الحَرّ يخنق وسط أوروبا... وفرنسا تبدأ إحصاء وفياتها

«الصحة العالمية»: أكثر من 1300 حالة وفاة جراء الموجة

أشخاص يصطفون لملء زجاجات المياه خارج الكولوسيوم في روما (رويترز)
أشخاص يصطفون لملء زجاجات المياه خارج الكولوسيوم في روما (رويترز)
TT

الحَرّ يخنق وسط أوروبا... وفرنسا تبدأ إحصاء وفياتها

أشخاص يصطفون لملء زجاجات المياه خارج الكولوسيوم في روما (رويترز)
أشخاص يصطفون لملء زجاجات المياه خارج الكولوسيوم في روما (رويترز)

يواجه الأوروبيون، وخصوصاً في ألمانيا وبولندا والتشيك والمجر، يوماً جديداً من الحرّ الخانق، الأحد، في حين تتوجّه كتلة الهواء الساخن شرقاً مبتعدة عن فرنسا التي بدأت تحصي وفياتها مع انحسار الحرارة.

ومن المرتقب أن يتأثّر 191 مليون شخص على الأقلّ بحرارة أعلى من 35 درجة مئوية في فترةٍ ما من الأحد، وفق تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية».

إلى ذلك، أعلنت منظمة الصحة العالمية، الأحد، وفاة أكثر من 1300 شخص جراء موجة الحر التي تضرب أوروبا منذ 21 يونيو (حزيران).

وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس في منشور على منصة «إكس»: «تمّ تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة إضافية جراء ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا». وأضاف: «يعيش حالياً مليون شخص في حرارة شديدة، وتُوفي المئات، وأُغلقت مدارس، وتتعرض شبكات الكهرباء لضغط شديد».

والسبت، سُجّلت درجات حرارة قياسية في عدّة بلدان أوروبية، كالدنمارك (37 درجة)، والجمهورية التشيكية (40.6 درجة)، وألمانيا (41.5 درجة)، حيث سُجّلت حرارة ليلية قصوى ليل السبت/ الأحد في كوبشوتس بـ29.4 درجة، في مقابل 27.2 في أغسطس (آب) 2003. وفي برلين، تستخدم الشرطة خراطيم المياه مجدّداً للحدّ من وطأة القيظ. وفي فرنسا، لم يعد سوى إقليمين في الطرف الشرقي للبلد مشمولين بالإنذار الأحمر الذي من المرتقب رفعه عند الساعة 22:00 (20:00 بتوقيت غرينيتش).

وبدأت السلطات الفرنسية تحصي الوفيات الإضافية التي من الممكن أن تُنسب إلى القيظ التاريخي الذي يخنق البلد منذ 11 يوماً. وهي سجّلت عدد وفيات يزيد بنحو ألف على المستوى المعتاد منذ الرابع والعشرين من يونيو عندما بدأت الحرارة تتخطّى أربعين درجة مئوية.

وأشارت وكالة الصحة العامة في فرنسا إلى أن هذه الظاهرة طالت خصوصاً مَن هم فوق الخامسة والستين (85 في المائة من الحالات)، لافتة إلى أن الوفيات في المنازل سجلت أعلى زيادة بنسبة 40 في المائة تقريباً، لا سيما في منطقة إيل دو فرانس التي تضم باريس وضواحيها.

وكشف فيليب جوفان رئيس قسم الطوارئ في مستشفى «بومبيدو» في فرنسا، إحدى أكبر المؤسسات الاستشفائية في باريس، أنه يتوقّع «حصيلة ثقيلة جدّاً جدّاً على الأرجح». وقال في تصريحات لـ«فرانس إنفو»: «سيعود العمّال المنزليون ومساعدو الكبار في السنّ في منازلهم إلى العمل ويفتحون أبواب البيوت حيث سيعثرون على أشخاص في حالة سيئة جدّاً، وآخرين لم يشربوا ما يكفي من المياه، وآخرين يعانون من الحرّ، وآخرين فارقوا الحياة!».

ورجّحت وزيرة الصحة ستيفاني ريست في تصريحات لـ«بي إف إم تي في» ألا تكون «الوفيات الإضافية هي عينها على الأرجح» كتلك المسجّلة في 2003 عندما أُحصيت وفاة 15 ألف شخص.

وتشكّل موجات الحرّ المتواترة مؤشّراً لا لبس فيه إلى التغيّر المناخي الناجم خصوصاً عن حرق الوقود الأحفوري.

وقد تتفاقم موجات الحرّ بسبب «كتلة باردة» من الأطلسي حيث المياه باردة على نحو غير طبيعي في جنوب آيسلندا وغرينلاند.

وتشير دراسات إلى احتمال أن تقوم هذه الكتلة بتغيير مسار التيار النفاث في الغلاف الجوي الذي يعبر في أوروبا من الغرب إلى الشرق. وقد تؤدّي هذه التغييرات إلى تشكّل مرتفعات ضغط فوق القارة، كما هي حال «قبّة الحرّ» راهناً.

وبفعل هذه الأحداث «تزداد الحرارة في أوروبا بوتيرة أسرع صيفاً مما هي الحال في مناطق أخرى في العالم»، بحسب ما قالت ماريلينا أولتمانز عالمة الفيزياء المتخصّصة في المحيط والمناخ والأستاذة المحاضرة في جامعة بريمين في ألمانيا.

ويؤثّر الاحترار على البحار أيضاً، متسبّباً في تقلّص تنوّعها الحيوي. وقد لاحظ غريغوري بوغران مدير الأبحاث في المعهد الوطني للأبحاث العلمية أن الكائنات التي يجمع عيّنات منها على شاطئ في شمال فرنسا باتت أصغر حجماً.

وعندما تتغيّر تركيبة العوالق، فإن «كلّ مستويات» السلسلة الغذائية تتغيّر بدورها، بحسب العالم الذي أشار في تصريحاته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن «الأسماك التي تحبّ المياه الباردة باتت تنقرض».

وفي مقابلة مع أسبوعية «لا تريبون ديمانش»، أعرب عالم المناخ الفرنسي جان جوزيل نائب رئيس هيئة المناخ التابعة للأمم المتحدة، عن مخاوف من أن ينتقل المسؤولون السياسيون إلى «مسائل أخرى» مع انحسار موجة الحرّ. وأكّد أن «الهيئة الأممية للمناخ لم تبالغ. وما نعايشه اليوم هو ما توقّعناه منذ خمسين عاماً. ولا بدّ إذن من أن يأخذ المواطنون ما يقوله العلماء على محمل الجدّ. فالناس يغضّون الطرف، لكن الأمر خطر للغاية».


مقالات ذات صلة

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

يوميات الشرق في اتساع السهول... عين لا تغفل عن القطيع (أ.ف.ب)

تطبيق يسبق الخطر ويُنقذ أغنام منغوليا من الهلاك

تتأثّر منغوليا، بمساحتها الشاسعة وكثافتها السكانية المنخفضة، على نحو غير متناسب بالتغيّرات المناخية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)

مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

يواجه ملايين الصوماليين انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وسط مخاوف من مجاعة بين نازحي بيدوة، مع تفاقم الجفاف والصراع ونقص المساعدات.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
علوم هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً... إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، الولايات المتحدة والصين إلى بدء حوار بشأن مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

Egyptian Source Denies Cairo Involvement in Ethiopia Unrest

Gunmen in Tigray hand over light weapons to Ethiopian defense forces earlier (Ethiopian News Agency)
Gunmen in Tigray hand over light weapons to Ethiopian defense forces earlier (Ethiopian News Agency)
TT

Egyptian Source Denies Cairo Involvement in Ethiopia Unrest

Gunmen in Tigray hand over light weapons to Ethiopian defense forces earlier (Ethiopian News Agency)
Gunmen in Tigray hand over light weapons to Ethiopian defense forces earlier (Ethiopian News Agency)

An informed Egyptian source on Saturday rejected allegations linking Cairo to renewed unrest in northern Ethiopia’s Tigray region where fighting resumed between Tigrayan forces and the federal government, nearly four years after a peace deal ended a two-year war.

Field Marshal Birhanu Jula, chief of general staff of the Ethiopian National Defense Force, accused foreign powers of supporting a newly formed armed alliance seeking to destabilize Ethiopia.

“The Tigray front and the alliance cannot achieve anything on their own unless they are pushed, supported and supplied by Sudan, Egypt and other forces,” Jula said in remarks carried by Ethiopian media Friday.

He also accused Eritrea of acting as an intermediary between foreign powers and armed groups inside Ethiopia.

Tigrayan forces seized three airports in the region and launched attacks in neighboring Afar and Amhara in recent days, marking the most serious escalation since the devastating 2020-2022 war.

The Egyptian source told Asharq Al-Awsat that Ethiopia’s insinuations were “allegations that do not merit a response,” adding that Cairo “has nothing to do with such polemics.”

The source urged Ethiopian authorities to “address their own internal crises and problems instead of trying to blame their domestic failures on external parties.”

The Tigray crisis was a longstanding internal issue, the source added, stressing that Egypt maintains “a consistent and strict policy of non-interference in the internal affairs of other countries.”

Egyptian strategic and military expert Samir Ragheb similarly told Asharq Al-Awsat that the Ethiopian military chief’s remarks amounted to assumptions intended to shift responsibility for Addis Ababa’s internal problems onto outside actors.

Ragheb argued that Ethiopia’s reference to outside support was based largely on geography, given Tigray’s northern borders with Sudan and Eritrea.

“If Egypt had sought to intervene in Ethiopia to exert pressure over other issues, it would have done so during the 2020 fighting, when the conflict was at its height and before construction phases of the Grand Ethiopian Renaissance Dam had been completed,” he said.

Ragheb described the fighting as a longstanding domestic struggle over power and resources, stemming from disputes over governance and efforts to weaken Ethiopia’s federal system.

He also urged that the Tigray conflict be kept separate from the dispute over the Grand Ethiopian Renaissance Dam, saying there was no operational or strategic link between fighting in Tigray and the dam.

Ragheb argued that Addis Ababa’s accusations were intended to deflect attention from what he described as failures to fulfill commitments under the 2022 Pretoria peace agreement. He stressed that Cairo does not support armed factions or movements against African states.

The Tigray People’s Liberation Front dominated Ethiopia’s ruling coalition from 1991 until Prime Minister Abiy Ahmed came to power in 2018 and marginalized the group, contributing to tensions that erupted into war in 2020.

The Pretoria agreement ended that conflict in 2022, but tensions and intermittent clashes subsequently returned before escalating sharply this month.


إخلاء منازل واعتقالات قرب قاعدة عسكرية أميركية في بريطانيا

شرطي يغلق طريقًا بالقرب من قاعدة فيرفورد (رويترز)
شرطي يغلق طريقًا بالقرب من قاعدة فيرفورد (رويترز)
TT

إخلاء منازل واعتقالات قرب قاعدة عسكرية أميركية في بريطانيا

شرطي يغلق طريقًا بالقرب من قاعدة فيرفورد (رويترز)
شرطي يغلق طريقًا بالقرب من قاعدة فيرفورد (رويترز)

أخلت الشرطة منازل بالقرب من قاعدة جوية أميركية في إنجلترا وألقت القبض على عدة رجال للاشتباه في ارتكابهم مخالفات تتعلق بالمتفجرات.

وبحسب وكالة «أسوشيتد برس» للأنباء، فقد ذكرت شرطة مقاطعة غلوسترشير أنه يجري إخلاء «عدد من العقارات» في منطقة ويلفورد غربي إنجلترا، وهي منطقة تقع بالقرب من قاعدة «فيرفورد» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، والتي استخدمتها القوات الأميركية خلال الحرب مع إيران.

وأفادت الشرطة بأنه تم توقيف عدة رجال «للاشتباه في ارتكابهم مخالفات بموجب قانون المتفجرات»، في حين يقوم خبراء الجيش المتخصص في العامل مع الذخائر والمتفجرات بفحص عدد من المركبات في المنطقة.


السينما الفلسطينية توسّع رواية غزة أمام العالم

الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)
TT

السينما الفلسطينية توسّع رواية غزة أمام العالم

الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)

يراهن سينمائيون فلسطينيون وعرب على الأفلام الواقعية والإنسانية لإنصاف القضية الفلسطينية في المهرجانات السينمائية الغربية، وسط استقبال لافت لعدد من التجارب التي تناولت معاناة «أصحاب الأرض» في مهرجانات عدّة، كان أحدثها «غزة 13»، الذي يُعرض ضمن النسخة الحالية من «مهرجان تورنتو» في كندا.

وجاء العرض العالمي الأول لفيلم «غزة 13»، للمخرج الفلسطيني حسام أبو دان، الذي يقدّم زاوية مختلفة في تناول الحرب، عبر تتبُّع آثارها الخفية على الحياة اليومية من خلال «رغد» البالغة 13 عاماً، التي تجد نفسها داخل مخيّم للنازحين بعد فقدان عدد من أفراد عائلتها.

وصُوّر الفيلم بالكامل في قطاع غزة، بمشاركة ممثلين وفنّيين فلسطينيين، ويُعدّ أول فيلم روائي طويل يُصوَّر داخل القطاع منذ 12 عاماً. كما عُرض الفيلم الوثائقي «المواطن أسامة» خارج المسابقة في «مهرجان فينيسيا»، ويتابع الصحافي والمصور الفلسطيني أسامة العشي على مدى عام خلال الحرب.

ويُعدّ الفيلم الوثائقي «نازا»، للمخرجَيْن الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور، الذي حصل على جائزة «لجنة التحكيم الخاصة» في النسخة الماضية من مهرجان «فينيسيا السينمائي» في إيطاليا، من أحدث الأعمال التي تتناول اتهامات بارتكاب «إبادة جماعية في غزة». والفيلم إنتاج بريطاني-أميركي مشترك، وسبق لمخرجَيْه الفوز بجائزة «الأوسكار» العام الماضي عن فيلم «لا أرض أخرى»، الذي تشاركا في إخراجه مع مخرجين فلسطينيين.

وتضمّن الفيلم الجديد شهادات سرّية لـ24 جندياً وعنصراً مخابراتياً حول استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي في عمليات قصف استهدفت، وفق هذه الشهادات، مدنيين في قطاع غزة. ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصة وسط تفاعل جماهيري كبير وعاصفة غضب سياسية داخل إسرائيل.

ملصق مشاركة الفيلم الفلسطيني «غزة 13» في «تورنتو» (حساب المخرج في «فيسبوك»)

وشهد العام الماضي فوز فيلم «صوت هند رجب»، للمخرجة كوثر بن هنية، بجائزة «الأسد الفضي» في «فينيسيا». وتناول واقعة استهداف الطفلة الفلسطينية هند رجب، بعد إرسالها رسائل استغاثة خلال حصارها في غزة. ووصل العمل إلى التصفيات النهائية لـ«الأوسكار»، وعُدّ من أسباب تسليط الضوء بشكل أكبر على الحادث، فيما أعلنت إسرائيل فتح تحقيقات فيه، ثم أعلنت لاحقاً مسؤوليتها عن قتل الطفلة.

كما شهدت النسخة الماضية من المهرجان عرض الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة»، الذي وثّق جانباً من حرب الإبادة في غزة وانعكاساتها على الحياة اليومية للمواطنين.

وترى المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أن الأفلام التي تتناول فلسطين تؤدّي دوراً مهماً في تغيير الصورة التي تصل إلى الجمهور العالمي، بفضل قدرة السينما على تحويل الوقائع السياسية والإنسانية إلى تجارب يراها المشاهد ويتفاعل معها، مشيرةً إلى أنّ «الفيلم قد يصل إلى الإنسان بطريقة لا تحققها الأخبار أو الخطابات السياسية، لأنه يخلق مساحة للتعاطف، ويمنح المتلقّي فرصة لرؤية حياة الآخر من الداخل، ما يجعل السينما أداة للمقاومة والتأثير».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ «السنوات الأخيرة شهدت حضوراً أوضح لفلسطين داخل الأوساط الثقافية العالمية، مع مواقف لمخرجين وفنانين ومثقفين»، مؤكدةً أنّ «تغيير الوعي لا يكفي وحده لوقف الحرب أو إنهاء الاحتلال، وإنما يحتاج إلى قرارات وضغوط سياسية واقتصادية».

وتستشهد بفيلم «لا أرض أخرى»، الذي نقل قضية «مسافر يطا» إلى جمهور دولي واسع وحاز «الأوسكار»، لكن ذلك لم يوقف ما يواجهه سكان المنطقة. وترى أنّ قوة السينما تكمن في كشف الواقع وصناعة الوعي والتعاطف، فيما يبقى التحدّي في تحويل هذا الوعي إلى فعل يترك أثراً في الواقع.

وفي هذا السياق، يقول الناقد الجزائري فيصل شيباني لـ«الشرق الأوسط» إن الأفلام التي تتناول الحرب في غزة والقضية الفلسطينية تملك قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام، بفضل قوة الصورة في الوصول إلى المتلقّي وتغيير نظرته إلى القضايا التي تطرحها، خصوصاً لدى النخب الثقافية والسياسية. ويشير إلى أنّ أفلاماً، مثل «صوت هند رجب» و«نازا»، أحدثت صدى واسعاً، لكن الأخير اكتسب خصوصية من تناوله الأحداث من منظور إسرائيلي، ممّا وسّع النقاش حوله إلى الأوساط السياسية والثقافية داخل إسرائيل.

فوق سطوح تل أبيب... جنود إسرائيليون يتحدثون عن آليات الحرب (مهرجان «فينيسيا»)

ويضيف شيباني أنّ قوة هذه الأعمال لا تكمن فقط في عرض صور الدمار والضحايا، وإنما في قدرتها على مساءلة الروايات السائدة حول الحرب وفتح زوايا جديدة أمام الجمهور لفهم التجربة الفلسطينية، مؤكداً أن «وصول هذه الأفلام إلى المهرجانات العالمية يوسّع دائرة النقاش، لأنّ السينما تمنح المتلقّي مساحة للتأمّل والتفاعل الإنساني تتجاوز أحياناً طبيعة التغطية الإخبارية. كما يرتبط تأثيرها بقدرتها على الوصول إلى جمهور متنوّع وتقديم صور متعدّدة عن الفلسطينيين وحياتهم وتجاربهم».

ويؤكد الناقد المصري محمد طارق أنّ تأثير الأفلام التي تتناول القضية الفلسطينية يظلّ مرتبطاً بطبيعة كلّ فيلم وسياقه والجمهور الذي يصل إليه والمهرجانات أو المنصات التي تعرضه، لكن ذلك لا ينفي انعكاساتها السياسية والثقافية، خصوصاً مع التحوّلات التي طرأت خلال السنوات الأخيرة على طريقة النظر إلى القضية الفلسطينية لدى قطاعات من الرأي العام الأوروبي.

ويشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «الأفلام من العناصر التي أسهمت في هذا التحوّل، إلى جانب عوامل سياسية وإعلامية ومجتمعية أخرى، وبالتالي يصعب فصل أثر السينما عن السياق الأوسع الذي تتحرّك داخله»، مؤكداً أنّ «للأفلام دوراً في بناء التعاطف مع القضية الفلسطينية، وربما يكون تأثيرها العاطفي أعمق، في بعض الحالات، من التغطية الصحافية، خصوصاً عندما تنجح في الوصول إلى جمهور واسع خارج الدوائر المعتادة المهتمة بالقضية».

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» الذي استعاد مأساة الطفلة الفلسطينية (الشركة المنتجة)

ويشير المخرج الفلسطيني إسماعيل الهباش لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ الأفلام الآتية من غزة، بحكم الظروف التي أُنتجت فيها وما تحمله من شهادات وصور مرتبطة بالحرب، تُعزّز بصورة مباشرة تصوّر الإبادة لدى الجمهور الذي تصل إليه، فيما تختلف الصورة بالنسبة إلى مجمل الأفلام الفلسطينية التي تُنتج في أماكن أخرى وتنطلق من تجارب مختلفة.

ويوضح أنّ «بعض هذه الأعمال يُسهم أيضاً في ترسيخ هذا التصوّر من خلال تناوله الحرب وتداعياتها، في حين تذهب أفلام أخرى إلى موضوعات وقضايا مختلفة لا ترتبط بصورة مباشرة بما يحدث في غزة، وبالتالي لا يمكن وضع جميع الأفلام الفلسطينية في السياق عينه».