إقرار صلح بين الجزائر وباريس بعد توترات لامست القطيعة

بارو بحث مع عطاف وتبون ترحيل مهاجرين والأمن و«قضية صنصال»

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي (أ.ف.ب)
TT

إقرار صلح بين الجزائر وباريس بعد توترات لامست القطيعة

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي (أ.ف.ب)

ينظر الجزائريون لزيارة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو إلى بلادهم على أنها «انتصار للخط الدبلوماسي» الذي يمثله هو، ومِن ورائه الرئيس إيمانويل ماكرون، على «التصعيد» الذي عبَّر عنه وزير الداخلية برونو ريتايو، فيما يخص الأزمة الخطيرة التي مرت بها العلاقات الثنائية منذ اعتراف باريس بـ«مغربية الصحراء»، في نهاية يوليو (تموز) الماضي.

وجرى، الأحد، إقرار صلح بين الجزائر وفرنسا، تبعاً لما اتفق عليه الرئيسان عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون، خلال اتصال هاتفي يوم 31 مارس (آذار) الماضي، حيث أكدا «قوة الروابط، وخاصة الإنسانية» التي تجمع بين البلدين، و«إرادتهما استئناف الحوار المثمر»، الذي بدأ خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى الجزائر في أغسطس (آب) 2022، وفق ما تضمَّنه بيان مشترك للرئاستين الجزائرية والفرنسية، وضع حدّاً لثمانية أشهر من التوترات جرَت معها ملفات عدة، امتزجت فيها الهجرة السرية والنظامية و«الذاكرة وآلام الاستعمار»، و«امتيازات جواز السفر الدبلوماسي المتاحة لوجهاء النظام في الجزائر»، تُعفيهم من طلب تأشيرة الدخول إلى فرنسا.

واعلن الوزير الفرنسي بعد لقائه الرئيس تبون ونظيره أحمد عطاف عن «مرحلة جديدة في علاقة ندية» مع الجزائر، وقال بعد اللقاء الذي استمر ساعتين ونصف ساعة: «مع الرئيس (عبد المجيد) تبون، عبرنا عن الرغبة المشتركة في رفع الستار» من أجل «إعادة بناء» حوار «هادئ»، معلناً استئنافا شاملا للعلاقات الثنائية.

من استقبال الرئيس تبون للوزير الفرنسي والوفد المرافق له (أ.ف.ب)

وعلى أثر وصوله إلى مطار عاصمة الجزائر، توجّه بارو إلى مقر وزارة خارجيتها، حيث بدأت مباحثات مع وزير الخارجية أحمد عطاف، تناولت القضايا الخلافية التي غذَّت الأجواء المشحونة في الآونة الأخيرة، وفق مصادر دبلوماسية تابعت اللقاء، وفي مقدمتها مشكلة المهاجرين غير النظاميين الذين صدرت بحقّهم أوامر إدارية بالإبعاد من التراب الفرنسي، وكانت الجزائر قد رفضت دخولهم، خلال الأزمة؛ تعبيراً عن احتجاج شديد على «مهلة شهر إلى ستة أسابيع» أعلن عنها رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو، في نهاية فبراير (شباط) الماضي، متوعداً بـ«اتخاذ إجراءات تدريجية ضد الجزائر» إن لم «تلتزم بها» عن طريق تقديم مقترحات لتسلم رعاياها غير المرغوب بهم من طرف فرنسا.

وزيرا الخارجية الجزائري والفرنسي قبيل بدء المحادثات («الخارجية» الجزائرية)

كما رفضت الجزائر «قائمة» تضم 60 منهم، من قوائم أخرى وضعها وزير الداخلية ريتايو الذي تصدَّر أسلوب التشدد المتبَع ضد الجزائر، والذي جرى إبعاده من «المشهد» منذ «الاتفاق - المكالمة الهاتفية» بين الرئيسين، فاختفت حِدة اللهجة تاركة المكان للتسوية الدبلوماسية. ورغم ذلك صرّح ريتايو، لتلفزيون «فرنس 2»، معلّقاً على عودة الهدوء مع الجزائر: «الرسائل إيجابية... وفي المفاوضات، يجب أن يكون هناك توازن بين الحَزم والحوار، والدبلوماسية وحَزم وزارة الداخلية... إذا لم أكن في الحكومة، فأعتقد أن هذه السياسة الحازمة ربما لم تكن ستُتبَّع».

وكان ريتايو، المرشح لرئاسة حزب «الجمهوريون» (يمين تقليدي)، قد أكد عزمه الاستقالة من الحكومة «في حالة الرضوخ أمام الجزائر»؛ في إشارة إلى احتمال عجز الحكومة عن فرض خطة ترحيل الجزائريين المعنيين بقرارات الطرد.

المحادثات بين الوفدين الدبلوماسيين الجزائري والفرنسي («الخارجية» الجزائرية)

وبحث الوزيران بارو وعطاف أيضاً، وفق المصادر نفسها، استئناف «الحوار الأمني» الذي كان ضحية «الأعراض الجانبية» للأزمة، والذي يخص التنسيق بين جهازي الأمن الداخلي بشأن الإضطرابات السياسية في دول جنوب الصحراء وليبيا، وتداعياتها على الأمن في منطقة المغرب الغربي وكامل غرب أفريقيا وحوض المتوسط. كما تناولت محادثاتهما عودة اجتماعات «لجنة الذاكرة» التي تضم مؤرخين من البلدين، كلّفهما الرئيسان بـ«عقد مصالحة بين الذاكرتين» تتيح بناء علاقة قائمة على تبادل المنافع، بعيداً عن «نزاعات التاريخ» ذات الصلة بالاستعمار (1830-1962).

وأكدت المصادر نفسها أن أجندة مباحثات بارو تشمل أيضاً قضية سجن الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال، الذي يحرص ماكرون على إطلاق سراحه، وقد طلب من تبون «لفتة إنسانية» من جانبه لصالح الروائي السبعيني، بمنحه عفواً.

وجرت إدانة صنصال بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ بتهمة «المس بالسلامة الترابية للبلاد»، و«التخابر مع جهة أجنبية». ومن المتوقع أن يستعيد حريته عندما تعالج محكمة الاستئناف قضيته.

وأضافت المصادر أن بارو نقل الانشغال الخاص بصنصال، المقرَّب من أوساط اليمين الفرنسي، إلى تبون الذي تحادث معه في المساء. وصرَّح بارو، عشية زيارته الجزائر، بأن صاحب رواية «قرية الألماني» (2008) الشهيرة، «مواطن فرنسي جزائري، وتهتم فرنسا بمواطنيها ومصيرهم في كل مكان في العالم».

أول مصافحة بين وزيريْ خارجية الجزائر وفرنسا منذ اندلاع التوترات الصيف الماضي («الخارجية» الجزائرية)

واللافت أن مسار التطبيع الذي أطلقه تبون وماكرون لا يشمل منشأ الأزمة؛ وهو غضب الجزائر من انحياز باريس للمغرب في نزاع الصحراء، وقرارها سحب سفيرها من فرنسا في رد فعل على هذه الخطوة، ما يعني أن فرنسا لن تعود إلى حيادها من مشكلة الصحراء، ما دام الطرف الجزائري لم يضعه شرطاً لعودة العلاقات إلى ما كانت عليه. ورغم ذلك، تشير توقعات دبلوماسيين إلى أن الجزائر ستُعيّن سفيراً جديداً قريباً في باريس؛ لتعويض السفير السابق سعيد موسى الذي نُقل إلى السفارة بالبرتغال.

يشار إلى أن الجزائر سحبت سفيرها (سعيد موسى) من إسبانيا في عام 2022، وأوقفت التجارة معها بسبب اتخاذها الموقف نفسه من الصحراء. وفي نهاية 2024 جرى إنهاء الخلاف ورفع التجميد عن الأنشطة التجارية، وعاد السفير إلى منصبه، دون أن يتغير موقف مدريد.


مقالات ذات صلة

الجزائر: تعديل قانون الجنسية قد يؤدي لسحبها من الكاتب صنصال

شمال افريقيا صورة مركَّبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

الجزائر: تعديل قانون الجنسية قد يؤدي لسحبها من الكاتب صنصال

استعاد صنصال حريته في 12 نوفمبر بموجب عفو رئاسي من الرئيس عبد المجيد تبون وأعلنت الرئاسة الجزائرية أنها استجابت لطلب بذلك، من الرئيس الألماني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

تحليل إخباري في انتظار «عملاق ثالث» ينقذ العالم

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

أنطوان الحاج
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة خطية من رئيس كازاخستان

تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية، من الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، تتصل بالعلاقات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان يتحدث مع الأمير ويليام خلال جولتهما في الدرعية التاريخية (واس) p-circle 00:55

محمد بن سلمان يصطحب ويليام في جولة بـ«الدرعية»

اصطحب الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الأمير ويليام، أمير ويلز، ولي العهد البريطاني، مساء الاثنين، بجولة في الدرعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزير أوشلجون أجادي بكاري في الرياض (واس)

وزيرا خارجية السعودية وبنين يبحثان المستجدات الإقليمية والدولية

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع أوشلجون أجادي بكاري، وزير خارجية بنين، الأربعاء، المستجدات الإقليمية والدولية والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للعرض بـ«الأقصر السينمائي»

احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)
احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)
TT

نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للعرض بـ«الأقصر السينمائي»

احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)
احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

ينفرد مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في حفل افتتاح دورته الـ15 خلال الفترة من 29 مارس (آذار) الحالي حتى 4 أبريل (نيسان) المقبل بعرض نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للمخرج الراحل يوسف شاهين الذي يحتفي المهرجان بمئوية ميلاده عبر فعاليات عدة؛ حيث تحمل هذه الدورة اسمه، وتقام تحت عنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية».

«النيل والحياة» هو فيلم درامي تاريخي من بطولة صلاح ذو الفقار، وعماد حمدي، ومديحة سالم، وسيف عبد الرحمن، إلى جانب الممثلين السوفياتيين إيجور فلاديميروف وفلاديمير إيفاشوف. وضع موسيقاه آرام خاتشاتوريان، وهو إنتاج مشترك بين «المؤسسة العامة للسينما في مصر» والاتحاد السوفياتي آنذاك، فيما أُسندت مهمة الإخراج إلى يوسف شاهين.

ويطرح الفيلم صورة للمجتمع المصري وتفاعله مع مشروع بناء السد العالي، كما يعكس صورة للتعاون الذي جرى بين العمال المصريين والسوفياتيين مع بدء بناء السد.

وكانت المؤسسة العامة قد رفضت الفيلم بعد تصويره كما لاقى اعتراضاً من الجانب السوفياتي، وطلب شاهين إخراج فيلم آخر عن الموضوع نفسه، وهو فيلم «الناس والنيل» الذي صدر 1972.

وأكد المنتج جابي خوري، نجل شقيقة المخرج الراحل يوسف شاهين، أن الفيلم لم يسبق عرضه في مصر، وكشف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عن أن نسخة فيلم «النيل والحياة» كانت أول نسخة من الفيلم، وقد احتفظ بها يوسف شاهين على مدى 30 سنة، وتم حفظها لاحقاً بـ«السينماتيك الفرنسي» الذي صنع نسخة «نيغاتيف 35 مللي» منها، وأضاف خوري أن «فيلم (الناس والنيل) كان عن الموضوع نفسه لكن بشكل مختلف، وهو ما يمنح جمهور المهرجان فرصة لمشاهدة فيلم نادر ليوسف شاهين يُعرض للمرة الأولى في مصر».

شاهين على ملصق المهرجان (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

وأشاد خوري بالاحتفاء الكبير الذي يقيمه مهرجان الأقصر لمئوية ميلاد يوسف شاهين التي تتم بالتعاون مع «أفلام مصر العالمية»، مؤكداً أن الاحتفال يُقام على مدى أيام المهرجان؛ حيث يعرض فيلم «النيل والحياة» في حفل الافتتاح، إلى جانب فقرة فيلمية عن يوسف شاهين، كما يتم تكريم 4 من أبطال أفلام يوسف شاهين، وهم نجوى إبراهيم عن فيلم «الأرض»، وسهير المرشدي عن «عودة الابن الضال»، وسيف عبد الرحمن عن «الاختيار»، ومحسن محيي الدين عن «إسكندرية ليه». إذ تعرض هذه الأفلام الأربعة خلال المهرجان.

ويلفت خوري إلى ندوة يقيمها المهرجان للناقد اللبناني إبراهيم العريس الذي ألّف كتاباً عن المخرج الكبير، بعنوان «يوسف شاهين... نظرة الطفل وقبضة المتمرد» الذي يُعد «من أفضل الكتب التي تناولت مسيرته»، على حد تعبير خوري، مشيراً إلى أن هناك اتفاقاً مع مكتبة «الشروق» لتوزيع 150 نسخة من الكتاب خلال الندوة.

ويحمل ملصق الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية صورة يوسف شاهين وهو يتحرك في فضاء بصري يجمع معالم القارة الأفريقية، عاكساً شخصية المخرج الراحل التي اتسمت بالحركة والحرية والفكر المتمرد الذي عبّر عنه في أفلامه، كما يُقيم المهرجان معرضاً لملصقات وصور أفلامه.

الفنانة سهير المرشدي وتكريم عن دورها في «عودة الابن الضال» (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

ويُعقد المهرجان برئاسة السيناريست سيد فؤاد ومديرة المهرجان عزة الحسيني، فيما يترأسه شرفياً الفنان محمود حميدة، ويقام بالتعاون مع محافظة الأقصر وبرعاية وزارات الثقافة والسياحة والآثار والخارجية ونقابة المهن السينمائية.

ويشارك في الدورة الجديدة 55 فيلماً، من بينها 11 فيلماً بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة، و20 فيلماً بمسابقة الأفلام الروائية القصيرة، و6 أفلام بمسابقة الدياسبورا، و 8 أفلام بمسابقة أفلام الصعيد، ويخصص المهرجان لجنة تحكيم لكل مسابقة على حدة، بالإضافة إلى 4 أفلام بمسابقة بانوراما التحريك، كما تُعرض 6 أفلام بالقسم الرسمي «خارج المسابقة»، ويحتفي المهرجان بسينما جنوب أفريقيا التي تُعد ضيف شرف هذه الدورة؛ حيث يعرض أفلاماً تعبر عن مراحل تطورها ويقيم ندوة موسعة عنها، ويعيد طبع كتاب عنها للناقد مارتن بوتا.

كما تشهد هذه الدورة تكريم اسم المخرج الكبير داود عبد السيد، ويقدم رفيق رحلته فنان الديكور أنسي أبو سيف ندوة حول عالم داود عبد السيد، ويكرم اسم المخرج الجزائري الكبير محمد الأخضر حامينا، واسم المؤلف والناقد فاروق عبد الخالق، واسم الفنانة الجزائرية بيونة.

وإلى جانب ذلك، يكرم المهرجان خلال حفل الافتتاح كلاً من الفنانة ريهام عبد الغفور والفنان خالد الصاوي، والمخرج الجنوب أفريقي نتشافيني والريلي، والمخرج المنتج جمال سويسي من المغرب، والمخرج المصري محمد أمين.


خطة إسرائيل «لمنطقة عازلة» في لبنان تعقب تاريخاً طويلاً من الاجتياحات والاحتلال

جسر الزرارية المدمر فوق نهر الليطاني بعد تعرّضه لغارة إسرائيلية في طيرفلسيه جنوب لبنان (رويترز)
جسر الزرارية المدمر فوق نهر الليطاني بعد تعرّضه لغارة إسرائيلية في طيرفلسيه جنوب لبنان (رويترز)
TT

خطة إسرائيل «لمنطقة عازلة» في لبنان تعقب تاريخاً طويلاً من الاجتياحات والاحتلال

جسر الزرارية المدمر فوق نهر الليطاني بعد تعرّضه لغارة إسرائيلية في طيرفلسيه جنوب لبنان (رويترز)
جسر الزرارية المدمر فوق نهر الليطاني بعد تعرّضه لغارة إسرائيلية في طيرفلسيه جنوب لبنان (رويترز)

أعلنت إسرائيل عزمها السيطرة على جزء من جنوب لبنان لإنشاء «منطقة عازلة» لإبعاد مقاتلي جماعة «حزب الله»؛ ما أثار مخاوف اللبنانيين من احتلال عسكري إسرائيلي قد يفاقم حالة عدم الاستقرار ويسبب مزيداً من النزوح.

ماذا فعلت إسرائيل، وما هي خططها؟

أمرت إسرائيل في الرابع من مارس (آذار) جميع سكان جنوب نهر الليطاني في لبنان بمغادرة المنطقة، وذلك بعد يومين من دخول جماعة «حزب ‌الله» في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران بإطلاق صواريخ على إسرائيل. ويلتقي نهر الليطاني بالبحر المتوسط على مسافة نحو 30 كيلومتراً إلى الشمال من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية. ويقع نحو ثمانية في المائة من الأراضي اللبنانية جنوب النهر.

جسر القاسمية الذي يربط جنوب الليطاني بمدينة صور بعدما استهدفته إسرائيل بقصف صاروخي (إ.ب.أ)

وأقامت القوات البرية الإسرائيلية تحصينات جديدة جنوب النهر ودمّرت منازل في القرى التي أخلاها سكانها. وتعدّ إسرائيل المنطقة معقلاً للجماعة الشيعية المدعومة من إيران، لكن تاريخ الجنوب يشير إلى أنه منطقة متنوعة تضم قرى مسيحية وسنية أيضاً.

وفي تصعيد للخطط الإسرائيلية، قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس في 24 مارس إن إسرائيل دمرت خمسة جسور فوق النهر، وإن الجيش «سيسيطر على الجسور المتبقية والمنطقة الأمنية وصولاً إلى نهر الليطاني». وأضاف أن القوات ستبقى هناك طالما استمر «الإرهاب والصواريخ».

وقال المتحدث باسم الجيش، إيفي ديفرين، في اليوم نفسه إن الجيش يعدّ نهر الليطاني «الخط الأمني الشمالي»، وإن إسرائيل «توسع عملياتها البرية بهدف منع إطلاق النار المباشر على التجمعات السكنية (الإسرائيلية) في الشمال».

وفي أول تصريحاته بهذا الخصوص، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في 25 مارس إن إسرائيل «توسع هذا الشريط الأمني لدرء تهديد الأسلحة المضادة للمركبات المدرعة عن بلداتنا وأراضينا».

وأضاف: «نحن ببساطة ننشئ منطقة عازلة أكبر».

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه حشد آلاف الجنود في المنطقة الحدودية، وإن القوات نفذت ما وصفها بعمليات توغل محدودة داخل الأراضي اللبنانية. ولم يقل ما إذا كان يخطط لعمليات برية على نطاق أوسع أو يعلن موعداً لذلك.

ماذا قال لبنان؟

لم تصدر الحكومة اللبنانية أي تعليق حتى الآن بشأن خطط إسرائيل.

وقالت جماعة «حزب ‌الله»، الثلاثاء، إنها ستقاتل لمنع القوات الإسرائيلية من احتلال الجنوب، واصفة مثل هذه الخطوة بأنها «تهديد وجودي» للبنان.

وأطلقت الجماعة صواريخ من مواقع شمالي وجنوبي نهر الليطاني هذا الشهر. وتسببت هجماتها في أضرار وإصابات في شمال إسرائيل، فضلاً عن مقتل شخص. وقال الجيش الإسرائيلي إن ثلاثة جنود إسرائيليين قُتلوا في جنوب لبنان منذ الثاني من مارس، وقُتلت أيضاً امرأة في شمال إسرائيل بصاروخ أطلقته الجماعة خلال تلك الفترة.

وتشتبك قوات إسرائيل مع «حزب الله» في جنوب لبنان، كما قصفت طائراتها الحربية الجنوب والشرق والعاصمة بيروت بقوة. وأفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن أكثر من مليون شخص نزحوا، ولقي أكثر من 1000 شخص مصرعهم، بينهم أكثر من 120 طفلاً و80 امرأة و40 من العاملين في المجال الطبي. ولا تفرق بيانات الوزارة بين المدنيين والمسلحين.

ومن بين المدنيين اللبنانيين الذين يخشون من أن يجعل احتلال جنوب لبنان العاصمة بيروت في مرمى ضربات الجيش الإسرائيلي، شهيرة أحمد دبدوب (61 عاماً)، والتي نزحت بسبب الغارات الإسرائيلية.

وقالت لـ«رويترز» في مركز للنازحين بالعاصمة: «هذا هو ما يخيف... إذا استولوا على نهر الليطاني، فسيأتون إلى هنا بعد ذلك».

حفرة ضخمة أحدثتها غارة إسرائيلية في جسر يربط جنوب الليطاني بشماله قرب حاجز للجيش اللبناني بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

هل اجتاح إسرائيل لبنان أو احتله من قبل؟

اجتاحت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان مرات عدة على مدى عقود.

ففي عام 1978، توغلت إسرائيل في الجنوب وأقامت منطقة احتلال صغيرة في عملية ضد المقاتلين الفلسطينيين بعد هجوم مسلح بالقرب من تل أبيب. ودعمت إسرائيل ميليشيا مسيحية محلية تسمى جيش لبنان الجنوبي.

وبعد أربع سنوات، اجتاحت إسرائيل لبنان وصولاً إلى بيروت في هجوم أعقب تبادل إطلاق النار على الحدود. وانسحبت من وسط لبنان في عام 1983، لكنها أبقت قواتها في الجنوب.

وفي عام 1985، أنشأت إسرائيل منطقة احتلال أوسع في جنوب لبنان، بعمق نحو 15 كيلومتراً، وسيطرت على المنطقة بمساعدة ميليشيا جيش لبنان الجنوبي.

انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في عام 2000، بعد هجمات متواصلة شنتها جماعة «حزب ‌الله» على المواقع العسكرية الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة، منهية بذلك 22 عاماً من الاحتلال.

وفي عام 2006، عبر مقاتلو «حزب ‌الله» الحدود إلى إسرائيل، واختطفوا جنديين إسرائيليين وقتلوا آخرين؛ ما أدى إلى حرب استمرت خمسة أسابيع، وشهدت غارات إسرائيلية مكثفة على معاقل الحزب والبنية التحتية اللبنانية.

وفي الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أطلق «حزب ‌الله» الصواريخ على إسرائيل، بعد يوم واحد من الهجمات التي قادتها حركة «حماس» على جنوب إسرائيل والتي أسفرت عن مقتل 1200 شخص في إسرائيل وأشعلت فتيل حرب غزة.

ردت إسرائيل على «حزب ‌الله» بحملة قصف جوي ودفعت بقوات برية إلى جنوب لبنان مجدداً. وبعد وقف إطلاق النار في عام 2024، أبقت إسرائيل قواتها متمركزة على خمس تلال في جنوب لبنان.

هل تقيم إسرائيل مناطق عازلة في أماكن أخرى؟

في الحرب على غزة، دمرت إسرائيل مساحات شاسعة من القطاع على الحدود مع إسرائيل لإنشاء منطقة تقول إنها تهدف إلى الدفاع عن المدنيين الإسرائيليين الذين يعيشون قرب القطاع.

وتقول وزارة الصحة في غزة إن العمليات العسكرية الإسرائيلية أودت بحياة أكثر من 71 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين.

جسر القاسمية على نهر الليطاني بعد تعرّضه لقصف إسرائيلي أدى إلى قطع الطريق الساحلي بين جنوب الليطاني وشماله (رويترز)

ويتهم القادة الإسرائيليون «حزب ‌الله» بالتخطيط لعمليات توغل منذ سنوات. وفي مايو (أيار) 2023، دعا الحزب وسائل الإعلام لمشاهدة مقاتلي «قوة الرضوان» وهي قوة النخبة التابعة للجماعة، وهم يحاكون غزواً لإسرائيل.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل تعمل في لبنان وفقاً لما سماه «نموذج رفح وبيت حانون»، في إشارة إلى بلدتين في غزة دمرتهما القوات الإسرائيلية بالكامل تقريباً وأفرغتهما من السكان.

واستولت القوات الإسرائيلية على قمة جبل الشيخ الاستراتيجية في جنوب سوريا بعد سقوط الرئيس بشار الأسد أواخر عام 2024. وطالبت إسرائيل القادة الجدد في سوريا بإنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى جبل الشيخ، وشنت عدداً من الغارات في جنوب سوريا.