اكتشفت البعثة الأثرية المصرية العاملة في جبانة «البوباسطيون» بمنطقة آثار سقارة (غرب القاهرة) مقبرةً تعود إلى عصر الدولة القديمة، تخصّ شخصاً يُدعى «سخنتيو-بتاح»، إلى جانب منظومة مترابطة من آبار الدفن، ضمّت دفنات ولقى أثرية عدّة، حسب بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت.
ويُبرز هذا الكشف الأهمية الحضارية والجنائزية لجبانة «البوباسطيون»، وما شهدته من استخدام متواصل عبر عصور تاريخية مختلفة. كما يمثّل إضافة علمية مهمة تسهم في فهم تاريخ الموقع وتطوّره، ويؤكد أهمية مواصلة أعمال الحفائر والدراسات العلمية فيه، وفق تصريحات صحافية لوزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي.
وجاء هذا الكشف نتيجة أعمال موسم الحفائر الأول في القطاع «A غرب البوباسطيون»، وسبق أن شهدت المنطقة اكتشافات عدّة، من بينها ثلاث مقابر صخرية تعود إلى عصر الدولة الحديثة في القطاع الشرقي للحافة الجبلية للموقع، في يوليو (تموز) الماضي، بالإضافة إلى نقوش هيروغليفية وعناصر أثرية مهمة تسلّط الضوء على جوانب جديدة من تاريخ جبانة منف القديمة.

وأشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن أعمال الحفائر أُجريت وفق برنامج علمي متكامل، شمل الحفر الدقيق والتسجيل الطبقي والتوثيق المعماري والفوتوغرافي والرقمي، إلى جانب الدراسات الأثرية واللغوية والمقارنات العلمية، مما أسهم في قراءة المكتشفات ضمن سياقها الحضاري، وإعادة تتبّع التطور التاريخي والمعماري للجبانة.
ووفق بيان الوزارة، كشفت أعمال الحفائر عن بقايا المقصورة الجنائزية لمقبرة «سخنتيو-بتاح»، وتضمُّ الباب الوهمي في موضعه الأصلي. وعُثر أمام الباب على مجموعة متكاملة من أدوات الطقوس الجنائزية المصنوعة من الألباستر، تضمُّ مائدة وقرصاً للقرابين، وحوضاً للتطهير، وإبريقاً وطستاً، تحمل جميعها نقوشاً هيروغليفية باسم صاحب المقبرة وألقابه.
وعدَّ رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع، العثور على هذه المجموعة المتكاملة في موضعها الأصلي داخل المقصورة الجنائزية كشفاً مهماً؛ لما تتيحه من معلومات عن الطقوس والممارسات الجنائزية خلال عصر الدولة القديمة.
كما مكّنت النقوش الهيروغليفية المحفوظة على الباب الوهمي والعناصر الجنائزية من تحديد اسم صاحب المقبرة وعدد من ألقابه، من بينها: الحاجب الملكي، والمشرف على جميع أعمال الملك، والمشرف على الوثائق الملكية، والقائم على أسرار الأوامر الملكية، وكاهن المعبودة ماعت، والمشرف على الكتبة. وتعكس هذه الألقاب المكانة الإدارية المرموقة التي كان يشغلها في الجهاز الإداري للدولة القديمة، حسب البيان.
وكشفت البعثة أيضاً عن منظومة مترابطة من آبار الدفن، ضمَّت عدداً كبيراً من الدفنات الآدمية، وكميات من الكرتوناج الجنائزي الملوّن، وأكثر من 100 تمثال أوشابتي من الفيانس، بالإضافة إلى 3 توابيت حجرية عُثر عليها مغلقة وفي حالتها الأصلية، وتمثال خشبي على هيئة صقر، إلى جانب مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية واللقى الأثرية، وفق رئيس الإدارة المركزية لآثار القاهرة والجيزة، قطب فوزي.

وأكد مدير عام منطقة آثار سقارة ورئيس البعثة، الدكتور عمرو الطيبي، أن هذه المكتشفات توفّر مادة علمية ثرية لدراسة الطقوس الجنائزية وأساليب الدفن خلال العصر المتأخر، فضلاً عن إتاحة تتبّع مراحل إعادة استخدام الجبانة خلال الفترات التاريخية المختلفة.
وأضاف، في البيان، أن «الدراسات الأولية أظهرت تعرُّض عدد من آبار الدفن للنهب منذ العصور القديمة، وهو ما تؤكده الفتحات التي أحدثها لصوص المقابر بين الحجرات الجنائزية. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال المكتشفات المتبقية تحتفظ بقيمة أثرية وعلمية كبيرة».
وتواصل البعثة أعمال توثيق المكتشفات وتحليلها ودراستها ومقارنتها علمياً بنظائرها في المواقع الأثرية المختلفة، تمهيداً لاستكمال الدراسات ونشر نتائجها في دوريات علمية متخصصة ومحكَّمة، وإتاحتها للمجتمع العلمي وفق المعايير الأكاديمية المتبعة.
وتُعدّ جبانة الحيوانات المقدسة (البوباسطيون) في منطقة آثار سقارة من المواقع التي ما زالت تبوح بالكثير من أسرار الحضارة المصرية القديمة. وفي عام 2022، كُشف عن أول وأكبر خبيئة في جبانة «البوباسطيون» تعود إلى العصر المتأخر، وتضمّ 150 تمثالاً برونزياً لآلهة مصرية قديمة، من بينها: أنوبيس، وآمون، ومين، وأوزير، وإيزيس، ونفرتوم، وباستت، وحتحور؛ بالإضافة إلى 250 تابوتاً خشبياً ملوّناً ومغلقاً، تحتوي على مومياوات بحالة جيدة. كما عُثر على تابوت يضمّ بردية محفوظة بحالة جيدة، تحتوي على فصول من «كتاب الموتى».









