«سجن اختياري»... مسرحية مصرية عن مصادرة الحرية خلف «أسوار الخوف»

العرض يعتمد على حبكة نفسية لخلخلة القناعات الثابتة

جانب من العرض المسرحي (مخرج العرض)
جانب من العرض المسرحي (مخرج العرض)
TT

«سجن اختياري»... مسرحية مصرية عن مصادرة الحرية خلف «أسوار الخوف»

جانب من العرض المسرحي (مخرج العرض)
جانب من العرض المسرحي (مخرج العرض)

تعتمد مسرحية «سجن اختياري» التي تُعرض حالياً على مسرح الطليعة في القاهرة ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري، على زعزعة الأفكار والقناعات التي اعتاد المتلقي التسليم بها، وتدعوه إلى إعادة النظر في كثير منها ليكتشف ما تحمله من تناقضات، لذلك لا يُعدُّ العرض ترفياً بقدر ما هو تحريض على التفكير.

ومن أبرز الأفكار التي يتناولها العمل أن السجن لا يقتصر على الجدران والأسلاك والحراس، بل قد يكون قيداً نفسياً نصنعه لأنفسنا فنظلُّ أسرى له لسنوات طويلة من دون إدراك، بعد أن اكتفينا بتعليق أخطائنا دائماً على مشجب «الظروف»، في حين أن كثيراً من القرارات الخاطئة تصدر بإرادتنا الكاملة.

تدور أحداث المسرحية داخل فيلا يُحيط بها الغموض، حيث يجتمع عدد من الأصدقاء في لقاء يبدو عادياً في بدايته، لكنه يخفي وراءه مفاجآت عدَّة. نتعرف على حكاية البطل الرئيسي الذي يعود بذاكرته إلى سنوات الفقر والمعاناة، حين كانت حياته مهمشة ويتلقى السخرية والازدراء من المحيطين به، كما رفضته المرأة التي أحبها، إذ رأت أن أوضاعه المادية لا تؤهله لأن يكون شريكاً لحياتها.

بعد مرور الأعوام، تنقلب حياته بصورة غير متوقعة، ليصبح رجلاً شديد الثراء والنفوذ، من دون أن تتكشف بالكامل أسرار هذا التحول. عندها يقرر جمع رفاق الماضي مجدداً داخل تلك الفيلا، معلناً عن مسابقة كبرى تبلغ جائزتها 100 مليون جنيه.

العرض تضمن العديد من الحيل النفسية (مخرج العرض)

ومع تصاعد الأحداث يتبيَّن أن المكافأة ليست سوى طُعم، وأن الهدف الحقيقي هو وضع الجميع في سلسلة من الاختبارات النفسية القاسية التي تدفعهم إلى مواجهة ذواتهم والكشف عن وجوههم المظلمة الأخرى، وما أخفوه طويلاً من أسرار ودوافع ورغبات، إذ يرتضون بالإهانة ويُبرِّرون الانتقاص من أنفسهم ولا يراعون حقوق الصداقة، كل ذلك نتيجة ضوء المال الباهر الذي أعمى بصيرتهم فأصبحوا سجناء خلف أسوار الطمع والأوهام والخوف.

الطابع الفلسفي للمسرحية يطرح تساؤلات عن أهمية التوازن بين المضمون الفكري للأعمال الفنية من ناحية وبين التشويق والجاذبية الجماهيرية من ناحية أخرى، بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى، فهل عانى صناع العمل في سبيل تحقيق تلك المعادلة الصعبة؟

محمود جمال حديني، مؤلف العرض، فأجاب قائلاً: «لم تكن هناك معاناة من هذا النوع، فالتجربة تعكس الناحيتين بشكل تلقائي وعفوي دون قصدية مسبقة، إذ لدينا هذا المستوى الفكري من الطرح ولدينا في الوقت نفسه حالة درامية مشوقة من تبادل الأذى والأكاذيب والفخاخ بين الشخصيات على نحو يفجر المفاجآت والأسرار وهو جانب جماهيري بامتياز».

شارك العرض في المهرجان القومي للمسرح (الملصق الترويجي للعرض)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «المسرحية تحتمل تفسيرات مختلفة ومعاني متعددة يصل إليها المتلقي، كل حسب زاوية فهمه وتفاعله مع العمل الفني، وأعتقد أن هذا يعكس ثراء أي تجربة إبداعية عموماً».

استطاع فريق التمثيل أن يعكس التوتر النفسي للشخصيات والتناقضات الجوهرية بينها بحساسية لافتة، والأبطال هم إيهاب محفوظ، ويوسف المنصوري، وأمل عبد المنعم، وبولا ماهر، ونجاة الإمام، وعماد صابر، ومحمود البيطار، وسيف مرعي، وحسين عشماوي، وأحمد رضا، وفق رؤية للمخرج باسم كرم ركَّزت على استحضار الصراع الداخلي.

وجاء الديكور الذي صممه محمد طلعت، وإضاءة عز حلمي، وموسيقى زياد الهجرسي، لترسخ تلك الحالة المفعمة بالتوتر والمفاجآت التي تتوالى داخل الدراما عبر الشخصيات على نحو صادم يُبرز حجم التناقض بين الظاهر والباطن في حياة تلك الشخصيات.


مقالات ذات صلة

«215»... شهادات الاعتقال تُروَى بلغة الظلّ والحكاية

يوميات الشرق تحمل ديمة نشاوي الحكاية بحذر... كما لو أنها أمانة (الشرق الأوسط)

«215»... شهادات الاعتقال تُروَى بلغة الظلّ والحكاية

تستخدم ديمة نشاوي الرسم والتحريك ومسرح الدمى والحكي لتمنح الذاكرة شكلاً يمكن تداوله وحَمْله...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق العرض مقتبس من رواية بريطانية (مخرج العمل)

«ماذا لو؟!»... عرض مسرحي مصري يطارد الفرص الضائعة

لماذا لا نشعر بالسعادة الكاملة وينتابنا إحساس عميق بأن «الحياة هي في مكان آخر»؟

رشا أحمد (القاهرة )
يوميات الشرق تناقش المسرحية قضية الخوف لدى الإنسان (الشرق الأوسط)

«المضطر يركب القطر»... مسرحية مصرية تدمج الفانتازيا بالكوميديا السوداء

لا ينشغل عرض «المضطر يركب القطر» بسرد حكاية تقليدية بقدر ما يبني عالماً مسرحياً تتقاطع فيه الفانتازيا مع العبث والكوميديا السوداء، ليطرح تساؤلات عن الخوف.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الكوميديا الخفيفة حضرت في المسرحية (الشرق الأوسط)

مسرحية «سباحة بالهوا» تُحوّل معاناة المرأة إلى درس في الصمود

يضيء العمل، في جوهره، على أشكال الظلم التي لا تزال المرأة ترزح تحت وطأتها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يبرز تصميم المسرح الملكي كأنه موجة تتصاعد وتعلو قمتها فوق قاعات العروض (غيتي)

المسرح الملكي في الرباط وسحر تصاميم زها حديد

قبل أن يُرفع الستار، ينجح «المسرح الملكي» الجديد في الرباط - وهو من تصميم المهندسة المعمارية المرموقة زها حديد - في إبهار الناظرين لدرجة تفوق التصور.