«برنامج الأغذية العالمي» يحذر من مجاعة غير مسبوقة بشمال نيجيريا جراء الهجمات الإرهابية

الاعتداءات المستمرة منذ نحو 16 عاماً أدت إلى سقوط أكثر من 40 ألف قتيل

ضباط شرطة خلال إحدى العمليات بينما لا يزال الآباء يبحثون عن أبنائهم بعد أيام من اختطاف مسلحين طلاباً ومعلمين من مدرسة «سانت ماري» الكاثوليكية الثانوية الخاصة في نيجيريا يوم 24 نوفمبر 2025 (رويترز)
ضباط شرطة خلال إحدى العمليات بينما لا يزال الآباء يبحثون عن أبنائهم بعد أيام من اختطاف مسلحين طلاباً ومعلمين من مدرسة «سانت ماري» الكاثوليكية الثانوية الخاصة في نيجيريا يوم 24 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

«برنامج الأغذية العالمي» يحذر من مجاعة غير مسبوقة بشمال نيجيريا جراء الهجمات الإرهابية

ضباط شرطة خلال إحدى العمليات بينما لا يزال الآباء يبحثون عن أبنائهم بعد أيام من اختطاف مسلحين طلاباً ومعلمين من مدرسة «سانت ماري» الكاثوليكية الثانوية الخاصة في نيجيريا يوم 24 نوفمبر 2025 (رويترز)
ضباط شرطة خلال إحدى العمليات بينما لا يزال الآباء يبحثون عن أبنائهم بعد أيام من اختطاف مسلحين طلاباً ومعلمين من مدرسة «سانت ماري» الكاثوليكية الثانوية الخاصة في نيجيريا يوم 24 نوفمبر 2025 (رويترز)

حذر «برنامج الأغذية العالمي»، الثلاثاء، في بيان، بأن تصاعد هجمات المتطرفين وانعدام الاستقرار في شمال نيجيريا سيتسببان في مجاعة تصل إلى «مستويات غير مسبوقة إطلاقاً».

تفاعل كبار الشخصيات خلال إطلاق الخطة الاستراتيجية لـ«المركز الوطني لمكافحة الإرهاب» في نيجيريا بقاعة المركز يوم 24 نوفمبر 2025 (رويترز)

وأفاد «البرنامج» التابع للأمم المتحدة بأن «35 مليون شخص سيواجهون انعداماً حاداً في الاستقرار الغذائي بموسم الشحّ من عام 2026»، وهو موسم يسبق الحصاد ويمتد من مايو (أيار) إلى سبتمبر (أيلول).

وتمثل هذه التوقعات «أعلى عدد يسجل على الإطلاق في نيجيريا منذ بدء تسجيل البيانات، والأعلى في القارة»، وفق البيان.

وفي ولاية بورنو، التي تعدّ مركز التمرد المتطرف المستمر منذ 2009 في شمال شرقي نيجيريا، توقعت المنظمة أن يعاني 15 ألف شخص من «مجاعة كارثية» أو «ظروف شبيهة بالمجاعة».

نائب حاكم ولاية بورنو د. عمر عثمان كادافور يراقب إطلاق «الخطة الاستراتيجية للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب بنيجيريا 2025 - 2030» يوم 24 نوفمبر 2025 (رويترز)

وتسببت الهجمات المستمرة منذ نحو 16 عاماً في سقوط أكثر من 40 ألف قتيل ونزوح أكثر من مليوني شخص. وتصاعدت الهجمات منذ مطلع العام، متسببة في تفاقم انعدام الأمن، بما في ذلك على المستوى الغذائي.

وإلى هجمات حركة «بوكو حرام» المتطرفة في شمال شرقي البلاد، تواجه نيجيريا أعمال عنف من عصابات مسلحة، تشير إليها السلطات بـ«قطاع الطرق»، تنفذ عمليات خطف مقابل فدية.

في غضون ذلك، فر 50 تلميذاً نيجيرياً ممن كانوا قد اختطفوا من مدرسة كاثوليكية من مختطفيهم مطلع الأسبوع.

اختبأ بعض التلاميذ بين الأشجار، بينما ساعد المزارعون المحليون آخرين على العودة لمنازلهم، وفق ما قال دانيل أتوري، وهو متحدث باسم مؤسس مدرسة «سانت ماري» في بابيري بولاية «النيجر» شمال البلاد، في بيان الأحد.

ولا يزال أكثر من 250 تلميذاً ومعلماً كانوا قد اختطفوا من المدرسة الابتدائية في 22 نوفمبر (تشرين الثاني)، محتجزين، وفق وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وأمر الرئيس النيجيري، بولا تينوبو، الأحد، بتجنيد عشرات الآلاف من عناصر الشرطة، وسحب الحراس الشخصيين من السياسيين وتكليفهم مهام شرطية جديدة، بسبب الأزمة الأمنية التي تشهدها البلاد. ويواجه الرئيس ضغوطاً بعد خطف نحو 400 شخص، غالبيتهم من تلامذة المدارس، فحكومة تينوبو تخضع لتدقيق شديد منذ أن هدد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، هذا الشهر بعمل عسكري ضد نيجيريا رداً على ما وصفه بمقتل مسيحيين هناك على يد إسلاميين متطرفين. وأفاد بيان عن الرئاسة بأن تينوبو «أمر بسحب رجال الشرطة الذين يوفرون حالياً الحماية للشخصيات المهمة جداً»، مضيفاً أن «أجزاء كثيرة من نيجيريا» لا تتمتع بأمن كاف. وأضاف البيان أن تينوبو وافق أيضاً على تجنيد 30 ألف شرطي إضافي. وتابع: «في ظل التحديات الأمنية الراهنة التي تواجهها البلاد، يحرص الرئيس تينوبو على تعزيز حضور الشرطة في جميع المجتمعات المحلية». وأفاد تقرير نشرته «وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء» الشهر الماضي بأن أكثر من 100 ألف عنصر من أصل 371 ألفاً مكلفون حماية السياسيين وكبار الشخصيات بدلاً من أداء مهام الخدمة العامة. وأضاف التقرير: «أدى هذا النقص في القوى العاملة، بالإضافة إلى الفساد ونقص الموارد، إلى تأخر الاستجابة للجرائم وترك كثير من المجتمعات المحلية دون حماية».

نيجيريا تعلن تعزيز شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة

في غضون ذلك، أعلنت نيجيريا، الاثنين، تعزيز «شراكتها الأمنية» مع الولايات المتحدة، رافضة مجدداً اتهامات باضطهاد يستهدف المسيحيين في الدولة الواقعة غرب أفريقيا.

يأتي هذا الإعلان بعدما هدد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في مطلع نوفمبر الحالي بعمل عسكري ضد نيجيريا رداً على ما وصفه بمقتل مسيحيين هناك على يد إسلامويين متطرفين.

وزار وفد نيجيري يضم مستشار الأمن القومي، نوهو ريبادو، واشنطن الأسبوع الماضي للقاء كبار المسؤولين الأميركيين ومناقشة مخاوفهم، وفق بيان صدر عن الرئاسة النيجيرية الاثنين.

وذكر بايو أونانوجا، المستشار الخاص للرئيس النيجيري، في البيان: «بعد هذه اللقاءات، أكدت حكومة الولايات المتحدة استعدادها لتعزيز التعاون الأمني مع نيجيريا».

وأوضح أن التعاون يشمل تعزيز الدعم الاستخباراتي، وتسريع تلبية طلبات المعدات الدفاعية، و«إمكان توفير فائض من المعدات الدفاعية».

يلتقط أحد أفراد قوات الأمن صورة للوحة مدرسة «سانت ماري» الكاثوليكية الخاصة في بابيري بنيجيريا يوم 24 نوفمبر 2025... وقد نجا 50 من أصل 303 تلاميذ اختُطفوا من المدرسة من الأسر والتقوا عائلاتهم وفقاً لـ«الرابطة المسيحية النيجيرية»... (إ.ب.أ)

تشهد نيجيريا، ذات التنوع الديني، نزاعات منذ مدة أودت بحياة مسيحيين ومسلمين على حد سواء.

لكن روايات عن «اضطهاد» للمسيحيين في نيجيريا لاقت صدى في أوساط اليمين المتطرف بالولايات المتحدة وأوروبا.

وأكدت السلطات النيجيرية أنها «نفت مزاعم عن إبادة جماعية» ضد المسيحيين خلال الاجتماع مع المسؤولين الأميركيين، مشددة على أن «الهجمات العنيفة تؤثر في العائلات والمجتمعات المحلية على اختلاف أديانها وانتماءاتها العرقية»، وفقاً للبيان.

وأضاف البيان: «رفض الوفد بشدة تصوير الوضع بشكل خاطئ»، مؤكداً أن «ذلك لا يؤدي إلا إلى تقسيم النيجيريين وتشويه الحقائق على الأرض».

وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية، الجمعة، أن الجانبين ناقشا سبل إنهاء العنف ضد المسيحيين وتعزيز مكافحة المتطرفين.

وتواجه نيجيريا نزاعاً في شمال شرقي البلاد أسفر عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص ونزوح نحو مليونين منذ اندلاعه عام 2009.

وامتد العنف إلى النيجر وتشاد والكاميرون المجاورة؛ مما أفضى إلى إنشاء قوة عسكرية إقليمية لمحاربة المتطرفين.

وتشهد نيجيريا أيضاً أعمال عنف تشنها عصابات في شمال غربي البلاد، تشمل عمليات خطف وقتل ومهاجمة قرى.


مقالات ذات صلة

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

اقتحم مسلحون متطرفون في وقت متأخر من مساء أمس (الأحد) قاعدة للجيش النيجيري، قرب الحدود الشمالية الشرقية للبلاد مع تشاد، ما أسفر عن مقتل قائد القاعدة و6 جنود.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

يايسله مدرب حامل اللقب: التأهل لقبل نهائي دوري أبطال آسيا أهم من الأداء

ماتياس يايسله مدرب الأهلي السعودي (رويترز)
ماتياس يايسله مدرب الأهلي السعودي (رويترز)
TT

يايسله مدرب حامل اللقب: التأهل لقبل نهائي دوري أبطال آسيا أهم من الأداء

ماتياس يايسله مدرب الأهلي السعودي (رويترز)
ماتياس يايسله مدرب الأهلي السعودي (رويترز)

اتفق ماتياس يايسله مدرب الأهلي السعودي حامل لقب دوري أبطال آسيا للنخبة لكرة القدم ولاعب وسطه فرانك كيسي على أن التأهل لقبل نهائي البطولة كان الأهم، بغض النظر عن الأداء خلال الفوز على جوهور دار التعظيم الماليزي في جدة أمس الجمعة.

وانتفض عشرة من لاعبي الأهلي ليعوض الفريق تأخره بهدف إلى انتصار 2-1 على جوهور دار التعظيم بعد مباراة مثيرة في دور الثمانية من دوري أبطال آسيا للنخبة، ليتقدم حامل اللقب إلى قبل النهائي.

وأكمل الأهلي المباراة بعشرة لاعبين بعد طرد علي مجرشي ببطاقة حمراء مباشرة في الدقيقة 37 إثر تدخل قوي في وسط الملعب على البرازيلي جايرو مهاجم جوهور، والذي لم يستكمل اللقاء بداعي الإصابة.

واعترف المدرب الألماني يايسله بأن الأهلي بحاجة إلى التطور إذا ما أراد التتويج باللقب للموسم الثاني على التوالي.

وقال في مؤتمر صحافي عقب المباراة في جدة: «تأهلنا إلى الدور التالي رغم مباراة صعبة، ومتقاربة. ليس من السهل اللعب بعشرة لاعبين، لكن اللاعبين أظهروا عقلية، وانضباطاً كبيرين، كما منحتنا الجماهير دفعة إضافية.

حتى لحظة الطرد، لم نقدم أفضل مباراة لنا. كنا بحاجة إلى الضغط أكثر لكن الأمر ليس سهلاً. نرى في كرة القدم حالياً أن الفرق تدافع بعمق، وعلينا أن نتحلى بالصبر. يمكننا التحسن في هذا الجانب، لكننا تأهلنا، وهذا هو الأهم».

وأدرك حامل اللقب التعادل في الوقت المحتسب بدل الضائع للشوط الأول، عن طريق كيسي الذي قابل تمريرة عرضية من ركلة ركنية من جالينو، بضربة رأس متقنة في المرمى.

وتقدم الأهلي بعد تسع دقائق من نهاية الاستراحة، عندما أطلق جالينو تسديدة مذهلة من خارج منطقة الجزاء سكنت الشباك.

وقال كيسي لاعب ميلان وبرشلونة السابق وأفضل لاعب في المباراة: «كانت مباراة صعبة للغاية، ورغم ذلك قدمنا أداء جيداً، وقاتلنا حتى النهاية لتحقيق النتيجة التي أردناها.

الهدف الذي استقبلناه جعل الأمور أكثر صعوبة. عندما تلعب بعشرة لاعبين تصبح المهمة أكثر تعقيداً. تعين علينا التركيز، ومحاولة اتباع تعليمات المدرب، ونجحنا في إظهار شخصيتنا، وتحقيق الفوز».

وسيحتاج كيسي وزملاؤه لإظهار المزيد من الروح القتالية عندما يواجهون فيسيل كوبي الياباني في قبل النهائي يوم الاثنين المقبل.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً