امتد سحر «وجوه الفيوم» المصرية القديمة إلى إيطاليا، حيث لفتت الانتباه وحظيت بحضور خاص في افتتاح معرض «قوة البورتريهات: من الفيوم إلى روما»، الاثنين، الذي يستضيفه متحف آرا باسيس بالعاصمة الإيطالية روما، خلال الفترة من 5 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، حتى 2 مايو (أيار) 2027، في إطار تعزيز التعاون الثقافي والأثري بين مصر وإيطاليا.
وخلال الافتتاح الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، أكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، على عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تربط بين مصر وإيطاليا، مشيراً إلى ما تشهده العلاقات الثنائية من تطور مستمر، لا سيما في مجالي السياحة والآثار، وأوضح في بيان للوزارة، أن التعاون الأثري بين البلدين يمتد لعقود، ويشمل أعمال الحفائر والترميم، من خلال البعثات الأثرية الإيطالية العاملة في مصر، التي تتعاون بصورة وثيقة مع نظيراتها المصرية.
وأشار إلى زيارته روما العام الماضي لافتتاح معرض «كنوز الفراعنة»، الذي شهد افتتاحه الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، مؤكداً أن هذا المعرض ومعرض «قوة البورتريهات» يمثلان محطتين مهمتين في مسيرة التعاون الثقافي بين البلدين، ويسهمان في تعزيز الحوار بين الحضارتين المصرية والإيطالية، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور الإيطالي للتعرف على جوانب متميزة من الحضارة المصرية.
ويعكس المعرض «قدرة الفن على إبراز التفاعل بين الثقافات المختلفة، عبر امتزاج التقاليد الفنية المصرية واليونانية والرومانية في مصر القديمة مما أسهم في ظهور أعمال فنية فريدة، من بينها بورتريهات الفيوم، التي تجسد هذا التفاعل الحضاري والإبداع الفني، وتكشف عن جوانب من الممارسات والمعتقدات المرتبطة بالحياة الآخرة في مصر القديمة»، وفق تصريحات وزير السياحة والآثار.

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن المعرض يجسد التفاعل الحضاري والفني بين مصر وروما قبل نحو ألفي عام، من خلال بورتريهات الفيوم التي تمثل نموذجاً فريداً يجمع بين المعتقدات المصرية القديمة المتعلقة بالحياة الآخرة والتقاليد الفنية اليونانية والرومانية في تصوير الملامح الفردية، بما يعكس التلاقي بين الحضارتين.
وأشار إلى الأهمية العلمية للمعرض، الذي يتيح دراسة مجموعة من البورتريهات المصرية، يُعرض العديد منها خارج مصر للمرة الأولى، جنباً إلى جنب مع أعمال من مجموعات إيطالية، باستخدام أحدث تقنيات الفحص والتحليل العلمي، بما يسهم في الكشف عن مزيد من المعلومات المتعلقة بأساليب إنتاج هذه الأعمال والورش الفنية التي أبدعتها.
و«يقدم المعرض نموذجاً متعدد الأبعاد لإدارة التراث. فهو يجسد توصية (اليونيسكو) عام 2015 بشأن تعزيز التعاون والشراكات بين المتاحف. كما يعكس ترميم لوحة (الأخوين) التعاون التقني بين خبراء مصريين وإيطاليين، وهو ما يعزز الحفاظ على التراث ونقله للأجيال القادمة»، حسب رأي المتخصص في تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله.
مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «اللوحات التي يعود تاريخها للقرنين الأول والثالث الميلاديين تظهر اندماجاً فريداً بين الفن الهلنستي والروماني والمصري»، عاداً اختيار متحف «آرا باسيس» في قلب روما يمنح المعرض جاذبية سياحية فورية، حيث تتداخل الوجهة السياحية الرئيسية مع المحتوى الثقافي المتخصص. ويتم التسويق للمعرض باعتباره حدثاً استثنائياً ونادراً لأول مرة خارج مصر، مما يخلق دافعاً قوياً للسفر والزيارة، ويساعد ويعزز نموذجاً قوياً للسياحة المستدامة.
ويُعدّ المعرض من الفعاليات الثقافية والأثرية الدولية المهمة التي تسلط الضوء على فن البورتريه في مصر خلال العصرين اليوناني والروماني، ولا سيما بورتريهات الفيوم، التي تعتبر من أبرز الشواهد الباقية على فن التصوير الشخصي في العالم القديم، وما يعكسه من ملامح الهوية الإنسانية والمعتقدات الجنائزية والتفاعل بين التقاليد المصرية القديمة والتأثيرات اليونانية والرومانية.

ويضم المعرض 40 قطعة أثرية، تشمل 24 بورتريهاً، و15 قناعاً جنائزياً من الجص، وتمثالاً نصفياً للإمبراطور الروماني جاليوس، إلى جانب مجموعة من أبرز الأعمال، من بينها «توندو الأخوين»، وبورتريه السيدة الشابة المعروفة باسم «ديموس»، وبورتريه خشبي لطفل صغير. كما يعرض للمرة الأولى بورتريه لشاب عُثر عليه خلال حفائر البعثة الأثرية الإيطالية بمنطقة ديمية السباع عام 2022.
وترى المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، أن «بورتريهات الفيوم لا تكتسب قيمتها من براعة التصوير ودقة تسجيل الملامح الإنسانية فحسب، وإنما من كونها وثائق تاريخية وفنية تكشف عن طبيعة المجتمع المصري خلال العصرين اليوناني والروماني، وما شهده من تفاعل بين التقاليد المصرية الراسخة والمؤثرات الفنية الوافدة».
وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكمن الأهمية الاستثنائية لهذه البورتريهات في أنها تنقلنا من عالم التصوير المثالي الذي ارتبط بكثير من الفنون القديمة إلى عالم أكثر اقتراباً من الإنسان الفرد؛ حيث نرى ملامح أشخاص عاشوا بالفعل، واختلاف أعمارهم وسماتهم الشخصية، وكأن الزمن قد احتفظ لنا بلحظات من حضورهم الإنساني. ومن هنا، فإن هذه الأعمال لا تمثل مجرد صور جنائزية، بل تحمل قيمة توثيقية واجتماعية وأنثروبولوجية، تتيح قراءة جوانب من الهوية والمظهر الشخصي والممارسات الجنائزية والمعتقدات المرتبطة بالموت والحياة الأخرى خلال تلك الفترة».

وتتابع: «تقدم هذه البورتريهات نموذجاً بالغ الدلالة للتفاعل الحضاري؛ فقد نشأ هذا الفن في البيئة المصرية، واستوعب تقنيات وتقاليد تصويرية يونانية ورومانية، دون أن ينفصل عن السياق الجنائزي والمعتقدات المصرية المتعلقة باستمرار وجود المتوفى في العالم الآخر».
واعتبرت استضافة المعرض في روما خصوصاً في متحف آرا باسيس بما يحمله من رمزية تاريخية في الحضارة الرومانية يُكسب المعرض أهمية إضافية. وقالت: «مثل هذه المعارض لا ينبغي النظر إليها باعتبارها فعاليات سياحية أو ترويجية فحسب، بل باعتبارها أدوات لنشر المعرفة الأثرية وتعزيز الحضور الثقافي المصري عالمياً، وإتاحة الفرصة للمتخصصين والجمهور على السواء لاكتشاف جوانب أكثر عمقاً من الحضارة المصرية».




