اكتشاف أول دليل على وجود الزواحف الطائرة في مصر

إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
TT

اكتشاف أول دليل على وجود الزواحف الطائرة في مصر

إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)
إعادة تصور فني للتيروصور المكتشف في الواحات البحرية (متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي)

نجح فريق مصري من مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية «سلام لاب»، بالتعاون مع وزارة البيئة المصرية، ومتحف دنفر للطبيعة والعلوم، ومتحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي بالولايات المتحدة، في توثيق أول دليل حفري مؤكد على وجود التيروصورات (الزواحف الطائرة) في مصر، وهي الكائنات التي سيطرت على السماء قبل ظهور الطيور بعشرات الملايين من السنين، وذلك من خلال حفرية جناح عُثر عليها في صخور تكوين البحرية بمنخفض الواحات البحرية في الصحراء الغربية.

ويقدّر الباحثون أن باع جناحي الكائن المنقرض، الذي حلّق في سماء مصر قبل أكثر من 95 مليون سنة خلال العصر الطباشيري المتأخر، بلغ نحو 4 أمتار، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، بدورية «Acta Palaeontologica Polonica».

ويضيف هذا الاكتشاف بُعداً جديداً لفهم النظام البيئي القديم الذي شهدته الواحات البحرية، وهو الموقع الذي اشتهر سابقاً بحفريات الديناصورات العملاقة والتماسيح والأسماك القديمة، لكنه لم يكشف من قبل عن الكائنات التي سيطرت على سمائه، وفقاً للفريق البحثي.

فريق مركز جامعة المنصورة للحفريات في موقع الاكتشاف بالواحات البحرية (هشام سلام)

وتحتل الواحات البحرية مكانة استثنائية في تاريخ علم الحفريات؛ إذ كشفت منذ أوائل القرن العشرين عن بعض أشهر الديناصورات الأفريقية، مثل «سبينوصور»، و«تمريرابتور»، و«بحرياصور»، إلى جانب الديناصورات العاشبة العملاقة مثل «باراليتيتان» و«إيجيبتوصور»، فضلاً عن الأسماك الضخمة والتماسيح والسلاحف القديمة.

وتُعد التيروصورات أول الفقاريات التي طورت القدرة على الطيران في تاريخ الحياة على الأرض؛ إذ سبقت ظهور الطيور بعشرات الملايين من السنين. ورغم أنها عاشت جنباً إلى جنب مع الديناصورات، فإنها لم تكن ديناصورات طائرة ولا أسلافاً للطيور، بل تمثل مجموعة مستقلة من الزواحف الطائرة ترتبط بالديناصورات بعلاقة قرابة تطورية.

وتميزت بأجنحة غشائية تمتد بين الجسم والإصبع الرابع بالغ الاستطالة؛ ما منحها قدرة استثنائية على التحليق لمسافات طويلة مستغلة التيارات الهوائية، كما تنوعت أنظمتها الغذائية بين صيد الأسماك والفقاريات الصغيرة والتغذي على اللافقاريات والجيف، واستمرت في السيطرة على سماء الأرض لأكثر من 150 مليون سنة قبل أن تنقرض مع نهاية العصر الطباشيري قبل نحو 66 مليون سنة.

وتقدم الحفرية أول دليل قاطع على وجود هذه الزواحف الطائرة في مصر. والعينة المكتشفة عبارة عن العقلة الأولى من الإصبع الرابع في جناح التيروصورات، الذي يتميز باحتوائه على أربعة أصابع.

واستناداً إلى حجم العظمة، يقدّر الباحثون أن الحيوان بلغ باع جناحيه نحو 4 أمتار؛ ما يجعله تيروصوراً متوسط الحجم كان يحلق فوق الأنهار والسهول الفيضية والبيئات الساحلية التي غطت شمال مصر آنذاك.

وتأتي أهمية الاكتشاف أيضاً من ندرة حفريات التيروصورات حول العالم، إذ كانت عظامها رقيقة الجدران، وخفيفة، ومجوفة لتناسب الطيران، وهي صفات منحتها كفاءة عالية في التحليق، لكنها جعلتها أقل قدرة على التحجر مقارنة بعظام الديناصورات أو التماسيح القديمة؛ ولهذا السبب، لا يزال السجل الأحفوري للتيروصورات في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية محدوداً ومتقطعاً.

عينة التيروصور كما ظهرت في موقع الاكتشاف بالواحات البحرية قبل جمعها ودراستها (هشام سلام)

وتشير الدراسة إلى أن أهمية الحفرية المصرية لا تقتصر على كونها أول دليل مؤكد على وجود التيروصورات في مصر، بل تسهم أيضاً في سد فجوة جغرافية مهمة في سجل انتشار هذه الزواحف الطائرة على امتداد الساحل الجنوبي لبحر تيثس القديم، كما تقدم أول جزء محفوظ ثلاثي الأبعاد من جناح تيروصور من تكوين البحرية، وهو ما يوفر للباحثين معلومات تشريحية نادرة عن جهاز الطيران لدى هذه الحيوانات.

أول سجل للتيروصورات

ووفقاً للدراسة، يمثل الاكتشاف الجديد أول سجل حفري مؤكد للتيروصورات في مصر، ويؤكد أنها كانت تحلق في سماء البلاد خلال العصر الطباشيري المتأخر قبل أكثر من 95 مليون سنة، ليكتمل للمرة الأولى تصور النظام البيئي الذي شهدته الواحات البحرية؛ فبعد أن كشفت حفرياتها عن الديناصورات العملاقة التي جابت اليابسة، والزواحف والأسماك التي عاشت في أنهارها، يأتي هذا الاكتشاف ليكشف عن الكائنات التي كانت تسيطر على سمائها.

ويقول بلال سالم، طالب الدكتوراه بجامعة أوهايو، وعضو فريق «سلام لاب» بجامعة المنصورة، ومدرس مساعد بكلية العلوم بجامعة بنها، والمؤلف الرئيسي للدراسة: «تمثل هذه الحفرية بالنسبة لي قيمة علمية وشخصية كبيرة؛ فقد عُثر عليها خلال أول بعثة ميدانية أشارك فيها إلى منخفض الواحات البحرية مع مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية عام 2018، ثم أصبحت لاحقاً جزءاً من أبحاثي بصفتي مسؤول حفريات الزواحف والطيور بالمركز».

وأضاف سالم لـ«الشرق الأوسط»: «يرجع تاريخ دراسة حفريات العصر الطباشيري في مصر إلى نحو 125 عاماً، ولم يُعثر من قبل على دليل يثبت وجود التيروصورات، خصوصاً في المواقع التي يرجع عمرها إلى نحو 100 مليون سنة، مثل الواحات البحرية».

وأشار إلى أن التيروصورات كانت معروفة من مناطق مختلفة في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، مثل المغرب وتونس ولبنان والأردن، لكن لم يكن هناك سجل موثق لها في مصر، ومن ثم فإن العينة المكتشفة تسد فجوة جغرافية مهمة للغاية في فهم انتشار الزواحف الطائرة خلال العصر الطباشيري، وتحديداً خلال العصر السينوماني في الواحات البحرية.

وتابع: «تُعد الواحات البحرية موقعاً استثنائياً في علم الحفريات؛ إذ يعرفها جميع الباحثين في ديناصورات أفريقيا بوصفها واحدة من أهم وأشهر المواقع الحفرية في القارة؛ لذلك، فإن اكتشاف أول حفرية مؤكدة لتيروصور في مصر بهذا المكان كان لحظة استثنائية لن أنساها».

بلال سالم مع عينة التيروصور في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (هشام سلام)

ووفق سالم، فإن «هذا الاكتشاف يوضح أن التراث الحفري المصري لا يزال يحمل الكثير من القصص غير المروية؛ فما زالت صخور الصحراء الغربية تكشف، مع كل بعثة جديدة، صفحات جديدة من تاريخ أفريقيا السحيق، وتؤكد الدور المتنامي للباحثين المصريين في توثيق هذا التراث ودراسته وحمايته».

ويقول عالم الحفريات المصري هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، وأستاذ الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة، ورئيس الفريق البحثي: «يُبرز هذا الاكتشاف أهمية مواصلة استكشاف المواقع الحفرية المصرية، فكل بعثة جديدة تحمل معها فرصة للإجابة عن أسئلة ظلت مطروحة لعقود. وعلى الرغم من أن الواحات البحرية تُعد من أكثر المناطق دراسة في أفريقيا، فإنها لا تزال تكشف عن اكتشافات غير متوقعة تعيد تشكيل فهمنا للنظم البيئية القديمة».

وأضاف: «أظهرت الدراسة أن الحفرية المكتشفة تمثل أحد أهم عناصر جهاز الطيران لدى التيروصورات، وهي العقلة الأولى للإصبع الرابع، وهو الإصبع الطويل الذي يحمل الغشاء الجناحي. وتمتاز هذه العظمة بصفات تشريحية مميزة، لا سيما في منطقة اتصالها بعظام الرسغ، ما يؤكد انتماءها إلى مجموعة (Ornithocheiriformes)، وهي مجموعة من التيروصورات طويلة الأجنحة التي ازدهرت خلال العصر الطباشيري».


مقالات ذات صلة

كنز روماني نائم في قاع المتوسّط منذ 2100 عام

يوميات الشرق نجا الأثر بعدما غاب أصحابه (وزارة الثقافة)

كنز روماني نائم في قاع المتوسّط منذ 2100 عام

اكتشف علماء آثار مؤخراً حطام سفينة يعود إلى نحو 2100 عام قبالة ساحل صقلية، وفي داخله مئات القطع من بقايا شحنة تجارية قديمة...

«الشرق الأوسط» (صقلية)
يوميات الشرق للحياة أكثر من اتجاه (جامعة صن يات صن ومختبر غوانغدونغ الجنوبي لعلوم وهندسة البحار)

سمكة «تمشي» إلى الخلف تُفاجئ علماء الأعماق

ينمو طول سمكة «روبيان البحر» ليصل إلى 10 بوصات وتمتلك زعانف صدرية متخصّصة تُمكّنها من المشي على الطين والرمال في قاع المحيط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق اعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً وأنه ذو تأثير مريح للغاية (أنسبيلاش)

فك لغز الأصوات الجميلة للطيور

أظهرت أبحاث جديدة أجراها فريق بحثي من جامعة توبنغن في ألمانيا، أن تغريد الطيور المتنوع، ذو النبرة العالية، ولكن غير المرتفع جداً، يُعتبر الأكثر إمتاعاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الجوع يمحو المسافة بين المخلب والباب (رويترز)

دببة جائعة تغزو المنازل والمتاجر في غرب أميركا

سبق أن دخلت دببة إلى حاوية قمامة إيريكو من قبل، لكن اقتحام المنزل في وقت سابق من الشهر الماضي كان سابقة هي الأولى...

«الشرق الأوسط» (كولورادو)
يوميات الشرق شجرة صفصاف باكية تظهر في حديقة هادئة في سانت نيوتس بإنجلترا (بيكسلز)

دراسة تحذّر: بعض أشجار المدن قد تزيد تلوث الهواء مع ارتفاع الحرارة

دراسة حديثة تكشف جانباً آخر من المعادلة، إذ تشير إلى أن بعض أنواع الأشجار قد تطلق مركبات متطايرة تسهم، في ظروف معينة، في زيادة تلوث الهواء.

«الشرق الأوسط» (بكين)

كيف يتعلّم صغار الشمبانزي استخدام الأدوات؟

مجموعة من قردة الشمبانزي تتفاعل معاً في مشهد مرتبط بنقل المهارات والتعلم (جامعة برشلونة)
مجموعة من قردة الشمبانزي تتفاعل معاً في مشهد مرتبط بنقل المهارات والتعلم (جامعة برشلونة)
TT

كيف يتعلّم صغار الشمبانزي استخدام الأدوات؟

مجموعة من قردة الشمبانزي تتفاعل معاً في مشهد مرتبط بنقل المهارات والتعلم (جامعة برشلونة)
مجموعة من قردة الشمبانزي تتفاعل معاً في مشهد مرتبط بنقل المهارات والتعلم (جامعة برشلونة)

كشفت دراسة إسبانية أن قردة الشمبانزي تعتمد على مجموعة من الآليات الاجتماعية لمساعدة صغارها على تعلم استخدام الأدوات، مع دور بارز للأمهات في نقل الأدوات وتسهيل استخدامها أثناء الحصول على الغذاء.

وأوضح الباحثون من جامعة برشلونة أن تعلم استخدام الأدوات لدى صغار الشمبانزي لا يحدث بمجرد تقليد البالغين، بل قد يتضمن تدخلاً اجتماعياً من أفراد أكثر خبرة، خصوصاً الأمهات، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Frontiers in Psychology».

وتُعد قردة الشمبانزي من أكثر الحيوانات تنوعاً في استخدام الأدوات؛ إذ توظف العصي والأحجار وأغصان الأشجار في مهام مختلفة للحصول على الغذاء. وقد تستخدم العصي لاستخراج النمل والنمل الأبيض من جحورهما، كما تستخدم الأحجار أو الأسطح الخشبية لكسر المكسرات والثمار الصلبة، بما يعكس قدرتها على توظيف الأدوات لتلبية احتياجاتها في بيئتها الطبيعية.

ودرس الفريق سلوك مجموعة من شمبانزي غرب أفريقيا (Pan troglodytes verus) في سافانا دينديفيلو بالسنغال، اعتماداً على تسجيلات مصورة التقطتها كاميرات مراقبة في 14 موقعاً كانت الشمبانزي تستخدم فيها الأدوات أو أدوات بدائية ضمن أربعة أنواع من السلوكيات التقنية.

ووجد الباحثون أن الشمبانزي البالغ، وخصوصاً الأمهات، يساعد الصغار على اكتساب مهارات استخدام الأدوات من خلال نقل الأدوات والمواد الغذائية إليهم، وهي سلوكيات يرى الباحثون أنها تمثل أحد أشكال التعليم لدى هذه الحيوانات.

وفي إحدى الحالات، حملت أم صغيرها إلى أداة كانت قد تركتها في عش للنمل، مما أتاح للصغير سحبها وهي مغطاة بالنمل والحصول على الغذاء. كما رصد الباحثون نقل أدوات تُستخدم في جمع الطحالب واستخراج النمل وصيد النمل الأبيض.

آليات التعلم

وتشارك قردة الشمبانزي أيضاً ثمار أشجار الباوباب، التي تحتاج إلى كسرها عبر ضربها على أسطح حجرية للوصول إلى محتواها. ووفق الباحثين، يبدو أن نقل الأدوات والثمار يمثل وسيلة تستخدمها الأمهات لمساعدة صغارهن على تعلم هذه السلوكيات.

ولم تقتصر آليات التعلم على نقل الأدوات، إذ رصد الباحثون حالات تشير إلى وجود أشكال أخرى من التعلم الاجتماعي، من بينها الملاحظة والممارسة تحت الإشراف. ففي إحدى الحالات، رافق صغير شمبانزي فرداً أصغر سناً كان يحاول كسر ثمرة باوباب صلبة بضربها على سطح صخري، وبدا أنه يشجعه ويساعده خلال المحاولة.

وقال الباحثون إن هذه الملاحظات تشير إلى وجود آليات للتعلم الاجتماعي، إلى جانب نقل الأدوات والثمار، تسهم في اكتساب الشمبانزي السلوكيات المرتبطة باستخدام الأدوات.

وأظهرت الدراسة أن معظم فرص نقل الأدوات بين الشمبانزي تحدث عندما يأخذ أحد الأفراد أداة من فرد آخر يتقبل ذلك أو يسهل عملية النقل ويترك الأداة للصغير أو للفرد الآخر. لكن الباحثين رصدوا أيضاً حالات يتدخل فيها أفراد ذوو خبرة بصورة نشطة لتسهيل استخدام الأدوات.

وكانت الإناث أكثر حصولاً على الأدوات من الذكور، كما أسهم تسهيل استخدام الأدوات، خصوصاً من جانب الإناث البالغات، وكذلك بعض صغار السن، في مساعدة صغار الشمبانزي على اكتساب مهارات استخدام الأدوات.

ويرى الباحثون أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لمعرفة ما إذا كانت أنماط التعليم وتسهيل استخدام الأدوات تختلف بين جماعات الشمبانزي والبيئات المختلفة، وكذلك حسب درجة تعقيد السلوكيات التي تتعلمها هذه الحيوانات.


بعد أن عرفه السعوديون في منازلهم... «الخلاص من شاوشانك» يصل إلى السينما

تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)
تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)
TT

بعد أن عرفه السعوديون في منازلهم... «الخلاص من شاوشانك» يصل إلى السينما

تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)
تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)

قبل أكثر من ثلاثة عقود، خرج فيلم «الخلاص من شاوشانك» إلى دور العرض العالمية، فيما عاش الجمهور السعودي تلك المرحلة في غياب صالات السينما، ثم عرفه كثيرون لاحقاً عبر التلفزيون وأشرطة الفيديو والمنصات، وحفظوا مشاهده وعباراته من خلال مشاهدات منزلية، ولكن في الخامس عشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، سيصل الفيلم إلى دور السينما السعودية ضمن إعادة عرض إقليمية، في موعد يبدو أقرب إلى عرض أول محلي لواحد من أشهر أفلام التسعينات وأكثرها حضوراً في الذاكرة.

الفيلم الذي حاز أكثر من 3 ملايين ترشيح أبقته في صدارة قائمة «آي إم دي بي»، وحصل أيضاً على سبعة ترشيحات للأوسكار ستتولى إعادة عرضه في الشرق الأوسط شركة «فرونت رو» ما سيمكنه من الوصول إلى جمهور جديد لطالما سمع عن أثره التاريخي في ذاكرة السينما.

صداقة خلف الأسوار

الفيلم الذي صدر عام 1994، وكتبه وأخرجه فرانك دارابونت، اقتبس من رواية ستيفن كينغ القصيرة «ريتا هيوارث والخلاص من شاوشانك»، حيث تبدأ القصة مع المصرفي آندي دوفرين، الذي يؤدي دوره تيم روبنز، بعد إدانته بقتل زوجته وعشيقها والحكم عليه بالسجن المؤبد مرتين، ليصل آندي إلى سجن شاوشانك متمسكاً ببراءته، ليجد نفسه في عالم تحكمه القوة والخوف والفساد.

داخل السجن، يتعرف آندي إلى إليس، السجين القادر على توفير كل شيء تقريباً، ويؤدي دوره مورغان فريمان؛ إذ تبدأ علاقتهما بطلب صغير للحصول على مطرقة صخور، ثم تنمو تدريجياً إلى صداقة تمتد سنوات طويلة، وتصبح هذه الصداقة مركز الفيلم العاطفي، فيما يتولى ريد رواية الأحداث بصوته الهادئ، كأنه يستعيد زمناً عاشه مع رجل بقي جزء منه عصياً على السجن.

تمتد الحكاية عبر قرابة عقدين، وتراقب أثر الزمن على السجناء حيث يصبح السجن مؤسسة تُعيد تشكيل الإنسان ببطء، حتى تصبح قوانينها جزءاً من تكوينه النفسي. يتجسد ذلك بقوة في شخصية بروكس، أمين المكتبة المسن الذي أمضى معظم حياته بين الأسوار، فأصبح الخارج بالنسبة إليه مكاناً غريباً يتحرك بسرعة تفوق قدرته على اللحاق به.

ومن خلال بروكس، ثم ريد، يذهب الفيلم أبعد من حكاية سجين يسعى إلى الخروج، ليتأمل ما تفعله المؤسسات المغلقة بالإنسان، وكيف تتحول الحماية إلى قيد، والاعتياد إلى خوف... مما يجعل الحرية في «شاوشانك» تبدأ داخل العقل، وفي القدرة على الاحتفاظ بمساحة شخصية أمام منظومة تسعى إلى السيطرة على الجسد والوقت والذاكرة.

الأمل عملاً يومياً

لطالما حركّت شخصية آندي عاطفة الجمهور، باعتباره يواجه عالم السجن بأدوات تبدو بسيطة، من المعرفة، والصبر، والموسيقى، والكتب، والقدرة على تصور مستقبل بعيد، ثم يستخدم خبرته المصرفية، ويوسع مكتبة السجن، ويساعد السجناء على الدراسة، ويمنحهم لحظات قصيرة يتذكرون خلالها أن حياتهم تحمل معنى أكبر من أرقام الزنازين.

وفي أحد أشهر مشاهد الفيلم، يبث آندي مقطعاً من أوبرا موزارت عبر مكبرات الصوت، فتتوقف حركة السجن للحظات، ويصبح الصوت القادم من عالم آخر وكأنه فعل خالص من أفعال التحرر، فيمتلك السجناء في تلك اللحظة شيئاً يتجاوز سلطة الحراس، ويستعيدون جزءاً من إنسانيتهم عبر الموسيقى.

وربما تكمن عظمة «الخلاص من شاوشانك» في تقديم الأمل بوصفه عملاً شاقاً وطويل المدى، يحتاج إلى خطة وصبر وانضباط، ويتشكل من رسائل تُكتب لسنوات، ومطرقة صغيرة، وملصقات تتغير وجوهها مع مرور الزمن. كما دخلت عباراته الذاكرة الشعبية، وفي مقدمتها: «إما أن تنشغل بالحياة، أو تنشغل بالموت»، وهي جملة تختصر الصراع بين الاستسلام للزمن واستعادة الرغبة في المستقبل.

صدارة أفضل 250 فيلماً

حصل «الخلاص من شاوشانك» الذي صدر عام 1994؛ على سبعة ترشيحات لجوائز الأوسكار، شملت أفضل فيلم، وأفضل ممثل، والسيناريو المقتبس، والتصوير، والمونتاج، والموسيقى، والصوت. ثم اتسعت شهرته عبر أشرطة الفيديو والعروض التلفزيونية، وتحول اكتشافه المتأخر إلى جزء من أسطورته، فكل جيل وصل إليه بطريقته، ثم قدمه إلى جيل آخر بوصفه واحداً من تلك الأفلام التي تصبح علاقتها بالجمهور أوسع مع الزمن.

ويتصدر الفيلم حتى اليوم قائمة أفضل 250 فيلماً في قاعدة بيانات الأفلام الرقمية على «آي إم دي بي»، بتقييم 9.3 من 10 وتأتي أهمية هذه الصدارة من كونها تعكس علاقة جماهيرية ممتدة، وسط قائمة تجمع أعمالاً من مدارس سينمائية وحقب وثقافات مختلفة.

وفي عام 2015، اختارته مكتبة الكونغرس الأميركي للحفظ في السجل الوطني للأفلام تقديراً لأهميته الثقافية والتاريخية والجمالية، وجاء هذا الاختيار تتويجاً لمسيرة فيلم توسعت مكانته عاماً بعد آخر، وتحول من عمل درامي عن السجن إلى حكاية عالمية عن الكرامة والصداقة والقدرة على حماية الأمل.

الكلاسيكيات تجد جمهوراً جديداً

ينضم «الخلاص من شاوشانك» إلى موجة من إعادة عرض الأفلام الشهيرة التي شهدتها الصالات السعودية خلال الأعوام الأخيرة، حيث عاد «أفاتار» في سبتمبر 2022 بنسخة محسنة قبيل طرح جزئه الثاني، ثم عاد «تايتانيك» في فبراير 2023 احتفالاً بمرور 25 عاماً على صدوره، بنسخة ثلاثية الأبعاد، كما استقبلت الصالات «إنترستيلر» مجدداً في ديسمبر 2024 بمناسبة ذكراه العاشرة.

وتجمع بين هذه الأفلام دلالة محلية خاصة؛ إذ صدرت نسخها الأصلية أعوام 1997 و2009 و2014، خلال مرحلة غياب دور السينما عن المملكة، فتحولت إعادة عرضها هنا إلى فرصة لمشاهدة أعمال يعرفها الجمهور جيداً، ويختبرها سينمائياً للمرة الأولى. كما تمنح إعادة العرض الأجيال الأصغر سناً فرصة اكتشاف الفيلم كاملاً، بعيداً عن المقاطع القصيرة والاقتباسات المتداولة والقوائم التي تقدمه دائماً بصفته من أفضل الأفلام في تاريخ السينما.


بلديات بريطانية توفر آلاف الروبوتات لتمثيل التلاميذ القلِقين داخل الفصول الدراسية

أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول (شركة نو أسولاشن)
أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول (شركة نو أسولاشن)
TT

بلديات بريطانية توفر آلاف الروبوتات لتمثيل التلاميذ القلِقين داخل الفصول الدراسية

أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول (شركة نو أسولاشن)
أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول (شركة نو أسولاشن)

بدأت مجالس محلية بريطانية الاستعانة بروبوتات متطورة تبلغ تكلفة الواحد منها نحو 3500 جنيه إسترليني، لتمثيل أطفال يعانون القلق الشديد داخل الفصول الدراسية، وتمكينهم من حضور الدروس والتفاعل مع زملائهم من منازلهم، حسب صحيفة «ميل أون صنداي» البريطانية.

ويُعرف الروبوت باسم «AV1»، وهو مزود بكاميرا وميكروفون ومكبر صوت، بما يسمح للطفل الموجود في المنزل برؤية ما يجري داخل الفصل والاستماع إلى المعلم وزملائه والتحدث إليهم عبر تطبيق إلكتروني.

ويُستخدَم أكثر من ألفي روبوت من هذا النوع في أنحاء بريطانيا، ويستفيد منها بصورة خاصة أطفال يعانون ما يُعرَف بـ«تجنب المدرسة لأسباب انفعالية (EBSA)»، وهي حالة ترتبط برفض مزمن للذهاب إلى المدرسة؛ بسبب القلق.

ويضع المعلمون الروبوت على المقعد المعتاد للطفل، ويتعاملون معه كما لو كان حاضراً في الفصل، فيوجهون إليه الأسئلة ويتيحون له الإجابة عنها عن بُعد. كما يستطيع الطفل التَّحكُّم في حركة رأس الروبوت بتمرير إصبعه على شاشة التطبيق، ليتمكَّن من متابعة ما يدور حوله بزاوية تصل إلى 360 درجة.

ويتيح «وضع الهمس» للطفل التحدُّث بهدوء إلى زميل يجلس بجوار الروبوت، من دون أن يسمعه باقي أفراد الفصل.

وتعمل كاميرا الروبوت في اتجاه واحد، بحيث يستطيع الطفل الموجود في المنزل رؤية الدرس وسماعه من دون أن يظهر أمام زملائه. وطوَّرت شركة «No Isolation» النرويجية الجهاز في الأصل لمساعدة الأطفال الذين يتلقون العلاج في المستشفيات على البقاء على اتصال بفصولهم الدراسية.

وفي العام الماضي، اشترى مجلس مقاطعة ديفون في جنوب بريطانيا 16روبوتاً لمساعدة تلاميذ يواجهون صعوبة في الانتظام بالمدرسة؛ بسبب «القلق والتوتر والشعور بالإنهاك».

ويُعد المجلس واحداً من 80 مجلساً محلياً بريطانياً على الأقل استخدمت روبوت «AV1» منذ أن كلفته وزارة التعليم بالمشروع عام 2019.

ووفقاً لوثائق لمجالس محلية اطلعت عليها صحيفة «ميل أون صنداي»، تُستخدَم هذه الروبوتات مع تلاميذ يعانون تجنب المدرسة لأسباب انفعالية في مناطق عدة، بينها سومرست ودورست، فضلاً عن هارينغي وإزلينغتون في لندن.

وفي مقطع فيديو ترويجي أعدته شركة «No Isolation»، أشاد تلاميذ مدرسة «مولشام» الثانوية في تشيلمسفورد بمقاطعة إسيكس - التي تمتلك 20 روبوتاً من هذا النوع - بتجربتهم مع هذه الأجهزة. وقال أحد التلاميذ في الصف الـ11: «لم أكن أتمكَّن من الذهاب إلى المدرسة لأشهر عدة؛ بسبب القلق. ولولا وجود الروبوت (AV1)، لا أعتقد أنني كنت سأصل إلى المستوى الذي أنا عليه الآن». وأضاف: «عندما استخدمته لأول مرة، كنت متوتراً للغاية. لكنه ساعدني على إدراك أن الدروس لم تكن سيئة في الواقع، كما ساعدني على الاندماج مجدداً في الفصل الدراسي». وتابع قائلاً: «أنا أحضر المدرسة يومياً بفضل الروبوت (AV1)». ومن جانبه، قال مارك بلينكين، نائب مدير المدرسة: «لقد أصبحت هذه الطريقة مجربة وموثوقة الآن، وهي تُشكِّل جزءاً لا يتجزأ من الحياة المدرسية».