«من أيام الإنجليز»... منشآت ومرافق في مصر شاهدة على حقبة الاحتلال

مرور 70 عاماً على رحيل آخر جندي بريطاني من البلاد

قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)
قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«من أيام الإنجليز»... منشآت ومرافق في مصر شاهدة على حقبة الاحتلال

قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)
قاطرة بخارية إنجليزية تاريخية أمام محطة مصر بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

«قديم من أيام الإنجليز»؛ عبارة يمكن سماعها على ألسنة المصريين، للإشارة إلى مبانٍ ومنشآت تعود إلى زمن الاحتلال البريطاني لمصر (1882- 1956م)، تنوعت بين مبانٍ إدارية، ومرافق خدمية.

فعلى الرغم من «مساوئ» الاحتلال البريطاني لمصر -وفق مؤرخين- فإنه في الوقت نفسه كان سبباً في وجود بعض المنشآت المميزة والباقية حتى اليوم.

واحتفل مصريون بذكرى مرور 70 عاماً على «جلاء الإنجليز»، الذي وافق يوم 18 يونيو (حزيران) من عام 1956.

وينتشر كثير من المباني والمرافق التي تعود لحقبة الاستعمار البريطاني في أنحاء مصر. ففي القاهرة، وتحديداً بحي الزمالك، يظهر أثر الاحتلال حتى اليوم ممثَّلاً في مستشفى «الأنجلو أميركان»، أحد أقدم مستشفيات مصر، والذي افتُتح عام 1903، وكان مخصصاً في بداياته للرعايا البريطانيين والأميركيين.

فندق «وينتر بالاس» بالأقصر (الموقع الإلكتروني للفندق)

كما تعد مصر الدولة الثانية في العالم بعد إنجلترا في إدخال السكك الحديدية إلى أرضها. ولأنها استعانت بكوادر إنجليزية من مهندسين وفنيين، فقد قرروا بمرور الوقت إنشاء نادٍ رياضي لهم بالقاهرة، وبالفعل افتُتح النادي رسمياً في 1903، ليكون نادي «السكة الحديد» أقدم نادي كرة قدم في مصر والشرق الأوسط حتى اليوم.

وفي الإسكندرية، يقف مبنى المدرسة العريقة «فيكتوريا كوليدج»، التي شُيدت في 1902 لدراسة أفراد الجاليتين اليهودية والإنجليزية، ملمحاً عميقاً على الوجود البريطاني؛ حيث أُنشئت المدرسة على نسق كلية «إيتون» الإنجليزية العريقة.

كما أقام الإنجليز مكابس ومحالج للقطن، وأشهرها مكابس القطن بالإسكندرية، بمنطقة «حمالين الجمارك» في حي الجمرك، بجوار ميناء الإسكندرية. كما يضم الحي منطقة معمارية على الطراز الإنجليزي، خُصصت لإقامة عمال التحميل والميناء. ولا يزال عدد كبير من أبنيتها باقياً. وتتميز بأنها من طابقين فقط، تعلوهما مثلثات هرمية من الطوب الأحمر.

ويعتبر محلج الوادي، التابع لشركة «مصر لتجارة وحليج الأقطان» بمدينة دمنهور بالبحيرة، المعروف باسم «وابور الإنجليز» من أقدم محالج القطن في مصر؛ إذ بُني عام 1907 في عهد الاحتلال البريطاني. كما يوجد محلج سخا بمحافظة كفر الشيخ، وهو من أقدم محالج القطن بالمحافظة؛ حيث بناه الإنجليز سنة 1913.

مستشفى «الأنجلو أميركان» في منطقة الزمالك بالقاهرة (صفحة المستشفى على فيسبوك)

كما يعد مستشفى «عيون دمنهور»، الذي بناه الإنجليز في عام 1908، صرحاً طبياً لا يزال يداوي أعين أهالي محافظة البحيرة.

كذلك لعبت بريطانيا دوراً كبيراً في إصلاح نظام الري في مصر لخدمة زراعة القطن؛ حيث أنشأت خزانات الري، وأعادت تأهيل كثير من السدود بالمحافظات.

وحسب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، الدكتور أحمد غباشي، فإن الاحتلال البريطاني لم يترك تأثيرات عمرانية ولا معمارية بارزة في مصر؛ إذ كان تركيزه الأساسي منذ دخوله عام 1882 منصبّاً على استغلال الاقتصاد المصري، وإحكام السيطرة على موارد البلاد، فقد تعامل الإنجليز مع مصر بوصفها مزرعة لتصدير القطن الخام.

وشدد غباشي على «ضرورة التمييز بين ما بُني في زمن الاحتلال، وبين ما أنشأه الاحتلال فعلياً لخدمة أهدافه»، موضحاً أن «الاحتلال البريطاني وقف ضد أي محاولة للتقدم العمراني أو الثقافي أو التعليمي، باستثناء بعض المنشآت التي ارتبطت بخدمة مصالحه الاقتصادية، مثل محالج القطن والبنوك، كالبنك الأهلي المصري، وهو ما جعل المصريين ينظرون إلى تلك الحقبة بوصفها مرحلة استنزاف، أكثر منها مرحلة بناء أو تطوير».

القاهرة تضم عدداً من المباني العتيقة التي تنتمي لحقبة الاحتلال الإنجليزي لمصر (الشرق الأوسط)

وأضاف أستاذ التاريخ أن ما يُرى من المستشفيات والكباري في تلك الحقبة، مثل كوبري إمبابة وغيره، لم يكن من إنجازات الإنجليز فقط؛ بل جاء أيضاً نتيجة جهود مهندسين أوروبيين آخرين، أو مشاريع مصرية جرت في زمن الاحتلال، لافتاً إلى أنه مقارنةً بالحملة الفرنسية على مصر، تركت الأخيرة أثراً في 3 سنوات فقط، بينما ظل الاحتلال البريطاني مرتبطاً في الذاكرة بالاستنزاف الاقتصادي.

في صعيد مصر، يمتد الأثر الإنجليزي إلى بعض الفنادق التاريخية في الأقصر وأسوان. ففندق «وينتر بالاس» بالأقصر، الذي افتتح في 1903، وضع تصميمه المهندس الإنجليزي جي كروز، على الطراز الفيكتوري، بينما كان صاحب الفكرة هو المستشرق الإنجليزي توماس كوك.

ويُعد صهريج مياه الأقصر من أهم المنشآت التاريخية في المحافظة، والذي بُني عام 1929 تزامناً مع إنشاء شبكة المياه بواسطة الإنجليز، ليكون مؤشراً لاستهلاك مدينة الأقصر واحتياجاتها من المياه.

وتعد محطة مياه غرب سوهاج واحدة من أقدم محطات مياه الشرب في الصعيد، والتي افتتحها الملك فؤاد الأول عام 1930، وما زالت المحطة تحتفظ بمنشآتها وجدرانها ومعداتها الميكانيكية ذات الطابع الأثري، والتي ساهم في إنشائها الإنجليز؛ حيث شُيدت على الطراز الإنجليزي، ومبانيها بالطوب الأحمر.

كوبري إمبابة المعدني بالقاهرة الذي ينتمي لحقبة الاستعمار البريطاني بمصر (الشرق الأوسط)

من جانبها، توضح الفنانة البصرية المتخصصة في التأريخ الوثائقي عبر الفوتوغرافيا، سمر بيومي، لـ«الشرق الأوسط»، أن المباني التي تركها الإنجليز في الإسكندرية والقاهرة، تحمل قيمة جمالية لا يمكن إنكارها، حتى وإن ارتبطت بذاكرة استعمارية مؤلمة. وتبيِّن أن هذه المباني أصبحت جزءاً من الهوية البصرية للمدن المصرية، وأن التعامل معها فنياً لا يعني تمجيد الاحتلال؛ بل الاعتراف بوجود أثر تاريخي قائم والتعايش معه.

ولكونها تنتمي لمدينة الإسكندرية؛ تبيِّن سمر بيومي أنها تتبنى مبادرة ممتدة لتوثيق المتبقي من ملامح «عروس البحر المتوسط»، كنوع من الحفاظ على هويتها البصرية، من بينها مبانٍ إنجليزية، أبرزها «مغسلة الجرب» لعلاج من يعانون من المرض، والتي تحولت حالياً لوحدة صحية بمنطقة القباري. وأيضاً «وابور الخواجة خوريمة» وهو محلج قطن قديم، ارتبط بأشهر سفاحتين في تاريخ مصر (ريا وسكينة)؛ حيث كان يعمل به عبد العال زوج سكينة.


مقالات ذات صلة

كنوز المتاحف المصرية تجتذب 540 ألف زائر بلندن وهونغ كونغ

يوميات الشرق جانب من المعرض الأثري المصري في هونغ كونغ (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كنوز المتاحف المصرية تجتذب 540 ألف زائر بلندن وهونغ كونغ

اجتذبت المعارض الأثرية المصرية المؤقتة المقامة في الخارج أعداداً كبيرة من الزائرين خلال الفترة الماضية.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني (الشرق الأوسط)

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران الضاربة في التاريخ، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
المشرق العربي جانب من الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)

الحرب تطول آثار غزة... ومتطوعون يسابقون الزمن لإنقاذها

يعمل متطوعون في جنوب قطاع غزة على ترميم وحماية قطع فسيفساء أثرية تضررت جراء الحرب الإسرائيلية، في محاولة للحفاظ على التراث الثقافي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

أعلنت البعثة الأثرية الهولندية العاملة في جبانة طيبة عن اكتشاف مقبرة بمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى بالبر الغربي بمدينة الأقصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)

مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

بدأت مصر إنشاء مدافن مقابر تراثية بشواهدها الأصلية وطرزها المعمارية المميزة، تعويضاً عمّا تمت إزالته ضمن خطط لتوسعة المحاور المرورية.

حمدي عابدين (القاهرة)

ماريلين نعمان... النجاح ليس مصادفة

الأغنيات الصادقة تجعل الآلاف يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم (الشرق الأوسط)
الأغنيات الصادقة تجعل الآلاف يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم (الشرق الأوسط)
TT

ماريلين نعمان... النجاح ليس مصادفة

الأغنيات الصادقة تجعل الآلاف يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم (الشرق الأوسط)
الأغنيات الصادقة تجعل الآلاف يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم (الشرق الأوسط)

حوَّل الديكور مسرحَ «الفوروم دو بيروت» إلى مسافة أليفة بين الفنانة وجمهورها منذ اللحظة الأولى. لم تُبنَ منصّة ضخمة تستعرض نجومية ماريلين نعمان، فقد اختارته أن يكون بيتاً. زوايا منزلية ودفء بصري وتفاصيل توحي بأنّ آلاف الحاضرين دخلوا إلى مساحة شخصية دعتهم إليها صاحبة الأمسية بنفسها. تنقّلت بين أرجاء هذا «البيت»، جلست على الكنبة واستقبلت ضيوفاً كرَّمتهم وكرَّموها، وخصَّصت عناصر الدفاع المدني بتحيّة تقدير، كأنها تؤمن بأنّ الاعتراف بالجهد يستحق المساحة نفسها التي تستحقها الأغنيات.

كأنّ ماريلين تعثر على كلّ واحد من الجمهور داخل أغنية (الشرق الأوسط)

انسجم اختيار ملابسها مع هذه الفكرة. ظهرت بجينز و«توب» بسيطَيْن، بالهيئة التي قد تعتمدها أيُّ شابة في يوم عادي لا يحتاج إلى كثير من التفكير. لم تبحث عن صورة النجمة المُتعالية على جمهورها ولم تُثقل حضورها بما يصرف الانتباه عن شخصيتها. كانت كما يعرفها الناس، قريبة وعفوية وواثقة، من دون أن تشعر بالحاجة إلى اختراع نسخة أخرى من نفسها.

تلك الحقيقة التي تحرص على الاحتفاظ بها هي إحدى أبرز سمات تجربتها. فقد صنعت لنفسها هوية لا تُشبه المسارات الأكثر رواجاً في الأغنية اللبنانية، ولا تسير في اتجاه تجريبي مُغلَق على نخبة محدودة. اختارت منطقة خاصة بها، تعتمد أغنيات بسيطة في مفرداتها وعميقة في إحساسها، تؤدّيها كما لو أنها تعيشها لحظة غنائها. ماريلين نعمان تُغنّي بشخصيتها قبل أن تُغنّي بصوتها، فتبدو الأغنية امتداداً طبيعياً لها. لهذا يشعر المستمع بأنه يعرفها قبل أن يحفظ أغنياتها.

ليس كلّ جمهورٍ يبحث عن أغنية... أحياناً يبحث عن صوت يُشبهه (الشرق الأوسط)

استعادت صاحبة السطور خلال الحفل أمسية أخرى حضرَتْها لها في المكان نفسه قبل عامين. يومها كان الحضور الجماهيري لافتاً إلى درجة دفعت البعض إلى التعامُل معها على أنها ظاهرة صاعدة بلغت ذروتها بسرعة، مثل ظواهر كثيرة يشتعل بريقها ثم يخفت بإيقاع مُشابِه. بعد عامين، بدا المشهد مختلفاً. لم تكن ماريلين نعمان تُكرّر نجاحاً سابقاً، فقد كانت تبني مكانتها بثبات. تعرف أنّ النجومية قد تُغري صاحبها بالاعتقاد أنّ القمة مكان دائم، بينما الواقع أكثر صرامة من لحظات الانبهار. البقاء يحتاج إلى عمل متواصل ووعي بأنّ الجمهور لا يمنح ثقته مرة واحدة إلى الأبد. لذلك يبدو الاجتهاد جزءاً من مشروعها الفنّي، والتحرُّر من الغرور خياراً واعياً يحمي هذه التجربة من المصير الذي عرفته تجارب كثيرة سبقتها.

بدا لبنان أقلّ تعباً لأنّ أحداً اختار أن يُغنّي له (الشرق الأوسط)

هذا الوعي انعكس أيضاً في علاقتها بجمهورها. كان الصفّ الأمامي مكتظّاً بالواقفين، وخلفه جمهور جلس على المقاعد، فيما لفت الحضور الكبير للفتيات في أعمار الزهور. كثيرات يجدن في ماريلين صورة تُشبههنّ. شابّة لا تبذل جهداً لصناعة صورة مثالية عن نفسها إرضاءً للجميع. يجدن فيها عفوية لا تبدو مصنوعة، فينشأ ارتباط يتجاوز الإعجاب بالصوت إلى الإعجاب بشخصها.

الأغنية تصل إلى الجمهور ثم تعود إلى المسرح مُحمَّلة بالذكريات (الشرق الأوسط)

اختارت أن تُغنّي أكثر الأغنيات التي صنعت علاقتها بهذا الجمهور، فحضرت «نشاز»، و«أنا مين»، و«مش نفس الشي»، و«متل الغيمة»... وهي أعمال كرّستها صاحبةَ كلمات قريبة من الحياة اليومية، تحمل في بساطتها كثيراً من الشعور والمعنى. وفي المقابل، وسَّعت مساحة الأمسية بأغنيات أحبَّها الناس عبر سنوات طويلة، فغنَّت للبنان، وقدَّمت «حِلِف القمر» لجورج وسوف، واستعادت «بصباح الألف الثالث» التي تجاوزت نجاحها الفنّي لتصبح جزءاً من ذاكرة وجدانية ارتبطت بصوت كارول سماحة، ثم اتّجهت إلى الجنوب اللبناني مع «خلَّصوا الأغاني» لفيروز، بعدما قدَّمت «بيت من أحلى بيوت راس بيروت»؛ وهي من الأغنيات التي خرجت من إطار المسلسل الشهير لتصبح جزءاً من الوجدان اللبناني.

ظَهَر التأثُّر على وجهها طوال الأمسية. شكرت الحاضرين مرّات وقالت لهم إنها تحبّهم. ولم تبدُ هذه العبارة جزءاً من خطاب محفوظ يُقال في نهاية الحفلات. انعكست في تفاصيل التحضير الذي احترم جمهوراً حَضَر قبل ساعات من بدء العرض، وفي رغبتها في تقديم أمسية تليق بهذا الانتظار. وعندما وصلت إلى نهاية الحفل، خصَّصت وقتاً طويلاً لذكر أسماء الذين شاركوا في صناعة هذه الليلة، اسماً بعد آخر، وكأنها تُعيد توزيع الضوء على كلّ مَن عمل خلف الكواليس، اعترافاً بأنّ نجاح الحفل ثمرة جهد جماعي لا يُختزل بشخص يقف تحت الأضواء.

كان الجمهور يقترب منها وكانت هي تقترب أكثر من حقيقتها (الشرق الأوسط)

ولأنها أرادت هذه الليلة أن تحمل ما يتجاوز استِعادة الأغنيات المعروفة، قدَّمت مفاجأة للجمهور بكشف مقطع من أغنيتها المُرتَقبة مع الفنان مروان خوري. أطلَّ خوري على الشاشة الكبيرة، مازحها طالباً منها ألا تكشف الأغنية كاملة، وداعَبَ الجمهور داعياً إياه إلى الاحتفاظ بالسرّ. بدا هذا التعاون امتداداً طبيعياً لمسار تسعى ماريلين نعمان إلى ترسيخه يقوم على الاختيارات المدروسة وبناء تجربة تتقدَّم بخطوات ثابتة، من دون استعجال ومن دون الركون إلى نجاح تحقَّق في محطّة سابقة.

تركت الجمهور يعثر على نفسه في صوتها (الشرق الأوسط)

ربحت ماريلين نعمان في تلك الليلة ما هو أبعد من تصفيق طويل. ربحت الدليل الأصعب على أنّ الجمهور لا يعود مرّتين إلا لمَن يجد عنده ما يستحق العودة. فالفنان يبقى قريباً من جمهوره كلّما حافظ على الإنسان الذي كانه قبل أن تصنعه الشهرة.


اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟
TT

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟

لطالما ارتبط اللعب في أذهاننا بالأطفال، باعتباره وسيلة للتعلم والتطور خلال سنوات النمو الأولى، لكن الأبحاث العلمية تشير إلى أن هذه الحاجة لا تختفي عند البلوغ.

فاللعب قد يكون عنصراً مهماً في حياة الكبار أيضاً، إذ يساعد على تخفيف التوتر وتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية. فما الذي يجعل اللعب حاجة بيولوجية تستمر معنا طوال العمر؟

ويشرح تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، لماذا يحتاج البالغون إلى اللعب، وكيف يمكن لهذه الأنشطة التي تبدو ترفيهية أن تسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز التواصل وبناء المرونة النفسية.

لماذا يختفي اللعب من حياة البالغين؟

يرتبط الاعتقاد بأن اللعب مخصص للأطفال بفكرة أن الحاجة إليه تختفي فجأة عندما «ننضج» أو نبلغ سن 18 عاماً. لكن المثير للاهتمام أن الأدلة العلمية تشير إلى عكس ذلك؛ فالحاجة إلى اللعب لا تختفي في مرحلة البلوغ.

يظهر لعب البالغين في أشكال متعددة، مثل ألعاب الطاولة، وألعاب الفيديو، والرياضات، وبرامج المسابقات، وغرف الهروب الترفيهية، وغيرها. لكن طريقة ممارسة الكبار للعب تبدو أكثر تقييداً بسبب التوقعات الاجتماعية.

فالبالغون يُتوقع منهم أن يتصرفوا بطريقة مسؤولة ومنتجة وعقلانية، بينما يُنظر إلى اللعب أحياناً على أنه يتعارض مع هذه الصفات. لذلك، يميل كثيرون إلى إخفاء جانبهم المرح أو تقديم مبررات مقبولة اجتماعياً لأنشطتهم الترفيهية.

فمثلاً، قد يقول شخص إنه يبني نموذج قطار مع طفله باعتباره «وقتاً عائلياً مميزاً»، بدلاً من الاعتراف بأنه يستمتع ببساطة باللعب بالقطارات.

اللعب لا يُعرّف بالنشاط... بل بالشعور بالمتعة

لا يزال تعريف اللعب موضع نقاش في الأبحاث العلمية. فالبعض ينظر إليه باعتباره مجموعة من السلوكيات، مثل الألعاب أو الأنشطة الجسدية المرحة.

لكننا جميعاً اختبرنا مواقف اضطررنا فيها إلى «اللعب» بشيء لا نستمتع به؛ مثل لعبة ورق أو لعبة فيديو أو تمثيل أدوار، لكنها جعلتنا نشعر بالملل أو الانزعاج أو التوتر.

وهذا يشير إلى أن اللعب لا يمكن تعريفه فقط من خلال نوع النشاط، بل من خلال الشعور بالمتعة الذي يرافق المشاركة فيه.

فاللعب قد يكون فردياً أو جماعياً، بسيطاً أو معقداً، في العالم الواقعي أو عبر الإنترنت. والعنصر الأهم هو المتعة والفرح الناتجان عن ممارسة النشاط نفسه.

الحيوانات أيضاً تحب اللعب

يبدو أن اللعب مرتبط بدافع بيولوجي موجود لدى الأطفال والبالغين والحيوانات على حد سواء.

وقد أمضى عالم الأعصاب جاك بانكسيب حياته في دراسة الدوافع والمشاعر، وكان تركيزه الأساسي على الحيوانات. وخلال أبحاثه، اكتشف غريزة اللعب تقريباً بالصدفة.

لاحظ بانكسيب أن الفئران التي كان يدرسها في المختبر بدت مستمتعة عندما كان يداعبها أو يدغدغها. وكانت تعود مراراً للحصول على هذا التفاعل، وكأنها تجد فيه مكافأة، كما كانت تصدر أصواتاً عالية تشبه الضحك.

ورغم أن البعض قد يعتبر ذلك إسقاطاً لمشاعر بشرية على الحيوانات، رأى بانكسيب أن الأدلة كانت واضحة: الفئران كانت تستمتع باللعب.

وأظهرت تجاربه أن سلوك اللعب تحركه مناطق عميقة في الدماغ تُعرف أحياناً باسم «الدماغ البدائي»، وهي مناطق قديمة مسؤولة عن الدوافع والغرائز الأساسية.

كما وجد أن الفئران التي حُرمت من اللعب أظهرت لاحقاً رغبة متزايدة في اللعب عندما أُتيحت لها الفرصة، وأن الحرمان الطويل من اللعب أدى إلى مشكلات لاحقة، خصوصاً في مهاراتها الاجتماعية.

اللعب حاجة أساسية مثل الطعام والأمان

الدوافع البيولوجية ليست أموراً اختيارية، ولا تختفي مع التقدم في العمر. فهي تمثل احتياجات أساسية تحفّز السلوك، مثل الحاجة إلى الطعام أو الأمان أو التحفيز.

وعندما لا تتم تلبية هذه الاحتياجات، تزداد الرغبة فيها. وهذا ما يفسر استمرار البالغين في اللعب حتى عندما يشعرون بالحاجة إلى إخفاء هذا السلوك أو تبريره.

فاللعب لا يعود بالنفع على الأطفال فقط؛ إذ يساعد البالغين أيضاً في توليد مشاعر إيجابية، وتقليل التوتر، وتعزيز مشاعر القبول والثقة مع الآخرين.

ومع مرور الوقت، يمكن أن يساعد اللعب في بناء الموارد المعرفية والجسدية والاجتماعية التي نحتاج إليها ليس فقط للبقاء، بل للازدهار في حياتنا.

لا تتخلَّ عن اللعب بسبب «النضج»

إذا كنت تشعر بالراحة تجاه اللعب، فقد تكون هذه الأبحاث بمثابة تذكير بأن من حقك تخصيص وقت لأنشطة تمنحك الفرح؛ ليس مجرد السعادة العابرة، بل المتعة العميقة التي تجعلك منغمساً بالكامل في اللحظة.

أما إذا كنت تشعر بعدم الارتياح تجاه اللعب، أو تعتقد أنك تهمل مسؤولياتك ودورك بصفتك شخصاً بالغاً، فقد تكون تفوّت فرصة تلبية حاجة بيولوجية أساسية، والاستفادة من النمو الذي يمكن أن يأتي من اللعب.

فاللعب ليس للأطفال فقط. جرّب أن تجد نشاطاً يمنحك السعادة، لا لسبب آخر سوى أنك تستمتع به.


هل يواجه طفلك صعوبة في التركيز؟... إليك 4 حلول مجربة

معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)
معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)
TT

هل يواجه طفلك صعوبة في التركيز؟... إليك 4 حلول مجربة

معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)
معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)

يشكو كثير من الآباء والمعلمين من صعوبة جذب انتباه الأطفال أو الحفاظ على تركيزهم، وهي مشكلة أصبحت أكثر شيوعاً في ظل انتشار الشاشات الإلكترونية، وتسارع وتيرة الحياة، وتراجع الوقت الذي يقضيه الأطفال في اللعب الحر أو ممارسة الأنشطة الحركية. ورغم أن تشتت الانتباه بات سمة مألوفة لدى كثير من الأطفال، فإن الخبراء يؤكدون أن التركيز مهارة يمكن تنميتها وتدريب الدماغ عليها من خلال ممارسات بسيطة تُطبق في الحياة اليومية.

وفي هذا السياق، توضح كيرا ويلي، خبيرة التربية الواعية، أن أكثر شكوى تسمعها في ورش العمل، واجتماعات أولياء الأمور، والدورات التدريبية التي تقدمها للمعلمين، لا تتعلق بنوبات الغضب أو اضطرابات النوم أو صعوبة تناول الطعام، بل تتكرر عبارة واحدة باستمرار: «لا أستطيع جعل أطفالي ينتبهون».

وتؤكد ويلي أن هذا الأمر لا يثير استغرابها، لأن طفولة اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه في السابق. وتسترجع ذكرياتها قائلة إنها كانت تقضي مع شقيقها ساعات طويلة في التجول داخل الغابات، أو ممارسة ألعاب لوحية معقدة، أو حتى الشعور بالملل، وهي تجارب كانت تمنح الأطفال فرصة للتركيز والانغماس في نشاط واحد لفترات طويلة.

أما اليوم، فقد أصبحت هذه اللحظات التي يقضيها الأطفال في نشاط واحد بعيداً عن الشاشات نادرة، وهو ما أسهم في تراجع قدرتهم على التركيز، وذلك وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

لماذا أصبح الأطفال أكثر تشتتاً؟

لا يحصل الأطفال على القدر الكافي من الحركة

تشير ويلي إلى أن أدمغة الأطفال تطورت لتتعلم من خلال الحركة، إلا أن معظم الأطفال اليوم يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس، بينما لا يحصلون إلا على أقل من نصف مقدار النشاط البدني الذي يحتاجونه، وهو ما ينعكس سلباً على قدرتهم على التركيز والانتباه.

التكنولوجيا تشتت انتباه الأطفال

عند استخدام الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية، ينتقل الطفل بين مهمة وأخرى كل 65 ثانية في المتوسط، ما يدرب الدماغ على انتظار محفز جديد باستمرار ويقلل قدرته على التركيز لفترات طويلة في مهمة واحدة.

الكبار أيضاً يرسخون التشتت

لا يقتصر الأمر على الأطفال، فحين يعتاد الآباء أو مقدمو الرعاية تفقد هواتفهم باستمرار، أو أداء عدة مهام في الوقت نفسه، أو الرد على أطفالهم بشرود ومن دون تواصل بصري، فإنهم يرسخون لديهم فكرة أن تشتت الانتباه سلوك طبيعي.

قلة النوم والراحة

تسهم الجداول اليومية المزدحمة، ومواعيد النوم غير المنتظمة، واستخدام الشاشات قبل النوم، في حرمان كثير من الأطفال من النوم العميق الذي يحتاج إليه الدماغ للنمو وتعزيز التركيز والانتباه.

طرق مجربة وفعالة لمساعدة طفلك على التركيز

ترى ويلي أن التخلص تماماً من جميع عوامل التشتيت في حياة الأطفال يكاد يكون مستحيلاً، لكن يمكن تدريب أدمغتهم على تنمية مهارات التركيز والانتباه واستخدامها بوعي من خلال عدد من الأساليب العملية:

1- استخدم اللمس اللطيف للتواصل

تقول ويلي إنها تعلمت هذه الطريقة من معلمة متميزة في إحدى رياض الأطفال.

فقد كانت المعلمة تلاحظ الطفل الذي يبدأ بالتململ أو إثارة الفوضى، لكنها لم تكن تلجأ إلى توبيخه أو مقاطعته. وبدلاً من ذلك، كانت تقترب منه بينما تواصل حديثها مع بقية الأطفال، ثم تضع يدها برفق على كتفه، في رسالة هادئة تقول له: «أنا أراك، وأنا هنا معك».

وتؤكد ويلي أن هذا الأسلوب يمكن تطبيقه بسهولة في المنزل. فعندما يكون الطفل مشتتاً وتحتاج إلى جذب انتباهه، حاول أن تلمس كتفه برفق أو تمسك بيده أثناء الحديث معه. فهذا النوع من التواصل الجسدي يمنحه شعوراً بالأمان والطمأنينة، ويساعده على إعادة تركيزه والانتباه لما تقوله.

2- استخدم لغة إيجابية

تنصح ويلي بإخبار الأطفال بما ينبغي عليهم فعله، بدلاً من التركيز على ما يجب أن يتوقفوا عن فعله، لأن ذلك يمنحهم صورة أوضح عن السلوك المطلوب.

فالعقول الصغيرة تستجيب بصورة أفضل للتعليمات الواضحة والإيجابية، مثل قول: «امشِ بهدوء من فضلك»، بدلاً من: «توقف عن الجري».

وترى أن هذا التغيير البسيط في طريقة الحديث يخلق أجواء أكثر إيجابية، ويجعل الوالدين يؤديان دور المرشد الحازم والداعم، بدلاً من الظهور بمظهر المراقب الذي يكثر من التوبيخ.

3- استخدم عبارة «حان وقت...»

بدلاً من سؤال الطفل: «هل يمكنك ارتداء حذائك؟»، تقترح ويلي أن تقول له: «حان وقت ارتداء حذائك».

وبدلاً من: «هل نرتب ألعابك؟»، يمكن القول: «حان وقت ترتيب ألعابك الآن».

وتوضح أن الأطفال يشعرون بقدر أكبر من الأمان عندما يعرفون بوضوح ما هو متوقع منهم، لذلك ينبغي استخدام الأسئلة فقط عندما يكون لديهم خيار حقيقي، مثل: «هل تفضل ارتداء الحذاء الرياضي أم الحذاء الطويل اليوم؟».

فالأسئلة تمنح الطفل فرصة للاختيار، أما التعليمات فتناسب المواقف التي تتطلب تنفيذ أمر ضروري، وهو ما يساعد على تقليل الخلافات اليومية بصورة ملحوظة.

4- جرّبوا تحديات التوازن

تؤكد ويلي أن أنشطة التوازن تجذب الأطفال بطبيعتها إلى حالة من التركيز العميق، لأنها تجبرهم على الانتباه إلى حركة أجسادهم في اللحظة الراهنة.

فعندما يتخيل الطفل أنه يسير فوق حبل مشدود ويحاول ألا يسقط، فإنه لا يستطيع إلا أن يركز بكل انتباهه على حركاته.

ورغم أن الطفل قد يعتقد أنه يتدرب ليصبح لاعب سيرك في المستقبل، فإن ما يحدث في الواقع هو أنه يعزز قدرته على التركيز والتحكم في انتباهه أثناء الحركة، وهي مهارة تنعكس إيجاباً على جوانب أخرى من حياته اليومية.