إذا كان من أدبيات التنمية البشرية وعلم النفس الحث على التحلي بالطموح وتغيير الفرد لواقعه عبر منظومة من الأحلام المشروعة لتحسين الظروف والارتقاء الاجتماعي، فهل يمكن أن تتحول تلك التطلعات المحمودة إلى «مقبرة للسعادة» تطيح براحة البال وتجعل الإنسان يعود إلى نقطة الصفر أو ما دونها وهو محاط بالحسرة والندم؟ هذا التساؤل تجيب عنه مسرحية «سابع سما» عبر حبكة درامية تبدأ بطموح مشروع لشاب ذكي وموهوب ولكن تنتهي بشكل دراماتيكي حين يتحول هذا الشاب إلى وحش أناني وشخص منبوذ يهجره من حوله ويخسر في نهاية المطاف زوجته الجميلة.
أحداث المسرحية التي تعرض على خشبة مسرح «أوبرا ملك» بشارع «رمسيس» بوسط القاهرة ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري تدور حول «آدم» الذي يعمل في وظيفة مهمة يؤديها بشكل ناجح ينم عن موهبة لافتة في كتابة النصوص الكوميدية لفقرات السيرك، لكنه لا يشعر بالإنجاز وتنتابه هواجس الفشل المهني فيتقدم باستقالته إلى رئيس مجلس إدارة السيرك، إلا أن الأخير يقرر التمسك به ويمنحه ترقية وزيادة في الراتب كي يبقى.

هنا تحدث نقطة التحول المأساوية؛ إذ يتوحش «آدم» ويتحول إلى ماكينة شرهة للنجاح بصرف النظر عن أي قيمة، فيدهس كل من يقف في طريقه ويصمم على الوصول إلى أبعد نقطة أو «سابع سما» من حيث النجاح، فيكرهه الجميع ولا يصدق زملاؤه أنه بات يقترف الأفعال الشنيعة نفسها التي كان يشكو منها سابقاً.
مخرج المسرحية محمد الحضري عدّ «سابع سما» بمنزلة «أول عرض متكامل ينتمي بقوة إلى مسرح (الغروتيسك) يُعرض على مسرح الدولة في مصر»، مشيراً إلى أنه «نوع من المسرح يمزج بين الكوميديا والمبالغة، فتبدو الشخصيات والأحداث غريبة أو عبثية، لكنها تعكس في الوقت نفسه واقعاً إنسانياً مؤلماً». وأضاف في تصريح إلى «الشرق الأوسط» أن «هدفه من توظيف هذا الأسلوب كان الضحك بشرط إثارة القلق لدى المتفرج، من خلال تقديم عالم غير منطقي يكشف تناقضات المجتمع وهشاشة الإنسان، من خلال توظيف المبالغة في رسم الشخصيات بوصفها أداة درامية كاشفة».

تأتي نهاية «آدم» سريعاً على طريقة بيت الشعر القديم: «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع»، حيث يقع في غواية سكرتيرته الحسناء التي تتلاعب به وتتسبب في أن يفقد كل ما وصل إليه، كما يخسر أيضاً زوجته الجميلة التي ضاقت ذرعاً بإهماله وسوء معاملته لها وانشغاله عنها طوال الوقت، فتهجره لترتبط بشخص آخر منحها الحب والرعاية والاهتمام.
أجاد فريق التمثيل في تجسيد الشخصيات، لا سيما محمد سعيد في دور «آدم»، وياسمين قابيل في دور الزوجة «فريدة» التي مرت بتحولات حادة درامياً ونفسياً، فضلاً عن أوليفيا إيميل التي جسدت ببراعة شخصية السكرتيرة الحسناء التي تتلاعب بمديرها. وعلى مستوى الديكور، أسهمت السلالم المعدنية والخشبية التي صممها روماني جرجس في تعزيز الدلالات البصرية لفكرة الصعود الوظيفي والطبقي، فيما اكتملت أجواء السيرك بالأزياء التي صممها محمد شاكر والأقنعة التي صممتها بسنت مصطفى والإضاءة التي صممها أحمد طارق.
ولفت محمد الحضري إلى أن «الهاجس الذي كان يلح عليه أثناء تنفيذ العمل هو التأكيد على فكرة عدم الاستسلام لنمط الحياة المعاصرة بما فيه من توحش رأسمالي يجعل الإنسان ضحية لفخ لا ينتهي من الشراهة للتحقق المادي وحصد المزيد من الوجاهة الاجتماعية والخضوع لمعايير سطحية تستنزف السلام النفسي بحجة البحث عن النجاح».

وتأتي المسرحية في إطار مبادرة «أول ضوء» التي أطلقها «مسرح الشباب» التابع لـ«البيت الفني للمسرح» بوزارة الثقافة المصرية لاكتشاف المواهب الجديدة ومنحها فرصة الانتقال إلى الاحتراف من خلال تقديم أول عروضهم على خشبة مسارح الدولة. ويعتمد المشروع على اختيار مجموعة محدودة من الموهوبين سنوياً لإنتاج أعمالهم، حيث كان لافتاً تقدم نحو 100 مخرج للمشاركة، وبعد سلسلة من المقابلات والمناقشات التي أجرتها لجنة ضمت مخرجين ونقاداً وكتاباً ومصممي ديكور، جرى تقييم الأفكار المطروحة وتقديم ملاحظات لتطويرها، قبل الاستقرار على اختيار 10 مخرجين فقط لخوض التجربة، وكانت البداية مع عرض «سابع سما».
