اكتشف علماء الأحياء في جامعة هارفارد الأميركية، ميزةً غامضةً في بيولوجيا الأخطبوط الأساسية تمكنه من إنتاج البروتينات بدقة فائقة مما يمنحه مزايا تطورية فريدة من نوعها تنعكس على كفاءة الأعضاء الحسية لديه.
ويعتقد الباحثون أن هذا التكيف المكتشف حديثاً قد يكون مرتبطاً بتطور الجهاز العصبي للأخطبوط الضخم، بما في ذلك نظام «التذوق باللمس» الحسي فائق الحساسية لدى أخطبوطات المياه الضحلة.
ويُعدّ الأخطبوط كائناً بيولوجياً فريداً. فهو قادر على استخدام الأدوات وفتح البرطمانات، ويحتوي جهازه العصبي المعقد على عدد من الخلايا العصبية يُضاهي ما تحتويه إحدى الرئيسيات الصغيرة. وتتركز معظم خلايا الأخطبوط العصبية، البالغ عددها 500 مليون خلية، في أذرعه التى تتحرك ببراعة لا تصدق، فتنحني وتلتف وتتراجع بدرجات لا نهائية من الدقة والحرية تقريباً.
وفي دراستهم المنشورة، الأربعاء، في مجلة «كارنت بيولوجي»، أفاد الباحثون باكتشاف علامة في بنية الريبوسوم - وهو العضية المسؤولة عن تصنيع البروتين في الخلايا - يبدو أنها فريدة من نوعها في عالم الحيوان.
قالت آمي لي، الأستاذة المساعدة في بيولوجيا الخلية في كلية الطب بجامعة هارفارد، وأحد باحثي الدراسة، في بيان الأربعاء: «كان هناك افتراض أن هذا لا يتغير كثيراً. لذا فقد كانت نتائج هذه الدراسة بمنزلة المفاجأة الحقيقية».
ووفق الدراسة تحتوي الريبوسومات على مجموعة أساسية مشتركة من الحمض النووي الريبوزي والبروتينات. بعض هذه العناصر من بين أكثر تسلسلات الحمض النووي الريبوزي حفظاً تطورياً في علم الأحياء، ويعد التغير في البنية الأساسية للريبوسوم أمراً نادراً.
وبدأ هذا الاكتشاف بملاحظة عرضية في المختبر. قبل نحو خمس سنوات، كان ريتشارد هان، طالب الدكتوراه آنذاك في كلية الطب بجامعة هارفارد، يُجري بعض التجارب الروتينية ويستخرج الحمض النووي الريبوزي rRNA)) من أنسجة أخطبوط كاليفورنيا ثنائي البقعة، وهو نوع موطنه الأصلي ساحل المحيط الهادئ. ثم لاحظ هان شيئاً غير متوقع. فبدلاً من الشريط الواحد المعتاد، انقسم الحمض النووي الريبوزي للأخطبوط إلى جزئين منفصلين.
وفي البداية، افترض العلماء أنه خطأ. لكن الباحثين كرروا التجربة مرات عديدة، ووجدوا الانقطاع نفسه في الموضع نفسه. ولاحظوا الشيء نفسه في جميع أنسجة الأخطبوط في جميع مراحل نموه.
وواصل العلماء البحث والتعمق لمدة خمس سنوات تقريباً. اكتشف الباحثون أن هذا التحول يُحسّن دقة تخليق البروتين ويقلل الأخطاء التي تُسبب تجمعات مرضية من البروتينات المطوية بشكل خاطئ.
ساهم ريشاف ميترا، باحث ما بعد الدكتوراه، والمؤلف المشارك الرئيسي للورقة البحثية الجديدة، في فهم التداعيات الوظيفية لهذا التحول وتتبعه عبر شجرة عائلة الأنواع.
وعندما أدخل الباحثون نفس انقطاع الحمض النووي الريبوزي rRNA)) في ريبوسومات بكتيريا الإشريكية القولونية، أنتجت البكتيريا بروتينات بدقة مضاعفة، أي بدقة ترجمة الشفرة الوراثية إلى بروتينات. يبدو أن تكيف ريبوسوم الأخطبوط يُحسّن دقة تخليق البروتين، حتى عند زرعه في كائنات مختلفة تماماً.
قال نيكولاس بيلونو، أستاذ البيولوجيا الجزيئية والخلوية في جامعة هارفارد، وأحد كبار مؤلفي الدراسة الجديدة: «يُظهر هذا أن الريبوسوم يُشكّل جزءاً هاماً من تطور الكائنات الحية عبر مئات الملايين من السنين. وهذا يفتح آفاقاً جديدة لفهم الأسس البيوكيميائية لعلم الأحياء المقارن».
