تأثَّر الفنان التشكيلي الشاب علي خليفة بالقصص التي كانت ترويها له والدته عن غزَّة، مسقط رأسها. فتشكَّلت في خياله حكايات استوحى منها لوحاته، مستعيناً بمجموعة من الصور الفوتوغرافية لغزَّة قبل الحرب وبعدها.
يقدّم خليفة أعماله في معرضه «سيعودون... الأرض تتذكَّر» في غاليري «أرت ديستريكت» في الجميزة. وفي منشور يتوسَّط المعرض بعنوان «الأرض تحمل ما شهدته»، يطَّلع الزائر على الرؤية التي انطلق منها الفنان، إذ يقول: «الأرض ليست ثابتة أبداً، إنها تتشكَّل باستمرار وتضطرب ويُعاد رسمها انطلاقاً من مفهوم التقليب الحيوي للتربة». ومن خلال هذه الصورة، يتأمَّل خليفة مشاهد غزَّة التي أعاد تشكيلها النزوح والدمار، وكذلك البقاء وتبدُّل الحدود.

ويقول خليفة لـ«الشرق الأوسط»: «لم أنقل الصور التي شاهدتها كما هي، بل استوحيت منها، ورويت قصصاً مختلفة عن غزَّة ومناطقها. فكل لوحة أنفِّذها أدرسها بإتقان، وأستخدم فيها خلفية وتقنية مختلفتين». ويوضح: «من بينها استعمال ورق الصفر مع ألوان مائية، فيما لجأت في أعمال أخرى إلى الفحم السائل وما يشبه بودرة الرخام. لماذا الفحم؟ لأنني وجدته مناسباً للموضوع الذي أتناوله. وشكَّلته بطبقات ذات ألوان تتراوح بين الأحمر والأسود والأزرق، فكنت أوفِّق بين تدرُّجاته وأفكار لوحاتي».
من حيّ التفاح شرق غزَّة، تنطلق حكايات خليفة وصولاً إلى شرق خان يونس. ومن خلال عناوين لوحاته، مثل «أمامنا الشيء نفسه»، و«سيعودون... الأرض تتذكَّر»، و«الشمس نفسها»، و«الشرق في كل مكان»، يستطيع زائر المعرض تكوين فكرة عن مضمون كل عمل. وهكذا يتنقَّل بين أحياء غزَّة ومعالمها، فيحطُّ تارةً في حيّ الرمال وبرج فلسطين، وتارةً أخرى في تلّ الزعتر وبيت حانون ودير البلح.
وفي لوحاته الصغيرة الحجم، يستكشف خليفة حكايات والدته عن النكبة ونزوح عائلتها من فلسطين. ويقول: «كنت أحبُّ الاستماع إليها وهي تروي لي قصصاً من تاريخ بلد وُلدت وتربَّت فيه إلى حين مغادرته، وكيف واجهت مع أهلها صعوبات جمَّة، جسدية ومعنوية، وفي تفاصيل الحياة اليومية. لقد تأثَّرت كثيراً بهذه القصص، ما حفَّزني على إقامة هذا المعرض الذي أنجزت لوحاته خلال الحرب الأخيرة في لبنان».
ويلمس الناظر إلى أعمال خليفة احتدام أفكار متداخلة تنبع من مشاعر عميقة. ففي لوحة «وردة في غير أوانها»، يحضر الأحمر والبرتقالي، وتتخلَّلهما بقع سوداء متناثرة، بما يوحي بمواجهة غير ملموسة بين الأرض وزهورها من جهة، والحرب وآثارها من جهة أخرى.

أما في لوحة «سقوط الوادي»، التي يغلب عليها الأسود والأبيض وتتخلَّلها مساحات حمراء، فيظهر مكان صاغته الحياة ذات يوم قبل أن يجتاحه الدمار. وفي «الدقيقة التي تجاوزت ما حدث»، يغوص خليفة في أعماق لحظات تتأرجح بين الموت والحياة. ففي اعتداء حربي واحد على مأوى، أُزهقت أرواح كانت، قبل ثوانٍ قليلة، تنبض بالحياة.
وفي لوحة «عرفت الطيور قبلنا»، يعبر طائر وحيد الأفق تحت دخان متصاعد، وسط نار برتقالية تظهر آثار اشتعالها على الأشجار. ويعلِّق خليفة: «في هذه اللوحة، أنقل مشاعر انتابتني وأنا أتأمَّل صورة لمنطقة جباليا شمال شرقي غزَّة. وقد استخدمت ألواناً زيتية على ورق قطني مُحضَّر بطبقة من مادة الجيسو الشفّاف، لأمنح العمل بُعداً رؤيوياً. فتبدو الطبيعة وكأنها استشعرت الخطر قبل حدوثه، فيما أبقيت في قسم من اللوحة على الأرض كما كانت قبل الانهيار».

ويستعير خليفة من عناصر الطبيعة الأساسية، مثل الشمس، صوراً تحمل إشارات إلى انعطافات سياسية وأخلاقية. ففي لوحة «حين اتجهت الشمس غرباً»، تبدو الشمس محمّلة بدلالات تدعو إلى التأمُّل في خيارات العالم السياسية والأخلاقية ومصائرها المجهولة.
وبين لوحات تجعل السماء شاهدة على الانفجارات، وصباح شديد السواد يشيِّع فجراً لم يولد، وظلام يحلّ في الظهيرة بفعل الحرب، يذهب خليفة بموضوعاته إلى خارج المألوف، ويترجم مشاعره في أعمال تشبه القصائد، تصبح فيها لحظة السلام أملاً يولد بعد الفرار من العنف والنار.
ويقول: «من أحاديث أمي ومن محتوى منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وُلدت أفكاري. وهي تتأرجح بين معانٍ غارقة في السواد وأخرى مشبعة بالأمل. لذلك، ترين بعض لوحاتي تسودها الألوان الزهرية والأرجوانية والخزامية. وأشير من خلالها إلى أنه مهما حملت الأيام من قسوة ودمار، فلا بدَّ أن يأتي الفرج والرجاء».










