«هيئة الترفيه» السعودية... عقدٌ من البناء وصناعة الأثر

حوَّلت الطموحات إلى مشاريع واقعية ونجاحات عالمية لافتة

تحول الخطط إلى واقع ملموس يعكس نجاح مسار البناء والتحول (هيئة الترفيه)
تحول الخطط إلى واقع ملموس يعكس نجاح مسار البناء والتحول (هيئة الترفيه)
TT

«هيئة الترفيه» السعودية... عقدٌ من البناء وصناعة الأثر

تحول الخطط إلى واقع ملموس يعكس نجاح مسار البناء والتحول (هيئة الترفيه)
تحول الخطط إلى واقع ملموس يعكس نجاح مسار البناء والتحول (هيئة الترفيه)

بعد مرور 10 أعوام على إنشائها بأمر ملكي عام 2016، تمضي هيئة الترفيه السعودية في مسيرتها بثبات، لتشكّل مرحلة جديدة تُتوّج عقداً كاملاً من التحول والبناء وصناعة الأثر، ضمن منظومة متكاملة أعادت صياغة القطاع في البلاد، ونقلته إلى مستويات أكثر تنظيماً ونضجاً واتساعاً.

تأسيس محوري

مثّلت الأعوام الأولى مرحلة تأسيس محورية، حيث تركزت الجهود على وضع الأطر التنظيمية، وتهيئة البيئة الاستثمارية، وتطوير المعايير التي تضبط الأداء وترفع جودة المخرجات.

وعملت الهيئة على بناء قاعدة صلبة لقطاع ترفيهي قادر على النمو والاستدامة وفق أفضل الممارسات العالمية، من خلال تنظيم الأنشطة، وإطلاق التراخيص، وتعزيز التكامل بين الجهات، وتمكين المستثمرين، وبناء شراكات محلية ودولية استراتيجية أسهمت في تحويل الطموحات إلى مشاريع واقعية وقصص نجاح لافتة.

وبدأت مخرجات التأسيس بالظهور تدريجياً، لتتحول الخطط إلى واقع ملموس، وتتشكل منظومة متكاملة يُقاس أثرها بالأرقام، وتنعكس نتائجها في تنوع التجارب، واتساع نطاق الفعاليات، وتزايد إقبال الجمهور، بما يعكس نجاح مسار البناء والتحول الذي شهدته الهيئة منذ انطلاقتها وحتى اليوم.

بناء قاعدة صلبة لقطاع ترفيهي قادر على النمو والاستدامة وفق أفضل الممارسات العالمية (هيئة الترفيه)

وسجّلت الهيئة أكثر من 38 ألف نشاط ترفيهي مرخّص، ونفّذت ما يزيد على 250 ألف زيارة رقابية، في إطار منظومة تنظيمية تهدف إلى تعزيز الامتثال، ورفع كفاءة الشركات العاملة في القطاع، إضافة إلى ضمان جودة التجارب المقدمة.

عمل منهجي

وفي عام 2018، بدأت الهيئة، مع تعيين المستشار تركي آل الشيخ رئيساً لمجلس إدارتها، مرحلة جديدة من العمل المنهجي، حيث وُضعت الرؤية، وأُطلقت المبادرات، وتحولت الخطط إلى واقع يُقاس بمنجزاته ومؤشراته.

وتشكّلت مناطق ترفيهية متكاملة أسهمت في صياغة تجربة جديدة، وتنوّعت الفعاليات بين محافل احتفت بالإبداع وصنّاعه، وتجارب قريبة من الناس لامست مختلف الاهتمامات، لتُحدث تحولاً محورياً في مفهوم الترفيه، وتعزز حضوره في حياة المجتمع، وتمنح المواطن والمقيم والزائر خيارات أوسع وتجارب أكثر تنوعاً.

وفي عام 2019، أطلقت الهيئة مبادراتها التي تحققت بالكامل، لتؤكد قدرتها على تحويل الرؤى إلى منجزات ملموسة، حيث شهد القطاع تنفيذ أكثر من 60 موسماً وبرنامجاً ترفيهياً، واستقطاب ما يزيد على 320 مليون زائر حتى الآن، إضافة إلى دعم أكثر من 650 شركة عبر برامج الترفيه، في مؤشر يعكس حجم التوسع والنمو خلال فترة زمنية قصيرة.

أكثر من 60 موسماً وبرنامجاً ترفيهياً تستقطب ما يزيد على 320 مليون زائر حتى الآن (هيئة الترفيه)

حلول متكاملة

أصبحت التقنية ركيزة أساسية في أعمال الهيئة، من خلال منظومة حلول رقمية متكاملة أسهمت في رفع كفاءة التشغيل، وتعزيز سرعة ودقة اتخاذ القرار، وتقديم تجربة أكثر سلاسة واستدامة لجميع الأطراف.

وبرزت «بوابة الترفيه» كأحد أبرز ممكنات التحول الرقمي في القطاع، حيث شكّلت منصة موحدة تُسهّل رحلة المستثمرين والمنظمين، بدءًا من تقديم الطلبات وإصدار التراخيص، مروراً بإدارة الفعاليات والامتثال للمعايير، وصولاً إلى متابعة الإجراءات إلكترونياً، عبر ربط متكامل مع عدد من الجهات ذات العلاقة.

كما برزت منصة «عيشها» ضمن أبرز الممكنات الرقمية التي أطلقتها الهيئة، حيث حققت حضوراً لافتاً وتفاعلاً واسعاً، بتجاوزها 50 مليون تفاعل، إلى جانب قاعدة جماهيرية تضم أكثر من 3.5 مليون متابع، ما يعكس حجم الإقبال عليها ودورها المؤثر في تنشيط المشهد الترفيهي، وتعزيز الوصول إلى الفعاليات، وترسيخ حضورها كإحدى أهم القنوات الرقمية الداعمة للقطاع.

مناطق ترفيهية متكاملة قدَّمت خيارات أوسع وتجارب أكثر تنوعاً (موسم جدة)

بيئة مهنية

تبنّت الهيئة نهجاً يرتكز على خدمة المجتمع وتنمية رأس المال البشري، حيث عملت على تمكين الطاقات الوطنية، وصقل المهارات، وبناء بيئة مهنية يقودها نخبة من الخبراء والمختصين، من خلال برامج متخصصة، أبرزها برنامج «قادة الترفيه» الذي يؤهل القياديين في القطاع ويطوّر مهاراتهم، ومبادرة «صنّاع السعادة»، التي أسهمت في تدريب أكثر من 140 ألف متدرب، وتنفيذ أكثر من 1150 ورشة وجلسة إرشادية.

كما حصدت الهيئة 10 شهادات «آيزو» (ISO)، وحققت أكثر من 30 رقماً قياسياً عالمياً في موسوعة «غينيس»، في دلالة على التزامها بأعلى المعايير المهنية، وقدرتها على تقديم تجارب نوعية بمعايير عالمية، بما يعكس تبنيها أفضل الممارسات الدولية في إدارة الأعمال وتعزيز الكفاءة التشغيلية، فضلاً عن تميزها في عدد من البرامج والمشاريع والفعاليات التي اتسمت بحجمها وابتكارها وتأثيرها، في تأكيد واضح على قدرتها على تنفيذتجارب استثنائية تتجاوز النطاق التقليدي وتحقق حضوراً عالمياً لافتاً.

وعزّزت الهيئة حضورها الدولي عبر شراكات نوعية مع منظمات عالمية متخصصة، من أبرزها المنظمة الدولية لمدن الملاهي والوجهات الترفيهية (IAAPA)، في خطوة مهمة نحو نقل الخبرات العالمية وتطوير معايير صناعة الترفيه في البلاد.

فعاليات استثنائية تتجاوز النطاق التقليدي وتحقق حضوراً عالمياً لافتاً (هيئة الترفيه)

وصول عالمي

أسهمت هذه الجهود في تحقيق حضور إعلامي واسع، مدعوم بزخم رقمي كبير وانتشار عالمي متنامٍ، حيث تجاوز الوصول العالمي 1.4 مليار، فيما تخطت المشاهدات 1.9 مليار مشاهدة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام والمتابعة للمحتوى الترفيهي الذي تقدمه الهيئة.

كما سجّل المحتوى أكثر من 47 مليون تفاعل، مع نشر ما يزيد على مليون منشور تفاعلي، إلى جانب قاعدة جماهيرية تجاوزت 5 ملايين متابع عبر المنصات المختلفة، ما يعكس قوة الحضور الرقمي واتساع دائرة التأثير.

واستضافت الهيئة أكثر من 15 ألف زيارة إعلامية، ما أسهم في نقل الصورة مباشرة إلى مختلف وسائل الإعلام العالمية، وعزز حضور السعودية في المشهد الترفيهي الدولي، ورسّخ مكانتها كوجهة رئيسية لصناعة الترفيه.

واستقطبت الهيئة نخبة من أبرز الفعاليات والعلامات الترفيهية العالمية، التي أسهمت في إثراء المشهد وتنوع محتواه، حيث استضافت عروضاً عالمية كبرى، مثل «سيرك دو سوليه»، وتجارب ترفيهية مستوحاة من عالم «ديزني»، إلى جانب فعاليات رياضية وترفيهية بارزة مثل «WWE» و«UFC».

واحتضنت المملكة فعاليات جماهيرية متنوعة، من بينها مهرجان «الرياض للكوميديا»، و«أوتليت الرياض»، وفعاليات «هاري بوتر» التفاعلية، إضافة إلى فعاليات نوعية مثل «Riyadh Homecoming»، التي أسهمت في جذب جمهور واسع من داخل المملكة وخارجها، بما يعكس حجم التنوع الذي يشهده القطاع، وقدرته على استقطاب تجارب عالمية تلبي مختلف الاهتمامات، وتعزز مكانة السعودية كوجهة رئيسية للترفيه.

تطوير تجارب ترفيهية مبتكرة تستهدف الجمهور العالمي (موسم جدة)

تنوع المحتوى

برزت مبادرات نوعية عززت تنوع المحتوى، من بينها مشروع «على خُطاه»، الذي يعيد إحياء الدرب التاريخي للهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، عبر مسار يمتد لنحو 470 كيلومتراً، ويضم 41 معلماً تاريخياً، في تجربة تفاعلية متكاملة تُقدَّم كوجهة ثقافية وإنسانية مفتوحة للعالم، تتيح للزوار من مختلف الخلفيات التعرف على هذه الرحلة التي غيّرت مسار التاريخ.

كما أطلقت الهيئة «جائزة القلم الذهبي للأدب الأكثر تأثيراً»، التي تستهدف تكريم الأعمال الأدبية ذات الانتشار والتأثير في العالم العربي، ودعم الكتّاب وتحفيزهم على إنتاج محتوى نوعي، حيث تمتاز الجائزة بربط الأدب بالصناعة الإبداعية عبر تحويل الأعمال الفائزة إلى إنتاجات سينمائية، ويبلغ إجمالي جوائزها نحو 740 ألف دولار، موزعة على عدة مسارات تشمل الرواية، والسيناريو، والجوائز الكبرى.

وبرزت «ديوانية القلم الذهبي» كمساحة ثقافية تفاعلية تجمع الكتّاب والمثقفين لتبادل الأفكار ومناقشة القضايا الأدبية بأسلوب معاصر، بما يسهم في إثراء المشهد الثقافي وتعزيز حضور الأدب ضمن منظومة الترفيه في السعودية.

وقدّمت الهيئة برنامج «عطر الكلام»، الذي يُعد من أبرز المسابقات العالمية في تلاوة القرآن الكريم ورفع الأذان، حيث استقطب أكثر من 50 ألف مشارك من مختلف أنحاء العالم، وقدم عبر نسختين حققتا حضوراً واسعاً وأثراً لافتاً على المستويين الإعلامي والمجتمعي، ما أسهم في تحقيق 6 أرقام قياسية في موسوعة «غينيس»، ويعكس حجم تأثير البرنامج وقدرته على تقديم نموذج إعلامي يجمع بين البعد القيمي والانتشار العالمي، في صورة تبرز مكانة السعودية وريادتها في تقديم محتوى نوعي يصل إلى مختلف الثقافات.

السعودية رسَّخت حضورها المتنامي في المشهد الترفيهي الدولي بفعاليات عالمية مبتكرة (هيئة الترفيه)

تأثير متنامٍ

أعادت الهيئة رسم مشهد الملاكمة عبر شراكات استراتيجية مع أبرز الجهات الدولية، حيث ساهمت في تقديم سلسلة من النزالات الكبرى التي استقطبت أنظار العالم، وأسهمت في إعادة بريق اللعبة وزخمها الجماهيري، بحضور امتد إلى الساحة العالمية في مواقع دولية بارزة، ما يؤكد الحضور المتنامي وتأثير هذه الشراكات خارج حدود السعودية.

وحققت النزالات نجاحات بارزة، حيث تجاوزت المشاهدات العالمية لـ«نزال القرن» 41 مليون مشاهد، فيما تخطى الحضور الجماهيري 70 ألف متفرج، في انعكاس مباشر لحجم الإقبال العالمي، وقوة المحتوى الرياضي الذي تقدمه الهيئة، وقدرتها على تنظيم أحداث تضاهي أكبر الفعاليات العالمية من حيث التنظيم والتأثير.

وحققت النسخ الست من «موسم الرياض»، الذي انطلق لأول مرة عام 2019، نجاحات متصاعدة جعلت منه أحد أبرز مواسم الترفيه على مستوى العالم، حيث تحوّل خلال فترة وجيزة إلى علامة بارزة تستقطب أقوى الأسماء والعلامات في صناعة الترفيه عالمياً، لتصل القيمة التقديرية لعلامته التجارية إلى 3.2 مليار دولار، في دلالة على حجم حضوره وتأثيره المتنامي، وقدرته على تقديم تجارب استثنائية تجمع بين التنوع والجودة والابتكار.

تعزيز حضور الترفيه في حياة المجتمع بفعاليات تلامس مختلف الاهتمامات (هيئة الترفيه)

قيمة مضافة

ورسّخت «جوي أواردز»، إحدى أبرز الفعاليات المصاحبة للموسم، مكانتها كحدث سنوي منتظر في قطاع الترفيه، حيث حققت خلال نسخها المتتالية حضوراً جماهيرياً وإعلامياً واسعاً، بمشاركة نخبة من النجوم العرب والعالميين، مسجلة في نسخة 2026 وصولاً إعلامياً تجاوز 20 مليار، في انعكاس واضح لحجم الانتشار العالمي والزخم الذي تحققه الفعالية، وما تمثله من قيمة مضافة للمشهد الترفيهي في السعودية والمنطقة.

كما شهدت السعودية تدشين مدينة «بيست لاند» الترفيهية المتكاملة بالتعاون مع صانع المحتوى العالمي «مستر بيست»، في خطوة تعكس التوجه نحو تطوير تجارب ترفيهية مبتكرة تستهدف الجمهور العالمي.

وتستمر المسيرة بخطى واثقة ومتزنة، مدفوعة برؤية واضحة وتجربة تراكمية ثرية، عبر مشاريع تنمو وتتسع، وأفكار تُطوّر بعناية وتتحول إلى واقع ملموس، ضمن منظومة عمل متكاملة تستشرف المستقبل وتواكب متغيراته.

وتسهم هذه الجهود في رسم ملامح مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، تُبنى على ما تحقق من إنجازات، وتفتح آفاقاً جديدة للتوسع والابتكار. وما تحقق لم يكن مرحلة عابرة، بل مساراً مستمراً من التطوير والنمو يتقدم بثبات نحو مستقبل أكثر نضجاً واتساعاً.


مقالات ذات صلة

الناصر: «أرامكو» تستعيد المرافق المتضررة بسرعة تفوق القطاع 6 مرات

الاقتصاد الناصر يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (أرشيفية - واس)

الناصر: «أرامكو» تستعيد المرافق المتضررة بسرعة تفوق القطاع 6 مرات

قال الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو السعودية»، أمين الناصر، إن الشركة تستعيد المرافق المتضررة وتواصل الأعمال «بدرجة تفوق متوسط المعدلات السائدة في القطاع بستة أضعاف».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى لقائه السفير السعودي في إسلام آباد الدكتور راجح البقمي (السفارة)

شهباز شريف: السعودية وباكستان تقفان معاً دائماً

أكد رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف أن العلاقات مع السعودية شهدت تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان مستقبلاً الوزير أسعد الشيباني في الرياض الجمعة (الخارجية السعودية)

السعودية وسوريا تؤكدان أهمية مواصلة التنسيق لحفظ أمن المنطقة

أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوري أسعد الشيباني أهمية مواصلة التنسيق بين البلدين بما يسهم في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان يأمر بترقية وتعيين 26 قاضياً بديوان المظالم

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمراً ملكياً بترقية وتعيين 26 قاضياً بديوان المظالم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية تركزت المناقشات على وقائع الألعاب الإلكترونية (واس)

وزارة الإعلام السعودية تفتح ملف تحديات الألعاب الإلكترونية مع أبرز الفرق والمحترفين

فتحت وزارة الإعلام السعودية ملف التحديات التي تواجه قطاع الألعاب الإلكترونية، ومستقبل صناعة المحتوى وتطوير الألعاب والاحتراف فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.