عش الطيور... حساء الأباطرة لقبه «كافيار الشرق»

أحد أغلى المنتجات الغذائية في العالم

عش الطيور... حساء الأباطرة لقبه «كافيار الشرق»
TT

عش الطيور... حساء الأباطرة لقبه «كافيار الشرق»

عش الطيور... حساء الأباطرة لقبه «كافيار الشرق»

يسمونه «كافيار الشرق» و«الذهب الأبيض» و«العش الذهبي» وغير ذلك، إنه «عش العصفور القابل للأكل - Birds› Nest»، وهو واحد من أندر وأغلى أطباق الحساء الصينية في العالم. وهذا الطبق الغريب يتكون من لعاب عصفور أو طائر السمامة الصغير الذي يعيش في الكهوف وخصوصا في الكهوف جنوب وجنوب شرقي آسيا، حول المحيط الهندي (خصوصا تايلاند والفلبين وبروناي وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وفيتنام وكمبوديا وميانمار) والذي يعتبره البعض نوعا من أنواع السنونو.
وهناك ما لا يقل عن 92 نوعا من أنواع طيور/عصافير السمامة التي تعيش في المناطق الاستوائية والباردة على حد سواء، والمعروفة بطيرانها السريع و«أجنحتها الطويلة وذيلها المشقوق».
وعلى عكس معظم الطيور العادية التي تبني أعشاشها على الأمكنة المسطحة، تبني هذه الطيور الصغيرة والمهددة بالانقراض أعشاشها عادة على جانب أو حافة المنحدرات الجيرية وجدران الكهوف الضخمة (تستغرق عملية بناء العش بين 30 و35 يوما). فمع مرور الزمن تعلمت هذه الطيور، كما يبدو، وتأقلمت مع طبيعة الكهوف، على كيفية استخدام اللعاب لخلق ألياف صلبة يمكن أن تعلق على الجدران الصخرية. وبسبب هذه المهارة، أصبح بإمكان السمامة بناء أعشاشها في أي مكان يطيب لها.
ولأن الحصول على هذه الأعشاش الصغيرة من على جدران الكهوف العميقة والهائلة والمظلمة، أمر صعب للغاية ويتطلب مهارات عالية والمخاطرة الكبيرة بالحياة من قبل «الحاصدين» أو الجامعين لها، ولأنها أيضا مطلوبة جدا من قبل الصينيين لفوائدها الصحية الجمة (خصوصا إطالة العمر ومعالجة السرطان وتحسين تركيز الفرد وتحسين البشرة والقدرات الجنسية للأفراد)، فإن هذه الأعشاش غالية الثمن يتراوح سعر الكيلو غرام من الأعشاش البيضاء بين 5000 و6000 دولار، بينما يصل سعر كيلو الأعشاش الحمراء أو السمراء إلى 10000 دولار، ولهذا يعتبر هذا المنتج من أغلى المنتجات الحيوانية التي يستهلكها البشر على الإطلاق. ويصل سعر طبق حساء عش الطيور في هونغ كونغ وبعض الدول إلى مائة دولار تقريبا. وفضلا عن هذه الفوائد الصحية غير المثبتة علميا، تستخدم الأعشاش لصناعة مواد التجميل وفي صناعة المأكولات والمشروبات كمواد مضافة.
وحسب الموسوعة الحرة فإن اسم عش الطيور القابل للأكل - edible bird›s nest هو يان وو - yàn wō الذي يعني حرفيا «عش السنونو (أو السمامة)»، وغالبا ما يكون تعريفا لحساء عش الطيور، ومع ذلك فإن المعنى الدقيق للاسم ليان وو هو: «عش غير مطبوخ».
يتم تبخير أو نقع العش في الماء قبل التخلص من الشوائب وما يعلق به من شوائب ملقط صغير وبعدها يتم غليه على نار هادئة مع مرقة الدجاج أو غيرها من المرق مع التوابل والبهارات. ولا بد من استخدام كمية لا بأس بها من الأعشاش للتمتع بمذاقه الفريد. وأحيانا يتم استخدام عش الطير لصناعة وتحضير الحلويات، وأحيانا يضاف إلى تارت البيض، وأحيانا في تحضير بعض أطباق الأرز مثل طبق كونغي المعروف جدا في آسيا.
فعلميا وطبيعيا تحتوي هذه الأعشاش على نسبة كبيرة جدا من البروتين (70 في المائة) الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، الأمر الذي يفسر انتشار هذا النوع من أنواع الطعام الشهي بين أوساط الأرستقراطيين منذ زمن بعيد. كما تحتوي الأعشاش الجالوتينية على 6 أنواع من الهرمونات وعلى رأسها هورموني التستوستيرون والأستراديول المهمان. «كما تحتوي الأعشاش على الكربوهيدرات والرماد وكمية صغيرة من الدهون. وقد أشارت بعض الأبحاث السابقة إلى أن الأعشاش تحتوي أيضا على مواد يمكن أن تحفز انقسام الخلايا والنمو، وتعزيز نمو الأنسجة وتجديدها، وأنه يمكن أن تمنع عدوى الأنفلونزا». ولكن، ومن المعروف أن أعشاش الطيور قد تتسبب في الحساسية المفرطة، وخصوصا حساسية العوار - anaphylactic التي تهدد الحياة أحيانا.
فالكثير من الصينيين يؤمنون ومنذ قرون طويلة بأن الحل في الحفاظ على شبابهم وقواهم الجسدية والعقلية يكمن في تناول أعشاش طير السمامة.
على أي حال فإن على الجامعين للأعشاش أن يقوموا بعملهم الخطير خلال غياب أنثى السمامة في النهار، وعليهم أن يعرفوا الوقت المناسب لأخذ العش، فلا توجد فائدة في أخذه مبكرا قبل اكتماله وتمتعه بالمواصفات المطلوبة، من الناحية المادية والتجارية. كما عليهم تنظيف العش قبل بيعه، وقد تستغرق عملية التنظيف الصعبة لـ10 أعشاش 8 ساعات تقريبا.
وأحيانا على الجامعين للأعشاش الانتظار ثلاثة أشهر لجمع أعشاشهم، أي بعد تفقيس البيض وتمكن العصفور الجديد أو المولود الجديد من الطيران والانطلاق إلى الفضاء العام استكشافا لبيئته وعالمه الجديد. وعادة ما يكون هذا العش الثالث الذي يبنيه العصفور بعد أن تم سلب العشين الأولين منه.
وكما سبق وذكرنا لأن طيور السمامة من الطيور أو العصافير المهددة بالانقراض وخصوصا في جزر أندمان ونيكوبار في شرق خليج البنغال وفي جزيرة هاينان وفي داجو في إقليم سيشوان في الصين، منعت السلطات الصينية عمليات حصاد أو جمع الأعشاش في هذه المناطق، ولهذا السبب أيضا وللحفاظ على التقليد القديم، بدأ قطاع جديد في ماليزيا وتايلاند وبعض البلدان الأخرى يعرف بقطاع مزارع أعشاش السمامة، وهو عبارة عن مبان فارغة أو منازل فارغة تخصص لاستقطاب عصافير السمامة لبناء أعشاشها وبالتالي جمعها لغايات تجارية وعلى نطاق واسع.
وقد انتشرت البيوت والمباني الخاصة بإنتاج أعشاش الطيور أو ما يعرف بمزارع أعشاش الطيور، في منذ بداية القرن التاسع عشر في إندونيسيا ولا تزال تنتشر أكثر هذه الأيام في ماليزيا وتايلاند بسبب القيمة التجارية العالية لهذه الأعشاش والطلب المتزايد عليها. وتعمل الحكومة الماليزية هذه الأيام وبمساعدة وزارة الزراعة على تشجيع عامة المواطنين على إدارة هذه المزارع. لكن العملية ليست بهذه السهولة إذ إن الأمر يتطلب معرفة بنطاق طيران السمامة وحجم أعدادها في منطقة معينة بالإضافة إلى مصادر غذاء الطيور في المنطقة.
يعتبر الصينيون في جميع أنحاء العالم من أهم الزبائن الذي يشترون عش الطيور ويستهلكونه بكثرة، وعلى رأس البلدان والمناطق التي تستورده وتستهلكه تأتي هونغ كونغ وتايلاند والصين وتايوان. أضف إلى ذلك الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأميركية. ويستهلك الصينيون عش الطيور بكثرة ويقدمونه كهدايا ثمينة خلال فترة رأس السنة الصينية. وتعتبر هونغ كونغ المركز التجاري الرئيسية والأهم في العالم لعش الطيور حيث يستهلك أهلها وسكانها 60 في المائة من أعشاش العالم.
يعود تاريخ استخدام واستهلاك والاتجار بحساء عش الطيور عند الشعب الصيني إلى عهد أسرة مينغ (بين 618 و907 قبل الميلاد) إلى ما قبل 1500 سنة كما يؤكد الخبير ين تشينغ كونغ - Yun - Cheung Kong من الجامعة الصينية في هون كونغ. وتقول الحكايات التراثية إن تشينغ هو - Cheng Ho وهو دبلوماسي وأدميرال بحري ومستكشف صيني، كان أول شخص في تاريخ الصين يتناول أو يأكل حساء عش الطير. كما تقول المعلومات المتوافرة إنه بعد استهلاك وإهلاك جميع المصادر في الصين نفسها، تم جلب الأعشاش في تلك الحقبة من البلدان الجنوبية الشرقية للصين التي كانت تعرف آنذاك بالنان يانغ - Nan yang، وقد عمل البحارة الصينيون على جلبها من تلك البلدان وقدموها للإمبراطور الصيني كطعام من أطعمة الملوك الخاصة ولذلك بقيت طعاما خاصا بالإمبراطور وعائلته وبلاطه دون غيرهم لسنوات طويلة. وكان على رأس هؤلاء البحارة تشينغ هو الذي أبحر بأسطول ضخم من سبع سفن وآلاف الجنود نحو الجنوب للتعرف على عادات ومطابخ وخيرات هذه المناطق وتوثيقها. وكان من بين هذه الخيرات عش الطيور القابل للأكل. ولذلاك يعتقد أنه كان أول من جلبه إلى الوطن الأم.
ولم يتعرف عامة الناس أو الأغنياء منهم على وجه التحديد على الحساء قبل نهاية حكم الإمبراطور. وكما يبدو فقد كان الإمبراطور يبادل هذه الأعشاش بالبورسيلان، كما تشير الحفريات في كهوف برنيو.
وبالمناسبة لقد تعرفت على قصة عش الطيور لأول مرة في بداية التسعينات وعبر كتاب مصور ورائع من الحجم الكبير للمصور الفرنسي المعروف في مجلة ناشيونال جيوغرافيك - إيرك فالي - Eric Valli وديان سمرز الصادر عن دار ثيمس وهدسون في لندن. ويصور الكتاب الذي يحمل عنوان «جامعو أعشاش كهف النمر» (كهف ريماو - Rimau Cave أو كهف النمر في جنوب غربي تايلاند) عملية جمع أعشاش طيور السمامة في هذا الكهف المخيف والغريب وكيف يصنع هؤلاء الناس حبالهم وكيف يستخدمون عصاهم وقصبهم الطويل ومهاراتهم النادرة للوصول إلى هذه الأعشاش المنتشرة على حيطان الكهف والذي يصل ارتفاع سطحه إلى مئات الأمتار. وقد نشر فالي صور الكتاب في صفحته على شبكة الإنترنت تحت عنوان «صيادو الظلال». وفي هذا الكتاب الذي يصور المخاطر التي يتخذها جامعو أعشاش الطيور وللتعبير عن عمق الكهف يقول الإهداء: «إلى سارة وإلى الرجال الذين يذهبون حيث تطير العصافير».
وحسب هذا الكتاب المهم، فإن الحاجة إلى أعشاش الطيور طبيا وطعاميا في المطبخ الصيني تطور بشكل مخيف في منتصف القرن السابع عشر وقد تم عبور أكثر من 6 أطنان من أعشاش الطيور (4 ملايين عش) عبر مرفأ بتافيا في العاصمة الإندونيسية جاكرتا في بداية القرن الثامن عشر. وخلال تلك الفترة أيضا عرف أحد الصينيين الذين يعيشون في جنوب تايلاند ويدعى هاو يينغ - Hao Yieng قيمة أعشاش الطيور التي رآها في الجزر القريبة منه، فقدم في نهاية القرن الثامن عشر هدية إلى ملك سيام (الاسم القديم لتايلاند قبل العام 1939) تضم خمسين صندوقا من التبغ، أرضه، زوجته وأطفاله وبعض العبيد للملك مقابل أن يسمح له بحق جمع أعشاش الطيور واحتكارها، فقبل الملك كما تقول القصة التبغ وأعاد ممتلكات يينغ له ومن ضمنها أهله وعبيده ومنحه حق استغلال هذه الصنعة مقابل مبلغ سنوي. ويقال إن يينغ هو الذي تعلم كيفية نقع الأعشاش في الماء ولهذا أصبح واحدا من أغنى الشخصيات في البلاد. ويقال أيضا ولأنه عرف كيفية تذويب الأعشاب في الماء، إنه كان وراء اكتشاف حساء عش الطيور.
لا يزال لعملية استهلاك عش الطيور وتقديمه كهدايا تعبيرا عن المكانة المهمة والقدرة على التأثير للفرد في المجتمع الصيني. وقد درج الصينيون على تقديم هذه الأعشاش للأطفال الصغار إيمانا منهم بأنه سيساعدهم على النضوج والنمو.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».