«طموحات».. الجنرال حفتر

«طموحات».. الجنرال حفتر

قائد عملية «الكرامة».. هل يحقق هدفه بتطهير ليبيا من «الإخوان»
الجمعة - 1 شعبان 1435 هـ - 30 مايو 2014 مـ رقم العدد [ 12967]
الشارع الليبي الذي كان منقسما تجاه نظرته للجنرال بدا اليوم أقرب إليه من أي سياسي آخر
القاهرة: خالد محمود
برز اسمه بشكل لافت في وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية، خلال الأيام الماضية، بعد أن شنت قواته هجمات ضد ميليشيات متناحرة في بنغازي وطرابلس، أسفرت عن مصرع أكثر من 70 شخصا، وإصابة العشرات، في خطوة تشكل التحدي الأكثر خطورة بالنسبة للحكومة الليبية منذ الإطاحة بالرئيس معمر القذافي في عام 2011.

وازدادت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يبلغ من العمر 71 عاما، قوة أكبر بعد انضمام ميليشيات القاعدة الجوية بمدينة طبرق الواقعة أقصى شرق ليبيا، إليها وكذلك المقاتلون الذين سيطروا على أجزاء من البنية التحتية للنفط في ليبيا. وفيما يؤكد حفتر نفسه أن هدفه التالي هي العاصمة طرابلس، ذكر مقاتلون ينتمون إلى مدينة مصراته القوية، أنهم سيتحركون قريبا باتجاه طرابلس لمواجهة الجنرال المتقاعد والقوات التابعة له، مما يهدد بحرب أهلية ليبية.

وحسب ما ذكره بعض الأصدقاء، فقد كان حفتر يخطط لتلك العملية لعدة أشهر، وكان يهدف إلى تخليص البلاد من الميليشيات الإسلاموية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، التي اتهمها جميعا بأنها تعمل، على مدى الثلاث سنوات، على ترويع المواطنين، فضلا عن اغتيال واختطاف منافسيهم السياسيين، منذ أن كانوا يقاتلون جميعا على نفس الجانب للإطاحة بالديكتاتور. لكن يخشى من أن تكون عمليته هذه «انتحارية» نظرا لصعوبتها، وقد عبر عن ذلك في أحاديث لمقربين منه.

في العادة، كان ينظر إلى حفتر الذي كان أحد ضباط الانقلاب الذي أتي بالعقيد معمر القذافي إلى السلطة في عام 1969، باعتباره رجل ثقة، وهو جنرال سابق قضى سنوات في المنفى في شمال ولاية فرجينيا، لكونه قائدا معارضا، وذلك قبل عودته لبلاده في عام 2011 من أجل الثورة الليبية.

المجلس الانتقالي أبدى سعادة كبيرة بوصوله إلى ليبيا بعد إقامته لسنوات في مدينة فولز تشرش الأميركية، بوصفه قائدا يمكنه أن يمد يد العون إلى تنظيم الجيش الجديد وتدريب المتطوعين فيه من أصحاب الرتب المختلفة.

لكن كان هناك من يرفض أن يكون له أي دور قيادي داخل الجيش. يقول عبد الحفيظ غوقة نائب رئيس المجلس الانتقالي الوطني الليبي السابق: «لقد حددنا القيادة العسكرية قبل وصول حفتر من الولايات المتحدة، لقد أخبرناه أنه في حالة رغبته في العمل يمكن أن يعمل في سياق الإطار الذي وضعناه». ويقول عنه المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي السابق في اجتماع جرى مع عدد من الثوار والمشايخ في يوليو (تموز)، بعد شهور فقط على اندلاع الانتفاضة الشعبية: «لقد ابتلينا باثنين من الجنرالات أحدهما متعجرف وهو خليفة حفتر.. والثاني تدور حوله الشبهات، وهو عبد الفتاح يونس».

لكن بنغازي انقلبت واعترضت على تجاهل حفتر الذي كان الأقرب إلى عقول العسكريين. واجتمع نحو 150 ضابطا وضابط صف في الجيش الليبي السابق في مدينة البيضاء، على بعد 200 كيلومتر من بنغازي بشرق ليبيا، ووافقوا بالإجماع على تعيين حفتر رئيسا للأركان، معلنين «إعادة إحياء» الجيش. لكن الأمور تغيرت قبل أن يجري تعيين اللواء يونس في المنصب. أدرك العسكريون وقتها أن ثمة توترات بين حفتر ويونس منذ أن عملا معا في بنغازي.

تولى الرجلان منصبيهما عبر طرق مختلفة بعدما انشق يونس، الذي كان يتولى منصب وزير الداخلية وقائد القوات الخاصة الليبية في حكومة القذافي، عن منصبيه السابقين للانضمام إلى صفوف الثوار. في المقابل كان حفتر، بطلا في حرب ليبيا مع جارتها تشاد، لكنه غيَّر موقفه عام 1988 وجرى نفيه بوصفه ناشطا ضد النظام.

ذكر مصطفى الغرياني، الناطق باسم المجلس الانتقالي في حوار صحافي سابق، أن حفتر دخل مختالا إلى المدينة «مثل كلينت إيستوود» تتملكه طموحات القيادة وقال: «كان الكثيرون يرددون: لقد عاد حفتر، لقد عاد حفتر، غير أن معظمهم لا يعرف من هو فقد كان بالخارج على مدى ربع قرن».

وحفتر من خريجي الأكاديمية العسكرية في بنغازي وتلقى تدريبا في الاتحاد السوفياتي السابق، وكان قد انشق عن الجيش إثر النزاع بين تشاد وليبيا، ثم سافر إلى الولايات المتحدة حيث يقيم منذ التسعينات.

ولد حفتر في مدينة اجدابيا 1943 ودرس هناك مرحلتي الابتدائية والإعدادية، وانتقل في الثانوية لدرنة ودخل الكلية العسكرية سنة 1964، وتخرج منها عام 1966 حيث عين في كتيبة المدفعية بالمرج، ليبدأ مشواره العسكري الذي توجه بقيادة القوات البرية، وهو متزوج وأب لـ12 ابنا (سبعة أولاد وخمس بنات).

عندما ظن الجميع أن المستقبل السياسي لحفتر قد انتهى بسبب اعتراض الثوار على وجوده في الجيش الليبي الجديد، كان لحفتر وجهة نظر أخرى ومغايرة، بعدما أظهرت اللعبة السياسية بين المؤتمر الوطني العام (البرلمان) وحكوماته المتعاقبة، مدى الفشل في قيادة البلاد إلى بر الأمان.

استغل حفتر حالة الاحتقان والغضب الشعبية من إخفاق السلطات السياسية وظهر بشكل مفاجئ عبر شاشات التلفزيون المحلي مرتين على الأقل، لكي يحث مواطنيه على دعم تحركه العسكري الذي يستهدف إنهاء ما سماه الأزمة السياسية في ليبيا، معتبرا أن الكرة باتت في مرمى الشعب.

في انقلاب تلفزيوني، دعا الجنرال، مواطنيه إلى الاعتصام أمام مقر البرلمان لإجباره على الرحيل، وقدم مبادرة للشعب الذي اعتبر أنه يتعين عليه القيام بواجبه الحقيقي وأن تكون له كلمته.

وعندما اتهمه نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني وعلي زيدان رئيس الحكومة الانتقالية السابق، بقيادة انقلاب عسكري، جادل الجنرال وقال ساخرا: «أين هي الدولة التي تستحق الانقلاب؟ أين هو الجيش الذي سينقلب؟ لا يوجد جيش بالطريقة الصحيحة، أين بقية مؤسسات الدولة؟».

بعدها أعلنت السلطات الليبية أنها شرعت في مطاردة حفتر وأوكلت إلى أجهزة الاستخبارات والأمن مهمة تحديد مكان وجوده، قبل أن تعلن أن مسألة اعتقال حفتر هي مسألة وقت فقط، مؤكدة أنه لا يمثل أي خطر على المؤسسة العسكرية أو الوضع السياسي في البلاد.

لكن الجنرال عاد كعادته من نقطة الصفر مجددا إلى واجهة الأحداث بعملية عسكرية أطلق عليها اسم «الكرامة»، معلنا أن هدفه تطهير ليبيا من الإخوان المسلمين وتنظيفها من التكفيريين والظلاميين، وبدأت قواته في شن عمليات جريئة ضد معسكرات لكتائب إسلامية مسلحة في المدينة.

بالنسبة إلى المحلل السياسي الليبي محمد عمر بعيو، فإن اللواء حفتر ليس مجرد شخص وليس مجرد ضابط، وإنما هو «تراجيديا إنسانية ليبية حقيقية»، مضيفا: «لو كان لي أنا الذي أعرفه جيدا أن أستلهم روح الروائي الكبير الراحل غابرييل غارثيا ماركيز لكتبت في سيرته الطويلة والمعقدة والصعبة روايةً بعنوان (جنرال لا يعرف الخريف)».

وتابع: «هو مجموع إنسان لا يمكن أن تحكم له ولا أن تحكم عليه دون أن تعبر أسوار الحياء الطبيعية غير المتكلفة التي يحيط نفسه بها إلى دواخل ذاته المركبة من العناصر الرئيسة الثلاثة للشخصية الليبية (القدرية والعناد واللامبالاة بالخطر)». ورأى أن «تاريخ حفتر العسكري والسياسي معقد وعميق، حيث خاض حربا سيئة كحرب الجيش الليبي في تشاد ثمانينات القرن الماضي وتعرض لخيانة وإعراض قيادته، إضافة إلى أن ظروف ليبيا الاستثنائية جعلته يعاني كثيرا لكنه سيستمر حتى نهاية مشواره مع الحياة كما هو لا يتغير».

في المقابل يرى هاشم بشر رئيس اللجنة الأمنية العليا سابقا في العاصمة الليبية طرابلس أن حفتر رجل دولة ورجل أزمة وشخصية فذة وكان سيكون له دور كبير ومهم لو تفرغ لبناء الجيش وتأهيل قوات برية بعقيدة وطنية جديدة. وتابع بشر قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «ولكن الرجل قفز على كل ذلك وانبرى لمهمة صعبة لا يمكن له هو بالذات أن يكسبها، وذلك لأسباب، منها أن تاريخه في حرب تشاد نقطة سوداء، ثانيا أيام حرب التحرير كان على خلاف مع اللواء عبد الفتاح يونس وتسبب في شق الصف، ثالثا له علاقات مشبوهة مع ضباط من النظام السابق».

قبل أسبوعين من تنظيمه لهجوم جرى شنه ضد اثنين من المدن الليبية الكبرى، استضاف حفتر أحد الحلفاء المحتملين إلى مأدبة عشاء في محاولة للتودد له، وبينما كانا يتناولان وجبة العشاء في مدينة بنغازي شرق ليبيا، سأل حفتر صديقه الجديد وأحد مؤيديه وهو رجل الأعمال فتح الله بن علي قائلا: «هل تعتقد أنني أقوم بعمل انتحاري؟».

ضاق حفتر ذرعا من حالة الانفلات الأمني التي تشهدها ليبيا، حسب ما ذكره بن علي الذي نقل عنه قوله: «علينا أن نوقف ذلك الأمر». وأضاف رجل الأعمال أنه نظرا لعدم فعالية الحكومة المؤقتة والبرلمان، «قرر حفتر أن يذهب ويقاتل بنفسه للحصول على (حقوقه)».

وطبقا لما نقلته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية عن بعض أصدقائه، فقد كان حفتر يخطط لتلك العملية لعدة أشهر، لكنه وكما قال لـ«الشرق الأوسط» في حديث تليفوني مطول من بنغازي، تنقل بين عدة مدن ليبية على مدى عامين لتجهيز قواته التي تعمل تحت إمرته حاليا.

يهدف حفتر كما يقول إلى تخليص البلاد من الميليشيات الإسلامية التي اتهمها بأنها تعمل، على مدى الثلاث سنوات، على ترويع المواطنين، فضلا عن اغتيال واختطاف منافسيهم السياسيين، منذ أن كانوا يقاتلون جميعا على نفس الجانب للإطاحة بالديكتاتور.

وهكذا يقود حفتر ما قد يشكل التحدي الأكثر خطورة بالنسبة للحكومة الليبية منذ الإطاحة بالقذافي في عام 2011. لكنه في كل الأحوال لا يشارك الكثيرين تلك النظرة المتشائمة من احتمال أن تنزلق ليبيا الآن باتجاه حرب أهلية، فهو يحقق الكثير من الإنجازات الصغيرة يوميا وبشكل بطيء، حيث انضمت المزيد من الميليشيات إليه معلنة تأييدها له. في المقابل يتوقع الجميع مواجهة عسكرية دامية ووشيكة ربما تكون هي نفسها ما يمكن اعتباره ساعة الحقيقة للجنرال، حيث ذكر مقاتلون ينتمون إلى مدينة مصراتة القوية، أنهم سيتحركون قريبا باتجاه طرابلس لمواجهة حفتر والقوات التابعة له.

الشارع الليبي الذي كان منقسما تجاه نظرته للجنرال بدا اليوم أقرب إليه من أي سياسيين آخرين، بعدما فشلت الحكومة المركزية الضعيفة بليبيا في تشكيل جيش وقوات شرطة موحدة من عشرات الميليشيات المسلحة جيدا التي انبثقت عن الثورة، كما أنها فشلت أيضا في وقف أعمال القتل وعمليات الاختطاف التي عصفت بتلك البلاد الغنية بالنفط، مما أسفر عن تدهور الأوضاع.

وكما قال دبلوماسي غربي في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» فإن حفتر الذي وصفه برجل المفاجآت، «يملك الآن شعبية لا بأس بها وسط الليبيين، لكن هل سينجح فعلا في بسط سيطرته على كامل الأراضي الليبية ويتفادى مخاطر تقسيم البلاد؟ هذا هو السؤال».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة