انتقاد الفساد يقود نشطاء الحوثيين إلى المعتقلات

بعد إفراغ مناطق سيطرة الجماعة من المعارضين

الحوثيون شيعوا في صنعاء قائد طيرانهم المسير بعد 9 أشهر من مقتله في غارة أميركية (إ.ب.أ)
الحوثيون شيعوا في صنعاء قائد طيرانهم المسير بعد 9 أشهر من مقتله في غارة أميركية (إ.ب.أ)
TT

انتقاد الفساد يقود نشطاء الحوثيين إلى المعتقلات

الحوثيون شيعوا في صنعاء قائد طيرانهم المسير بعد 9 أشهر من مقتله في غارة أميركية (إ.ب.أ)
الحوثيون شيعوا في صنعاء قائد طيرانهم المسير بعد 9 أشهر من مقتله في غارة أميركية (إ.ب.أ)

بعد أن أفرغت الجماعة الحوثية مناطق سيطرتها في اليمن من الأصوات المعارضة، عبر حملات قمع واسعة طالت سياسيين وصحافيين وناشطين مدنيين، وجدت نفسها في مواجهة نشطاء محسوبين عليها، أو على الأقل مؤيدين لخطابها العام، قرروا توجيه انتقادات علنية لمسؤولين نافذين داخل سلطتها، خصوصاً في ملفات الفساد والعبث بالمال العام، وهو ما قادهم سريعاً إلى السجون.

وتحوّلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وفق توصيف إعلام محلي، إلى «سجن كبير»، في ظل تصاعد الاعتقالات التي لم تعد تميّز بين خصم سياسي ومناصر سابق، طالما أن الانتقاد طال مسؤولاً أو مؤسسة حساسة، مثل قطاع الأوقاف أو الصحة العامة، في وقت يواجه فيه ملايين السكان خطر المجاعة يومياً بحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة.

مئات الأشخاص اعتقلهم الحوثيون عقب مقتل رئيس حكومتهم وتسعة من الوزراء (إعلام محلي)

في هذا السياق، اعتقلت الجماعة اثنين من النشطاء المؤيدين لها، مع تهديدات غير معلنة بمزيد من الاعتقالات، في رسالة واضحة مفادها أن أي اقتراب من ملفات الفساد أو التلاعب بالأموال، حتى من داخل الصف الحوثي، يُعد تجاوزاً للخطوط الحمر.

ضحية نفوذ

من بين أبرز هذه القضايا، اعتقال الناشط الحوثي المعروف خالد العراسي، الذي يحرص منذ سنوات على تقديم نفسه ناقداً للممارسات التي لا تتوافق، حسب رأيه، مع خطاب زعيم الجماعة وشعارات «المسيرة»، لكنه وجد نفسه هذه المرة ضحية لنفوذ أحد أقارب زعيم الحوثيين، بعد أن عبّر عن تضامنه مع ناشط آخر وانتقد أخطاء منسوبة إلى مكتب الأوقاف في صنعاء.

وتركزت انتقادات العراسي على توجه مكتب الأوقاف لافتتاح أسواق جديدة لبيع نبتة «القات» وسط الأحياء السكنية، في مخالفة صريحة للقوانين واللوائح المنظمة، إضافة إلى اتهامه بعرقلة مشاريع استثمارية مجدية رغم استكمال أصحابها كل الإجراءات القانونية.

وبعد أقل من عشرين ساعة على نشره تلك الانتقادات، وصلت عناصر من جهاز مخابرات الشرطة، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، إلى منزل العراسي، واقتادته إلى جهة غير معلومة، في واقعة ليست الأولى من نوعها بحقه.

الحوثيون حولوا العاصمة اليمنية صنعاء إلى سجن كبير (إعلام محلي)

وجاء موقف العراسي مسانداً لناشط آخر يدعى حسين ناصر، كان قد وجّه نداءً علنياً إلى مدير مكتب الأوقاف عبد المجيد الحوثي، اشتكى فيه من الشروع في افتتاح سوق لبيع القات في حي الجراف الشرقي المقابل لمطار صنعاء، حيث يقيم.

وأكد ناصر أن المستثمر لا يمتلك أي تصاريح قانونية، وأن المشروع مخالف لتقارير مكتب الأشغال، ومع ذلك لم تتدخل أي جهة لإيقافه، بما في ذلك قسم الشرطة الذي تسلّم إخطاراً رسمياً بوقف العمل.

واعتبر الرجل أن هذا التجاهل يكشف عن تواطؤ واضح من وزارة الداخلية، التي يديرها عم زعيم الجماعة، خصوصاً في ظل وجود ثلاثة أسواق أخرى لبيع القات في الجهة المقابلة للحي السكني، ما يثير تساؤلات حول دوافع الإصرار على إقامة سوق جديد داخل منطقة مأهولة.

تكميم أفواه

قبل هذه الحادثة بيوم واحد، أُودِع ماجد الخزان، وهو استشاري جراحة العظام والمفاصل، حبس نيابة الصحافة والمطبوعات، على خلفية انتقاده أداء الإدارة الصحية في مناطق سيطرة الحوثيين. وخلال احتجازه، تعرّض لنوبة قلبية حادة استدعت نقله إلى العناية المركزة في مستشفى الشرطة النموذجي، حيث خضع لإجراءات قسطرة قلبية لإنقاذ حياته.

ويُعرف الخزان على مواقع التواصل الاجتماعي بوصفه شخصية طبية واجتماعية تحرص على التعبير عن آرائها بأسلوب مسؤول، وتعكس منشوراته هموماً عامة يشاركها كثير من أبناء المجتمع.

ويؤكد زملاؤه أن الطبيب يتمتع بسمعة مهنية وإنسانية عالية، وأن اعتقاله جاء بتهم «باطلة وملفّقة»، معتبرين أن «جريمته الوحيدة» هي مواجهته للفساد وفضحه ممارسات المتنفذين في القطاع الصحي.

مكاتب الأمم المتحدة والعاملون فيها كانوا هدفًا لمخابرات الحوثيين (إعلام محلي)

وتأتي هذه التطورات في سياق أمني متوتر أعقب مقتل رئيس حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً وتسعة من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً. ومنذ ذلك الحين، أطلقت الجماعة يد الأجهزة الأمنية، بقيادة نجل مؤسسها، لتنفيذ حملة اعتقالات واسعة شملت مئات الناشطين والمعلمين وعمال الإغاثة، بذريعة «محاربة الجواسيس».

وطالت الاعتقالات أيضاً موظفين مدنيين وأمنيين وناشطين من داخل صفوف الجماعة نفسها، بتهم مشابهة، إلى جانب حملة أخرى استهدفت من وصفتهم بـ«الطابور الخامس»، وهو توصيف فضفاض يُستخدم لإسكات كل من ينتقد فساد المسؤولين أو يدخل في صراعات نفوذ داخلية، تحت لافتة «مواجهة الانحراف عن مبادئ المسيرة الحوثية».


مقالات ذات صلة

خالد بن سلمان ينقل تعازي القيادة السعودية لذوي الرئيس اليمني السابق

الخليج زير الدفاع السعودي خلال لقائه بذوي الفقيد يتقدمهم اللواء ناصر منصور هادي شقيق الرئيس عبد ربه منصور في الرياض (واس)

خالد بن سلمان ينقل تعازي القيادة السعودية لذوي الرئيس اليمني السابق

نقل الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الدفاع السعودي، تعازي ومواساة قيادة المملكة، لذوي الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي في وفاته.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة ترصد جيوب مجاعة في مناطق شمال اليمن

الأمم المتحدة تحذِّر من ظهور جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين مع تراجع التمويل الإنساني، بينما يواجه 18.7 مليون يمني مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

عيد ثقيل عاشه النازحون في مناطق سيطرة الحوثيين

يستقبل ملايين النازحين اليمنيين عيد الأضحى وسط فقر متصاعد وتراجع للمساعدات وارتفاع الأسعار، فيما بات تأمين الغذاء أولوية تتقدم على كل مظاهر العيد.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)

انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراج واسع في أزمة الجوازات باليمن بعد إنهاء التكدس في معظم المحافظات المحررة، وتقليص مدة الإصدار من أشهر طويلة إلى أيام، باستثناء تعز

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحصار الحوثي على تعز يعقد حركة النقل والتنقل ويضاعف أسعار السلع (أ.ف.ب)

ارتفاع الأسعار يخنق فرحة العيد في مدينة تعز

دفع ارتفاع أسعار الملابس والسلع في تعز، مع استمرار الجبايات وتكاليف النقل، السكان، للبحث عن بدائل خارج المدينة بينما يواصل الغلاء ابتلاع ما تبقى من دخول السكان.

وضاح الجليل (عدن)

هافيرتز ينهي صيام آرسنال التهديفي في نهائيات دوري الأبطال بعد 20 عاماً

الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)
الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)
TT

هافيرتز ينهي صيام آرسنال التهديفي في نهائيات دوري الأبطال بعد 20 عاماً

الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)
الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)

دخل الألماني كاي هافيرتز تاريخ آرسنال من أوسع أبوابه بعدما سجل الهدف الأول للفريق الإنجليزي في نهائي دوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان، حامل اللقب، خلال المباراة النهائية المقامة في بودابست.

وجاء هدف هافيرتز مبكراً في الدقيقة السادسة، ليمنح آرسنال أفضلية مبكرة، ويكسر صياماً تهديفياً طويلاً للنادي اللندني في المباريات النهائية للمسابقة القارية.

وأصبح هذا الهدف الأول لآرسنال في نهائي دوري أبطال أوروبا منذ هدف المدافع الإنجليزي الراحل عن الملاعب سول كامبل في نهائي عام 2006 أمام برشلونة الإسباني.

وكان آرسنال قد خسر ذلك النهائي بنتيجة 2 - 1، قبل أن يغيب عن المشهد الختامي للبطولة طوال العقدين الماضيين.

وخلال تلك الفترة، لم يتمكن الفريق اللندني من بلوغ النهائي مجدداً، بينما كان أفضل إنجاز له الوصول إلى الدور نصف النهائي في الموسم الماضي، قبل أن يودع البطولة على يد باريس سان جيرمان.

ويواصل هافيرتز تأكيد حضوره في المباريات الكبرى، بعدما سبق له تسجيل هدف الفوز لتشيلسي في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2021 أمام مانشستر سيتي، قبل أن يكرر ظهوره الحاسم هذه المرة بقميص آرسنال.

ويأمل «المدفعجية» أن يكون هدف النجم الألماني خطوة أولى نحو تحقيق أول لقب في دوري أبطال أوروبا بتاريخ النادي.


رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
TT

رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)

غيّب الموت في العاصمة الفرنسية باريس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام

، ليسدل الستار على حياة حافلة، وصفتها الأوساط الثقافية بـ«ذاكرة القرن العشرين المتنقلة».

ويُعدّ موران، الذي أكدت عائلته وفاته، أحد آخر العمالقة في مدرسة الفكر الإنساني المعاصر، تاركاً وراءه إرثاً فلسفياً وسوسيولوجياً ضخماً غيّر وجه النظر إلى العلوم والمعرفة الإنسانية عبر نظريته الشهيرة حول «الفكر المركب» (Pensée complexe).

ونعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المفكر الراحل، عبر منصة «إكس»، واصفاً إياه بـ«العقل العالمي والإنسانية المتجسدة»، بينما توالت برقيات العزاء من مختلف الأطياف السياسية والثقافية في أوروبا والعالم العربي، الذين رأوا في رحيله خسارة لواحد من أكثر الأصوات شجاعة ونزاهة في مقارعة الآيديولوجيات المغلقة والدفاع عن القضايا العادلة.

من مقاومة النازية إلى الانشقاق الآيديولوجي.

ولد إدغار ناهوم (الذي اتخذ اسم موران لاحقاً) عام 1921 في باريس لعائلة يهودية من أصول سالونيكية يونانية. ولم تكن حياته مجرد تأملات هادئة بين جدران الجامعات، بل بدأت في أتون المواجهة، إذ انخرط شاباً في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وفي تلك المرحلة، اختار اسم «موران» السري ليكون هويته الدائمة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

قادته حماسته الفكرية بعد الحرب إلى الانضمام للحزب الشيوعي الفرنسي، مستبشراً بالعدالة الاجتماعية، غير أن روحه المتمردة وعقله الرافض للتدجين لم يصمدا طويلاً أمام القيود الستالينية. عارض موران التوجهات الديكتاتورية لـ«الرفاق»، فتم طرده من الحزب عام 1951. لم يتراجع، بل حول هذه الخيبة إلى مادة سوسيولوجية ملهمة، حيث أصدر كتابه الشهير «نقد ذاتي»، الذي أسّس فيه مبدأ المساءلة المستمرة للأفكار والذات، مبتعداً عن اليقينيات الزائفة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

هندسة «الفكر المركب» ومحاربة التبسيط

صنع موران مجده المعرفي الأصيل في أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)

. ومن هناك، أطلق مشروعه الفلسفي الأضخم المتجسد في موسوعته «المنهج» (La Méthode) التي صدرت في 6 أجزاء. كان موران يرى أن الخطيئة الكبرى للعلوم الحديثة هي «التبسيط والاختزال»، أي فصل العلوم بعضها عن بعض، ولذلك دعا إلى «الفكر المركب» الذي يربط بين علم الأحياء، والتاريخ، والسياسة، والأنثروبولوجيا، والسينما.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

في فلسفة موران، لا يمكن فهم الجزء دون الكل، ولا الكل دون الجزء. فكل إنسان يحمل الكوكب بأكمله في تفاصيله اليومية. ولم يتردد طوال حياته في التحذير من المخاطر الكونية التي تحدق بالبشرية، مثل التغير المناخي، والتقدم التكنولوجي غير المنضبط بأخلاقيات، والتوحش الرأسمالي، معتبراً أن العالم يسير نحو «هاوية» ما لم يقم بـ«أنسنة الحضارة».

نصير فلسطين... شجاعة المواقف في وجه العاصفة

تميز موران بمواقف أخلاقية صلبت مكانته كمثقف عضوي في الشأن العام. ولم تشفع له أصوله اليهودية لدى الدوائر الصهيونية عندما انتقد بجرأة شديدة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وفي عام 2002، نشر مقالاً مدوياً في صحيفة «لوموند» الفرنسية برفقة مثقفين آخرين، انتقد فيه حصار غزة وممارسات الاحتلال، معتبراً أن «ضحايا الأمس يتحولون إلى جلادي اليوم».

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

جرّت عليه هذه المقالة ملاحقات قضائية بتهمة «معاداة السامية»، خاضها موران بشجاعة مدعوماً بتضامن واسع من مجتمع الأكاديميين العالمي، إلى أن برّأته محكمة التمييز الفرنسية العليا. وظل، حتى الشهور الأخيرة من حياته، يرفع صوته تنديداً بالعدوان على قطاع غزة والمجازر المستمرة بحق المدنيين.

ملهمات الفكر والحياة: الشريكات في مسيرة قرن

لم تنفصل حياة موران الفكرية عن تفاصيل حياته العاطفية والزوجية التي شكلت رافداً لروحه الإنسانية. ارتبط في السبعينات بالفنانة والكاتبة الكندية الراحلة جوهان هاريل، التي شاركته شغفه بالفن والسينما الإثنوغرافية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

وفي العقود الأخيرة من عمره، عاش موران فصلاً معرفياً وإنسانياً استثنائياً برفقة زوجته عالمة الاجتماع المغربية صباح أبو السلام، التي تزوجها عام 2012. ولم تكن صباح شريكة حياة فحسب، بل كانت رفيقة فكرية صاغ معها مؤلفات مشتركة تدرس التحولات الاجتماعية والسياسية، ومثّلت جسراً ثقافياً عزز ارتباط الفيلسوف الراحل بالقضايا العربية وقيم الحوار الحضاري بين الضفتين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يسار) يرحب بالفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (في الوسط) وزوجته صباح أبو السلام (يمين) خلال حفل أقيم في قصر الإليزيه بباريس بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده (أ.ف.ب)

تواصل حتى الرمق الأخير

حتى مع تجاوزه عتبة المائة عام، لم يتقاعد عقل موران. ظل حتى أيامه الأخيرة يكتب، وينشر المؤلفات، ويغرد لقرابة ربع مليون متابع على منصة «إكس»، معلقاً على الحروب المعاصرة والأزمات البيئية بكثير من الدهشة الطفولية والحكمة الإنسانية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يلقي كلمة في مقر منظمة اليونيسكو بباريس خلال حفل بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده في 2 يوليو (تموز) 2021 (أ.ف.ب)

توفي الفيلسوف الأنيق، صاحب القبعات الشهيرة وربطات العنق الحريرية، تاركاً فراغاً لا يُعوّض في الفكر العالمي، ومثبتاً مقولته المفضلة في كتابه «دروس قرن من الحياة»: «الحياة لا تكون محتملة إلا إذا أدخلنا عليها شيئاً من الشعر، أي الكثافة، والفرح، والمحبة».


متسللة في الظلام... كيف تخرج السفن من مضيق هرمز؟

سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

متسللة في الظلام... كيف تخرج السفن من مضيق هرمز؟

سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

رغم أن مضيق هرمز ليس مفتوحاً، لكن بعض السفن – التي يتعاون عدد منها مع الجيش الأميركي – تُدرك أنه ليس مغلقاً تماماً أيضاً، وفق ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال». ففي الأسابيع الأخيرة عبرت أساطيل من السفن، بعضها من أكبر ناقلات النفط والغاز الطبيعي المُسال في العالم، هذا المضيق «الخطير» في ظل الحرب الحالية، مما وفّر متنفساً بسيطاً للاقتصاد العالمي.

وتبحر بعض السفن «مُعطلة»، كما هو متعارف عليه في هذا القطاع؛ إذ تُطفئ الأنوار وتسافر دون تفعيل أجهزة الملاحة المعروفة باسم نظام التعريف الآلي (AIS)، الذي يساعد على منع التصادم. ويُصعّب تعطيل هذه الخدمة رصد السفن إلكترونياً، ويقلل من احتمالية تعرضها لهجمات إيرانية.

ولعبور المضيق، تحافظ بعض السفن على اتصالها مع الجيش الأميركي الذي يحاصر الموانئ الإيرانية، ويستخدم الرادار والطائرات المسيّرة وغيرها من الأدوات لمراقبة حركة الملاحة، ومساعدة السفن على العبور بأمان.

ووفقاً لمالكي السفن ومسؤولين أميركيين، تُقدّم الولايات المتحدة للسفن المشورة بشأن متى يجب عليها التوقف عن التواصل، وكيفية الرد على التهديدات الإيرانية.

اختبار لنفوذ طهران

ويُعدّ مرور السفن عبر المضيق دون أي أضرار اختباراً لسيطرة إيران على الممر المائي، واختباراً لنفوذ طهران على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، حيث لا تزال حرية الملاحة نقطة خلاف رئيسية.

وذكرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» ستُحافظ على السيطرة على الممر المائي وإدارته. وخلال الأسبوع الماضي، حاول «الحرس» زرع ألغام بحرية، وأطلق خمس طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه في محيط المضيق، وفقاً للقيادة المركزية الأميركية.

وردّت الولايات المتحدة بإغراق زوارق زرع الألغام التابعة لـ«الحرس الثوري»، وقصف مواقع الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. ووصفت الولايات المتحدة هذه الضربات بأنها دفاعية، مؤكدةً استمرار وقف إطلاق النار مع إيران.

وفي المحادثات الجارية، أصرّت إيران على أنها ستلعب دوراً في الموافقة على حركة السفن مستقبلاً في المضيق، بما في ذلك إمكانية فرض رسوم عبور، وهو الأمر الذي ترفضه واشنطن بشدة.

«الجميع ينتظر الفرصة»

وتواصلت ناقلة نفط يونانية عملاقة محملة بمليونَي برميل من النفط الخام مع الجيش الأميركي أثناء عبورها الممر المائي قبالة الساحل العماني في وقت سابق من هذا الأسبوع. وكانت السفينة عالقة في الخليج العربي منذ أوائل مارس (آذار)، وهي الآن متجهة إلى الهند لتسليم شحنتها.

وقالت ميشيل بوكمان، محللة الاستخبارات البحرية في شركة «ويندوارد»: «الجميع ينتظر فرصة سانحة لإخراج سفنهم». وبحسب أحد أفراد الطاقم وسجلات شركة «كيبلر» المتخصصة في تتبع حركة السفن، فقد نجحت السفينة «فيكستار» المملوكة لشركة صينية في عبور المضيق ليلاً في 17 مايو (أيار)، حاملةً أسمدة من الإمارات إلى البرازيل، بعد أن ظلت عالقة في الخليج لما يقرب من ثلاثة أشهر. وأوضح فرد الطاقم أن السفينة أوقفت نظام التعريف الآلي ليلاً، وأبحرت بمحاذاة سواحل عُمان.

ولا يزال عدد السفن التي تعبر المضيق يومياً ضئيلاً، مقارنةً بما كان عليه قبل الحرب، حين كان يعبره أكثر من 100 سفينة يومياً.