصاعد لدى بلدان شمال أوروبا، وسط الأدلة المتزايدة على استفادة أرباب الأعمال من قواعد استئجار العمالة الأجنبية منخفضة الأجور، بدلاً من توظيف العمال المحليين.
ويتحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي كان قد تعهد بحماية مواطنيه من «المنافسة غير المنصفة» لبلدان شرق أوروبا، بكل صرامة للإعراب عن تركيزه واهتمامه الشديدين على هؤلاء العمال المستأجرين من خارج البلاد، وذلك خلال جولته التي تستمر 3 أيام لزيارة وسط وشرق أوروبا، اعتباراً من أمس (الأربعاء).
وتأتي هذه التحركات، وما يرافقها من ضغوط، في الوقت الذي تواجه فيه الدول ذات الأجور المرتفعة، مثل فرنسا والنمسا وهولندا، المزيد من الضغوط السياسية الداخلية للحد من سياسة الإغراق الاجتماعي، وهي الممارسة واسعة النطاق التي تستأجر فيها الشركات المقاولين من الباطن في دول أوروبا الشرقية، الأعضاء في الاتحاد، وذات الأجور المنخفضة، ونقلهم للعمل في الدول ذات الأجور المرتفعة. وتزيد هذه الممارسة من هوامش أرباح الشركات، غير أنها في أغلب الأحيان ما تستغل حاجات العمالة، عن طريق التخفيض المستمر من الأجور الممنوحة والمنافع الاجتماعية المقدمة.
وكان القلق الناجم عن ارتفاع أعداد العمال الأجانب، لا سيما من بلدان أوروبا الشرقية، الذين يعملون في المجالات الزراعية والإنشائية، وغيرها من القطاعات ذات العمالة الكثيفة، من العوامل المحورية في التصويت البريطاني العام الماضي على مغادرة عضوية الاتحاد الأوروبي، أو ما يُعرف إعلامياً بالـ«بريكست».
وهذه النقطة ليست بعيدة عن أجندات الساسة، بمن فيهم السيد ماكرون، الذي انخفضت معدلات التأييد الشعبي له بصورة كبيرة خلال الشهر الأول من توليه مهام منصبه الرئاسي. وفي مقابلات مع عدد من الصحف الأوروبية البارزة، خلال يونيو (حزيران) الماضي، حث الزعيم الفرنسي دول أوروبا الشرقية على ألا تتعامل مع الاتحاد الأوروبي كما يتعامل أحدنا مع «السوبر ماركت»، وحذر من أن حكومات تلك البلدان سوف تواجه العواقب الوخيمة، إذا ما واصلت الاستخفاف بالقيم الإقليمية لدول الاتحاد.
وقال الرئيس الفرنسي، خلال إحدى المقابلات الأخيرة: «هل تعتقد أنه يمكنني تفسير الأمر للشعب الفرنسي؟ إن الشركات تغلق أبوابها في فرنسا، وتنتقل إلى بولندا، في حين أن الشركات الإنشائية الفرنسية تعين العمالة البولندية بسبب انخفاض أجورهم! إن هذا النظام لا يعمل بصورة سليمة على الإطلاق».
غير أن هذه التهديدات التي أطلقها الزعيم الفرنسي قد أثارت غضب قادة بولندا وهنغاريا وجمهورية التشيك، مما أدى إلى اتساع الفجوة القائمة مع بلدان أوروبا الغربية، التي اندلعت أول الأمر خلال أزمة اللاجئين التي شهدتها القارة العتيقة عندما اصطدم الجانبان حول خطط توزيع طالبي اللجوء السياسي في جميع أنحاء دول الاتحاد الأوروبي. ووجه قادة دول أوروبا الشرقية الاتهامات إلى السيد ماكرون بانتهاج سياسة الحمائية، وهم يتساءلون في الوقت ذاته عن عدم تحرك فرنسا وجيرانها إلى قمع أرباب الأعمال المحليين الذين يسيئون استغلال النظام.
ويقول قادة الدول الأوروبية الشرقية إن بلدانهم، التي انضمت إلى الكتلة الأوروبية الموحدة اعتباراً من عام 2004، خلال أكبر عملية توسيع شهدها الاتحاد، ينبغي أن يُسمح لها بالتنافس على الأجور المنخفضة لتأمين زيادة النمو الاقتصادي، واللحاق بركب الدول الغنية. ومع انضمام بولندا و9 بلدان أخرى من أواسط وشرق أوروبا إلى الاتحاد، حظرت الدول الأعضاء القديمة في الاتحاد عليهم حق الوصول إلى أسواق الأعمال في بلادها.
وفي الأسبوع الماضي، سعى الرئيس ماكرون إلى التخفيف من حدة التوترات، مصرحاً بأنه يرغب في إرساء قواعد جديدة لمكافحة الاحتيال، والحد من الوقت الذي يمكن خلاله نشر الموظفين في بلد آخر داخل الاتحاد الأوروبي، واقتصاره على عام واحد فقط. أما جولته التي تستغرق 3 أيام، فسوف تشمل زيارة كل من النمسا ورومانيا وبلغاريا، وعقد اجتماعات مع رؤساء الوزراء في كل من سلوفاكيا وجمهورية التشيك، أثناء وجوده في النمسا.
وقال الرئيس الفرنسي، خلال مؤتمر صحافي مشترك جمعه مع المستشار النمساوي كريستيان كيرن، في سالزبورغ: «إنني أعتقد، وبصدق، أنه قد حان الوقت لإعادة هيكلة البناء الأوروبي. إن نشر توجيهات العمالة، وأثره على النحو الراهن، يعد خيانة أكيدة للروح الأوروبية المشتركة».
وفي حين أن العمالة المنتشرة خارج بلدانها لا تشكل نسبة تتجاوز 1 في المائة من القوة العاملة الأوروبية، فإن قادة الكتلة الشرقية من أوروبا قد تعهدوا بمكافحة كل الجهود الرامية لتقييد حقوق مواطنيهم في العمل في مختلف أرجاء بلدان الاتحاد.
وخلص البرلمان الأوروبي إلى كثير من الممارسات المشكوك فيها، التي تستغلها الشركات في استقدام العمالة الرخيصة. وتشتمل هذه الممارسات على وضع عناوين بريدية وهمية في دول الاتحاد ذات الأجور المنخفضة، وانتقال العمالة بين كثير من الدول لتفادي زيادة التكاليف التي تجلبها فرص العمل الدائمة. وهناك شركات أخرى تجبر العمال على الإعلان أنهم يعملون لحسابهم الخاص، حتى تتمكن الشركات من تجنب سداد اشتراكات الضمان الاجتماعي القانونية.
ومن شأن هذه الممارسات أن تتحول بسهولة إلى استغلال واسع النطاق، مع افتقار العمالة الرخيصة إلى الحماية الاجتماعية الممنوحة للعمال المحليين. كما أن البلدان المضيفة تفقد أيضاً العائدات الضريبية وودائع الضمان الاجتماعي لصالح بلدان أوروبا الشرقية التي تستند إليها قسائم أجور العمال.
وكانت تلك القضية من قضايا التوتر والشحن السياسي منذ فترة طويلة داخل أوروبا، غير أنها عاودت الظهور على سطح الأحداث من جديد خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، عندما عطف السيد ماكرون، ومنافسته السياسية من تيار اليمين القومي المتطرف مارين لوبان، على ذكر حرية حركة العمالة الرخيصة، كأحد مصادر انتشار البطالة والمنافسة غير المنصفة في البلاد.
كما أن قضية إساءة استغلال العمال البارزة قد أثارت كثيراً من الانتقادات والتدقيق السياسي اعتباراً من مارس (آذار) الماضي.
وتحملت إحدى كبريات شركات الإنشاء الفرنسية، وهي شركة «بويغز ترافوس بوبليكس»، غرامة مالية تقدر بنحو 30 ألف يورو، أو ما يساوي 35 ألف دولار، إثر التحقيقات الحكومية المطولة التي خلصت إلى أن الشركة تعاقدت مع وكالات التوظيف الاستغلالية لاستئجار المئات من العمال ذوي الأجور المتدنية من بولندا ورومانيا للعمل في أحد مواقعها داخل فرنسا.
والعمال الذين تم استقدامهم للمساعدة في بناء محطة الطاقة النووية التي تديرها شركة الكهرباء الحكومية الفرنسية «إي دي إف»، في بلدة فلامانفيل الواقعة على الساحل الشمالي الغربي للبلاد، حصلوا على تغطية صحية ضئيلة، أو تكاد تكون منعدمة، في الفترة بين 2009 و2011، أثناء العمل في تشييد المحطة. كما تحملت وكالات التوظيف التي استقدمتهم غرامات مالية بسبب الاحتيال على الدولة الفرنسية، فيما يتعلق باشتراكات الضمان الاجتماعي، التي تقدر بنحو 12 مليون يورو.
وفي العام الماضي، اقترحت المفوضية الأوروبية إصلاح النظام القائم، لكي يلزم شركات التوظيف بدفع أجور العمال المستقدمين على قدم المساواة بالعمال المحليين، وأن أي استقدام للعمالة لا بد أن يتم في مناخ من المنافسة المنصفة، واحترام حقوق العمال. غير أن بلدان وسط وشرق أوروبا تعمدت وقف العمل بتلك المقترحات، وطالبت بروكسل بإجراء المزيد من المراجعة بشأنها. وهناك بعض من الدول الأعضاء في الاتحاد يريدون تولي الأمور بطريقتهم الخاصة.
فلقد شددت النمسا، في الآونة الأخيرة، من تدابير ردع الشركات المحلية عن التعاقد مع العمالة الأوروبية منخفضة الأجور. وخلال الشهر الحالي، فرضت الحكومة النمساوية غرامة على مجموعة «أندريتز»، الهندسية النمساوية، بقيمة 22 مليون يورو، لاستخدامها مقاولاً من كرواتيا لاستئجار نحو 200 عامل كرواتي للعمل في مشروع بتكلفة 7 ملايين يورو، مما يعتبر انتهاكاً مباشراً لقوانين العمل الوطنية العادلة.
ولكن المجموعة الهندسية الصناعية النمساوية استأنفت القرار، بناء على أن الحملة الحكومية النمساوية تعد انتهاكاً لقواعد الاتحاد الأوروبي، وهي تعوق تنظيم المشاريع ومباشرة الأعمال الحرة، وتعرض الوظائف المحلية في البلاد للخطر.
وفي إسبانيا، حذر الاتحاد الوطني لنقابات النقل الإسبانية من أن الإغراق الاجتماعي هو أخطر المشكلات التي تواجه قطاع النقل في البلاد. وقدر الاتحاد الإسباني أن نحو نصف سائقي الشاحنات في إسبانيا مستقدمين من دول أوروبا الشرقية، حيث الأجور أقل بمقدار 8 أضعاف مثيلتها في إسبانيا.
ويعمل كثير من سائقي الشاحنات لدى الشركات الإسبانية التي تنشئ مكتباً رئيسياً لها في بولندا، أو غيرها من بلدان أوروبا الشرقية، ثم تدفع الشركات الضرائب المنخفضة، واشتراكات الضمان الاجتماعي، وفق قوانين الدولة ذات العمالة الرخيصة، وتتجنب بذلك سداد الرسوم الإسبانية المرتفعة.
هذه هي نوعية الممارسات التي يبغي الرئيس الفرنسي ماكرون الحد منها، والقضاء عليها، ولقد صرح بشأنها قائلا: «إن أوروبا التي تحمي عمالها هي أوروبا القادرة على حل قضية العمال المنتشرين».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.