في ظل ثقافة المعلومات السريعة التي نعيشها اليوم، تنتشر الأفكار خلال دقائق. وفي كثير من الحالات يكون ذلك أمراً إيجابياً؛ إذ يمكن للشبكات الرقمية، على سبيل المثال، أن تساعد في جمع ملايين الدولارات لضحايا الكوارث بسرعة غير مسبوقة. لكن في المقابل تنتشر المعلومات المضللة، ونظريات المؤامرة بالسرعة نفسها.
وتشير استطلاعات إلى أن أكثر من نصف الأميركيين يؤمنون بنظرية مؤامرة واحدة على الأقل. وتظهر الأدلة المتاحة أن الأشخاص قد يتمسكون بهذه النظريات رغم وجود أدلة تثبت زيفها، لأنها تلبي احتياجات نفسية عميقة، مثل الشعور بالسيطرة، والانتماء، أو اليقين في عالم يسوده عدم اليقين.
ويجيب تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي» عن سؤال، هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تغيير قناعات المؤمنين بنظريات المؤامرة؟
جرّب الباحثون أساليب مختلفة لإقناع الناس بالتخلي عن نظريات المؤامرة، منها تعليم مهارات التفكير النقدي، وتشجيع الأشخاص على التشكيك في معتقداتهم، لكن القليل من هذه الأساليب أثبت فعاليته بصورة ثابتة.
الآن يظهر نهج جديد يعتمد على أداة مبتكرة لإقناع الأشخاص بالتخلي عن نظريات المؤامرة الزائفة: الذكاء الاصطناعي.
وطوّر أساتذة جامعة كورنيل: ديفيد راند، وغوردون بينيكوك، وعالم النفس في جامعة كارنيغي ميلون توم كوستيلو، روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي يُعرف باسم «ديبنك بوت» (DebunkBot)، بهدف المساعدة في الحد من الإيمان بنظريات المؤامرة الكاذبة.
لكل شخص أسبابه الخاصة... والذكاء الاصطناعي يتكيف معها
تنطلق الفكرة من أن لكل شخص أسباباً محددة جداً تدفعه إلى الإيمان بنظرية مؤامرة معينة. وبالتالي فإن مواجهة هذه القناعة تتطلب تقديم الأدلة المناسبة التي يمكن أن تغير رأيه.
ومن الصعب على البشر خوض نقاشات من هذا النوع بسبب الكم الهائل من الأفكار، والمعلومات المتاحة. لكن نماذج اللغة الكبيرة تستطيع الوصول إلى قدر ضخم من المعلومات، واختيار الحقائق الأكثر صلة لمواجهـة كل اعتقاد على حدة.
تجربة على أكثر من ألفي شخص
اختبر فريق البحث هذه الفكرة في دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة «ساينس»، وشملت 2190 بالغاً. وطُلب من المشاركين تحديد نظرية مؤامرة يؤمنون بها، وشرح أسباب اعتقادهم بها، ثم تقييم مدى إيمانهم بها على مقياس من صفر إلى 100.
وتضمنت النظريات التي ذكرها المشاركون اعتقاداً بأن البشر ابتكروا «كوفيد - 19» بهدف تقليص عدد السكان، وأن الحكومة الأميركية دبرت هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» قتلت الرئيس جون إف كينيدي.
بعد ذلك طلب الباحثون من المشاركين التفاعل مع روبوت المحادثة، وتقديم المعلومات التي يرون أنها تدعم معتقداتهم. وكان الذكاء الاصطناعي يرد مباشرة على أسباب كل شخص، والأدلة التي يستند إليها، ويصمم ردوده المضادة في الوقت الفعلي.
وفي المقابل تحدثت مجموعة أخرى مع الروبوت نفسه حول موضوع غير مرتبط بنظرية المؤامرة، ما سمح للباحثين بعزل تأثير الحوار ذاته.
تراجع الإيمان بنظريات المؤامرة بنسبة 20 %
بعد ثلاث جولات من الحوار، قيّم المشاركون مجدداً مدى إيمانهم بنظرية المؤامرة.
وأظهر المشاركون الذين ناقشوا نظريتهم مع روبوت الذكاء الاصطناعي انخفاضاً متوسطاً في مستوى إيمانهم بها بنحو 20 في المائة مباشرة بعد الحوار.
واللافت أن هذا التغير استمر عندما عاد الباحثون إلى المشاركين بعد شهرين. كما ظهر التأثير عبر مجموعة واسعة من نظريات المؤامرة، حتى بين الأشخاص الذين أكدوا في البداية أنهم يؤمنون بمعتقداتهم بدرجة قوية جداً.
هل يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لمواجهة نظريات المؤامرة؟
تشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مفيدة للحد من الإيمان بنظريات المؤامرة، وربما يعود ذلك إلى قدرته على تقديم حقائق محددة تستجيب مباشرة لمعتقدات الشخص، مع الحفاظ على نبرة تحترم طريقة تفكيره، ومنطقه.

