«احكيلي يا جنوب» جولة فنّية على ضفاف الذاكرة والهوية

يوثّق حكاية حبّ متجذّرة بين قرى الجنوب وأهلها

قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
TT

«احكيلي يا جنوب» جولة فنّية على ضفاف الذاكرة والهوية

قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)

في معرض «احكيلي يا جنوب»، المطلوب من زائره أن يُصغي. فالحيطان هنا هي التي تتحدّث، وتروي قصص أهالي الجنوب وذكرياتهم مع قراهم، في رحلة تستعيد علاقة الإنسان بالمكان وما تختزنه من مشاعر وانتماء.

ومن خلال أرشيف بصري وسمعي موزّع على طابقي «بيت بيروت» في منطقة السوديكو ببيروت، يخوض الزائر جولة إنسانية بامتياز، فيستمع ويشاهد ويقرأ حكايات مؤثّرة عن ارتباط أبناء الجنوب بأرضهم. وهي علاقة حبّ متجذّرة بينهم وبين قراهم، بقيت صامدة في مواجهة الحرب.

المعرض من إعداد وتنسيق مشروع «احكيلي» في «بيت بيروت»، بالتعاون مع المصوّر أديب فرحات، ويجمع أعمالاً فنية وبحثية تنطلق من خلفيات وتجارب مختلفة، وتتمحور حول الذاكرة الجماعية لأهالي جنوب لبنان.

ويضم مجموعة متنوّعة من المواد والأعمال، بينها أرشيفات منزلية وصور عائلية من قرى وبلدات الجنوب، إلى جانب أعمال فنّية وبحثية، وأفلام وتجهيزات سمعية وبصرية، فضلاً عن وثائق ورسائل وصور تاريخية نادرة. كما تتناول بعض الأعمال الخرائط والأرشفة الرقمية، فيما خُصّصت مساحات تفاعلية تدعو الزوار إلى مشاركة قصصهم وذكرياتهم وإضافتها إلى المعرض.

ويشارك، إلى جانب أديب فرحات، عدد من الفنانين التشكيليين، هم بتول فاعور، وفرح برّو، ورباب شمس الدين، وروان مازح، وسما بيضون.

يخصّص «احكيلي يا جنوب» مساحة تفاعلية يشارك فيها الزوار حكاياتهم وذكرياتهم (الشرق الأوسط)

ومن اللحظة الأولى لدخول المعرض، يشعر الزائر بأهمية هذا اللقاء مع ذاكرة جماعية موثّقة. فتارة يتفاعل معها من خلال الصورة الفوتوغرافية، وتارة أخرى عبر أدوات منزلية، ومونة، ومفاتيح بيوت، ولوحات مرسومة. ومن خلال الفيديوهات والتجهيزات الفنّية، يخوض رحلة بصرية تتداخل فيها تفاصيل الحياة اليومية مع ذاكرة المكان. فجميع عناصر المعرض جُمعت من أرض الواقع، لتصبح شاهدةً على حكايات أصحابها. وبين حجر ملتوٍ هنا، وكمشة تراب هناك، وفنجان قهوة مكسور، يجد الزائر نفسه أمام تفاصيل صغيرة تختزن حكاية كبيرة، وكأنه يقوم بجولة في قرى جنوب لبنان التي شهدت حروباً متعاقبة، وهو لا يزال في قلب المدينة.

ويغطي المعرض حقبة طويلة من الحروب التي عاشتها المنطقة وأهلها، منذ ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم. ويتجوّل الزائر بين ما تبقّى من آثار تلك السنوات، وما نجا من قسوتها وتقلّباتها.

وتبدو محتويات المعرض أشبه بحفنة من آثار حياة مضت، جمعها الناس من بين الركام والدمار واحتفظوا بها، كأنها آخر ما يربطهم بأمكنتهم. أشياء بسيطة في شكلها، لكنها تحمل في تفاصيلها قصص بيوت وقرى، وتختزن لحظات من حياة لم تستطع الحرب محوها بالكامل.

وبين الأقسام، نزور نماذج من بيوت الجنوب، ونقرأ قصاصات من صحف ورسائل جمعها أديب فرحات في أرشيفه الفنّي. وعبر عناوين مختلفة، بينها «خطوط التغريب»، و«بس قرّب موسم الرمان»، و«مفاتيح بلا بيوت»، و«بعد العشاء»، يجول الزائر في حنايا ما تبقّى من الحكايات.

وتمسّك كل فنان مشارك بإبراز علاقته ببلدته وأرضها، انطلاقاً من مراحل عاشها فيها، وترجم هذه العلاقة بصور عائلية فوتوغرافية أو بمائدة عشاء فارغة من أهلها. كما نتوقف عند معنى خسارة الأماكن والبيوت من خلال تجهيزات فنية ضخمة، تتدلى من إحداها مجموعة من المفاتيح، في إشارة إلى بيوت لم يعد أصحابها قادرين على العودة إليها.

تجهيز فني من قسم «مفاتيح بلا بيوت» يستحضر بيوتاً غاب عنها أصحابها (الشرق الأوسط)

وفي زاوية خصّصتها الفنانة رباب شمس الدين لذكرى موسم قطاف الرمان، تستعين بصور فوتوغرافية لأهالي بلدتها وهم يحصدون ثماره، في استعادة لموسم يرتبط بأرضهم وعاداتهم. أما الفنانة فرح برّو فأنشأت غرفة جلوس من أثاث بسيط ومجموعة أدوات وأغراض استقدمتها من منزلها في الجنوب، وأحاطتها بأجواء تستعيد عادات وتقاليد كانت تمارسها يومياً في صبحياتها مع الجيران. ويبرز بينها كوب قهوة عربية مزخرف، وصور لبيتها ذي الواجهة المكلّلة بالقناطر، إلى جانب صور لأكلة «اللحم بعجين» وأشجار الزيتون التي تستحضر بها بلدتها كفركلا.

وفي ركن خاص بالمطبخ الجنوبي، تستوقف الزائر أغراض وأدوات منزلية تستعيد الطابع القروي الذي يميّز مطابخ الضيعة اللبنانية. ومن خزانة «النملية» إلى طناجر الألمنيوم وستارة المجلى المصنوعة من القماش الأصفر، تبدأ رحلة أخرى في تفاصيل الحياة اليومية التي ارتبطت ببيوت الجنوب.

ويتضمّن المعرض جانباً تفاعلياً يتيح للزوار المشاركة مباشرة في بناء الأرشيف، عبر كتابة الحكايات والرسائل وتفاصيل الحياة المرتبطة بقراهم وأماكنهم. ويرافقه برنامج من الجولات واللقاءات والأنشطة الحوارية التي تُعلن تباعاً، بهدف توسيع مساحة المشاركة وإتاحة المجال أمام مزيد من الأصوات والقصص.


مقالات ذات صلة

منحوتات عصام درويش تعيد تشكيل جماليات الريف المصري

يوميات الشرق معرض «أصلي مصري» يرصد حياة القرية (الشرق الأوسط)

منحوتات عصام درويش تعيد تشكيل جماليات الريف المصري

يضم معرض «أصلي مصري» للفنان عصام درويش 55 عملاً تستعيد حياة الفلاحين والفلاحات في الريف المصري.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق تُخفي الموجة في زرقتها سيرةَ احتراق (الشرق الأوسط)

جان بوغوصيان يرسم بالنار ما يبقى بعد الاحتراق

الخشب الذي احتاج إلى سنوات طويلة لينمو، يستطيع الفنان تغيير مظهره خلال وقت قصير...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق معرض ويليام موريس ببلدية والتام فورست في لندن (معرض ويليام موريس)

كيت فولكنر... فنانة بريطانية تخرج من ظل ويليام موريس بعد أكثر من قرن

معرض في كامبردج يسلِّط الضوء على إسهاماتها في تصميم ورق الجدران والأقمشة، ويعيد الاعتبار إلى دورها في نجاح شركة «موريس وشركاه».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

في معرضه الأحدث الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

نادراً ما يحتاج رامبرانت إلى تعريف. ومع ذلك، هناك أعمال عدة لهذا الفنان الذي ينتمي إلى العصر الذهبي الهولندي لم تُعرض قط أمام الجمهور الأميركي؛ وهو وضع سيتغير…

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

متحف الحضارة المصري يحتفي بالخط العربي والأيقونات القبطية

رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)
رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)
TT

متحف الحضارة المصري يحتفي بالخط العربي والأيقونات القبطية

رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)
رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)

نظم المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، على مدار يومين، فعالية ثقافية وفنية بعنوان «تراث مصري عبر العصور» لإبراز ثراء التراث المصري وتنوع روافده الحضارية، والتعريف بالفنون والحرف التقليدية والمعارف والممارسات المتوارثة عبر الأجيال، وذلك ضمن احتفالات باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي.

وتضمنت الفعاليات التي أقيمت بالتعاون مع مدرسة القلم للخط العربي، و«Matches Artwork»، ومشروع العصر الذهبي، ومرسم الأيقونة القبطية، وبمشاركة نخبة من الفنانين والحرفيين والمبدعين، برامج متنوعة من الورش الفنية الحية والعروض التفاعلية والمعارض التي جمعت بين أصالة التراث والإبداع المعاصر. وشهدت معارض للخط العربي والأيقونات القبطية وفنون الفسيفساء ومستنسخات لوحات المستشرقين وغيرها من الفنون.

مفردات المقهى الشعبي ضمن العروض التراثية (المتحف القومي للحضارة المصرية)

وأكد الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف القومي للحضارة المصرية، الدكتور الطيب عباس، أن «تنظيم هذه الفعالية يأتي في إطار الدور الثقافي والتوعوي للمتحف في صون التراث الثقافي غير المادي، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمة الحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بها». وفق بيان للمتحف.

وأوضحت فيروز فكري، نائب الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف للإدارة والتشغيل، أن «الفعالية تعكس أهمية التعاون بين المؤسسات الثقافية والتعليمية والمجتمعية في الحفاظ على التراث، مؤكدة حرص المتحف على تقديم تجارب تفاعلية تجمع بين المعرفة والممارسة الفنية».

وأشارت نانسي عمار مسؤولة تنظيم الفعاليات بالمتحف، إلى أن البرنامج تضمن مجموعة من الورش والعروض الحية التي استعرضت تطور الفنون والحرف عبر العصور، من بينها ورشة للنحت على الأحجار قدمها الفنان بركات حمزة، مصحوبة بعرض نماذج من التماثيل والمنحوتات المنفذة يدوياً، إلى جانب عرض للحُلي المصنوعة من الخرز والمستوحاة من رموز الحضارة المصرية القديمة ودلالاتها، قدمته الفنانة إنجي ناجد.

وأضافت عمار أن الفعالية شملت أيضاً عرضاً حياً لفن الفسيفساء، الذي ازدهر خلال العصرين اليوناني والروماني، ولا سيما في الإسكندرية، قدمته مجموعة «Tessera»، إلى جانب عرض نماذج فنية مستوحاة من بورتريهات الفيوم، مع التعريف بتقنيات الرسم والخامات المستخدمة فيها. كما تضمنت أنشطة تفاعلية للتعريف بفن الأيقونات القبطية وأساليب تنفيذها، وورشة حية مصحوبة بعرض نماذج فنية تبرز جماليات هذا الفن وأصالته، قدمها فنانو مرسم الأيقونة القبطية تحت إشراف الفنانة دميانة عياد.

ولفتت منار حسن، من إدارة الفعاليات بالمتحف، إلى أن البرنامج تضمن عروضاً للحكي وألعاباً وتجارب تفاعلية للتعريف بفنون العمارة وعلوم الفلك والجغرافيا والأزياء في العصور الإسلامية، بالتعاون مع مشروع العصر الذهبي، إلى جانب ورش لتشكيل وحدات الزخرفة الإسلامية قدمتها الفنانة بسنت عبد الحكيم، وعرض حي لتقنيات حرفتي التطعيم بالصدف والخرط العربي قدمه الفنان صبري صابر.

مستنسخات أعمال المستشرقين ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)

وأضافت أن مشاركة مدرسة القلم للخط العربي أتاحت للزائرين التعرف على أنواع الخطوط العربية وأدواتها، وخوض تجربة عملية للكتابة بالخط العربي.

وفي السياق ذاته، أوضحت الأستاذة جيرمين جورج، من إدارة الفعاليات بالمتحف، أن الفعالية شهدت إقامة معرض فني بالتعاون مع Matches Artwork، ضم مجسمات يدوية لعدد من المعالم المعمارية المصرية، من بينها جامع محمد علي بالقلعة، وقصر البارون، وكنيسة البازيليك، ومكتبة الإسكندرية، نفذها الفنان الدكتور أحمد حسن باستخدام أعواد الثقاب.

ويقول الفنان أحمد حسن لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الفعالية فرصة جيدة ليعرض فنانون مصريون أعمالهم لجمهور المتاحف خصوصاً الأعمال التي تحمل طابعاً تراثياً مميزاً ومناسباً لهذه الفعالية»، ويوضح أنه شارك في الفعاليات بمجموعة من أعماله المصرية التي تضم قصر السكاكيني ومسجد محمد علي بالقلعة وقصر البارون وقصر المنتزه وقطعاً أخرى لآثار لم تعد موجودة مثل فنار الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية القديمة.

وأشار حسن إلى ردود الفعل الكثيرة والمتفاعلة التي حظيت بها الأعمال من قبل الجمهور لمصري والأجنبي على حد سواء، خصوصاً أنه يستخدم خامة غير شائعة عبر النحت أو تصميم القطع الفنية بأعواد الثقاب.

نماذج لمعالم أثرية مصرية بأعواد الثقاب للفنان أحمد حسن (المتحف القومي للحضارة المصرية)

كما تضمن البرنامج عرض لوحات فنية مستوحاة من أعمال المستشرقين، قدمها الفنان محمد جمعة، تجسد ملامح الحياة المصرية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إلى جانب ركن تعريفي بمظاهر التراث الشعبي المصري، من خلال تجسيد مشهد للمقهى الشعبي باعتباره أحد المكونات المميزة للذاكرة المجتمعية المصرية، وما يعكسه من تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد المتوارثة.

يذكر أن مصر شهدت أكثر من فعالية احتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي كان من أبرزها مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد قبل أسبوع، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية لمدة 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً.


بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)
جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)
TT

بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)
جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)

قال المخرج البريطاني بارني ريفيل إن أكثر من ربع قرن أمضاها في صناعة أفلام الطبيعة لم تجعله يتوقع ما رآه في البحر الأحمر، حين رافق عالمة الأحياء البحرية أنجيلا زيلتنر خلال لقاءاتها بالدلافين البحرية، حيث تتبعت حياة إحدى عائلاتها، وهي علاقة صداقة فريدة جعلته يعيد النظر في حدود ما يعرفه عن ذكاء الدلافين واستجابتها للإنسان.

وتحدث بارني ريفيل لـ«الشرق الأوسط»، بمناسبة عرض فيلمه «دلافين: لقاءات قريبة» في الدورة التاسعة من مهرجان «الجونة السينمائي»، قائلاً إن المشروع بدأ عقب عمله مع شركة «سيلفرباك فيلمز» على سلسلة «الحياة على كوكبنا»، التي قدمتها «نتفليكس» بصوت مورغان فريمان.

وكانت الشركة قد تعاونت مع أنجيلا في تصوير مشاهد لأعمال سابقة، لكن تعرف ريفيل على تجربتها عن قرب كشف له حكاية تتجاوز أبحاثها، وتستحق أن تصبح موضوعاً لفيلم مستقل.

ويتتبع الفيلم الوثائقي، المشارك في البرنامج الخاص للمهرجان، عالمة الأحياء البحرية السويسرية أنجيلا زيلتنر، التي قادها شغف الطفولة بالدلافين إلى دراسة مجموعاتها قبالة الغردقة منذ عام 2009، وعبر أرشيف شخصي يتجاوز 400 ساعة ولقطات جديدة تحت الماء، يرافق الفيلم دلافين تعرفت إليها العالمة السويسرية وهي صغيرة ثم شاهدتها تنجب جيلاً آخر، ويرصد سلوكها وصلاتها الاجتماعية، وما يهددها من ضغوط السياحة وخيوط الصيد، فيما تثير لقاءاتها بالعالمة سؤالاً يتردد طوال الحكاية: من يراقب مَن؟

رصد الفيلم جوانب عدة من حياة الدلافين في البحر الأحمر - الشركة المنتجة

وأوضح ريفيل أن سنوات أنجيلا مع الدلافين تمنح مشاهداتها معنى يصعب الوصول إليه في زيارة عابرة؛ فهي تعرف الأم والجدة والصغار من عائلة الدلافين، وتستطيع ربط سلوك تراه اليوم بتاريخ ممتد من العلاقات والمواقف، وبعض الدلافين عرفتها أنجيلا منذ ولادتها، ثم كبرت وأنجبت وهي تواصل متابعتها، ولذلك يشاهد الجمهور أفراداً لكل منها تاريخ في حياتها، وتصبح اللقاءات الجديدة امتداداً لما جمعها بها على مدى سنوات.

وتابع أنه وصل إلى البحر الأحمر متسائلاً عما إذا كانت خصوصية هذه العلاقة حقيقية، أم أن الدلافين تبدي الفضول نفسه تجاه كل من يدخل الماء، لكن المشاهدة غيّرت تصوره؛ فقد كانت تقترب منه أو من المصورين لتستطلع وجودهم، ثم تتجه إلى أنجيلا باستجابة مختلفة. وبدت له بعض اللقاءات شبيهة بتحية صديق، أو بإحضار الصغار للتعرف إليه، مع إدراكه أن هذه أوصاف لما شعر به أمام المشهد، وليست تفسيراً علمياً قاطعاً لسلوكها.

وبيّن أن ما جذبه إلى التجربة هو حدوثها بشروط الدلافين نفسها؛ فلا يمكن استدعاؤها إلى موقع التصوير أو ضمان بقائها، ولا يملك الفريق سوى الانتظار والاستعداد لما قد يحدث، موضحاً أن وضع تصور مسبق للفيلم كان ضرورياً، لكن العمل في الطبيعة فرض عليه إبقاء هذا التصور مفتوحاً، لأن اللقاءات حملت مواقف لم يتوقعها، وأدخلت إلى الحكاية أسئلة لم يكن يستطيع كتابتها قبل النزول إلى الماء.

ترتبط بطلة الفيلم بعلاقة خاصة مع الدلافين (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم نشأ من التقاء مسارين، سنوات أنجيلا السابقة، التي احتفظت بها كاميرتها، وما كان يتكشف أمام فريقه خلال التصوير. وكان عليه أن يجد الصلة بينهما، بحيث يمنح الماضي الجمهور معرفة بالأفراد وعلاقاتهم، ثم يتيح للحاضر اختبار هذه المعرفة وتوسيعه، فالأرشيف يفسر كيف وصلت العالمة إلى هذا القرب، بينما تكشف المشاهد الجديدة أن علاقتها بالدلافين ما زالت تتطور، وأن الحكاية لم تكتمل بعد.

ولفت إلى أن أرشيف أنجيلا يحمل قيمة يصعب تعويضها؛ إذ سجلت معظم لقاءاتها من موقعها هي، فاحتفظت الكاميرا بلحظات حدثت للمرة الأولى، وبطريقة رؤيتها للعالم المحيط بها، أما التصوير الجديد فأتاح مشاهدة العالمة والدلافين معاً، ورؤية ما يجري بينهما من مسافة أوسع، ومن الجمع بين المنظورين أصبح ممكناً الاقتراب من تجربتها الشخصية، ثم تأمل تلك التجربة كما يراها شخص يدخل عالمها للمرة الأولى.

وعن بناء الفيلم حول أنجيلا، قال ريفيل إن تجربتها تمنح الجمهور مدخلاً إلى حياة قد تبدو بعيدة عنه؛ فليس ضرورياً أن يكون المشاهد قد رأى دلفيناً أو زار البحر الأحمر كي يفهم شغفها، أو يتأثر بما تمر به، وحين يتعرف إلى الأفراد الذين تابعتهم، ويدرك ما يعنيه حضورهم في حياتها، تصبح الوقائع التي تخصهم أكثر قرباً، وينشأ الاهتمام بمصيرهم من معرفة ما عاشوه، وما يربط بعضهم ببعض.

مخرج الفيلم بارني ريفيل - (الشرق الأوسط)

وأوضح بارني ريفيل أن صفاء مياه البحر الأحمر وجماله أتاحا التقاط تفاصيل يصعب رؤيتها بهذا الوضوح في مواقع أخرى، حتى إن بعض المشاهد بدت له كلوحات مكتملة، لكن الوصول إلى هذه الصورة ظل محكوماً بقيود الغوص؛ فالوقت المتاح يتوقف على معدات التنفس، وعلى مدة بقاء أنجيلا في الماء، ثم على حضور الدلافين وما تختار أن تفعله خلال الفترة القصيرة التي يجتمع فيها الجميع.

وأشار إلى أن الفريق استعان في بعض المراحل بأجهزة إعادة التنفس لإطالة وقت التصوير، لكن مرافقة أنجيلا، التي تغوص بأسطوانة معتادة، فرضت إيقاعاً مرتبطاً بها أيضاً، وإلى جانب الوقت، كانت حركة الضوء والدلافين والمصور تتغير باستمرار.


سائح كندي خطف فلامنغو يواجه السجن 4 سنوات

لم يحتج الفلامنغو إلى الطيران ليصل إلى أروقة العدالة (أ.ف.ب)
لم يحتج الفلامنغو إلى الطيران ليصل إلى أروقة العدالة (أ.ف.ب)
TT

سائح كندي خطف فلامنغو يواجه السجن 4 سنوات

لم يحتج الفلامنغو إلى الطيران ليصل إلى أروقة العدالة (أ.ف.ب)
لم يحتج الفلامنغو إلى الطيران ليصل إلى أروقة العدالة (أ.ف.ب)

صدر، يوم الاثنين، حُكم بإدانة رجل كندي بتهمة إساءة معاملة الحيوانات، بعدما اختطف طائر فلامنغو يُدعى «بيتشي» من حظيرته في أحد أشهر فنادق لاس فيغاس.

ووصف المدَّعون العامون الحادثة بأنها مقلب خبيث متعمّد، في حين أصرّ محامي السائح على أنها لم تكن سوى حماقة ارتكبها في حالة سُكْر، من دون قصد إيذاء الطائر.

ووفق «الغارديان»، أفاد الادعاء بأنّ السائح ميتشيل فيربارن آذى طائر الفلامنغو التشيلي، البالغ 27 عاماً، وأرعبه، بعدما اختطفه من موطنه في فندق وكازينو «فلامنغو لاس فيغاس»، وحمل الطائر الصارخ إلى غرفته في 3 مارس (آذار). وأبلغ محامي الدفاع جوش تومشيك المحلّفين، خلال المحاكمة في محكمة بولاية نيفادا، بأن موكله يشعر بأسف شديد على «القرارات السيئة» التي اتخذها تحت تأثير الكحول.

وبعد نحو 5 ساعات من المداولات، أصدر المحلّفون حكماً بإدانة الرجل القادم من مقاطعة أونتاريو الكندية بتهمتَي إساءة معاملة الحيوانات، إحداهما جناية والأخرى جنحة.

ولا يزال فيربارن قيد الإقامة الجبرية، في انتظار جلسة النطق بالعقوبة المقرّرة في الأول من ديسمبر (كانون الأول). ويواجه عقوبة بالسجن تصل إلى 4 سنوات عن الجناية، و6 أشهر إضافية عن الجنحة. وعقب صدور الحكم، رفض التعليق لدى مغادرته قاعة المحكمة برفقة زوجته، من دون أن تبدو عليه أي مشاعر واضحة. وامتنع محاميه أيضاً عن التعليق.

وأفادت الطبيبة البيطرية لـ«بيتشي»، المديرة الطبية لمستشفى «لون ماونتن» للحيوانات، تيفاني مور، بأن الطائر خرج من الحادثة من دون أضرار جسيمة تُذكر، لكنه بات يُظهر مزيداً من القلق والتوتّر عند إخضاعه للفحص.

وكان المدّعون العامون قد أبلغوا المحلّفين بأنّ فيربارن تعمَّد إلحاق الألم الجسدي بالطائر، مستشهدين بريش عُثر عليه على أرضية الفندق. وأظهرت مقاطع مصوّرة الطائر وهو يصرخ فيما كان فيربارن يمسك به، وأكد المدّعون أن «بيتشي» شَعَرَ بالألم لدى سحبه من قدميه.

وأظهرت مقاطع الفيديو التي عُرضت خلال المحاكمة فيربارن يحمل الفلامنغو داخل مصعد، ويسير به في أحد ممرات الفندق الشهير. ويُعدّ فندق «فلامنغو» من أقدم فنادق منطقة «لاس فيغاس ستريب»، وتضم حديقته المعروفة طيور الطنان والسلاحف وأسماك الكوي وأنواعاً أخرى من الكائنات.

وكان «بيتشي» قد فَقَدَ بعض ريشه عقب اختطافه.

وتدخَّلت شرطة لاس فيغاس بعدما أبلغ طاقم الأمن عن شخص اختطف الطائر. وعندما عُثر على «بيتشي»، تبيّن أنه فقد ما بين 7 و8 ريشات، وظهرت آثار دم على ريشه وإصابات في جناحيه، وفق السلطات.

وقال محامي الدفاع تومشيك إن اختطاف الطائر كان «تصرفاً أحمق» و«ناجماً عن السُّكْر»، لكنه شدّد على أن موكله لم يقصد قط إيذاء الطائر، وهو عنصر محوري في الجناية المنسوبة إليه.

وأضاف تومشيك: «لم يكن ينبغي له فعل ذلك، ولا الدخول إلى الحظيرة، ولا لمس طائر، ولا اصطحاب (بيتشي) إلى الداخل. والحقيقة أن ميتش كان سكران، وتصرَّف بحماقة، واتخذ قرارات سيئة».

وبدا فيربارن، في إحدى لحظات المحاكمة، مطأطئ الرأس، ويداه تُغطّيان عينيه.

وأوضحت المدعية العامة في مقاطعة كلارك، هايلي ويلمينغ، أن الرجل تلقّى تهديدات بالقتل عقب اختطاف الفلامنغو، ولم يتمكّن من مغادرة الأراضي الأميركية عندما تُوفي والده، في حين كان ينتظر محاكمته. وأقرّت بأن تلك الأحداث كانت مؤسفة، لكنها أضافت: «لما وقع شيء من ذلك لو لم يفعل ما فعله، ولو لم يتّخذ القرارات التي اتّخذها».

وبدأ المحلّفون مداولاتهم قبيل منتصف النهار، عقب المرافعات الختامية صباح يوم الاثنين.

وقال الناشط في مجال حقوق الحيوان بولاية نيفادا، جون وودبي، الذي أسهم أخيراً في تعزيز قوانين الولاية المتعلقة بإساءة معاملة الحيوانات، إنه يعتقد أن العدالة تحقّقت باسم «بيتشي».

وأضاف خارج قاعة المحكمة عقب صدور الحُكم يوم الاثنين: «آمل أن يبعث هذا الحكم برسالة واضحة إلى كلّ مَن تُسوّل له نفسه العبث بحيواناتنا، مفادها أن نيفادا لن تكون مكاناً يُفلت فيه أحد من العقاب».