العدس أم الحمص... فروق غذائية تحسم الاختيار

العدس والحمص من الأطعمة الغنية بالبروتين النباتي والألياف (مجلة بريفنشن)
العدس والحمص من الأطعمة الغنية بالبروتين النباتي والألياف (مجلة بريفنشن)
TT

العدس أم الحمص... فروق غذائية تحسم الاختيار

العدس والحمص من الأطعمة الغنية بالبروتين النباتي والألياف (مجلة بريفنشن)
العدس والحمص من الأطعمة الغنية بالبروتين النباتي والألياف (مجلة بريفنشن)

يُعد العدس والحمص من الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية، إذ يوفران مزيجاً مهماً من البروتين النباتي والألياف، إلى جانب كثير من الفيتامينات والمعادن، مما يجعلهما خياراً مناسباً لمختلف الأنظمة الغذائية. لكن عند المقارنة بينهما، أيهما أفضل، خصوصاً لمن يبحث عن مصدر غني بالبروتين؟

وتوضح اختصاصية التغذية الأميركية كيندرا هير أن العدس والحمص يتمتعان بقيمة غذائية مرتفعة، مع وجود بعض الفروق بينهما، حسب مجلة «Prevention» الأميركية.

ووفقاً لبيانات وزارة الزراعة الأميركية، يحتوي كل 100 غرام من العدس المطهو، أي نحو نصف كوب، على 114 سعرة حرارية و9 غرامات من البروتين و0.4 غرام من الدهون و19.5 غرام من الكربوهيدرات، إضافة إلى 8 غرامات من الألياف. وفي المقابل، تحتوي الكمية نفسها من الحمص المعلب على 137 سعرة حرارية و7 غرامات من البروتين و3.1 غرام من الدهون و20.3 غرام من الكربوهيدرات، إلى جانب 5.9 غرام من الألياف.

وتقول هير إن كلا النوعين يمثل خياراً جيداً لزيادة استهلاك البروتين النباتي، إلا أن العدس يتفوق قليلاً؛ فهو يوفر نحو غرامين إضافيين من البروتين لكل نصف كوب، ونحو 4 غرامات لكل كوب مقارنة بالحمص. ومع ذلك، فإن هذا الفارق لا يجعل العدس الخيار الوحيد الأفضل، إذ يوفر كلاهما فوائد غذائية مهمة.

وتصف اختصاصية التغذية الأميركية سابنا بيروفيمبا العدس بأنه من الأطعمة التي يُوصي بها، نظراً إلى غناه بالعناصر الغذائية والألياف. ويساعد الجمع بين البروتين والألياف على زيادة الشعور بالشبع، كما قد يسهم في دعم التحكم في مستويات السكر في الدم والكولسترول.

ألياف العدس

وتوضح هير أن ألياف العدس تشمل القابلة وغير القابلة للذوبان، وقد تساعد في التخلص من الكولسترول من الدم، إلى جانب توفير ألياف تغذي البكتيريا النافعة في الأمعاء، ما يدعم الهضم وصحة الجهاز الهضمي. كما يحتوي العدس على الحديد وحمض الفوليك والبوتاسيوم والمغنسيوم، ويمكن استخدامه في أطباق متنوعة، مثل السلطات والشوربات وأطباق الحبوب.

أما الحمص، فيوفر كثيراً من الفوائد نفسها، بفضل محتواه من البروتين والألياف، اللذين قد يساعدان في تنظيم مستويات السكر في الدم، وتحسين الهضم، والحفاظ على مستويات صحية من الكولسترول. كما يحتوي على الحديد والبوتاسيوم والمغنسيوم، وقد يساعد الجمع بين البروتين والألياف فيه على إدارة الوزن، بينما قد تسهم مركباته المضادة للالتهابات في دعم الصحة العامة. ويمكن إضافته إلى السلطات وأطباق الحبوب أو استخدامه في تحضير الحمص بطحينة.

ورغم فوائدهما، قد يتسبب العدس والحمص في الغازات أو الانتفاخ لدى بعض الأشخاص بسبب محتواهما المرتفع من الألياف، خصوصاً عند زيادة الكمية بسرعة. لذلك، ينصح خبراء التغذية بإدخالهما تدريجياً إلى النظام الغذائي، بدءاً بكميات صغيرة حتى يتكيف الجسم مع زيادة الألياف.

وفي النهاية، يشير الخبراء إلى أنه لا يوجد فائز مطلق بين العدس والحمص؛ فكلاهما يتمتع بفوائد صحية مهمة. ويرى الخبراء أن الأفضل هو تناول النوع الذي يفضله الشخص والاستمرار عليه، مع التنويع بين العدس والحمص والفاصوليا والبازلاء للحصول على مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية.


مقالات ذات صلة

10 أنواع من الفاكهة تدعم صحة القلب والأوعية الدموية... ما هي؟

صحتك الفاكهة غنية بالعناصر الغذائية المفيدة (بيكسباي)

10 أنواع من الفاكهة تدعم صحة القلب والأوعية الدموية... ما هي؟

إذا كنت تسعى لإيجاد طريقة سهلة لتحسين صحة قلبك، فقط أضف المزيد من الفاكهة إلى نظامك الغذائي وستدعم صحة قلبك بواحدة من ألذ الطرق وأبسطها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تُمكِنُ إضافةُ النعناع الطازج إلى البطيخ لزيادة ترطيب الجسم (بيكسلز)

تمزج بين الفواكه والمكونات الطبيعية... 7 أفكار منعشة لترطيب الجسم

يقدم الجمع بين أنواع مختلفة من الفواكه أو مزجها بأطعمة ومكونات طبيعية، طريقة لذيذة ومتنوعة لدعم الترطيب، خاصة خلال الطقس الحار أو بعد ممارسة الرياضة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الجسم خلال الحمى يحتاج إلى كميات كافية من السوائل والطاقة والبروتين (بيكسلز)

5 مصادر للبروتين سهلة الهضم... ماذا تأكل عند الإصابة بالحمى؟

تتسبب الحمى والإنفلونزا في كثير من الأحيان في فقدان الشهية، ما قد يحرم الجسم من العناصر الغذائية والبروتينات التي يحتاج إليها لدعم جهاز المناعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الحمضيات يمكن أن تكون جزءاً من نظام غذائي للأشخاص الذين يرغبون في دعم التحكم بحمض اليوريك (بيكسلز)

تعاني من ارتفاع حمض اليوريك ونوبات النقرس... 5 أطعمة قد تساعدك

يمكن أن يلعب النظام الغذائي دوراً في التحكم بمستويات حمض اليوريك وتقليل خطر نوبات النقرس

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك تناول كميات أقل من احتياجات الجسم من البروتين بعد سن الخمسين قد يؤدي إلى كثير من المشاكل الصحية (بيكسلز)

ماذا يحدث لجسمك حين لا يحصل على كمية كافية من البروتين بعد الخمسين؟

مع التقدم في العمر لا يقتصر الحفاظ على الصحة والنشاط على ممارسة الرياضة فقط بل يصبح الحصول على كمية كافية من البروتين عنصراً أساسياً للحفاظ على قوة العضلات

«الشرق الأوسط» (لندن)

«فخر الدين» يستعيد «مأساة سربرنيتسا» بلغة مبتكرة

المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
TT

«فخر الدين» يستعيد «مأساة سربرنيتسا» بلغة مبتكرة

المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)

يعود الفيلم الوثائقي القصير البوسني «فخر الدين» (Fakhrudin) إلى واحدة من أكثر الصفحات ألماً في تاريخ البوسنة والهرسك الحديث، من خلال قصة طفل كان في السابعة من عمره عندما نجا من إبادة «سربرنيتسا» عام 1995، وعُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان «سراييفو السينمائي» في البوسنة والهرسك، مقدماً حكاية شخصية ومكثفة عن النجاة وسط واحدة من أكبر مآسي الحرب البوسنية، من خلال لغة سينمائية مبتكرة تجمع بين الرسوم المتحركة والمواد الأرشيفية والشهادات المرتبطة بمحاكمات جرائم الحرب.

ولا يتعامل الفيلم مع سربرنيتسا باعتبارها حدثاً تاريخياً واسعاً فحسب، بل يختار الاقتراب منها من خلال مصير شخص واحد، فخلف الأرقام والوقائع والشهادات التي ارتبطت بالمجزرة، يقف طفل كان في السابعة، وجد نفسه وسط أحداث أكبر من قدرته على الاستيعاب، ثم نجا ليحمل ذاكرة تلك الأيام معه حتى مرحلة الرشد، ومن خلال هذا المدخل، يحاول الفيلم استعادة الجانب الإنساني من المأساة، وإبقاء الذاكرة حية عبر قصة فردية يمكن للمشاهد أن يقترب منها ويتفاعل معها.

بداية القصة

ويقول كاتب ومخرج الفيلم ألن درلييفيتش في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عبر تطبيق «زووم»، إن المشروع لم يبدأ من فكرة كانت في ذهنه، وإنما جاء بعد أن طلب منه المنتج الرئيسي دينيس دريديتش، من شبكة التحقيقات البلقانية «BIRN»، صناعة فيلم عن فخر الدين، موضحاً أنه لم يكن يعرف الكثير عن القصة في البداية، رغم سماعه عنها من قبل، لكنه عندما بدأ في قراءة المواد المتعلقة بالطفل الذي نجا من الإبادة «اهتز تماماً» أمام تفاصيل الحكاية.

كان وقع القصة سريعاً على المخرج إلى درجة أنه كتب السيناريو خلال يومين فقط، ويؤكد أن تلك الفترة شهدت انغماسه في المواد التي كانت متاحة أمامه، وهو ما سمح له بتكوين تصور أولي سريع عن الشكل الذي يمكن أن يتخذه الفيلم.

لكن المشروع لم يكن تقليدياً منذ البداية؛ فقد كان لدى المنتج فكرة مختلفة تتمثل في صناعة فيلم رسوم متحركة، ويعترف المخرج بأن الفكرة بدت له في البداية غريبة بعض الشيء؛ إذ لم يكن من السهل، للوهلة الأولى، تصور استخدام الرسوم المتحركة لتناول موضوع يرتبط بالإبادة والحرب والموت.

غير أن هذا الانطباع تغير عندما بدأ في البحث بصورة أعمق عن القصة، وعثر على مواد وشهادات مرتبطة بمحكمة جرائم الحرب الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في لاهاي. وكان من بين المواد التي أثارت اهتمامه شهادة جندي من جيش صرب البوسنة، وهو الرجل الذي أنقذ فخر الدين.

هنا، كما يقول المخرج، بدأت الصورة تتضح أمامه، وأدرك أن الرسوم المتحركة يمكن أن تصبح جزءاً من معالجة وثائقية أكثر اتساعاً، بدلاً من أن تكون مجرد أسلوب بصري. ومن ثم تشكلت فكرة الفيلم باعتباره مزيجاً من «الوثائقي والأرشيف والرسوم المتحركة».

استغرق العمل على الفيلم عامين (الشركة المنتجة)

واستغرق العمل على الفيلم نحو عام ونصف العام، بينما امتدت العملية كاملة، بما في ذلك المراحل السابقة للإنتاج، نحو عامين. ويشير المخرج إلى أن المنتج دينيس دريديتش كان قد أمضى وقتاً طويلاً في الإعداد للمشروع وإجراء مقابلات مع فخر الدين نفسه، قبل أن يبدأ هو في بناء الفيلم اعتماداً على المواد التي جُمعت.

ورغم خبرته الطويلة في الإخراج وكتابة السيناريو والعمل الوثائقي والروائي، كان «فخر الدين» أول مشروع يخوض فيه المخرج تجربة العمل بالرسوم المتحركة، ولا يصف التجربة بأنها كانت صعبة بالمعنى المباشر، لكنه يقر بأنها كانت تتطلب جهداً كبيراً ولم تكن سهلة. ومع ذلك، يرى أن هذا الأسلوب فتح أمامه مساحة إبداعية مختلفة، خصوصاً أن الرسوم المتحركة حملت معنى إضافياً داخل الفيلم.

سنوات البراءة

فالرسوم المتحركة، في وعي الجمهور، ترتبط عادة بالطفولة، وبسنوات البراءة الأولى، وبالأفلام التي يشاهدها الأطفال. وفي «فخر الدين»، يصبح هذا الارتباط جزءاً من البناء الدرامي والإنساني للعمل؛ لأن الشخصية الرئيسية نفسها كانت طفلاً في السابعة عندما وقعت الأحداث.

ويقول المخرج إن هذه العلاقة بين الرسوم المتحركة والطفولة ساعدت الفريق على الوصول إلى جوهر القصة، موضحاً أن الأسلوب البصري أصبح بمثابة جسر نحو «براءة الطفل» في مواجهة المأساة التي أحاطت به.

لكن الجانب الأصعب في صناعة الفيلم، وفقاً للمخرج، لم يكن تقنياً بقدر ما كان إنسانياً، فسربرنيتسا ليست بالنسبة إلى البوسنيين مجرد واقعة تاريخية يمكن التعامل معها من مسافة آمنة، وإنما تمثل مأساة ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية.

ويقول المخرج إن العمل على أي موضوع يرتبط بسربرنيتسا يظل أمراً صعباً؛ لأنها تمثل نوعاً من المأساة الكبرى أو «المأساة الملحمية» في الذاكرة البوسنية. لكن الأمر كان أكثر حساسية في حالة «فخر الدين»؛ لأن الفيلم يضع طفلاً في قلب هذه المأساة.

ويضيف أن أحد أكبر مخاوفه أثناء العمل كان ألا يرتكب خطأ في التعامل مع قصة فخر الدين، وألا يضيف شيئاً إلى الصدمة التي عاشها، فالشخصية التي يتناولها الفيلم لم تعد طفلاً اليوم، بل أصبح رجلاً بالغاً، لكن تجربة الطفل هي جوهر الفيلم.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ولهذا، كان المخرج يفكر باستمرار في المسؤولية التي تقع على عاتقه عندما يعيد تمثيل تجربة شخص حقيقية، خصوصاً تجربة مرتبطة بحدث بالغ القسوة. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد اختيار زوايا أو صور أو أسلوب سرد، وإنما محاولة للعثور على الطريقة الأكثر احتراماً لقصة الناجي.

ويبدو هذا الحرص واضحاً في اختيار الفيلم ألا يقدم سربرنيتسا من خلال خطاب سياسي أو تاريخي واسع، وإنما من خلال قصة إنسان واحد، فبدلاً من محاولة اختصار تاريخ الإبادة في دقائق محدودة، يركز الفيلم على مصير طفل، وعلى الشهادة التي توثق لحظة إنقاذه.

مشاهد مكثفة

ويعتقد المخرج أن هذا المزيج بين اللحظة التاريخية المحددة، والشهادة القضائية، والرسوم المتحركة، والمواد الأرشيفية، يمنح الفيلم كثافة تسمح له بتناول قصة أكبر من زمنه القصير، مشيراً إلى أن هذا النوع من المزج ليس شائعاً بالضرورة في الأفلام، سواء كانت قصيرة أو طويلة، ولذلك كان التحدي هو الوصول إلى صيغة تستطيع أن تختصر المأساة من دون أن تفقد معناها، فالهدف لم يكن أن يخرج المشاهد من الفيلم وهو يمتلك كل المعلومات عن سربرنيتسا، وإنما أن يخرج وهو يتذكر فخر الدين.


من توثيق التراث إلى الفنون التفاعلية... الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل القطاع الثقافي

فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)
فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)
TT

من توثيق التراث إلى الفنون التفاعلية... الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل القطاع الثقافي

فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)
فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)

تشهد أروقة المؤسسات الثقافية تحولاً صامتاً ومحتوماً، مع تدفق أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مختلف مجالات الإبداع وإدارة التراث. ورغم خصوصية القطاع الثقافي، فإنه لم يكن بمنأى عن التحولات التقنية الكبرى التي يشهدها العالم، إذ بدأ الذكاء الاصطناعي يؤثر في كثير من مجالات الثقافة والصناعات الإبداعية.

وفي المتاحف والمواقع التراثية، تُستخدم تقنيات التحليل البصري والنمذجة الرقمية في توثيق التراث وإعادة تفسيره، وفي قطاع النشر تُستخدم النماذج اللغوية في تحليل النصوص وتطوير أدوات التحرير. أما في الفنون البصرية والموسيقى والأداء المسرحي، فقد ظهرت أشكال جديدة من التعبير الفني تعتمد على الخوارزميات التوليدية والتجارب التفاعلية. كما أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مهمة لتحليل البيانات الثقافية، وفهم سلوك الجمهور، وتطوير تجارب ثقافية أكثر تفاعلاً وثراءً.

واستعرض تقرير حديث بعنوان «الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي» تحديات فكرية ومهنية تتعلق بكيفية استخدام هذه التقنيات داخل القطاع بطريقة مسؤولة ومتوازنة. وينظر التقرير إلى الثقافة بوصفها منظومة من المعاني والرموز والقيم التي تعكس هوية المجتمع وتاريخه، مؤكداً أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال يتطلب قدراً كبيراً من الوعي الثقافي والمهني، بحيث تُستخدم هذه التقنيات لتعزيز الإبداع وحفظ التراث، لا لتقويض أصالته أو إضعاف قيمه.

أطلقت السعودية «حوافز الذكاء الاصطناعي» لدعم المشروعات الثقافية لديها (الصندوق الثقافي)

وقال رائد العيد، مؤسس منصة الإدارة الثقافية ومحرر التقرير، إن العالم يعيش مرحلة أصبح فيها استخدام الذكاء الاصطناعي جزءاً من الممارسة اليومية، وسيزداد حضوره في السنوات المقبلة. وأوضح أن القطاع الثقافي معني بهذا التحول بصورة خاصة؛ لأنه يتعامل مع اللغة والهوية والذاكرة والتراث والإبداع والحقوق والمعنى، مشيراً إلى أن التقرير يوازن بين استكشاف الفرص المتاحة والوعي بالمسؤولية.

وقال العيد: «أظهر التقرير حجم الفرص المتاحة أمام القطاع؛ فعندما جمعنا بعض التطبيقات عبر 16 قطاعاً، وجدنا أن إمكانات الذكاء الاصطناعي تمتد عبر سلسلة العمل الثقافي كاملة، من الإبداع والإنتاج إلى الحفظ والتوثيق، ومن الإدارة والتشغيل إلى الوصول والتعليم والبحث والتسويق».

وأشار العيد إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب من المؤسسات والممارسين الثقافيين الانتقال من سؤال «ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟» إلى سؤال أكثر نضجاً يتعلق بالقيمة الثقافية المراد تحقيقها، وبالكيفية التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد بها على تحقيق هذه القيمة بصورة مسؤولة.

تطوير المرجعية ومواجهة التحديات المعرفية

تناول التقرير مجموعة من المحاور التي تستعرض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات الثقافية الـ16، مثل المتاحف، والمكتبات، والفنون البصرية، والمسرح، والموسيقى، والعمارة، والتراث الثقافي وغيرها. كما ناقش التحديات الأخلاقية والمهنية المرتبطة باستخدام هذه التقنيات، وقدم مجموعة من المبادئ التي يمكن أن تشكل إطاراً مرجعياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الثقافة.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في القطاع الثقافي السعودي، بالتزامن مع إعلان السعودية عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي، وهو إعلان يعكس التوجه الوطني نحو تعزيز الابتكار التقني وتطوير الاقتصاد المعرفي.

وأبرز التقرير أهمية تطوير مرجعيات معرفية ومهنية تساعد العاملين في القطاع الثقافي على فهم طبيعة الذكاء الاصطناعي وإمكاناته وحدوده. وكشف أن الممارسين في الحقول الثقافية اليوم، سواء كانوا باحثين أم فنانين أم مديري مؤسسات ثقافية، يواجهون واقعاً جديداً تتداخل فيه التقنيات الرقمية مع العمل الثقافي، الأمر الذي يستدعي تطوير أدوات معرفية تمكِّنهم من التعامل مع هذه التحولات بوعي منهجي.

وشدَّد التقرير على أن غياب التأصيل المعرفي المحلي لهذا الموضوع يشكل تحدياً مهماً، وأن معالجة هذا الغياب تُمثل خطوة أساسية لضمان تطور الممارسة الثقافية بصورة متوازنة ومستدامة، خصوصاً في ظل التوسع في استخدام التقنيات الذكية داخل المؤسسات الثقافية والمشروعات الإبداعية. وأوضح أن الممارسة التي تنشأ من دون إطار معرفي واضح قد تكون عرضة للأخطاء أو لسوء التقدير في التعامل مع القضايا المرتبطة بالملكية الفكرية، أو حماية التراث، أو أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي.

ولفت التقرير إلى تحديات السياق العربي، بدءاً من تفاوت أداء النماذج في اللغة العربية واللهجات، وصولاً إلى حساسية المواد الدينية والتراثية والتاريخية، والحاجة إلى بيانات عربية موثوقة ومراجعة ثقافية متخصصة.

إطار لصون القيم الثقافية

أعلنت السعودية عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي (واس)

وفي مقابل الفرص التي تتيحها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي، وضع التقرير مجموعة من المبادئ التي تراعي خصوصية الثقافة، وتجعل جودة الاستخدام مرتبطة بحماية المعنى والهوية والحقوق والتنوع، إلى جانب الكفاءة التقنية.

وتشكل المبادئ التي اقترحها التقرير إطاراً يوازن بين الابتكار الرقمي وحماية القيم الثقافية والمعرفية للمجتمع.

وتبدأ هذه المنظومة بثلاثة مبادئ أساسية، أولها «مركزية الإنسان في الابتكار الثقافي»، بحيث يبقى الإنسان محور العملية الإبداعية، وتظل القرارات الثقافية الجوهرية تحت إشراف الخبراء. ويتمثل المبدأ الثاني في «حماية التنوع الثقافي»، من خلال تجنب انحياز النماذج إلى الثقافات الأكثر حضوراً في البيانات، وضمان تمثيل الثقافات المحلية والتراثية. أما المبدأ الثالث فهو «صون التراث الثقافي»، بحيث تخضع تطبيقات التوثيق والترميم وإعادة البناء للمعايير العلمية، وتحترم أصالة المادة التاريخية.

ويمتد هذا الإطار ليشمل الشفافية، وحماية الملكية الفكرية، والمسؤولية الثقافية والأخلاقية، وإتاحة المعرفة، والابتكار المسؤول، والتكامل بين الخبرتين الثقافية والتقنية، وبناء القدرات الرقمية.

ويخلص التقرير الصادر عن منصة الإدارة الثقافية إلى أن أهمية الذكاء الاصطناعي في الثقافة لا تُقاس بمجرد حداثة التقنية المستخدمة، بل بقدرته على خدمة قيمة ثقافية واضحة، وتحقيق منفعة قابلة للقياس، واحترام الحقوق والسياق والمجتمع.


حل لغز تشكّل قشرة كوكب عطارد

من المقرر أن تدخل مركبة «بيبي كولومبو» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية مدار عطارد في نوفمبر 2026 (وكالة الفضاء الأوروبية)
من المقرر أن تدخل مركبة «بيبي كولومبو» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية مدار عطارد في نوفمبر 2026 (وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

حل لغز تشكّل قشرة كوكب عطارد

من المقرر أن تدخل مركبة «بيبي كولومبو» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية مدار عطارد في نوفمبر 2026 (وكالة الفضاء الأوروبية)
من المقرر أن تدخل مركبة «بيبي كولومبو» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية مدار عطارد في نوفمبر 2026 (وكالة الفضاء الأوروبية)

كشفت دراسة ألمانية أن قشرة كوكب عطارد ربما تكون قد تشكلت نتيجة نشاط بركاني شديد ودرجات حرارة مرتفعة للغاية في باطنه، بعدما تمكن باحثون من تحديد نسبة ثاني أكسيد السيليكون على سطح الكوكب بدقة أكبر من أي وقت مضى.

وأوضح باحثون من معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي وجامعتي مونستر وغوتنغن في ألمانيا أن النتائج تقدم أدلة جديدة على أن الصخور البركانية التي تشكلت على عطارد نشأت من مواد انصهرت على أعماق أكبر داخل وشاح الكوكب، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Planetary Research».

وتُعد قشرة عطارد الطبقة الخارجية الصلبة للكوكب، وقد تشكلت خلال مراحله الأولى نتيجة تبريد المواد المنصهرة والنشاط البركاني. ويتميز سطحه القديم بكثرة الفوهات الناتجة عن اصطدامات الأجرام السماوية، إلى جانب سهول بركانية واسعة وتكوينات جيولوجية أخرى. وبسبب صغر حجمه وقربه من الشمس، فقد عطارد حرارته الداخلية سريعاً نسبياً؛ ما أدى إلى تراجع نشاطه الجيولوجي وتوقف النشاط البركاني تقريباً بعد مليار سنة من تشكله، لتصبح قشرته سجلاً مهماً لتاريخ الكوكب وتطوره.

واستهدفت الدراسة تحديد نسبة ثاني أكسيد السيليكون على سطح عطارد بدقة أكبر، واستخدامها لفهم الظروف التي تشكلت فيها قشرته، وطبيعة النشاط البركاني ودرجات الحرارة التي سادت في باطنه خلال مراحله المبكرة.

ويُعد ثاني أكسيد السيليكون مكوناً أساسياً في كثير من الصخور البركانية على الأرض، ويمكن أن تصل نسبته إلى نحو 75 في المائة في بعض الصخور، لكن انخفاض نسبته على عطارد يحمل دلالات مهمة بشأن طريقة تشكل صخوره.

وأظهرت النتائج أن الصخور البركانية على عطارد نشأت من مواد في الوشاح تعرضت لانصهار أعمق مما كان مفترضاً. ومع تبريد الوشاح المنصهر، تتشكل الصخور الأولى التي تستخلص كميات قليلة نسبياً من ثاني أكسيد السيليكون من الصهارة، بينما تصبح الصهارة المتبقية أكثر غنى بالسيليكا مع مرور الوقت؛ لذلك، فإن انخفاض نسبة ثاني أكسيد السيليكون في الصخور السطحية يمكن أن يشير إلى أن المواد التي أنتجتها انصهرت في ظروف شديدة الحرارة.

ولأن أي عينات صخرية من عطارد لم تصل إلى الأرض، ولم تهبط مركبة على سطحه لجمع الصخور، اعتمد الباحثون على الأشعة تحت الحمراء الصادرة عن سطح الكوكب. ولتحويل هذه القياسات إلى معلومات عن تركيب الصخور، أجروا أولاً تجارب مختبرية باستخدام حبيبات زجاجية صغيرة لا يتجاوز حجمها نحو نصف مليمتر، تحتوي على نسب محددة بدقة من ثاني أكسيد السيليكون، ثم قاسوا خصائص الأشعة تحت الحمراء الصادرة عنها.

وللتحقق من دقة هذه الطريقة، اختبرها الفريق أولاً على القمر، مستعيناً ببيانات الأشعة تحت الحمراء التي جمعتها مركبة الاستطلاع القمرية التابعة لوكالة «ناسا» منذ عام 2009. وتمكن الباحثون من إعداد أول خريطة كاملة لمحتوى ثاني أكسيد السيليكون على سطح القمر، ثم قارنوا نتائجها بعينات صخرية حقيقية جلبتها بعثات مأهولة وغير مأهولة، ما أتاح لهم التحقق من موثوقية الطريقة.

وبعد ذلك، طبق الباحثون الطريقة على بيانات الأشعة تحت الحمراء الخاصة بعطارد، ومن بينها بيانات جُمعت بواسطة تلسكوب بوك في مرصد ستيوارد بولاية أريزونا الأميركية.

وأظهرت الحسابات أن ثاني أكسيد السيليكون يشكل نحو 37 في المائة من سطح عطارد من حيث الكتلة، وهي نسبة تقل بنحو 25 في المائة عن التقديرات السابقة.

نشاط بركاني

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تقدم دليلاً على أن النشاط البركاني الذي أسهم في بناء قشرة عطارد حدث في ظروف شديدة الحرارة، وأن المواد التي صعدت من باطن الكوكب انصهرت على أعماق أكبر مما كان يُعتقد سابقاً.

ومع ذلك، لا يستبعد الباحثون تفسيراً آخر، يتمثل في احتمال أن عطارد كان يمتلك في الماضي كمية أكبر من ثاني أكسيد السيليكون في قشرته، ثم فقد جزءاً من الأكسجين الموجود فيها بمرور الوقت. ومن ثم، قد لا يكون انخفاض نسبة ثاني أكسيد السيليكون ناتجاً بالكامل عن ظروف تشكل الصخور، بل ربما أسهم التطور الكيميائي للكوكب أيضاً في هذه النتيجة.

وأضاف الفريق أن أهمية الدراسة تكمن في أنها توفر طريقة جديدة لاستخدام الأشعة تحت الحمراء للكشف عن التركيب الكيميائي لسطح عطارد، بما يساعد العلماء على استنتاج الظروف التي سادت في باطنه خلال مراحله الأولى، وإعادة بناء تاريخه البركاني والجيولوجي بصورة أكثر دقة.