رئيس «مايكروسوفت»: السعودية تنتقل من تصدير النفط إلى تصدير الذكاء الاصطناعي

مع استعداد الشركة لتشغيل أضخم وأحدث مركز بيانات في الدمام في 2026 لتلبية الطلب المحلي والعالمي

تعدّ المهارات البشرية الشابة العنصر الأكثر حسماً في تحويل الاستثمارات التقنية إلى قدرة وطنية مستدامة (شاترستوك)
تعدّ المهارات البشرية الشابة العنصر الأكثر حسماً في تحويل الاستثمارات التقنية إلى قدرة وطنية مستدامة (شاترستوك)
TT

رئيس «مايكروسوفت»: السعودية تنتقل من تصدير النفط إلى تصدير الذكاء الاصطناعي

تعدّ المهارات البشرية الشابة العنصر الأكثر حسماً في تحويل الاستثمارات التقنية إلى قدرة وطنية مستدامة (شاترستوك)
تعدّ المهارات البشرية الشابة العنصر الأكثر حسماً في تحويل الاستثمارات التقنية إلى قدرة وطنية مستدامة (شاترستوك)

بينما تُسرّع السعودية مسيرة تحولها الوطني تحت مظلة «رؤية 2030»، يشهد المشهد التقني الإقليمي نقطة انعطاف كبرى. وللمرة الأولى، «لا تشارك المنطقة في تحول عالمي فحسب، بل تتصدره بوضوح»، وفق ما يقول رئيس «مايكروسوفت» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، نعيم يزبك، خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط».

يعتبر يزبك أن السعودية تقف اليوم في مقدمة مشهد تقني يُعد «لحظة تحول تاريخية لم نشهد مثلها في المائة عام الماضية»، لحظة تُعرّفها البنى السحابية السيادية والذكاء الاصطناعي وقدرات الابتكار الوطني.

نعيم يزبك رئيس «مايكروسوفت» لمنطقة الشرق الأوسط و أفريقيا (مايكروسوفت)

التحول الوطني السعودي

يرى يزبك أن الإرادة السياسية الواضحة في المملكة تقف وراء هذا التسارع. فالدولة لا تسعى فقط إلى تحديث بنيتها التحتية، بل تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بعدّه ركيزة استراتيجية توازي النفط تاريخياً. وإذا كان النفط قد شكّل أساس الاقتصاد لعقود، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح المورد الجديد الذي تراهن عليه المملكة في مستقبلها الاقتصادي.

ويذكر يزبك أن زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مؤخراً إلى الولايات المتحدة حملت دلالة مهمة، إذ جاء ملف الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة في مقدمة المحادثات، ما يعكس جدية التوجه السعودي نحو بناء اقتصاد معرفي عالمي التأثير.

هذا التوجه فتح الباب أمام مرحلة جديدة لا تكتفي فيها المملكة باستهلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي من الخارج، بل بتطوير قدراتها المحلية وبناء منظومة إنتاج معرفي يمكن تصديره، وهو ما يعزز مبدأ السيادة التقنية ويؤسس لاقتصاد قائم على الابتكار.

مميزات السوق التقنية السعودية

يؤكد يزبك أن المشهد الإقليمي كله يشهد تحولاً فريداً، إذ لم تعد دول الخليج وخصوصاً السعودية، تتبنى تقنيات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل دخلت مرحلة تطويرها وإعادة تصديرها للأسواق العالمية. وتعمل المملكة على بناء بنى تحتية متقدمة قادرة على تشغيل نماذج ضخمة وتوفير قدرات حوسبة هائلة، ما يجعلها جزءاً من معادلة الابتكار العالمية لأول مرة في تاريخها الحديث، لا مجرد مستورِدة للتقنية.

وينقل يزبك انطباعاً مشتركاً سمعه خلال لقاءاته المتعددة مؤخراً في الرياض مع الوزارات والهيئات التنظيمية والمؤسسات الوطنية والشركات العالمية، وهو أن الجميع «يريد أن يكون في طليعة الذكاء الاصطناعي لا خلفه». ويعد أن الطموحات لم تعد شعارات، بل تحولت إلى قرارات تنفيذية واضحة تتجلى في إعادة ترتيب الميزانيات ورفع سقف التوقعات وتسريع الجداول الزمنية للمشاريع.

كما يشير يزبك إلى أن المؤسسات السعودية باتت تطالب الشركات التقنية بضمان أعلى مستويات سيادة البيانات، خصوصاً مع حساسية القطاعات المالية والصحية والتعليمية. وفي الوقت نفسه، تتطور البنية التشريعية بسرعة كبيرة لتواكب هذا التحول، إذ قامت المملكة بتحديث أنظمة الأمن السيبراني وحوكمة البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من دول عدة حول العالم، ما جعل القدرة على تعديل التشريعات بمرونة عالية ميزة تنافسية مهمة. ويفيد يزبك بأن نجاح المؤسسات لا يُقاس بعدد مشاريع الذكاء الاصطناعي التي تنفذها، بل بمدى ارتباط هذه المشاريع بالتحديات الوطنية الكبرى، إذ يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي في صميم ملفات الإنتاجية والرعاية الصحية والتعليم والأمن السيبراني، لا في مبادرات صغيرة هدفها الظهور الإعلامي.

تُعد السعودية من أوائل الدول التي تبني بنى تحتية سحابية وسيادية متقدمة ما يمكّنها من تطوير وابتكار تقنيات جديدة وليس فقط استهلاكها (غيتي)

معادلة العائد على الاستثمار

يشير يزبك إلى أن بناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي يتطلب أكثر من مراكز بيانات متقدمة، فهو يبدأ من التخطيط لعقود مقبلة في إنتاج الطاقة وتوسيع شبكات الاتصال. فالتشغيل الفعلي للنماذج الضخمة يحتاج إلى قدرة كهربائية هائلة واستقرار طويل الأمد، وهو ما تعمل عليه المملكة عبر استثمارات استراتيجية في الطاقة المتجددة والبنية الاتصالية. هذه الخطوات تعزز موقع السعودية بوصفها دولة قادرة على استضافة عمليات حوسبة عالمية متقدمة على مدار السنوات المقبلة.

يشرح يزبك أن سؤال العائد على الاستثمار أصبح من أكثر الأسئلة أهمية في هذه المرحلة. فعلى المستوى الوطني، يُقاس العائد بالازدهار الاقتصادي المباشر وزيادة الناتج المحلي وخلق وظائف جديدة وتعزيز القدرة على الابتكار ورفع الإنتاجية وترسيخ المكانة العالمية للمملكة. أما على مستوى المؤسسات، فقد بدأت النتائج بالظهور بالفعل. فمع استخدام أدوات مثل «كوبايلوت»، أصبح الموظفون قادرين على أداء مهامهم بسرعة أكبر وجودة أعلى والتخلص من الأعمال الروتينية وتخصيص وقت للابتكار. وينوه يزبك بأن المرحلة المقبلة ستشهد توسعاً في المكاسب لتشمل تطوير نماذج أعمال جديدة وتحسين تجربة العملاء وتبسيط العمليات التشغيلية ورفع الكفاءة في مختلف القطاعات.

تبدأ «مايكروسوفت» تشغيل المنطقة السحابية الجديدة في الدمام عام 2026 ما يشكل تحولاً كبيراً في القطاعات الصحية والمالية والحكومية ( مايكروسوفت)

2026... نقطة التحول الكبرى

تستعد «مايكروسوفت» لبدء تشغيل منطقة سحابية جديدة في الدمّام خلال النصف الثاني من عام 2026 واستضافة كامل خدماتها السحابية بما في ذلك «Azure» و«Microsoft 365» و«Dynamics وPower Platform» وخدمات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وحلول «كوبايلوت». ويُعد هذا المشروع واحداً من أضخم وأحدث مراكز البيانات في المنطقة، وقد اكتمل البناء بالفعل بينما تجري حالياً الاختبارات ونشر الخدمات تدريجياً استعداداً للإطلاق. ويؤكد يزبك أن الطلب على هذه السحابة ضخم للغاية، ليس فقط من المؤسسات الوطنية، بل أيضاً من شركات عالمية ترغب بتشغيل خدماتها داخل المملكة، وهو ما لم يكن ممكناً سابقاً بهذه السعة.

وسيكون لهذه السحابة أثر فوري على القطاعات المنظمة مثل الصحة والمالية، التي ستتمكن للمرة الأولى من استخدام خدمات سحابية وذكاء اصطناعي محلية متوافقة مع الأنظمة السعودية. ويشير يزبك إلى أن خدمات«أزور» و «كوبايلوت» ستصبح متاحة على نطاق واسع لجميع المؤسسات من الشركات الصغيرة إلى أكبر الكيانات الاقتصادية، وأن جاهزية المؤسسات البشرية والتقنية ستكون العامل الحاسم في سرعة الاستفادة من هذه النقلة النوعية.

قيمة تتجاوز البنية التحتية

يؤكد يزبك أن تشغيل السحابة الوطنية لا يوفر قدرات تقنية فقط، بل يفتح الباب أمام دخول منظومة شركاء «مايكروسوفت» العالمية إلى داخل المملكة. وهذا يعني أن آلاف الحلول المتقدمة، من برمجيات الأعمال إلى تقنيات الأمن وتحليل البيانات، ستصبح متاحة مباشرة للمؤسسات السعودية. ويعدّ يزبك هذه المنظومة المتكاملة هي العامل الأكثر تأثيراً في تسريع الابتكار وبناء خدمات جديدة، إذ تتجاوز قيمته قيمة البنية التحتية نفسها.

تمثل البيانات النظيفة والضخمة ركيزة أساسية لنجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي وتعمل المملكة على تطوير منظومات بيانات وطنية متقدمة (غيتي)

السيادة والأمن

يصرح يزبك لـ«الشرق الأوسط» بأن مفهوم السيادة الرقمية أصبح عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه في أي بنية تقنية وطنية. فالمملكة تفرض على مقدمي الخدمات السحابية الالتزام بأعلى درجات الاعتماد لاستضافة البنى الوطنية الحساسة، وهو ما تعمل «مايكروسوفت» على تحقيقه قبل الإطلاق. ومع بدء تشغيل المراكز السحابية في الدمام، ستصبح فعلياً جزءاً من البنية السيادية للمملكة، ما يستلزم أعلى مستويات الحماية. وتستثمر الشركة مليارات الدولارات سنوياً في الأمن السيبراني، وقد تمكنت من صدّ هجمات إلكترونية غير مسبوقة، ما يعكس مستوى التهديدات الذي تواجهه البنى الوطنية اليوم. وتقدم الشركة منظومة واسعة تشمل حوكمة البيانات والحلول السحابية السيادية وأدوات تصنيف البيانات وخيارات هجينة تمنح المؤسسات مرونة في التشغيل والتوسع. ويؤكد يزبك أن السيادة ليست مفهوماً واحداً بل طيف من المتطلبات يشمل حماية البيانات والتحكم التشريعي ووجود البنى داخل الحدود الوطنية.

البيانات... مصدر التفوق المقبل

يعدّ يزبك أن البيانات هي العامل الحاسم لنجاح الذكاء الاصطناعي، وأن أي نموذج ذكاء اصطناعي لا يستند إلى بيانات نظيفة يتحول إلى مصدر للهلوسة. ولذلك تبدأ أي مناقشة وطنية استراتيجية بسؤال حول مدى جاهزية البيانات الوطنية. وتعمل المملكة اليوم بالشراكة مع «سدايا» ووزارة الاتصالات وشركات وطنية على بناء منظومة بيانات ضخمة ومنظمة وفق أعلى المعايير، ما يجعلها ركيزة رئيسية لتطوير نماذج لغوية عربية قادرة على المنافسة عالمياً. ويقول يزبك إن النهج الأكثر فاعلية هو الاعتماد على الضبط الدقيق للنماذج العالمية باستخدام بيانات محلية تعكس اللهجات والسياقات الثقافية والصناعية، بدلاً من بناء نماذج جديدة من الصفر، وهو ما يجعل العملية أكثر استدامة ودقة. كما يدعو يزبك إلى تبنّي إطار واضح للذكاء الاصطناعي المسؤول، مؤكداً أن السرعة وحدها لا تكفي، وأن الاستخدام الآمن والموثوق للتقنية يجب أن يُبنى منذ اللحظة الأولى. وتعمل «مايكروسوفت» مع الهيئات الوطنية على تطوير سياسات تمنع سوء الاستخدام وتضمن حماية البيانات وبناء نماذج عادلة وشفافة. ويعتبر أن هذه الأسس ستحدد مستقبل الثقة بين المواطنين والتقنيات الجديدة.

تدريب المهارات... ميزة وطنية

يشدد يزبك على أن المهارات البشرية هي المحرك الحقيقي للقدرة الوطنية. فامتلاك المملكة لبنية تحتية قوية لا يكفي دون وجود مهارات قادرة على تشغيلها وتطويرها. ويرى أن الشباب السعودي يمثل الميزة التنافسية الكبرى للمملكة، إذ إن الجيل الجديد وُلد في عالم رقمي يتعامل مع التقنيات الحديثة بعفوية ومرونة. وقد درّبت «مايكروسوفت» أكثر من مليون سعودي خلال العامين الماضيين عبر برامج مشتركة مع «سدايا» ووزارة الاتصالات ووزارة التعليم ومؤسسة «مسك»، كما خرّجت أكاديمية الذكاء الاصطناعي المشتركة آلاف الطلاب من أكثر من أربعين جامعة، ووفرت برامج موسعة لتدريب المعلمين على أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم. وتقوم الرؤية على أن تنمية المهارات هي ما يحول البنية الرقمية إلى قدرة وطنية تُترجم إلى ابتكار وإنتاجية.

من التبني إلى الريادة

يؤكد يزبك أن «مايكروسوفت» تجري تقييمات دقيقة لأثر السحابة الوطنية في الدول التي تعمل فيها، وتشمل هذه التقييمات خلق الوظائف والمساهمة في الناتج المحلي ونمو الشركات الناشئة وتوسع منظومة الشركاء وزيادة الإنتاج المعرفي. وعندما ترتفع هذه المؤشرات بالتزامن مع انتشار التطبيقات المحلية للذكاء الاصطناعي، تعدّ الشركة أن الدولة قد انتقلت من مرحلة التبني إلى مرحلة الريادة. وتشير التوجهات إلى أن الشركات الناشئة السعودية تتجه بسرعة نحو بناء حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من منح سحابية ومن دعم تقني يتيح لها تطوير منتجاتها بسرعة أكبر. ومع توفر قدرات الذكاء الاصطناعي محلياً ستتمكن هذه الشركات من دخول السوق بوتيرة أسرع وإطلاق منتجات تتوافق بالكامل مع الأنظمة الوطنية.


مقالات ذات صلة

بعد اعتذاره... ما حدود علاقة بيل غيتس بجيفري إبستين؟

الولايات المتحدة​ الملياردير الأميركي بيل غيتس (أ.ف.ب) p-circle

بعد اعتذاره... ما حدود علاقة بيل غيتس بجيفري إبستين؟

ذكرت تقارير صحافية أميركية أن الملياردير بيل غيتس، مؤسس «مايكروسوفت»، اعتذر لموظفي مؤسسته الخيرية، خلال اجتماع عام، عن علاقته بجيفري إبستين المدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط»
الولايات المتحدة​ صورة من تركة جيفري إبستين لمؤسس شركة مايكروسوفت بيل غيتس وهو يقف مع امرأة تم إخفاء وجهها (ا.ف.ب)

بيل غيتس سيتحمل «مسؤولية أفعاله» جراء صلاته بإبستين

غيتس أقر للموظفين بأنه كان خطأ فادحا قضاء الوقت مع إبستين وإحضار مسؤولي المؤسسة إلى اجتماعات معه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته بها، اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد عمال يجلسون أمام لافتة «قمة تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند في بهارات ماندابام في نيودلهي (رويترز)

بمشاركة عمالقة التكنولوجيا... الهند تستضيف قمة دولية للذكاء الاصطناعي

يشارك مسؤولون تنفيذيون من شركات ذكاء اصطناعي عالمية كبرى، وعدد من قادة العالم، في قمة مهمة عن الذكاء الاصطناعي تستضيفها نيودلهي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي )
الاقتصاد من حفل توقيع مذكرة التفاهم التي تهدف لتسريع تطوير المهارات الرقمية والتقنية في السعودية (أرامكو)

تفاهم بين «أرامكو» و«مايكروسوفت» لتطوير الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي

وقّعت «أرامكو السعودية» مذكرة تفاهم غير ملزمة مع «مايكروسوفت»؛ لمساعدة الأولى على استكشاف مبادرات رقمية مصممة لتسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.


«قطر للطاقة» تتوقع تصدير الغاز من مشروع «غولدن باس» الأميركي الربع الثاني من العام

خزانات التخزين في مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال (إكس)
خزانات التخزين في مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال (إكس)
TT

«قطر للطاقة» تتوقع تصدير الغاز من مشروع «غولدن باس» الأميركي الربع الثاني من العام

خزانات التخزين في مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال (إكس)
خزانات التخزين في مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال (إكس)

أعلنت شركة «قطر للطاقة»، أنها تتوقع بدء تصدير الغاز الطبيعي المسال من مشروع «غولدن باس» في الربع الثاني من العام الحالي.

ومشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال، أكبر استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، وهو مشروع مشترك مع «إكسون موبيل».

وأوضحت «قطر للطاقة» في بيان صحافي، أن «مشروع (غولدن باس) للغاز الطبيعي المسال... حقق إنجازاً مهماً نحو التشغيل الكامل لمرافق إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال بأول إنتاج للغاز الطبيعي المسال من خط الإنتاج الأول من أصل ثلاثة خطوط تبلغ طاقتها الإجمالية 18 مليون طن سنوياً».

وقال البيان، إن الإنتاج الأول من الغاز الطبيعي المسال يمهد الطريق أمام مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال لتصدير أول شحنة له من منشآته الواقعة في سابين باس في ولاية تكساس، من خلال عمليات مستدامة لتسييل الغاز، وتحقيق أهدافه التجارية والاستراتيجية.

وقال سعد بن شريده الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»: «يحمل الإنتاج الأول من الغاز الطبيعي المسال أهمية بالغة، حيث يُمثّل أحد أكبر قرارات الاستثمار في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال الأميركية. ستأتي المرحلة التشغيلية ودخول مشروع (غولدن باس) للغاز الطبيعي المسال إلى السوق في وقت بالغ الأهمية، حيث يحتل أمن الطاقة العالمي مكانة بارزة في جميع أجندات الطاقة حول العالم. ونحن نتطلع إلى البدء الآمن والناجح لعمليات التصدير».

وأضاف: «يشكّل مشروع (غولدن باس) للغاز الطبيعي المسال جزءاً من استراتيجية واسعة النطاق لاستثمارات (قطر للطاقة) حول العالم، والتي خططنا لها خلال العقد الماضي. كما يمثل المشروع جزءاً مهماً من الخطط التي أعلنتها قطر للطاقة عام 2018 لاستثمار 20 مليار دولار في قطاع الطاقة الأميركي. واليوم، نحن نشهد أولى ثمار هذه الاستراتيجية بعيدة النظر مع بدء تشغيل مشروع (غولدن باس) للغاز الطبيعي المسال، الذي سيلعب دوراً مهماً في دعم أمن الطاقة العالمي وضمان الوصول العادل والمتوازن إلى طاقة أنظف».

يذكر أن «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال هو مشروع مشترك بين «قطر للطاقة» (70 في المائة) و«إكسون موبيل» (30 في المائة). وكانت الشركتان قد أعلنتا قرارهما النهائي لاستثمار أكثر من عشرة مليارات دولار في مشروع التصدير في فبراير (شباط) من عام 2019.