الهوية الثقافية والعمرانية لمكة والمدينة

قضية تتكرر في معظم المدن النامية خصوصاً في منطقة الخليج العربي

صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)
صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)
TT

الهوية الثقافية والعمرانية لمكة والمدينة

صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)
صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)

ألقى عصر الطفرة النفطية، وما بعده، بظلاله على النمو العمراني لمكة المكرمة والمدينة المنورة منذ السبعينات. ومع تسارع التنمية والتحديث، برز تحد آخر، وهو اندثار الهوية الثقافية لهذه المدن المقدسة، خصوصاً أن المؤشرات المستقبلية تدل على الزيادة الحتمية لسكان وزوار هذه المدن، مع كل ما يحمله ذلك من تحديات اقتصادية، وضغط على النسيج العمراني التاريخي، الذي يمكن أن يلعب دوراً اقتصادياً مهماً في مرحلة ما بعد النفط.
أخذ التوسع العمراني السريع أثناء الطفرة النفطية في طريقه، في غضون بضع سنوات، معظم النسيج التاريخي، خصوصاً في أواسط المدن. هذا التطور المادي تحرك بوتيرة أسرع بكثير من عمليات التطور الاجتماعي والثقافي الموازية، مما أدى إلى اندثار معظم التراث العمراني، في غفلة عن أهميته، وهذا أحد الأعراض الجانبية للتنمية، التي كان يمكن تجنبها بوضع سياسات حمائية مناسبة.
لو وسعنا دائرة البحث، لوجدنا أن هذه القضية تتكرر في معظم المدن النامية، خصوصاً في منطقة الخليج العربي، حيث لم يكن هناك سياسات أو مبادرات لحفظ التراث، تتوازى مع التنمية المتسارعة، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، وتعاملت أغلب المخططات العمرانية مع المعالم التراثية كمواقع قابلة للإزالة، وحل محلها نسيج عمراني مستحدث، وفي بعض الأحيان مستنسخ من معالم فقدت، ولم يتم التنبه لها إلا بعد فوات الأوان.
- المدينة المنورة
لم يتجاوز حجم المدينة المنورة القديمة، بعد إحاطتها بسور في القرون الأولى الإسلامية، محيط المنطقة المركزية الحالية. هذا النموذج العمراني التقليدي، الذي يتصف بالتماسك والنمو المتدرج، يقف على مسافة بعيدة جداً من النموذج العمراني المتسارع في الوقت الحاضر؛ لم تعد المدينة المنورة تلك الواحة الصغيرة التي تقبع داخل سور من العصور القديمة، أصبحت مدينة كبرى؛ بشبكات طرقها الحديثة، وأبراجها، وتزايد أعداد سكانها وزوارها بالملايين سنوياً. ليس الاختلاف فقط في الهيكل العمراني الفيزيائي الذي فرضته عجلة التطور، بل تعدى الأمر ذلك إلى تبدل روح المكان الأصلية التي صمدت لقرون كثيرة، ثم أصبحت الآن تنطق بلسان مختلف، وتختزل الماضي في زوايا ذاكرتها إلى درجة النسيان.
هنا، ينفصل قلب المدينة وينزوي لوحده بين شبكات الطرق السريعة مثل الجزيرة المعزولة، وتنقطع صلته بأطرافها التي أصبحت مدناً أخرى تمتد وتذهب بعيداً ملاحقة شبكات الطرق والمخططات العقارية في كل اتجاه، وكأنها ترحل في فضاءٍ لا نهاية له. هذا «التسيب العمراني» هو الداء الذي أصاب المدن الحديثة، فأخذ يباعد أجزاء المدينة الواحدة عن بعضها، ويمزق نسيجها العمراني، ويستهلك بنيتها الأساسية في مدد قياسية، ويضعف قدرتها على مواجهة الطوارئ وحوادث المستقبل.
ودائماً ما يكون أول ضحايا هذا العراك العمراني الطرف الأضعف والأخفت صوتاً، ألا وهو الإرث العمراني، الذي يندرس مثل الرماد أمام جحافل الاستثمار والتطوير العقاري، التي لا تحفظ اسماً ولا تُبقي رسماً. وفُقدت في هذا الخضم تلك الشواهد التاريخية، بكل ثرائها البصري المتنوع، وذلك القرب المعنوي والمكاني من الإنسان والطبيعة، التي حلت محلها الكتل الصماء وقسوة الأسفلت والأرضيات الأسمنتية. ليس الإرث المادي فقط الذي فقدناه، بل تلاشى خلفه أيضاً الإرث الإنساني. فمع تهافت الجهات التجارية لاقتناص الفرص الاستثمارية في وسط المدينة، يخرج السكان منه تدريجياً، ثم تضمحل ذاكرة المكان جيلاً بعد جيل، حتى تصبح مثل الومضات الخافته في أذهان الأجيال التي عايشته والتصقت به، وتذهب شذرات الذكريات هذه أدراج الرياح، كلما ذهبت شواهدها وشهودها، ولا يبق منها إلا نزعاتٌ من حنين وحسرة على أماكن لم نرها، وأسماء لم نعد نعرفها.
عند النظر إلى عمران المدينة المنورة، ومحاولة استقراء بنيتها التاريخية الأصلية، تظهر كثير من المفارقات: أولها انفصام الرسم التاريخي للمدينة عن هيكلها العمراني الحالي، الذي مد كما يمد البساط الجديد فوق القديم. تاريخياً، كان موقع المسجد النبوي يميل إلى الجهة الشرقية، ثم تليه إلى الغرب سوق المدينة (أو ما عرف لاحقاً بسوق المناخة)، التي كانت تتوسط النسيج العمراني للمدينة، الذي يمتد غرباً بشكل محوري، كلما دعت الحاجة. ولكن النمط التخطيطي الحالي ألغى الصيغة المحورية، بوضع المسجد النبوي وساحاته في مركز شبكة الطرق الدائرية، وهو ما كثف حركة المرور والمشاة باتجاه المركز، باعتبار المسجد النبوي نقطة جاذبة، مما يسبب الازدحام المتواصل، الذي يتحول إلى أزمات خانقة في أوقات الذروة.
كان من الممكن المحافظة على المحور الذي ربط المسجد النبوي من الشرق مع سوق المناخة في الوسط، ومن ثم محطة سكة حديد الحجاز، التي وُضعت في أقصى نقطة غربية من هذا المحور. فبدلاً من حصر الحركة البشرية والمرورية في دائرة تضيق كلما اقتربنا من المركز، يخفف الشكل المحوري من اكتظاظ الحركة، بحيث تتوزع على طول المحور، كلما دعت الحاجة، ليستوعبها النسيج العمراني، وتخف وطأة التزاحم.
- مكة المكرمة
شهدت أعداد الحجاج السنوية قفزة لافتة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى وصلت إلى 3 ملايين حاج، كما حصل في عام 2012، بعد أن كانت تقارب المائة ألف فقط في بداية خمسينات القرن الماضي، ثم تصاعدت إلى أن وصل العدد إلى ما يقارب مليون حاج بحلول منتصف السبعينات الميلادية.
حالياً، تقف مكة المكرمة أمام تحديات تؤثر في نسيجها العمراني تأثيراً مباشراً، وأهمها الزيادة السكانية، ومحدودية المكان، حيث تستقبل موجة سنوية من ملايين الحجاج والمعتمرين في فترات محدودة، بالإضافة إلى السكان المحليين الذين تزايدت أعدادهم خلال العقدين الماضيين، لتصل إلى أكثر من مليون ونصف المليون نسمة، حسب إحصاء عام 2010. كما أن هناك شريحة سكانية يصعب حصرها، وهم المقيمون بصورة غير نظامية، خصوصاً ممن أتى للعمرة أو الحج ولم يغادر بعدها. ومن المقرر مستقبلاً، حسب خطة التحول الوطني 2020، زيادة أعداد المعتمرين إلى 15 مليون معتمر سنوياً، مقارنة بالرقم الحالي الذي يتراوح بين 6 و8 ملايين معتمر سنوياً.
وفي مقابل هذه الأعداد المتزايدة من الحجاج والسكان والمقيمين، يبرز تحدٍ آخر، هو صعوبة التضاريس الجغرافية.
في الوقت الحاضر، اختلفت صورة مكة المكرمة تماماً، بعد تضائل معظم المعالم العمرانية والطبيعية ذات القيمة التاريخية في مواجهة غير متكافئة مع طوفان التطوير العقاري الذي تناثرت مشاريعه هنا وهناك عبر الأودية والتضاريس الجبلية، فيما يشبه «الأرخبيل العمراني». هذا التباين الواسع بين هوية المكان التاريخية والنمط العمراني المنتشر حالياً يلقي بمسؤولية عظيمة على كاهل كل الأطراف المعنية، من مستخدمين ومخططين وملاك وجهات تنظيمية، فيما تتخذه من خطوات مستقبلية. وهنا أيضاً تقع مسؤولية مشتركة على دول المصدر، في مراعاة الطاقة الاستيعابية للمشاعر المقدسة في موسم الحج والعمرة، إن أردنا السير بخطى ذات جدوى في حفظ ما بقي من التراث الإنساني والطبيعي لمكة المكرمة للأجيال المقبلة، ومنعه من الاندثار الكامل تحت وطأة الاستخدام المفرط.
وتدل كل المؤشرات على أن تدفق الحجاج والمعتمرين والزوار سيزيد في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ما سيؤدي إلى المزيد من تآكل النسيج العمراني التراثي، في ظل الاستخدام المفرط، إن لم تتخذ التدابير والسياسات اللازمة لتنظيمه.
أصبحت المناطق المركزية في مكة المكرمة والمدينة المنورة من أغلى الأسواق العقارية في المنطقة، مما يستوجب كبح جماح هذا الاتجاه مستقبليا.
هذا التزاحم التجاري على أعتاب البقاع المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة يثير كثيراً من التساؤلات، فهي مناطق في غاية الحساسية الروحية والاجتماعية، وكل حرم، سواء في مكة أو المدينة، له مركز وحدود معروفة. وعند تحليل الكثافة العمرانية في الحرمين، نجد أنها أكثر ما تكون في المناطق الملاصقة مباشرة لمركز الحرم، سواء في مكة أو المدينة، مما زاد من الاستقطاب الشديد بين مركز المدينة وأطرافها. وكان من الأنجع - ربما مستقبلاً - تخفيف الكثافة العمرانية حول مركز الحرم، وتوزيع الاستخدامات بشكل متوازن على الأطراف، ومن ثم الاستعانه بأنظمة النقل العام والمكوكي لوصل حدود الحرم بمركزه.
ومع تسارع عملية التنمية في المدينتين المقدستين، تبرز أهمية وضع سياسات للمحافظة على الهوية العمرانية والثقافية فيهما، خصوصاً أن خطط التحول الوطني 2020، والرؤية الوطنية 2030، تحمل في طياتها تصورات طموحة لزيادة الطاقة الاستيعابية في مكة والمدينة، وفتح المجال لاستضافة أعداد أكبر من الحجاج والمعتمرين. وفي الوقت الحاضر، أصبحت قيمة المكان الثقافية من محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لذلك فإن دفع هذه العملية التنموية للأمام لا يتأتى إلا بالمحافظة على الشواهد المادية والمعنوية، من أجل تنمية متوازنة ومستدامة في الحاضر والمستقبل.


مقالات ذات صلة

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
يوميات الشرق 6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة (لقطة من الفيلم)

«المدّ البشري»... فيلم يُوثّق رحلة الحج عبر حكايات 6 عائلات من العالم

تتكشَّف قصص ممزوجة بالخوف، والشوق، والأمل، والفقد، ليظهر مفهوم الحج بأبعاد جديدة، في رحلة تتحرّك بالروح قبل القدم...

سعيد الأبيض (جدة)
يوميات الشرق هيثم مساوا يُقدّم ورشة عمل بعنوان «التحدّيات الصحية في المنافذ الجوّية» (الشرق الأوسط)

جدة تحتضن «هاكاثون الابتكار الصحي» للارتقاء بخدمات ضيوف الرحمن

يستعرض الهاكاثون 4 مسارات رئيسية. تشمل المنتجات الصحية، والخدمات الصحية، وتجربة المريض، والإعلام الصحي...

أسماء الغابري (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من الرئيس الإيراني

تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية، من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق 
قبو زمزم يظهر في صحن المطاف عام 1970 (دارة الملك عبد العزيز)

تطوّر الحج في معرض بـ«دارة الملك عبد العزيز»

يروي معرض «100 عام من العناية بالحرمين»، في دارة الملك عبد العزيز، تطور رحلة الحج منذ عام 1925 حتى اليوم، مِن وقت المشقة إلى تجربة آمنة وروحانية، عبر سرد بصري.

أسماء الغابري (جدة)

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.